-->

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

الزمان النفسي: لماذا يتسارع الزمن مع تقدم العمر؟

سبتمبر 07, 2026

 

الزمن النفسي: لماذا تتسارع السنوات كلما تقدمنا في العمر؟

  ثمة لحظةٌ خفيةٌ يتنبه فيها المرء إلى أن الزمن قد خلع عنه وداعته القديمة، وتخلى عن إيقاعه المعتاد؛ فالصيف الذي كان يبدو في مقتبل العمر أفقًا بعيدًا لا ندرك نهايته، يمر في سنوات النُضج كخاطرةٍ عابرة أو كعطلة نهاية أسبوع. والأعوام التي كنا نعيشها تفصيلاً، يومًا بيوم ولحظة بلحظة، غدت تتسرب من بين أيدينا جملةً واحدة، حتى ليبدو الماضي القريب أبعد مما ينبغي، والحاضر أضيق من أن يتسع لأنفاسنا.

    السؤال الذي يُلح على الوعي هنا ليس عن حقيقة اندفاع الوقت، بل عن سر هذا الشعور الخادع بالسرعة. من الناحية الفيزيائية، تظل العقارب أمينةً لمدارها؛ فالدقيقة هي الدقيقة، والساعة هي الساعة، ولم تطرأ على حركة الأفلاك أية عجلة. غير أن الزمن الذي تقيسه الآلات ليس هو الزمن الذي تسكنه الأرواح؛ فبين الزمن الخارجي المادي والزمن الداخلي النفسي برزخٌ شاسع لا تطاله الأرقام ولا تحيط به الحسابات.

    في مطلع العمر، يشرقُ العالمُ عاريًا من الألفة، مفعمًا بسحر البدايات؛ ويبدو الوجود بكرًا مفعمًا بالدهشة؛ كل وجهٍ نراه يُعد اكتشافًا، وكل مكانٍ نطأه يبدو كأرضٍ جديدة، وكل انطباعٍ هو خبرةٌ تتشكل للمرة الأولى. لا يمر الوعي الشاب على الأشياء مرورًا عابرًا، بل يلتهم تفاصيلها بشراهة من يصوغ معرفته الأولى. ومن هذا التدفق الممتلئ بالصور غير المألوفة، تستطيل الأيام وتتسع أبعادها؛ فالإنسان في فاتحة عمره لا يقف على ضفاف الزمنِ ليراقب تدفقه، بل يسكن جوهر اللحظة، فيستحيل كل يومٍ في حياته عالمًا قائمًا بذاته وكيانًا لا يمتزج بغيره.

    لكن الأعوام لا تتوقف عن الجريان، ويبدأ العالم بالانحسار تدريجيًا خلف حجاب الألفة؛ تتكرر الطرقات، وتتطابق الوجوه، وتستحيل المغامرات الأولى إلى روتينٍ نمطي. ومع ضمور عنصر المفاجأة، يقل ما يتركه الوجود في وعينا من علاماتٍ فارقة. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: الذاكرة ليست سجلاً كميًّا يحصي الأيام، بل هي خريطةٌ كيفية تحفظ كثافة التجربة. وحين يتطابق المشهد وتتكرر الأيام، تقل المعالم البارزة على تلك الخريطة، فيبدو الطريق عند الالتفات إليه أقصر بكثير مما نعبره بالفعل!

    نحن لا ندرك فرار الزمن في لحظة جريانه، بل حين نلتفت إلى الوراء؛ فعندما يرتد البصر إلى الأمس ولا يجد فيه سوى محطاتٍ متباعدة يُشبه بعضها بعضًا، يتقلص العمر في وعينا كما تتضاءل الممالك الشاسعة حين نرقبها من أوجِ السماء. غير أن هذا التسارع يُضمر معنًى وجوديًا أعمق من مجرد آليةٍ تسير وفقها الذاكرة؛ إنه يفصح عن تحولٍ جوهري في صلتنا بالوجود ذاته؛ فالإنسان في فجر عمره يتخذ من «الآن» موطنًا وعالمًا مكتمل الأركان، في حين يراها البالغ مجرد معبرٍ هش، ونسيجٍ يُغزل من قلق الانتظار لما سيأتي؛ نعبُر الأيام دون أن نذوق طعمها، ونطوي العقود دون أن نغوص في أعماقها، فينفلت العمر من بين أيدينا كالماء.

    إن ما نتوهمه تسارعًا مجحفًا في جريان الزمان ليس في جوهره خاصية فيزيائية لسيال الوقت، بل انعكاسٌ لضمور الوعي الإنساني وتشتت الحواس؛ فالزمان، في حياده المطلق، لا يسرع ولا يبطئ؛ إنما أدوات أدراكنا هي التي تضيق، ونظرتنا هي التي تتصحر عندما نكف عن التناغم مع نبض الوجود. تكتسب اللحظة خلودها الشكلي من سعة الحضور الذهني؛ فالوعي المتيقظ ينزع عن الأيام رداء التكرار الرتيب، ويستنطق فيها الدلالات المستترة، فيغدو إيقاع العمر أكثر بطئًا وامتدادًا، كأنه يتمدد عموديًا كلما عجزنا عن تمديده أفقيًا. إن الاستغراق في الدهشة، وممارسة التأمل الفكري الخلاق، ليسا مجرد ترفٍ ذهني، بل هما من الأفعال الوجودية الصلبة التي تمارس المقاومة ضد تلاشي ذواتنا وانفلات السنين من بين أيدينا.

    تنساب الأيام كأنها تسريبٌ خفي للثواني والدقائق، بينما يقف الإنسان معلقًا بين ركض الساعة وقلق الفناء، غارقًا في محاولة عبثية للي ذراع التقويم أو كبح جَماحه. غير أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في عقارب الساعات التي لا تتوقف، بل في اغترابنا عن أصل اللحظة وعجزنا عن التجذر في أرض الحاضر.

    بعبارة أخرى، نعيش صراعًا صامتًا بين زمنين: زمنٌ ميكانيكي بارد يحسب الوجود بعدد المدارات التي تطوفها الأرض حول الشمس، وزمنٌ ذاتي أصيل يُقاس فيه عمق الحياة بمدى الشغف والوعي اللذين نسكبهما في كل دورة؛ فالعمر في جوهره ليس امتدادًا خطيًا يتخذ مسارًا ظاهريًا شكليًا، بل هو تنقيبٌ مستمر في أغوار الروح؛ لحظةٌ واحدةٌ مشحونة بالمعنى والدهشة قد تزن في ميزان الكينونة سنين طويلة من العيش الهامشي الرتيب.  وهنا تتجلى سرية الكينونة وحلولها في الأشياء؛ حين نكتسب القدرة على أن نسكن اللحظة بملء وجودنا، فإننا لا نملك الزمان، وإنما نغير طبيعته، ليتحول من مجرد مجرى عابر نغرق في تلاطمه، إلى فضاء أثيري مستقر نتمدد في أرجائه. 

    إن طول الحياة الحقيقي لا يتحدد بالمدى الممتد على شريط السنين، بل بالكثافة الوجدانية والعمق الذي تنحفر به أثار تجاربنا الأصيلة على جدران الروح الداخلية.

    من المقولات الفلسفية الدالة في هذا الصدد، مقولة «القديس أوغسطين»: «ما هو الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحدٌ عنه، فأنا أعرف ما هو؛ أما إذا أردتُ أن أشرحه لمن يسألني، فأنا لا أعلم شيئًا»! ... ومقولة الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون»: «الزمن ليس شريطًا متسلسلًا من اللحظات المتماثلة، بل هو ديمومة حية؛ تدفقٌ مستمر لا يُقاس بالساعة، بل بمدى نضج الوعي وعمق التجربة الحية» ... وأيضًا: «إن الزمن الميكانيكي الذي نقيسه بالساعات هو مجرد وهم مكاني، أما الزمن الحقيقي فهو الديمومة النفسية التي نعيشها من الداخل».

    (لوحة «إصرار الذاكرة» The Persistence of Memory للفنان الإسباني «سالڤادور دالي» Salvador Dalí، المُسماة «الساعات المذابة» - 1931).

السبت، 5 سبتمبر 2026

عوالمنا الممكنة.. لماذا نختار أسوأها؟

سبتمبر 05, 2026

عوالمنا الممكنة.. لماذا نختار أسوأها؟

    ربما كان الإنسان هو الكائن الذي لا يعيش في العالم الذي وُضع فيه فقط، بل يعيش أيضًا في العوالم التي كان يمكن أن تكون ... العوالم المُمكنة كما نسميها في الفلسفة.

    في رأس كلٍ منا، بطريقة ما، نسخة أخرى من حياته؛ طريق لم يسلكه، مدينة لم يغادر إليها، كلمة قالها في خياله ولم ينطق بها في الواقع، ومستقبل كان يمكن أن يأتي، لكنه لم يأت! ولعل أعظم ما منحنا إياه العقل ليس قدرته على فهم الواقع، وإنما قدرته على الشك في أنه الواقع الوحيد الممكن.

    نعم، نستطيع أن نتخيل عالمًا آخر. وهذه في ظاهرها نعمة. لكنني أحيانًا أتساءل: ماذا لو كانت المشكلة أننا لا نعجز عن تخيل العوالم المُمكنة الأفضل، وإنما نعاني من شيء أكثر غرابة؟ ماذا لو كنا بارعين في تخيل العالم الممكن، ثم أكثر براعة في اختيار أسوأ نسخة منه؟!

    من هنا يبدو حال أمتنا العربية أكثر تعقيدًا؛ فمشكلتنا ليست في أننا نفتقر إلى العوالم الممكنة، بل ربما أننا نملك منها أكثر مما نستطيع أن نرتب، وأن نختار، وأن نحول إلى مشروع تاريخي. تتجاور في وعينا عوالم متعددة: عالم التراث وعالم الحداثة، عالم المقدس وعالم التقنية، عالم الأصالة وعالم المعاصرة، عالم الاستقلال وعالم التبعية، عالم العلم وعالم الخرافة، عالم الدولة وعالم الجماعة، عالم المستقبل وعالم الحنين؛ لكن كثرة الإمكانات لا تصنع التاريخ ما لم تتحول إلى قدرة على الاختيار والفعل!

    لدينا عالم ممكن نبني ونُطور فيه جامعات محترمة، فنختار بناء جامعات تنتج شهادات أكثر مما تُنتج معرفة؛ ولدينا عالم ممكن فيه إعلام يسأل ويبني العقول، فنختار إعلامًا يُصفق ويُزيف ويُجرف الوعي؛ ولدينا عالم ممكن فيه مسؤول يخطئ فيستقيل، فنختار مسؤولاً يخطئ ثم يشكل لجنةً للتحقيق في أسباب نجاحه، ثم بدل أن يسأل نفسه: «هل ينبغي أن أرحل؟»، يسأل: «كيف يمكن أن أبقى؟»، فتتشكل لجنة، ثم لجنة أخرى، ثم بيان طويل، وفي النهاية لا يكون السؤال: لماذا وقع الخطأ؟ بل: كيف يمكن أن نضمن ألا يتكرر بالطريقة التي تزعجنا؟

    لدينا عالم ممكن فيه ذكاءٌ اصطناعي: كيانٌ جديد نُحاول ان نعلمه كيف يُفكر بشكلٍ صحيح، فنكتشف أننا نريد منه، في أحيانٍ كثيرة، أن يتعلم أخطاءنا أيضًا ... نضع أمامه تاريخنا، بياناتنا، قراراتنا، انحيازاتنا، أصوليتنا وعلمانيتنا وطرقنا القديمة في التفكير، ثم نشعر بالدهشة حين يعيدها إلينا بصورة أكثر وضوحًا.  نغضب منه لأنه رأى ما لم نرغب في رؤيته، كأننا صنعنا مرآةً ذكية، ثم عاقبناها لأنها لم تكذب علينا!

    لدينا ألف طريق إلى المستقبل، لكننا نصر إما على الطريق الذي يقود إلى الماضي، أو يقفز بنا عرايا إلى المستقبل … مع تحديث الواجهة! وحين يقترح أحدهم عالمًا مختلفًا، لا نسأله أولاً عن العالم الذي يقترحه، ولا عن إمكان أن يكون أفضل، إنما نسأله عن حقه في الاقتراح: من أين جاءته الجرأة؟ ومن سمح له أن يتخيل؟ كأن الخيال امتياز إداري!

    هنا تبدأ الحكاية الأكثر مأساوية؛ فالمجتمعات لا تموت فقط عندما تنفد ثرواتها، أو تُهزم جيوشها، أو تتأخر مختبراتها؛ قد تموت الدولة وهي تملك المال والموارد والجامعات والأسواق، لكنها تفقد شيئًا أكثر هشاشة وأهمية: تفقد قدرتها على تخيل نفسها بصورة أخرى أفضل. وعندما يصبح الواقع مقدسًا لمجرد أنه واقع، تتحول الأخطاء القديمة إلى قوانين طبيعية؛ وعندما يتكرر الفشل طويلاً، يبدأ الناس في تسميته «طبيعة الأشياء». ثم يأتي أحدهم ذات يوم ليقول: كان يمكن أن يكون الأمر مختلفًا؛ فتنظر إليه الجماعة كما لو أنه ارتكب خطيئة، لأن أخطر سؤال يمكن أن يُطرح على واقعٍ اعتاد البقاء ليس: لماذا فشلنا؟ بل: لماذا نظل نختار الفشل، مع أننا نعرف أنه فشل؟

    ربما لأن الإنسان لا يخاف دائمًا من المستقبل؛ أحيانًا يخاف من فقدان الماضي، فالماضي، مهما كان مؤلمًا، مألوف. والعالم الرديء الذي نعرفه يبدو لبعضنا أكثر أمانًا من العالم الممكن الجيد الذي لم نجربه. ولهذا قد يُفضل الإنسان قفصًا يعرف حجمه على بابٍ مفتوح لا يعرف إلى أين يؤدي! 

    نحن لا نتمسك دائمًا بما هو صحيح؛ إنما نتمسك بما اعتدنا عليه. وهذه واحدة من أخطر الحيل التي يمارسها الواقع على الإنسان: أن يُحول الاعتياد إلى قناعة، والتكرار إلى ضرورة، والعجز إلى حكمة! والحقيقة أن العالم الممكن الافضل لا يأتي إلينا جاهزًا؛ نحن الذين نصنعه، قرارًا بعد قرار، وعادةً بعد عادة، وفكرةً بعد فكرة. هناك دائمًا أكثر من عالم، وأكثر من طريق، لكن المأساة تبدأ حين نختار الطريق الذي يعيدنا إلى الخلف، ثم ننفق سنوات طويلة في تحسين إشاراته، وتجميل أرصفته، وتحديث خرائطه، حتى نتمكن من إقناع أنفسنا أننا نتقدم!

    قد يتغير الهاتف، وقد تتغير اللغة، وقد تتغير الواجهة، لكن النظام القديم يظل جالسًا في الغرفة ذاتها، يراقبنا ونحن نحتفل بالتحديث. ربما لهذا لا تكمن مشكلتنا الكبرى في قلة الإمكانات، ولا في ندرة الأفكار، ولا حتى في غياب العوالم البديلة. المشكلة أعمق من ذلك؛ نحن أحيانًا نمنح الواقع الأسوأ سلطة القدر. نقول: هكذا هي الحياة؛ هكذا هم الناس؛ هكذا تعمل الدولة؛ هكذا تعمل الجامعة؛ هكذا يعمل الإعلام؛ هكذا كان آباؤنا. وكأن الجملة الأخيرة وحدها تكفي لإغلاق أبواب المستقبل!

    لكن كل حضارة عظيمة بدأت، في لحظة ما، بشخص واحد لم يصدق جملة «هكذا كان دائمًا»؛ شخص نظر إلى العالم الذي ورثه، ولم يره قدرًا؛ رآه مجرد احتمال. وهذا هو الفارق كله؛ أن ترى العالم حقيقةً نهائية، أو أن تراه مسودة. في الحالة الأولى، تصبح مهمتك أن تتكيف معه؛ وفي الثانية، تصبح مهمتك أن تسأل إن كان يستحق أن يبقى على حاله. وربما كانت الحرية، في معناها الأعمق، ليست أن تختار بين الأشياء الموجودة أمامك، بل أن تمتلك الجرأة على تخيل شيء غير موجود بعد.

    الحضارة تبدأ لحظة يقول إنسان: «يمكن أن يكون هناك عالم آخر». وتبدأ في الانطفاء لحظة يجيبه الجميع: لا تكن ساذجًا... «هكذا تسير الأمور» ... أما الحمار الذي حاول «جحا» ذات يوم أن يعلمه القراءة، فربما لم يكن هو الساذج في الحكاية؛ السذاجة الحقيقية أن نرى الحمار يفتح الكتاب، ثم نصفق له لأنه لا يفهم شيئًا، فقط لأننا تعبنا من انتظار من يفهم. وربما كانت المأساة الأخيرة أننا لم نعد نحتاج إلى «جحا» كي يخدعنا؛ يكفي أن نتفق جميعًا على أن التصفيق أسهل من التفكير!

الأحد، 23 أغسطس 2026

قاع الهامور من منظور فلسفي

أغسطس 23, 2026

قاع الهامور من منظور فلسفي

    فجأة تحول «قاع الهامور» من مجرد اسمٍ عابرٍ في ترندات السوشيال ميديا إلى عالمٍ افتراضيٍ مكتملٍ، يستوحي مدينة «سبونج بوب» SpongeBob الكرتونية ثم يُعيد إنتاجها بصورٍ مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وكأنها مدينة مصرية لها سكانها وشكاواها ووزاراتها ومشاهيرها. فما الذي يعنيه أن يختار ما يقرب من مليوني شخص، فجأة، أن يسكنوا مدينة لا وجود لها، ويعيدوا بناء حياتهم اليومية داخلها، ويشكون همومهم الحقيقية بلسانٍ كرتونيٍ ساخر؟ 

    كان الإنسان الرقمي حتى الماضي القريب مستهلكًا للخيال: يشاهده، ويستمع إليه، وينفعل به. أما اليوم، فهو يُعيد إنتاجه؛ فقاع الهامور لم يتم تداوله كفضاءٍ كرتونيٍ جاهز، بل جرى خلعه عن سياقه الغربي، ونقله إلى بيئةٍ مصريةٍ محلية، ثم تعبئته بشخصياتٍ ومشكلاتٍ واقعية، ثم إعادة بثه في صورٍ أكثر سخرية وطرافة. وهذا الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج ليس محايدًا؛ بل يشي بأن الجمهور لم يعد يكتفي بأن يكون متفرجًا، بل صار مؤلفًا، ومخرجًا، وممثلاً في آنٍ معًا.

    هذه المشاركة الإبداعية تحمل في طياتها مفارقة وجودية: فالمواطن المصري، الذي يعيش واقعًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا مثقلاً بالصعوبات والتحديات، لا يهرب من هذا الواقع إلى فضاءٍ وهميٍ بعيد، كما قد يظن المراقب السطحي، بل هو يعيد بناء الواقع ذاته على هيئة خيال؛ لكي يستطيع أن يراه، أن يلمسه، أن يضحك منه، بل ربما لكي يستطيع أن يتحمله؛ فالضحك هنا ليس هروبًا، بل طريقة أخرى للاحتمال، أو قل: هو الشكل الأكثر إنسانية لمواجهة ما لا يُطاق!

    لم يلبث «قاع الهامور» أن أصبح، في أيامه الأولى، مسرحًا للشكوى الجماعية؛ حيث تحولت صفحة «شكاوى أهل قاع الهامور» إلى ديوانٍ شعبيٍ رقمي، يُسقط فيه المصريون مشكلاتهم اليومية: الإسكان، الإيجارات، التعليم، البطالة، الزحام، الخلافات الأسرية، وحتى الإشارات إلى الفساد والتفاوت الطبقي. لكنهم لا يكتبونها في سياقها الجاد، وإنما يصوغونها على هيئة ميماتٍ ساخرة، ونكاتٍ كرتونية، وتعليقاتٍ هزلية. وهنا تبرز دلالة سياسية لا ينبغي تجاهلها: حين يعجز المواطن عن التعبير عن تذمره عبر السُبل الرسمية، أو حين يخاف من تبعات الاحتجاج المباشر، أو حين ييأس من جدوى الخطاب السياسي التقليدي، فإنه يبتكر فضاءً بديلاً؛ فضاءً لا يُسأل فيه عن هويته، ولا يُحاسب على رأيه، لكنه مع ذلك يعبر عن مضمونٍ سياسيٍ حقيقي. على سبيل المثال، النكتة عن ارتفاع الأسعار أو التعليم أو الخدمات الصحية في قاع الهامور ليست مجرد هزل، بل هي احتجاجٌ مُغلف بالسخرية؛ احتجاج يلتقي فيه المزاح بالمرارة، ويتلاقى فيه الخيال بالواقع في منطقةٍ رمادية لا تخضع لرقابةٍ مباشرة.


    ولئن كان بعض المتابعين يرى في هذا الضحك الجماعي نوعًا من التطبيع مع الألم، أو هروبًا من المواجهة، فإن القراءة الأعمق تراه شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية؛ مقاومة تضعف فيها الأدوات التقليدية للسياسة، فتتسلح البلاغة الشعبية بالكاريكاتير الرقمي؛ فالمواطن لم يعد يشكو باسمه، بل يخلق شخصية كرتونيةً تشكو نيابةً عنه، وفي هذا إعلاءٌ لشأن الخيال كأداةٍ للنقد، وتهميشٌ ضمنيٌ لفاعلية الخطاب الرسمي!

    ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة دون الوقوف عند الدور المحوري للذكاء الاصطناعي في إنتاجها وتضخيمها؛ فالصور المولَّدة، والمشاهد المعدَّلة تقنيًا، والنصوص الساخرة التي تنتشر بسرعة الضوء، كلها أصبحت ممكنةً بفضل أدواتٍ رقميةٍ تمنح الخيال مظهر الحقيقة، وتجعل الانتقال من مجرد التخيل إلى الصورة المرئية شبه لحظي. لكن السؤال الفلسفي والسياسي الذي تطرحه هذه القدرة الجديدة هو: ما الذي يتبقى من الحدود بين الواقعي والمتخيل؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على منح أي خيال مظهر الحقيقة، فهل يصبح الواقع ذاته مجرد رواية من بين رواياتٍ كثيرة، كلٌّ منها قابل للتصديق وقابل للتفنيد في آنٍ واحد؟ وما معنى أن يكون المواطن اليوم قادرًا على إنشاء مدينة وهمية تتشابه مع مدينته الحقيقية، ثم يشكو فيها ما يشكو منه في واقعه، دون أن يعرف أحد أي المدينتين أكثر حقيقة؟

    هذا الانفصال بين الصورة والمرجع، وبين الرمز ومدلوله، هو أحد أبرز التحديات التي تطرحها الثورة الرقمية المعاصرة. ولم يعد الأمر مقتصرًا على المتخصصين والفلاسفة، بل صار ملموسًا في ترندات السوشيال ميديا، وفي تفاعل الملايين مع عوالمَ مصطنعةٍ تتصارع فيها الحقيقة مع المحاكاة، والجدية مع السخرية.

     من جهة أخرى، يضيف الاسم ذاته طبقة رمزية غنية لهذه الظاهرة؛ فالهامور في الأصل هو سمكة خليجية كبيرة وقوية تعيش بين الصخور والشعاب. ثم انتقلت الكلمة إلى الاستعمال المجازي، فأصبحت تُطلق على صاحب المال والنفوذ، أو التاجر الكبير، أو الشخص المسيطر والقوي. غير أن السياق المصري الراهن يُجرّد الكلمة من دلالتها المجازية الخليجية، ويعيد صوغها داخل فضاء «سبونج بوب» الكرتوني، حيث هي مجرد اسمٍ لمدينةٍ غارقة في قاع المحيط. لكن اللاوعي الجمعي لا يمكن أن يمر على هذه الإيحاءات دون أن يلتقطها؛ فـ «القاع» يُوحي بالهبوط، بالتهميش، بالتراكم، بالغرق الوجودي. و«الهامور» يُوحي بالقوة، بالسيطرة، بالثروة، بالنفوذ. وهكذا ينشأ، من غير قصدٍ من مؤسسي الصفحة، تناقضٌ ساخر بين من يملكون «الهامور» وأهل «القاع» الذين يشكون همومهم. إنها استعارةٌ لا إرادية للتفاوت الطبقي، تصنعها الصدفة اللغوية ويلتقطها الذوق الشعبي.

    على الإجمال، يمكن قراءة «قاع الهامور» بوصفه ظاهرةً ثقافية صغيرةً تختصر تحولاً كبيرًا. إنها ليست مجرد ترندٍ عابرٍ في تاريخ السوشيال ميديا، بل هي مرآةٌ لتشكيل وعي جماعي جديد، تتشابك فيه السخرية بالاحتجاج، والخيال بالسياسة، والفردانية بالجماعية، والاستهلاك بالإنتاج. وهي تطرح، في صيغتها الساخرة، أسئلةً كانت، وما زالت، موضعَ تأمل الفلاسفة والنقاد الاجتماعيين: متى يصبح الضحك خطابًا؟ ومتى تتحول الشكوى إلى نكتة؟ وهل يمكن للخيال أن يكون فعلاً سياسيًا، أم أنه مجرد مسكنٍ مؤقتٍ؟

    ولعل الإجابة، في هذا المقام، هي أن «قاع الهامور» ليس نقيضًا للواقع، بل هو تجسيدٌ لعلاقة جديدة بالواقع؛ علاقة لا تلغي الألم، ولا تتظاهر بمعالجته، بل تخلق منه مادة سردية جماعية، يتحمل فيها الجمهور مشكلاته عبر تحويلها إلى حكايةٍ يضحك عليها، ليس لأنه غير قادر على تغييرها، بل لأنه، في غياب آليات التغيير المباشرة، يصنع من الخيال فضاءً للتنفيس، ومن السخرية لغةً للسياسة.

    اللافت أن «قاع الهامور» لم يقدم جديدًا في مضامين الشكاوى، بل قدَّم جديدًا في شكل الوعي؛ فعوضًا عن التدوينات السياسية، والاحتجاجات المباشرة، صار الميم الرقمي، والصورة المعدَّلة، والنكتة الكرتونية، أدواتٍ لإعادة تفسير الواقع. وقد يكون هذا، في حد ذاته، مؤشرًا على تحول في ثقافة الاحتجاج ذاتها؛ تحول يُعلن أن السياسة لم تعُد حكرًا على المؤسسات والنخب، بل صارت شأنًا يوميًا تُمارسه الأغلبية عبر الخيال، وتُواجه فيه السلطة بالضحك، والعجز بالابتكار الرمزي. غير أن هذا الانفتاح الإبداعي على الخيال يحمل في طياته خطرًا وجوديًا يجب أن ينتبه إليه المُحللون وصُناع القرار: فإذا أصبح كل شيءٍ قابلاً لأن يكون خيالاً، فأين نضع أقدامنا على أرضٍ صلبة؟ وإذا صارت السخرية هي اللغة السائدة، فمتى نعود إلى الجد الذي لا يُطاق، لكنه ضروري لبناء الدولة وثباتها؟

    ربما كان السؤال، في النهاية، هو ذاته ما طرحته مدينةٌ غارقة اسمها «قاع الهامور» على ملايين المصريين: هل نحن الذين نصنع الخيال، أم أن الخيال، وقد تسلح بالتقنية، صار يصنعنا؟ وإذا كان الجواب الثاني أقرب إلى الحقيقة، فإننا أمام لحظةٍ تأسيسية جديدة: لحظة تتشكل فيها الذات الجمعية عبر عوالم افتراضية، وتُعاد فيها صياغة السياسة والاجتماع والشكوى والحُلم، في مرايا لا تعكس الواقع، وإنما تقترحه!


الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الشارع: آخر فيلسوف شعبي!

أغسطس 19, 2026

 

الشارع: آخر فيلسوف شعبي!

  في مصر، لستَ في حاجة إلى جامعة، ولا إلى منصة، ولا إلى أستاذ فلسفة لكي تتلقى درسًا عميقًا في معنى الوجود؛ يكفي أن تمشي عشر دقائق في أحد شوارع المحروسة، لتكتشف أن المدينة لا تُدار دائمًا بالقوانين التي شُرِّعت لتنظيمها، بل بقوانين أخرى غير مكتوبة، يبتكرها الناس لحظةً بلحظة وهم يحاولون النجاة من يومهم. هناك، في الشارع، تتعلم أن القانون فكرة، وأن الزحام واقع مُفرط في المأساة؛ وأن النظام، في كثير من الأحيان، ليس سوى اتفاق مؤقت على كيفية ممارسة الفوضى. وتكتشف، قبل أن تصل إلى نهاية الطريق، أن الفلسفة ليست دائمًا سؤالاً عن الحقيقة؛ أحيانًا تكون السؤال البسيط: كيف أعبر إلى الجهة الأخرى دون أن تدهسني الحياة؟

    السيارة التي تتوقف في منتصف الطريق لا تعتذر عن احتلالها للمكان؛ تكتفي بتشغيل إشاراتها الرباعية، وكأنها أعلنت بذلك حالة استثنائية تمنحها حق تعطيل العالم؛ والسيارة التي تقف في الصف الثاني، أو تلك التي تأتي من الاتجاه المعاكس، تُنازعها الحق ذاته، بينما يعبر المشاة بين المركبات بثقة من أدرك أن الحياة لا تمنح أحدًا ضمانات!

    أما الرصيف، ذلك الاختراع الحضاري الذي وُجد أصلاً لكي يمنح الإنسان حقه البسيط في المشي، فقد تحول إلى أرضٍ مستباحة: سيارة تحتل جزءًا منه، وبائع يستولي على جزء آخر، ومقهى يمد أذرعه حتى يبتلع ما تبقى، وشركة حكومية (كشركة المياه) تجعله مقرًا لنفاياتها ولمعداتها الثقيلة، ودراجة نارية تتعامل معه بوصفه طريقًا بديلاً مختصرًا!

    هكذا يغدو المشهد أكثر من مجرد فوضى مرورية؛ إنه اختلاط أنطولوجي بين الإنسان والآلة؛ المشاة في الطريق، والسيارات فوق الأرصفة، والدراجات تتسلل بين الجميع، وكأن المدينة قد قررت أن تلغي الحدود بين الكائنات، وأن تضع الإنسان والمركبة في تجربة واحدة عنوانها: من يستطيع أن ينتزع لنفسه مساحة أكبر؟ والطريف أن الجميع يفهمون المشكلة؛ الحكومة تعرفها، ومسؤولو الأحياء يعرفونها، وقادة السيارات يعرفونها، والمشاة يعرفونها، وأصحاب المحلات والمقاهي يعرفونها، ومدير وموظفو الشركات الحكومية يعرفونها، وحتى الرجل الذي يركن سيارته فوق الرصيف يعرف، في أعماقه، أنه فوق الرصيف. لكن المفارقة الكبرى أن كل فرد يعرف المشكلة بوصفها خطأً يرتكبه الآخر! أنا مضطر إلى الوقوف هنا لأن الطريق مزدحم؛ وهو مضطر إلى السير فوق الرصيف لأن الطريق لا يتسع؛ وذاك مضطر إلى إغلاق نصف الشارع لأن لديه مصلحة عاجلة. وهكذا يتحول الاستثناء الفردي، حين يتكرر ملايين المرات، إلى نظام عام من الفوضى!

    الغريب أن عبثية الازدحام ليست في كثرة السيارات وحدها؛ بل في أن الجميع يريدون الوصول، بينما تؤدي حركة الجميع، في النهاية، إلى منع الجميع من الوصول؛ كل شخص يتحرك وفق منطقه الخاص، لكن اجتماع هذه المنطقيات الصغيرة ينتج لا منطقًا جماعيًا. وهنا يصبح الشارع مرآة فلسفية للمدينة: فالمدينة ليست فقط المباني التي صممها المهندسون، ولا الطرق التي رسمها المخططون، وإنما هي أيضًا سلوك الناس في هذه الطرق. ولذا فإن احتلال الرصيف ليس مجرد مخالفة قانونية تتغاضى عنها الحكومة؛ إنه إعلان ضمني عن أن حق الأقوى في استعمال المكان قد انتصر على حق الإنسان في المدينة.

    ربما تكمن المفارقة في أن المدينة الحديثة صُممت لتسهيل حركة الإنسان، ثم انتهت، في بعض شوارعنا، إلى وضع الإنسان في منافسة يومية مع السيارات على أبسط حقوقه: أن يمشي. ولذلك، حين تعبر الشارع، لا تعبر مسافة بين رصيفين فحسب؛ أنت تدخل امتحانًا صغيرًا في فلسفة الحياة: عليك أن تتفاوض مع سيارة، وتتجنب دراجة، وتتجاوز بائعًا، وتبحث عن رصيف اختفى تحت عجلات السيارات، ثم تصل إلى الجهة الأخرى وأنت تعيد النظر في مفهوم النجاة. وفي النهاية، إذا نجحت في عبور الشارع دون أن تصطدم بك سيارة أو دراجة أو حتى رأي سياسي، فلا تظن أنك قطعت الطريق فحسب؛ لقد أنجزت، في دقائق معدودة، تجربة فلسفية كاملة في الحرية والفوضى والحق في المكان ... والأهم من ذلك كله: أنك خرجت منها حيًّا!

الاثنين، 17 أغسطس 2026

المرض كإجراء إداري!

أغسطس 17, 2026

المرض كإجراء إداري!

من أغرب المفارقات التي لا يبتكرها الخيال، وإنما تصنعها البيروقراطية، أن تكتشف أن المرض في ذاته ليس هو المشكلة، وإنما الطريق إلى إثبات أنك مريض؛ فالإنسان، حين يداهمه الألم، يظن أن رحلته تبدأ وتنتهي عند الطبيب، فإذا به يكتشف أن الطبيب ليس إلا محطة عابرة، وأن الوجهة الحقيقية هي دهاليز إدارة المؤسسة التي يعمل بها، حيث لا يُقاس الوجع بدرجته، بل بعدد الأختام، ولا تُوزن الحاجة الطبية بضرورتها، بل بالتطبيق الصارم للإجراءات، وإن كانت تعسفية! 

المفارقة أن المؤسسة قد تبذل جهدًا لتوفير الرعاية للعاملين بها، وتتعاقد مع مستشفيات ومراكز طبية في أماكن إقاماتهم المختلفة تيسيرًا عليهم، فيذهب المريض إلى الجهة المعتمدة، ويكشف عليه الطبيب، ويُجري ما يلزم من تحاليل وأشعات، ثم يكتب العلاج الذي يقتضيه العلم ويمليه الضمير المهني. وهنا يظن المرء أن الرحلة قد انتهت، فإذا بها لم تبدأ بعد؛ ذلك أن الوصفة الطبية، على الرغم من صدورها عن طبيب في جهة اعترفت المؤسسة ذاتها بها وتعاقدت معها، قد لا تكون كافية في نظر المنظومة؛ إنها وثيقة تحتاج إلى وثيقة أخرى تثبت صلاحيتها، وتشخيص يحتاج إلى إعادة تشخيص، وطبيب يحتاج إلى طبيب آخر ليمنح كلامه الشرعية الإدارية. وكأن المرض لا يصبح مرضًا كامل الأهلية إلا بعد أن يمر عبر البوابة الرسمية، وكأن الجسد لا يحق له أن يتألم إلا بعد أن يحصل الألم على ختم الاعتماد!

ولكي يبلغ المريض هذه اللحظة البيروقراطية، عليه أن يبدأ طقسًا يكاد يكون شعيرة قائمة بذاتها: طلب، ثم خطاب، ثم إحالة، ثم انتظار، ثم مراجعة، ثم إعادة كشف، وربما إعادة تقديم الأوراق ذاتها التي سبق أن قدَّمها. ليس بالضرورة لأن التشخيص موضع شك، وإنما لأن النظام لا يثق إلا في نفسه؛ حتى لو كان يكرر ما انتهى إليه غيره بالحرف. إنها فلسفة إدارية غريبة تجعل الوثيقة أكثر موثوقية من الطبيب، والختم أصدق من السماعة، والإجراء أعلى منزلة من الإنسان!

ثم تأتي مرحلة أخرى من مراحل «الذكاء» في المنظومة؛ حيث تُرفع الوصفات والتقارير إلى منصة إلكترونية، لا ليُسأل المريض ببساطة: ماذا تحتاج حالتك؟ وإنما ليُحدد النظام ما الذي يحق له أن يحصل عليه؛ فالأدوية لا تُصرف دائمًا وفق ما يقتضيه المرض، وإنما وفق ما تسمح به اللوائح، وقد يتحول عدد الأصناف المسموح بها إلى معيار أهم من خصوصية الحالة الطبية ذاتها. وهكذا ينتقل القرار تدريجيًا من العيادة إلى المكتب، ومن المعرفة الطبية إلى السلطة الإدارية.

والأمر لا يتوقف عند الدواء؛ فإذا اشتدت الحالة واستدعت دخول المستشفى، قد يجد المريض نفسه أمام طبقة أخرى من الموافقات والإجراءات. وقد يتوقف قرار يحتاج إلى سرعة وحسم على موافقة شخص إداري (موظف) لا يرى المريض، ولا يعرف شيئًا عن تفاصيل حالته، ولا يسمع أنينًا ولا يرى وجهًا شاحبًا ولا يلمس نبضًا متسارعًا. ومع ذلك يصبح هاتفه، أو توقيعه، أو قراره الإداري حلقةً ضرورية في سلسلة العلاج. ليس ذلك فحسب، بل قد تُحال المسألة إلى لجنة، وقد يُطلب استكمال مستند، وقد يُؤجل القرار إلى حين استيفاء إجراء ما؛ بينما المرض لا يعرف معنى «لاحقًا»، والألم لا ينتظر انعقاد اللجان، والجسد لا يقرأ اللوائح قبل أن يتدهور.

هنا تكمن المشكلة الأعمق في البيروقراطية: إذ هي ليست في كثرة أوراقها فحسب، ولا في تعدد مستوياتها، وإنما في قدرتها على إقناع نفسها بأنها تمارس النظام، بينما قد تكون، من حيث لا تشعر، تعطل الغاية التي وُجد النظام من أجلها؛ فاللوائح وسائل، وليست غايات. والإجراءات أدوات، وليست قيمًا مقدسة. والنظام لا يستمد مشروعيته من صرامته، وإنما من قدرته على تحقيق العدالة وحماية الإنسان وتيسير الوصول إلى الحق. وحين يتحول الإنسان إلى خادم للإجراء، ويصبح المريض مطالبًا بإثبات أحقيته في العلاج قبل أن يحصل عليه، تكون الوسيلة قد ابتلعت الغاية، وتحول التنظيم إلى صورة من صور العبث المقنن!

ولا تُقاس كفاءة المؤسسة بعدد النوافذ التي يمر بها المراجع، ولا بعدد النماذج التي يملؤها، ولا بعدد المنصات الإلكترونية التي تطلب منه الدخول إليها، ولا بكثرة اللوائح التي تحكم عملها؛ وإنما تُقاس، في لحظات الاختبار الحقيقية، بسؤال أكثر بساطة وعمقًا: حين يكون الإنسان في أضعف حالاته، هل يشعر أن المؤسسة تقف إلى جواره، أم يشعر أنها تقف في طريقه؟ 

المريض لا يطلب امتيازًا، ولا يلتمس ترفًا، وإنما يطلب حقًا إنسانيًا بسيطًا: أن يكون العلاج علاجًا، وليس رحلةً شاقة في متاهة من النوافذ والأختام والموافقات؛ فالمرض، في نهاية المطاف، ابتلاء من الله؛ أما تحويل المرض إلى معاملة إدارية، فقد يكون ابتلاءً من صنع البشر!

السبت، 25 يوليو 2026

الصورة بوصفها دليلاً علميًا: من يحرس الشاهد البصري؟

يوليو 25, 2026

الصورة بوصفها دليلاً علميًا: من يحرس الشاهد البصري؟

    أضافت شركة ميتا مؤخرًا وسمًا يحمل عبارة: «محتوى ذكاء اصطناعي» AI Content، يُلحق ببعض المنشورات التي تحوي صورًا أو مقاطع فيديو تم إنشاؤها أو تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد يبدو هذا الإجراء في نظر كثيرين مجرد تحديث تقني عابر، غير أنني أراه علامة فارقة في تاريخ علاقتنا بالحقيقة؛ إذ لم تعد الصورة تُستقبل بوصفها شاهدًا صامتًا على الواقع، بل غدت في حاجة إلى شهادةٍ تثبت براءتها من الاصطناع. فما إن يُنشئ المستخدم صورةً تعبيرية، أو يستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإضاءة، أو استعادة بعض التفاصيل، حتى تُوسم بأنها «محتوى ذكاء اصطناعي». وليس ما يستوقفني هنا هو الوسم في ذاته، بل ما يكشف عنه من تحول عميق في وعينا المعرفي؛ إذ لم يعد الشك استثناءً، بل أصبح هو نقطة الانطلاق، ولم تعد الأصالة تُفترض، بل باتت تُطالب بما يثبتها.

    من هنا يتجلى سؤالاً مُلحًا: إذا كانت منصات التواصل الاجتماعي، وهي فضاءات لا تقوم على اليقين ولا تدعي احتكار الحقيقة، قد رأت ضرورة تنبيه المتلقي إلى ما يمكن أن يلتبس عليه بصريًا، فكيف بالمؤسسات الأكاديمية، التي تنهض رسالتها على صيانة الصدق، وتُعرِّف نفسها بوصفها الحارس الأول للنزاهة العلمية؟ أليس من الأولى أن تتبنى هذه المؤسسات المبدأ ذاته، ولكن في ميدان أشد خطورة؟ لماذا لا تُرفق البحوث والرسائل العلمية التي استعانت بأدوات الذكاء الاصطناعي – سواء في الصياغة، أو الترجمة، أو التحليل، أو التوليد – بإفصاحٍ واضح يحدد طبيعة هذا الاستخدام وحدوده؟ فكما أصبحت الصورة مطالبة بالإفصاح عن تاريخ تكوينها، ينبغي للنص العلمي أيضًا أن يكون صريحًا في الكشف عن تاريخ إنتاجه؛ لأن الشفافية ليست عبئًا على الصدق، بل هي أحد شروط إمكانه.

    لقد نجحت بعض الجامعات، إلى حدٍ بعيد، في بناء منظومات متقدمة لكشف التشابه النصي، حتى غدا إخضاع رسائل الماجستير والدكتوراه لبرامج فحص الأصالة إجراءً بديهيًا لا يكاد يُناقش (بغض النظر عن كفاءة هذه البرامج فيما يتعلق باللغة العربية). غير أن الكلمات ليست وحدها ما يصنع المعرفة، وليست النصوص وحدها ما يستحق الحراسة؛ فهناك الصور المجهرية، والصور الطبية، وصور الأقمار الصناعية، والرسوم البيانية، والخرائط، والوثائق المصورة؛ وكلها غدت اليوم قابلة للتوليد أو التعديل بوسائط الذكاء الاصطناعي، على نحوٍ قد يعجز البصر البشري عن تمييزه!

    هنا تتخذ النزاهة العلمية وجهًا جديدًا؛ فإذا كان النص يحمل الفكرة، فإن الصورة تحمل البرهان؛ وإذا كان الاقتباس غير المشروع يُفسد الفكرة، فإن الصورة المصطنعة قد تُفسد الدليل ذاته. ومن ثم، فإن الصورة في البحث العلمي ليست عنصرًا جماليًا يخفف من كثافة الصفحات، ولا زينةً بصرية تُضفي على البحث شيئًا من الجاذبية، بل هي شاهد من شهود الواقع الفعلي. وحين يصبح الشاهد قابلاً للاصطناع، يغدو فحص شهادته واجبًا معرفيًا قبل أن يكون إجراءً تقنيًا؛ إذ لا تستقيم العدالة العلمية إذا اكتفت بالتحقق من صدق الأقوال، وأغفلت صدقية الشواهد التي تُقام عليها.

    ولعلنا نقف اليوم على أعتاب تحولٍ في مفهوم التحكيم الأكاديمي ذاته؛ فلم يعد كافيًا أن تُراجع النصوص وحدها، بل ينبغي أن تمتد المراجعة إلى كل ما يزعم تمثيل الواقع: سواء أكان صورةً، أم رسمًا بيانيًا، أم وثيقةً بصرية، أم أي وسيط يتم تقديمه بوصفه دليلاً. وكما أصبحت برامج كشف الاقتباس جزءًا أصيلاً من أخلاقيات البحث العلمي، فقد آن الأوان لأن تصبح أدوات التحقق من أصالة المحتوى البصري، أو الإفصاح عن مدى تدخل الذكاء الاصطناعي في إنتاجه، جزءًا لا يتجزأ من منظومة النزاهة الأكاديمية. وليس في هذا دعوة إلى الارتياب في الذكاء الاصطناعي أو إلى إعلان الحرب عليه؛ فالمشكلة لا تكمن في الأداة، بل في غياب الشفافية بشأن استخدامها؛ فالذكاء الاصطناعي، شأنه شأن أية تقنية كبرى، لا يناقض الواقع من حيث المبدأ، وإنما يناقضه حين يُستخدم في الخفاء، أو يتم تقديم نتاجه على أنه شاهد لم تمسه يد. إن أخلاق العلم لا تقتضي الامتناع عن استخدام الأدوات الجديدة، بل تقتضي الصراحة في الإفصاح عنها؛ لأن الحقيقة لا تخشى التقنية، وإنما تخشى أن تتخفى التقنية في هيئة الحقيقة.

    مع ذلك، فإن أدوات الكشف نفسها ليست بمنأى عن الخطأ؛ فهي، مهما بلغت دقتها، لا ينبغي أن تُمنح سلطة الحكم النهائي، ولا أن تتحول إلى قاضٍ يفصل في النزاعات المعرفية، وإنما ينبغي أن تُعامل بوصفها قرينةً تستدعي المراجعة، ووسيلةً تعزز الثقة، وليس بديلاً عن الخبرة العلمية والحكم الأكاديمي الرشيد؛ فالمشكلة ليست في استبدال الآلة بالإنسان، بل في أن تستعين المؤسسة العلمية بالآلة لتجعل من أحكامها أكثر موضوعية وشفافية. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى أن تُلزم الجامعات الباحثين بالإفصاح الصريح عن أي تدخل للذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور أو تعديلها، تمامًا كما تُلزمهم بالإفصاح عن مناهجهم، ومصادرهم، وأدواتهم البحثية؛ فالإفصاح ليس اعترافًا بنقصٍ في البحث، بل هو إعلانٌ عن نزاهته؛ لأن الأمانة العلمية لا تُقاس بما تم استخدامه من أدوات، وإنما بما تم الكشف عنه منها. وربما لن يكون السؤال الذي ستطرحه الجامعات في المستقبل: هل كتب الباحث هذا النص بنفسه؟ بل سؤالاً أشد عمقًا وأكثر اتصالاً بجوهر المعرفة: هل تمثل هذه الصورة الواقع حقًا، أم أنها لا تمثل سوى قدرة الخوارزمية على محاكاة الواقع بإتقان؟ فالفارق بين الاثنين ليس فارقًا تقنيًا، بل هو الفارق بين الدليل وتمثيله، وبين الحقيقة وصورتها!

    إن عصرًا يستطيع فيه هاتفٌ صغير أن ينبه مستخدم منصةٍ اجتماعية إلى أن صورةً ما قد أُنشئت أو عُدلت بالذكاء الاصطناعي، لا يليق بمؤسساتٍ جعلت من الحقيقة رسالتها الأولى أن تظل تعتمد على العين المجردة وحدها في التحقق من الأدلة البصرية؛ فالنزاهة العلمية لا تُصان بحسن النيات، ولا بالثقة المجردة، وإنما تُصان بمنظومةٍ من الشفافية والإفصاح والمراجعة المستمرة. وإذا كانت الجامعات قد نجحت، خلال العقود الماضية، في بناء ثقافة تُحاسب النص على أصالته، فإن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي اليوم هو أن تمتد هذه الثقافة إلى الدليل البصري ذاته؛ إذ لا يكفي أن نحرس العبارة، بينما نترك الشاهد الذي تستند إليه؛ فالحقيقة لا تقوم على الكلمات وحدها، بل على الأدلة التي تمنح تلك الكلمات مشروعيتها. ولعل هذه هي المعركة الحقيقية للنزاهة العلمية في العقود القادمة: أن ننتقل من حماية النص إلى حماية البرهان، ومن مساءلة المؤلف إلى مساءلة الدليل، ومن الثقة فيما نراه إلى التحقق من الكيفية التي جُعل بها مرئيًا. ففي زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على إنتاج ما يشبه الحقيقة، لن يكون الدفاع عن الحقيقة دفاعًا عن الواقع وحده، بل دفاعًا عن الشروط التي تجعلنا قادرين على التمييز بين الواقع وما يحاكيه. 

الترند واقتصاد الانتباه

يوليو 25, 2026

الترند واقتصاد الانتباه

   لم يعد كثيرٌ من الناس يفتشون عن فكرةٍ تستحق أن تُفهم، بقدر ما يفتشون عن «ترند» يستحق أن يُتداول. فإذا هبَّت موجة اندفعوا معها، يرفعون صوتها، ويستعيرون لغتها، ويحسبونها قضية العصر، فإذا خمد ضجيجها انفضوا عنها كأنها لم تكن، وارتحلوا إلى موجةٍ أخرى؛ إذ لم تعد القضية عند كثيرين هي الحقيقة، وإنما ما يلفت الأنظار، ويستأثر بالأسماع، ويستحوذ على الشاشات.

    وليس في «الترند» بأسٌ من حيث هو وسيلة لانتشار المعرفة، أو إحياء قضية عادلة، أو التعريف بإنجازٍ يستحق الاحتفاء؛ فالوسائل لا تُدان لذاتها، وإنما تُدان بغاياتها. غير أن الخطر يبدأ حين تنقلب الوسيلة إلى غاية، ويصبح الانتشار دليلاً على القيمة، وكثرة المتابعين برهانًا على الصواب، حتى يُقاس الحق بما أحدثه من ضجيج، وليس بما قام عليه من حجة. ولعل هذا ما يفسر اندفاع كثيرين إلى ملاحقة «الترندات»؛ فبعضهم يطلب الشهرة السريعة التي قد تمنحه في أيامٍ ما كان يحتاج إليه سنوات؛ وآخرون يرون فيها بابًا للمكاسب المالية، إذ تتحول كثرة المتابعين إلى إعلانات ورعايات وفرص عمل. ومنهم من يسعى إلى النفوذ الاجتماعي، فيغدو له جمهورٌ ينصت إلى رأيه ويعيد إنتاج كلماته، ومنهم من يجد في المشاركة في كل «ترند» شعورًا بالانتماء، وكأنه لا يريد أن يبقى خارج المشهد ولو للحظة. وهكذا أصبح الانتباه عملةً جديدة، وأصبح السعي إلى امتلاكها غايةً يتنافس عليها الناس كما كانوا يتنافسون قديمًا على المال أو الجاه!

    غير أن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه «الترندات» لا تصنعها عظمة الأحداث، وإنما يصنعها افتعال الإثارة؛ مشهدٌ مبتذل، أو كلمةٌ جارحة، أو سلوكٌ خارج عن المألوف؛ يكفي أن يوقظ فضول الجماهير، حتى تتلقفه المنصات، وتدفعه الخوارزميات إلى واجهة المشاهدة، لأنها تكافئ المحتوى الذي يثير الغضب، أو الصدمة، أو الجدل، أو الغرائز، أكثر مما تكافئ المحتوى الذي يوقظ الفكر أو يسمو بالذوق. وبالتالي يتحول الانتباه إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى، ويغدو الجدل صناعة، والفضيحة استثمارًا مضمونًا!

    لذلك لم يعد غريبًا أن يقدم بعض الناس على صناعة فضيحتهم بأيديهم؛ إذ يؤمنون، تصريحًا أو ضمنًا، بأن المهم ليس أن يتحدث الناس عنهم بخير أو بشر، بل أن يتحدثوا عنهم فحسب؛ فالنسيان عندهم أشد قسوةً من النقد، والتجاهل أفدح خسارةً من سوء السمعة. وهناك من تدفعه حاجةٌ نفسية عميقة إلى لفت الانتباه أو إثبات الذات، فيختار أقصر الطرق إلى الشهرة، ولو مرَّ عبر الإساءة إلى نفسه أو إلى القيم التي يدَّعي احترامها. هكذا نشأ في الفضاء الرقمي ما يشبه اقتصادًا جديدًا، أثمن موارده هو انتباه الإنسان؛ فمن ملك هذا الانتباه، ملك القدرة على توجيه الأذواق، وصناعة المواقف، وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هنا يمكن القول إننا نشهد تحولاً ثقافيًا وفلسفيًا من مجتمعٍ كان يُعلي من قيمة الإنجاز، إلى مجتمعٍ بات يُعلي من قيمة الظهور؛ حيث يصبح الاهتمام سلعة، ويغدو عدد المشاهدات وتسجيلات الإعجاب معيارًا للنجاح، ولو كان المحتوى فارغًا من المعنى، أو قائمًا على الإثارة والابتذال!

    غير أن الشهرة التي تُولد من الضجيج، تموت بالضجيج ذاته؛ لأنها تقوم على انفعالٍ عابر، لا على قيمةٍ باقية. أما ما يُبنى على العلم، أو الفكر، أو الإبداع، أو الخلق، فإنه وإن تأخر ظهوره، كان أبقى أثرًا، وأرسخ مقامًا. ولا تكمن خطورة «الترند» في أنه عابر، بل في أنه يُعوِّد العقل على العبور؛ فلا يمكث عند فكرة لكي تنضج، ولا عند قضية لكي يستوفيها فهمًا ونقدًا، بل ينتقل من انفعالٍ إلى انفعال، ومن صدمةٍ إلى صدمة، حتى يألف السطح، ويستوحش العمق. وحينئذٍ لا يضيع الوقت وحده، بل تضيع معه ملكة التأمل، وهي أثمن ما يملكه العقل الإنساني.

    إن الحقيقة لا تُولد في ضوضاء الجموع، ولا تنمو في استعجال اللحظة؛ إنها ثمرة الصبر، ورفيقة التأمل، وابنة السؤال الصادق. أما «الترند» فلا يعيش إلا على العجلة، ولا يقتات إلا من سرعة النسيان. وبين الحقيقة التي تحتاج إلى عقلٍ يصبر، و«الترند» الذي لا يحتاج إلا إلى إصبعٍ يمرر الشاشة، يتحدد مصير الوعي الإنساني: أهو وعيٌ يقود صاحبه إلى الحكمة، أم وعيٌ تجره الأمواج حيث شاءت، فلا يملك من أمره إلا أن يردد ما يسمع، وينسى ما ينبغي أن يفكر فيه؟