-->

السبت، 7 فبراير 2026

ظِلّ إبستين: في المرآة المكسورة للحداثة

فبراير 07, 2026

صورة رمزية تعكس ظل إبستين في مرآة مكسورة، تظهر مدينة حديثة مضيئة، رجل غامض في المنتصف، وطفلة حزينة تبكي، في إشارة إلى انكسار القيم والسلطة في الحداثة

    ليس «جيفري إبستين» Jeffrey Epstein (1953 – 2019) مجرد اسمٍ لرجل أعمال أمريكي مات منتحرًا – أو مقتولاً – في زنزانته؛ إنه، في المعنى الفلسفي، اسمٌ لجرحٍ مفتوح في ضمير العصر؛ نقطة التقاء حيث تتقاطع القوة مع الرغبة، والمال مع الحصانة، والحقيقة مع التواطؤ الصامت. حين نذكره، لا نستحضر سيرة فرد، بل نواجه مرآةً مكسورة تعكس وجوهًا متعددة للحداثة ذاتها!

    في ظاهر الأمر، يمكن القول أن «إبستين» كان رجلاً منحرفًا، حالة شاذة، عطبًا فرديًا في آلة اجتماعية ربما كانت سليمة. هذا هو الصوت المطمئن الذي يريده كثيرٌ من أبناء الحداثة: صوتٌ يحمي صورة العالم الذي شيدوه، ويُحول الفضيحة إلى استثناءٍ لا قاعدة. لكن الفلسفة لا ترتاح لهذا الاطمئنان المُريح؛ فهي تسأل دائمًا: ما الشروط التي تجعل الاستثناء ممكنًا؟ وأي عالمٍ هذا الذي يسمح لرجل واحد أن يجمع المال والنفوذ والجسد والاسرار، ويقيم شبكةً من الصمت حول أفعاله؟ وكيف يمكن لنظامٍ يدعي الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية أن يسمح ببناء عوالم موازية، تُدار في الظل، حيث تختفي الحدود الأخلاقية كما تختفي النجوم عند الفجر، وتتجلى هشاشة القيم أمام وهج الثروة، ويتوارى الضمير خلف بريق السلطة؟

    هنا يظهر وجهٌ آخر للحداثة: وجهٌ لا يتحدث عن العقل والحرية والحقوق، بل عن سلطةٍ تتخفى خلف اللغة النبيلة. في هذا الوجه، يصبح المال جواز مرورٍ أخلاقيًا، وتتحول العلاقات إلى دروع، ويغدو القانون أحيانًا أداةً مرنةً لمن يملك القدرة على شد خيوطه. ليست القضية أن الحداثة شريرة في جوهرها، بل أنها – كما كل حضارة – تحمل في داخلها إمكانات النور والظلام معًا.

    من منظورٍ كانطي، بدا ما نُسب إلى «إبستين» أشبه بجُرحٍ مفتوح في فكرة الإنسان ذاتها: خيانةٌ للإنسانية في الإنسان، حيث يُنزع عن الآخر وجهه وكرامته ليغدو وسيلةً صماء، جسدًا بلا قصة، وموردًا قابلاً للاستنزاف في اقتصادٍ بارد للرغبة. غير أن هذه الخيانة لم تكن حدثًا معزولاً في فراغٍ أخلاقي مُعقم، بل ثمرةً مُرة لفضاءٍ ثقافي حديث يرفع الفردانية إلى مقامٍ شبه مقدس، فتغدو الحدود بين الحرية والتحرر، وبين الاختيار والافتراس، رقيقةً كخيط العنكبوت. في هذا الفضاء، تتضخم القدرة على الفعل بينما تخبو المسؤولية، فتتحول الحرية من التزامٍ تجاه الآخر إلى تقنيةٍ للإفلات منه، ومن فضيلةٍ أخلاقية إلى امتيازٍ يُحصن صاحبه من المحاسبة، ويجعل الاستغلال يبدو – ولو لحظة –  كأنه حقٌّ شخصي وليس جريمة أخلاقية.

    على الضفة الأخرى، يقف المُعارض للحداثة أو لهيمنة القيم الغربية، من منظور ديني أو ثقافي محلي، ليقول: «ها هو الغرب قد فضح نفسه؛ هذه هي أخلاقه الحقيقية». صحيح أن في كلمته صدى من غضبٍ أخلاقي مفهوم، ورغبة في رؤية الفضيحة كبرهانٍ نهائي على فساد الحداثة، لكن الفلسفة لا تسمح بالانتصار السهل كما أسلفنا؛ فاختزال حضارة كاملة في رجلٍ واحدٍ يشبه اختزال محيطٍ في موجةٍ عابرة. الغرب ليس كتلةً واحدة؛ فيه قضاةٌ شجعان، وصحافةٌ استقصائية، وناجون رفعوا أصواتهم، وفلاسفةٌ ينتقدون الرأسمالية من الداخل.

    ومع ذلك، لا يمكننا رد كلام المعارضين للحداثة الغربية بكُليته؛ فهم يضغطون بأصابعهم – ولو بخشونة – على جُرحٍ حقيقي: العلاقة الخطرة بين رأس المال والأخلاق (حتى داخل المجتمعات الشرقية أو العربية أو المسلمة)؛ فحين تصبح القوة الاقتصادية حصانةً اجتماعية، فإن العدالة تتشقق من الداخل. هنا يلتقي نقدهم مع نقد فلاسفة من داخل الغرب ذاته، من الاسكتلندي «ألاسدير ماكنتاير» Alasdair MacIntyre (1929 – 2025) إلى الكندي «تشارلز تايلور» Charles Taylor (مواليد 1931) ، الذين رأوا أن الحداثة فقدت «معجمها الأخلاقي المشترك»، وتركت الأفراد في بحرٍ من الخيارات بلا بوصلةٍ قيمية!

    لكن المقارنة بين «فضيحة إبيستين» و«العنف في بعض المجتمعات» تكشف بدورها عن مرآة أخرى: مرآة المقارنات غير المتكافئة؛ فمن غير العادل أن نُدين ثقافةً كاملة بسبب أفعال بعض أبنائها، ثم نُبرئ ثقافةً أخرى لأنها تمتلك خطابًا حقوقيًا لامعًا. العدالة الفكرية تقتضي معيارًا واحدًا: أن نسأل في كل مكان وزمان عن الشروط التي تسمح بالاستغلال، وليس عن الهويات التي يرتديها المستغلون. ومن هذا المنظور، فإن «ظاهرة إبيستين» ليست قصةً عن الغرب وحده، ولا عن الشرق وحده، بل عن الإنسان حين يتم إطلاق يده بلا رقيبٍ أخلاقي، وحين تُحاط قوته بجدران الصمت. إنها درسٌ في فلسفة السلطة: السلطة حين لا تُحاسب تتحول إلى هاوية، وحين لا تُراقب تُغري أصحابها بالاعتقاد أنهم فوق الخير والشر.

    ربما كان السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الفضيحة هو: هل يمكن للحداثة أن تنقذ نفسها أخلاقيًا دون أن تعود إلى جذورٍ روحية أو قيمية أعمق؟ وهل يمكن للتقاليد الدينية أن تنتقد الغرب دون أن تواجه ظلالها الخاصة في الداخل؟

    في النهاية، يقف «إبيستين» كطيفٍ فلسفي أكثر منه كشخص: طيفٌ يُذكرنا بأن التقدم التكنولوجي لا يساوي التقدم الأخلاقي، وأن القانون بلا فضيلة يصبح إدارةً للجرائم وليس منعًا لها، وأن الحقيقة – مهما حُجبت – تظل تبحث عن شقٍ في الجدار لتتسلل منه. إن قراءة هذه الظاهرة فلسفيًا لا تهدف إلى إدانة حضارة أو تبرئة أخرى، بل إلى تعميق وعينا الأخلاقي: أن ندرك أن كل مجتمع، مهما بلغت إنجازاته، يمكن أن يُنجب وحوشًا إذا تُركت القوة بلا ضابط، والرغبة بلا حدود، والمال بلا مساءلة. وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا، كما ينبغي للفلسفة دائمًا أن تفعل: أي عالم نريد أن نبنيه، على الأقل للأجيال القادمة، بعد أن رأينا ما يمكن أن يولده عالمنا الحالي؟

مهمة التكوين (الذكاء الاصطناعي بين إعادة تشكيل المعرفة وإعادة توزيع السلطة)

فبراير 07, 2026

 

تصميم سيريالي يجمع بين روبوت متطور وعناصر تكنولوجية وكونية، يجسد تداخل الذكاء الاصطناعي مع العلم والسلطة ومهمة إعادة تشكيل المعرفة

  منذ أن بدأ العقل الإنساني ينسج خرائطه الأولى للمعنى، والمعرفة توأم السلطة الملازم لها مكانًا وزمانًا. ولم تأت المعرفة يومًا في هيئة حقيقة بريئة، بل حضرت دائمًا كقوة فاعلة، تُعيد تشكيل العالم على صورة من يُمسك بمفاتيحها الخفية؛ وباسم المعرفة تم ويتم ترسيخ الهيمنة، وبها أُعيد ويُعاد ترتيب الممكن والممنوع، والمرئي والمسكوت عنه. واليوم، إذ نقف على تخوم منعطف تاريخي جديد، لا تعود النار ولا الكتابة ولا الآلة البخارية علامات العبور الكبرى، بل الذكاء الاصطناعي، هذا الكائن الخوارزمي المُفرط، الأعمى بالحواس، الحاد بالبنية، الذي لا يكتفي بإعادة تنظيم ما نعرفه، بل يعيد صياغة شروط المعرفة ذاتها: كيف تتكون، ولمن تُنتَج، ومن يحصد سلطتها في عالم يُعاد ترميزه سطرًا بعد سطر!

    لقد دخل العلم مرحلة غير مسبوقة، لم يعد فيها الاكتشاف نتيجة مسار بطيء من الفرضيات والتجارب، بل ثمرة تفاعل فوري بين البيانات الضخمة Big Data، والحوسبة فائقة الأداء High-Performance Computing، والخوارزميات القادرة على التعلم والاستنتاج والمحاكاة. وفي هذا المشهد، يصبح السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا: هل ما نشهده هو تسريع للمعرفة فقط، أم إعادة كتابة لقواعد إنتاجها؟ وهل من يتحكم في أدوات الذكاء الاصطناعي يتحكم، بالضرورة، في مستقبل الحقيقة ذاتها؟

    في قلب هذا التحول، ظهرت ما عُرفت باسم «مهمة التكوين» The Genesis Mission، كمبادرة وطنية أطلقتها الحكومة الأمريكية بقيادة وزارة الطاقة الأمريكية، وهي مبادرة لا يمكن قراءتها بوصفها مشروعًا علميًا محضًا، وإنما بوصفها إعلانًا رمزيًا عن بداية عصر جديد في علاقة الدولة بالعلم، والعلم بالسلطة.

     تم الإعلان عن مهمة التكوين رسميًا في نوفمبر 2025 عبر أمر تنفيذي وقَّعه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الطموحات العلمية مع رهانات التفوق الجيوسياسي. ولم يكن اختيار الاسم «جينيسيس» Genesis، أي «الأصل» أو «البداية» اعتباطيًا؛ حيث يحيل إلى فكرة الخلق الأولى، وإلى طموح تأسيسي يرمي إلى إعادة ولادة العلم ذاته، ولكن هذه المرة بوساطة الذكاء الاصطناعي.

    تهدف مهمة التكوين إلى إنشاء منصة وطنية مُوحَّدة للذكاء الاصطناعي، قادرة على دمج الثروات المعرفية التي تمتلكها الأمة الأمريكية، من قواعد بيانات علمية هائلة، إلى موارد حوسبة عملاقة، وصولاً إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لا تكتفي بتحليل النتائج، بل تشارك في تصميم التجارب العلمية. وبهذا المعنى، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى شريك معرفي، ومن وسيط تقني إلى فاعل في إنتاج العلم.

    في النموذج التقليدي للعلم، كان الاكتشاف أشبه برحلة طويلة محفوفة بالاحتمالات، تتطلب سنوات من التجريب والتكرار. أما في نموذج مهمة التكوين، فإن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة آلاف السيناريوهات في وقت واحد، واختبار الفرضيات افتراضيًا، وتسريع الوصول إلى النتائج عبر تقنيات مثل المحاكاة Simulation والنمذجة Modeling، مما يعيد تعريف زمن الاكتشاف العلمي وطرائقه. وهكذا، لا يغدو السؤال الأهم: ماذا نكتشف؟ بل: من يحدد ما يستحق الاكتشاف؟ وتستند هذه المهمة إلى تحالف واسع يجمع وزارة الطاقة الأمريكية Department of Energy – DOE، وشبكة مختبراتها الوطنية، والجامعات، وشركات التكنولوجيا العملاقة، في نموذج تعاوني يذيب الحدود التقليدية بين القطاعات: العام والخاص والأكاديمي. ولا شك أن هذا النموذج يعكس تحولاً عميقًا في دور الدولة، من ممول أو منظم للبحث العلمي إلى شريك مباشر في صناعته، عبر بنية ذكاء اصطناعي مركزية.

    غير أن البعد العلمي ليس سوى وجه واحد من وجوه مهمة التكوين؛ فخلف هذا المشروع، يلوح بوضوح هاجس المنافسة الدولية، ولا سيما مع الصين، في سباق الهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدم. وقد شُبهت المبادرة، في خطابها السياسي، بأكبر تعبئة علمية منذ برنامج أبولو Apollo Program، في استدعاء واعٍ لذاكرة تاريخية ربطت التفوق العلمي بالقوة الوطنية. لكن حيثما تُعاد صياغة المعرفة، تُعاد معها صياغة السلطة؛ فتركيز البيانات، والحوسبة، والخوارزميات في منصات محددة، يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية حول الحوكمة الخوارزمية Algorithmic Governance (إدارة أو تنظيم القرارات والعمليات العامة أو المؤسسية عبر أنظمة وخوارزميات حاسوبية بدلاً من الاعتماد الكامل على البشر)، وحول من يمتلك القرار في عالم بات يُدار بشكلٍ متزايد بواسطة أنظمة لا تفكر على الطريقة الإنسانية، لكنها تؤثر في مصائر البشر. كما تبرز تحديات حماية البيانات الحساسة، وحدود الاعتماد على الشركات التكنولوجية الكبرى Big Tech، ومخاطر اختزال التعدد العلمي في منطق خوارزمي واحد.

    من هنا، لا تُعد مهمة التكوين مشروعًا أمريكيًا داخليًا فحسب، وإنما علامة على تحول كوني في بنية المعرفة ذاتها. إنها لحظة تتقاطع فيها الفلسفة مع السياسة، والعلم مع القوة، والذكاء الاصطناعي مع سؤال قديم متجدد: من يملك المستقبل حين تُصبح المعرفة آلية، والسلطة خوارزمية؟ قد تبدو مهمة التكوين، عند النظرة الأولى، مجرد مشروع تقني طموح يهدف إلى تسريع الاكتشاف العلمي عبر تسخير الذكاء الاصطناعي، غير أن جوهرها الحقيقي لا يقيم في بنيتها الخوارزمية ولا في قدرتها الحاسوبية، بل فيما تفترضه – صمتًا – عن معنى المعرفة، وعن موقع الإنسان داخل فعل الاكتشاف، وعن الحدود التي ينبغي أن يقف عندها القرار العلمي؛ فهي لا تضيف أداة جديدة إلى ترسانة العلم، بل تعيد صياغة النموذج الذي يتم إنتاج العلم به، وتعلن انتقالاً هادئًا ولكن عميقًا من علمٍ يُفهم إلى علمٍ يُصنَّع.

أولاً: مهمة التكوين بين مانهاتن وأبولو

    وفقًا لمؤرخ وفيلسوف العلم الأمريكي «توماس كون» Thomas Kuhn (1922 – 1996)، لا يتقدم الفهم العلمي تراكمًا متدرجًا، بل عبر تحولاتٍ نموذجية حادة تُغير الإطار الذي يُفهم العالم من خلاله؛ لحظات لا تتميز بإنجازاتها التقنية فحسب، بل بإعادة تعريف ما يُعد علمًا، وما يُحسب دليلاً، وما يمكن أن نُعده  أصلاً معرفة. ولو أخذنا بهذه الرؤية، فإن ثمة ثلاث لحظات تقف كعلاماتٍ فاصلة في هذا المسار: لحظة مانهاتن، حين اكتشف العلم كيف يُدمر ويُفني؛ ولحظة أبولو، حين تجرأ العلم على أن يحلم علنًا؛ ولحظة التكوين، حيث بدأ العلم يُفكر في الاستغناء عن الإنسان! وبالتالي، فالسؤال الذي يطل من بين هذه اللحظات ليس تقنيًا، بل هو سؤالٌ ميتافيزيقي: كيف تغير موقع الإنسان داخل مشروع المعرفة؟ ومتى تحول العلم من بحثٍ عن المعنى إلى نظامٍ يعمل بذاته؟

1) مانهاتن: العلم كذراعٍ للعدم

    لم يكن مشروع مانهاتن مجرد برنامجٍ علمي، بل كان التقاءً كثيفًا بين العقل، والقرار، والقوة المطلقة. هناك، للمرة الأولى، لم يُسأل العلم عما يفهمه، بل عما يستطيع تدميره. تحولت المعرفة إلى فعل، والفعل إلى تهديد كوني. إنه تجسيدٌ حي لما أطلق عليه عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني «ماكس فيبر» Max Weber (1864 – 1920) اسم «العقل الأداتي»: عقلٌ لا يرى في العالم إلا ما يمكن إخضاعه. في مانهاتن، انكسرت الصلة بين الاكتشاف والمسؤولية، ولم يعد العالِم شاهدًا على الحقيقة، بل ترسًا في ماكينة سيادية، وأصبح العلم – وقد أُفرغ من تأمله – شريكًا في إنتاج الخطر وتسهيل الدمار!

2) أبولو: عودة الحلم إلى المعادلة

    على النقيض، جاء برنامج أبولو كاستعادةٍ نادرة لوجهٍ آخر للعلم. لم يكن سؤال أبولو: ماذا نستطيع أن نفعل؟ بل: إلى أي أفق يمكن للإنسان أن يمد وعيه؟ هنا، لم تُلغِ التقنية المعنى، بل حملته. صار الصاروخ استعارة، والقمر مرآةً لطموحٍ إنساني يتجاوز الأرض دون أن يتنكر لها. ظل الإنسان في المركز: العالِم مُبدع، والرائد رمز، والجمهور شاهدٌ على سردية مشتركة. كان أبولو محاولة للتوفيق بين القدرة والمعنى، وبين السيطرة والتجاوز، وبين الحساب والحلم.

3) مهمة التكوين: العلم يعمل وحده

    مع مهمة التكوين، ندخل طورًا آخر، أكثر غموضًا وأقل شاعرية. هنا لا يُطلب من العلم أن يفهم، بل أن يتنبأ؛ ولا من الإنسان أن يكتشف، بل أن يُشرف. الذكاء الاصطناعي لا يُنتج معرفة بالمعنى الكلاسيكي، بل يُنتج نتائج: نماذج بلا حدس، وتنبؤات بلا تجربة، واكتشافات لا تمر بالوعي. ومن ثم، ينشأ سؤالٌ مقلق: هل تظل المعرفة معرفةً إذا انفصلت عن الفهم؟ ومن يُسأل أخلاقيًا عن نتائج لا أحد «يعرف» كيف وُلدت؟

    في مهمة التكوين، لا يقف العالِم أمام الظاهرة، بل أمام شاشة، وأمام خوارزمية، وأمام تدفقٍ لا متناهي من البيانا؛. ويتحول من مكتشفٍ إلى قيَّم، ومن فاعلٍ إلى مُراجع. والأخطر: أن منطق الخوارزمية لا يسأل عما ينبغي اكتشافه، بل عما يمكن تسريع، حيث يتم تقديم المنفعة على المعنى، والسرعة على العمق، والقابلية للحوسبة على الأسئلة الوجودية. وهكذا تتكدس المعرفة حيث توجد السلطة الحاسوبية، وتنغلق الدائرة بين الدولة، والتقنية، ورأس المال.

    لم يكن توقيع الرئيس «ترامب» على مهمة التكوين فعلًا إداريًا، بل إيماءة رمزية: العلم لم يعد أفقًا كونيًا، بل موردًا استراتيجيًا. لم يعد مساحة تعاون، بل ساحة سباق. الذكاء الاصطناعي لا يُحيد السياسة، بل يُسرعها. والعلم، وقد دخل هذا المدار، يفقد حياده البنيوي إلى الأبد!

    مشروع مانهاتن علَّمنا كيف نخاف، أما برنامج أبولو فقد علَّمنا كيف نأمل، وأما مهمة التكوين فتُعلمنا كيف نُدير. ووفقًا للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر Martin Heidegger (1889 – 1976)، فإن الخطر الحقيقي للتقنية ليس فيما تفعل، بل في كيفية كشفها للعالم. في مانهاتن: انكشف الوجود بعنف، وفي أبولو: توهمنا سيطرة نبيلة، وفي التكوين: يُختزل العالم إلى مخزون بيانات، والإنسان إلى هامشٍ إشرافي. أما عن سؤال المعنى، فيمكن القول أن مشروع مانهاتن أفسد البراءة، وبرنامج أبولو أنقذ الحلم، بينما وضعت مهمة التكوين المعنى ذاته على المحك. لم يعد السؤال: كم نعرف؟ ولا حتى: ماذا نستطيع؟ بل: هل نريد علمًا أسرع، أم علمًا أعمق؟ فالعلم الذي يتجاوز قدرتنا على الفهم، ويفوق قدرتنا على المساءلة، قد يكون أخطر إنجازٍ للعقل ذاته.

ثانيًا: تحليل إبستمولوجي (كيف تعيد مهمة التكوين تعريف معنى «العلم»؟)

    لطالما كان العلم، في صورته الكلاسيكية، فعلًا بطيئًا بطبيعته؛ يتقدم بالتراكم، ويُبنى عبر الجدل، ويزدهر بالخطأ بقدر ما يزدهر بالتصحيح. كان التفسير فيه قيمة مركزية، وكان السؤال «لماذا؟» يسبق دومًا السؤال «كيف؟». أما في أفق مهمة التكوين، فإن افتراضًا مختلفًا يطفو إلى السطح: المعرفة لم تعد تُقاس بعمق الفهم، بل بقدرة النظام على التنبؤ السريع والدقيق. وهكذا، تُعاد صياغة العلم بوصفه آلة إنتاج للنتائج، وليس مجرد مسارٍ للتأمل والفهم.

    هذا التحول لا يخلو من خطورة إبستمولوجية؛ إذ يُستبدل الكفاءة بالفهم، ويختزل التفسير في نموذج تنبؤي Predictive Model قادر على الإجابة عن سؤال «ماذا سيحدث؟» دون أن يقترب من سؤال «لماذا يحدث؟». فلسفيًا، نحن أمام انتقال مقلق من العلم التفسيري إلى العلم الخوارزمي الذي يكتفي بالتنبؤ دون الفهم، وهو التحول الذي حذّر منه عدد من فلاسفة العلم المعاصرين، حين نبهوا إلى خطر معرفة المستقبل دون امتلاك مفاتيح معناه!

    في النموذج الذي تقترحه مهمة التكوين، لا يعود العالِم في تماس مباشر مع الظاهرة التي يدرسها، بل يغدو مشرفًا على منظومات معقدة من الخوارزميات، والنماذج الحسابية، وتدفقات البيانات. يتراجع الاحتكاك المعرفي المباشر، ويحلّ محله إشراف تقني على عمليات لا تُرى ولا تُلمس. وبهذا، تتبدل هوية العالِم ذاتها: من مكتشف يجادل الطبيعة، إلى مدير أنظمة معرفية؛ ومن فاعل إبستمولوجي، إلى مُقيِّم لمخرجات أنتجتها الآلة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يُنتَج في هذا السياق معرفة بالمعنى الفلسفي للكلمة، أم مجرد نتائج نافعة قابلة للاستخدام؟ سؤال يعيدنا، بالضرورة، إلى «كانط»، حين ميَّز بين المعرفة بوصفها تكديسًا للمعطيات، والمعرفة بوصفها تركيبًا ذهنيًا يجمع بين معطى حسي وبنية عقلية إنسانية. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته الحسابية، يفتقد هذا التركيب؛ إذ لا يملك تجربة، ولا قصدية، ولا وعيًا يمنح المعطى معنى. وهكذا تكشف مهمة التكوين عن مفارقة عميقة: فكلما ازدادت الآلة قدرة على إنتاج النتائج، تراجع دور الإنسان بوصفه منتجًا للمعنى. وفي هذا التوتر الصامت بين السرعة والفهم، وبين التنبؤ والتفسير، يتحدد السؤال الإبستمولوجي الأكبر الذي يرافق الذكاء الاصطناعي في عصرنا: هل نربح معرفة أسرع … أم نفقد المعرفة ذاتها؟

ثالثًا: تحليل أخلاقي (من يقرّر ما الذي يُكتشف؟ ولماذا؟)

    لا تطرح مهمة التكوين سؤال الاكتشاف بوصفه مسألة تقنية فحسب، بل تُضمِر سؤالًا أعمق وأخطر: ماذا ينبغي أن نكتشف أولاً؟ وأي الأسئلة تستحق أن تُمنح الموارد، والبيانات، والزمن الحاسوبي؟ هنا، يغادر العلم حيزه المحايد ليدخل مجال الحكم القيمي، حيث تصبح الأولويات العلمية قرارات أخلاقية مقنعة بلغة الخوارزميات. بعبارة أخرى، حين تُدرَّب الأنظمة الذكية على تفضيل المشاريع ذات العائد السريع، أو تلك المرتبطة بالتطبيقات العسكرية والاقتصادية، فإننا نكون قد أعدنا تعريف الحقيقة وفق منطق المنفعة، وبالتالي لا يعود السؤال: ما الذي يُوسع فهمنا للعالم؟ بل: ما الذي يُنتج نتائج أسرع وأكثر قابلية للاستثمار؟ وهكذا، يُعاد ترتيب سُلم القيم العلمية دون نقاش علني، وبلا مساءلة فلسفية.

    في هذا الأفق، تُهمَّش بحوثٌ بعينها لأنها غير مربحة، وتُؤجَّل تساؤلات أساسية لأنها لا تتلاءم مع منطق «الفعالية الحاسوبية» Computational Efficiency، حيث يصبح التأمل عبئًا، والبطء العلمي خطيئة، وتغدو المعرفة ذاتها خاضعة لإيقاع السوق والاستراتيجية. هنا، يتجسد خطر تسييس العلم عبر خوارزميات تبدو محايدة، بينما هي تعكس، في العمق، منظومة قيم محددة سلفًا. ولو أردنا الدقة لقلنا أن مهمة التكوين تقوم على بنية شديدة التركيز، تتقاطع فيها سلطة الدولة، وقوة الحوسبة العملاقة، ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى. وهذا التقاطع لا يُنتج مجرد كفاءة علمية أعلى، بل يؤسس لنمطٍ جديد من المركزية المعرفية، حيث تُحتكر أدوات الاكتشاف قبل أن تُحتكر نتائجه.

    تنشأ، في هذا السياق، فجوة أخلاقية متسعة بين من يملك البنية التحتية – البيانات، الحواسيب، الخوارزميات – ومن لا يملك سوى الفضول العلمي والأسئلة المفتوحة. وهكذا، لا تعود المعرفة فضاءً إنسانيًا مشتركًا، بل تتحول تدريجيًا إلى امتياز سيادي – تقني، تُمنح شروط الوصول إليه بقدر ما تُمنح شروط المواطنة أو القوة الاقتصادية. ولا شك أن هذا الوضع يعيد إلى الأذهان ما أشار إليه «ميشيل فوكو» حين ربط المعرفة بالسلطة، غير أن الربط اليوم لا يمر عبر الخطاب أو المؤسسة وحدهما، بل عبر الخوارزمية، بوصفها بنية غير مرئية تُقرر ما يُرى، وما يُحسب علمًا، وما يُستبعد بصمت؛ فالسلطة لم تعد تفرض ما يجب أن نعرفه، بل باتت تحدد ما يمكن أن نعرفه أصلاً. وبقدر ما تعد مهمة التكوين بتسريع الاكتشافات، فإنها تُعيد رسم خرائط السلطة المعرفية، وتطرح سؤالاً لا مفر منه: هل لا يزال العلم مشروعًا إنسانيًا جماعيًا، أم أنه بصدد التحول إلى مجال سيادي تحكمه الخوارزميات، وتديره قلة تملك مفاتيح المستقبل؟

رابعًا: البعد السياسي – الفلسفي لمهمة التكوين

    لم يكن توقيع الرئيس «دونالد ترامب» على مهمة التكوين إجراءً إداريًا عابرًا، ولا قرارًا تقنيًا محضًا، بل فعلاً رمزيًا بالغ الدلالة، يكشف عن تحول عميق في نظرة الدولة إلى العلم، وفي موقع المعرفة داخل معادلات السيادة والقوة؛ ففي الأفق الذي تفتحه مهمة التكوين، لا يكون اكتساب المعرفة نشاطًا إنسانيًا كونيًا تتم ممارسته باسم الفضول العقلي أو السعي إلى الفهم، بل مجرد نشاط سياسي يُدار بمنطق الأمن القومي والتفوق الدولي. فالاكتشاف العلمي، في هذا السياق، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة في صراع عالمي على النفوذ التكنولوجي. وعلى هذا النحو، تمثل مهمة التكوين، في جوهرها، لحظة يتم فيها تحويل العلم إلى أداة سيادة، حيث تُعاد صياغة الاكتشاف بوصفه عنصرًا من عناصر القوة، لا يقل أهمية عن السلاح أو الاقتصاد. وبهذا، تتغير أخلاق العلم ذاتها: ينتقل من منطق التعاون إلى منطق السباق، ومن الانفتاح المعرفي إلى التحكم الاستراتيجي، ومن تبادل المعرفة إلى احتكارها أو تسريعها في اتجاه يخدم مصالح بعينها.

    لطالما افترضت الفلسفة الحديثة – ولو على نحو إشكالي – أن العلم قادر على قدر من الحياد، وأنه يمكن فصله، نظريًا على الأقل، عن الصراعات السياسية والأيديولوجية. غير أن مهمة التكوين تكشف هشاشة هذا الافتراض، إذ تُظهر أن العلم في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مُسيَّسًا بشكلٍ عرضي، بل بشكلٍ بنيوي؛ فالذكاء الاصطناعي لا يحرر العلم من السياسة، بل يُكثف ويُسرع تداخله معها؛ لأنه يعيد تنظيم المعرفة وفق منطق الموارد، والأولويات، والبنى التحتية التي لا يمكن فصلها عن السلطة. وهكذا، لم يعد التسييس يأتي من الخارج، بل صار مدمجًا في الخوارزمية ذاتها، في طريقة جمع البيانات، وفيما يُعد سؤالًا علميًا مشروعًا، وفي ما يُقصى بصمت!

خامسًا: السؤال الفلسفي الجذري الذي تطرحه مهمة التكوين

    إذا كان بوسعنا تسريع الاكتشاف العلمي إلى ما لا نهاية، فهل نُسرع الفهم أم نلغيه؟ هذا السؤال لا يخص مهمة التكوين وحدها، بل يمس جوهر علاقتنا بالتقنية والمعرفة في العصر الحديث. هنا، يعود صدى «مارتن هيدجر» ليذكرنا بأن خطر التقنية لا يكمن في ما تفعله بنا، بل في الكيفية التي تجعلنا نرى بها العالم؛ فالتقنية، في جوهرها، ليست أداة، بل نمط كشف Mode of Revealing، طريقة يُقدَّم بها الوجود إلينا. وفي أفق مهمة التكوين، يُعاد تقديم العالم بوصفه مخزونًا من الأنماط، قابلاً للاستخراج، والمعالجة، وإعادة التركيب. 

    في هذا المنظور، يصبح العالم مادة خام للمعالجة الخوارزمية، وتغدو الظواهر مجرد بيانات تنتظر التصنيف، وليست أسئلة تنتظر الفهم. وهكذا، لا يُختزل الاكتشاف في السرعة فحسب، بل يُختزل المعنى ذاته في قابلية الحساب. ومن ثم تتكشف المفارقة الكبرى: أن نفقد علاقتنا التأملية بالعالم؛ فحين يتحول الوجود إلى مورد، والمعرفة إلى إنتاج، والعلم إلى سباق، يظل السؤال مفتوحًا، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل نصنع مستقبلًا أكثر معرفة، أم عالمًا أسرع… وأقل فهمًا؟

أخيرًا، تقف مهمة التكوين عند مفترق دقيق في تاريخ العلم؛ مفترق لا يُقاس بما تعد به المهمة من سرعة أو بما تتيحه من قدرة حسابية، بل بما تطرحه من أسئلة صامتة عن معنى المعرفة وحدودها؛ فهي، من جهة، تحمل وعدًا علميًا حقيقيًا: وعدًا بتسريع الاكتشاف، وتفكيك المشكلات الكبرى التي استعصت طويلاً على العقل البشري، وتوسيع أدوات التفكير إلى آفاق لم تكن ممكنة من قبل. ومن جهة أخرى، تلوح بخطرٍ فلسفي لا يقل عمقًا، خطر أن تتحول المعرفة إلى مجرد مُنتج، والفهم إلى عبء، والعلم إلى بنية خوارزمية تتم إدراتها فحسب! وفي ضوء المقارنة مع مشروع مانهاتن وبرنامج أبولو، يتضح أن كل لحظة علمية كبرى حملت معها ثمنًا وجوديًا؛ مشروع مانهاتن كشف قدرة العلم على التدمير، وأفقد المعرفة براءتها إلى الأبد؛ وبرنامج أبولو أعاد للعلم شيئًا من الحلم، وربطه بالرمز والمعنى، وجعل الإنسان يرى نفسه ككائن قادر على تجاوز حدوده؛ أما مهمة التكوين، فإنها تفتح طورًا ثالثًا أكثر غموضًا: طور العلم الذي لا يحتاج إلى الإنسان بوصفه مركزًا، بل يكتفي به بوصفه مراقبًا ومُقيِّمًا لما تنتجه الآلة. 

    الخطر هنا ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الرؤية التي يفرضها على العالم؛ فحين يُعاد تقديم الوجود بوصفه مخزونًا من الأنماط القابلة للاستخراج، وحين يصبح الزمن قيمة قائمة بذاتها، وحين يُختزل السؤال العلمي إلى ما هو أسرع وأكثر فاعلية، يتراجع المعنى لصالح القدرة، ويتوارى الفهم خلف الكفاءة. عندها، لا نفقد السيطرة على التقنية بقدر ما نفقد علاقتنا التأملية بالعالم. إن المستقبل الأخلاقي للعلم لن يُحسم داخل الخوارزميات، ولا في مراكز الحوسبة العملاقة، بل في قرار إنساني سابق عليها جميعًا: قرار يتعلق بما نريد أن نكونه ونحن ننتج المعرفة.

    قد تمنحنا مهمة التكوين علمًا أعظم، لكنها لا تضمن علمًا أعمق. وبين وعد التوسع وخطر الاختزال، يقف الإنسان مرة أخرى أمام اختبار قديم متجدد: كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع عقله، لا ليحل محله!

السبت، 31 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء الحلقة الخامسة: (نساءٌ سُرقت أفكارهن مرتين)

يناير 31, 2026

عالمات ومبتكرات تعرضن للسرقة الفكرية وتهميش إنجازاتهن العلمية عبر التاريخ، يجسدن ضحايا الـ Intellectual Theft

خامسًا: حين لا يُغتال العقل، بل يُمحى اسمه

   لم يُقص حضور المرأة من تاريخ الفكر دائمًا بقبضةٍ غليظة أو بمحارق علنية؛ ربما مُنعت أحيانًا من التفكير بالعُرف أو العادة أو القانون، وربما أُسكتت بالقوة الصريحة. لكن الإقصاء، في أغلب تجلياته، كان أكثر هدوءًا … وأكثر فتكًا: أن تُنتج الفكرة، ثم يُسحب منها الاسم؛ أن يُولد المعنى من عقلها، ثم يُترك يتيمًا في سجل التاريخ. هكذا لم تُسرق أفكار النساء دفعةً واحدة، بل نُهبت على مرحلتين: مرة حين استُعملت بلا اعتراف، ومرة حين أُعيدت كتابة الذاكرة الفكرية كما لو أن صاحباتها لم يكنَّ يومًا. 

* هيباتيا: اغتيال الجسد، وطمس معالم العقل

   لم تكن «هيباتيا» Hypatia الإسكندرانية (حوالي 355 – 415) مجرد اسمٍ يُستدعى بوصفه شاهدًا على عنف عصرٍ مضطرب، ولا حادثةً دموية طواها زمن الاضطهاد الديني والسياسي في أواخر العصور القديمة، بل كانت حضورًا عقليًا استثنائيًا، تشكَّل في قلب الإسكندرية بوصفها مدينةً تتنازعها العقائد، وتتجاذبها السلطات، وتختبر على نحوٍ عنيف حدود التعايش بين العقل والإيمان، وبين المعرفة والسلطة. لقد مثَّلت «هيباتيا»، في زمنٍ يميل إلى الانغلاق، إمكانًا حيًّا لاستمرار العقل النقدي، وشاهدًا على أن الفلسفة لا تزدهر إلا في المساحات الهشة التي تسبق الانكسار!

    كانت «هيباتيا» عالمة رياضيات وفلك، وفيلسوفة تنتمي إلى التقليد الأفلاطوني المحدث، تمارس التعليم بوصفه فعلاً تحريريًا يوقظ القدرة على التفكير. وقد جلس إلى دروسها رجالٌ سيغدون لاحقًا من أعمدة الفكر والسياسة في عالمهم، فشكَّلت عقولهم في زمنٍ كان فيه تعليم النساء استثناءً، وتصدرهن مشهد الحكمة ضربًا من التمرد الهادئ على أعراف راسخة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الأثر العميق، لم يصلنا كتاب واحد يحمل توقيعها، ولا نصٌّ مكتمل يمكن نسبته إليها بيقين. كأن الفكر الذي نطق به لسانها كُتب عليه أن يبقى شفهيًا، هشًا، مُعرضًا للاندثار بمجرد غياب الجسد الذي حمله.

    إن معرفتنا بـ «هيباتيا» تأتي عبر الشقوق: رسالة تلميذٍ ممتن، أو شهادة خصمٍ متحفظ، أو إشارة عابرة في هامش نصٍ لا يقصدها أصلاً؛ شذرات متناثرة، لا تصنع أرشيفًا، بل تُذكر بغياب الأرشيف ذاته. وهذا الغياب ليس بريئًا؛ إذ لا يبدو وكأنه محض صدفة تاريخية، بل نتيجة منطقية لآليات محوٍ اشتغلت بهدوء، ونجحت حيث يفشل العنف الصريح. فالقتل، على بشاعته، يظل حدثًا مكشوفًا، أما المحو المعرفي فهو قتلٌ مؤجَّل، لا يُرى أثره إلا حين نبحث فلا نجد! 

    لقد قُتلت «هيباتيا» جسديًا على أيدي غوغاء مُسيَّسين، في واقعة باتت رمزًا لانتصار التعصب على العقل، غير أن الجريمة الأعمق لم تكن في سفك الدم وحده، بل في طمس الأثر، وتجفيف الامتداد، وقطع السلسلة التي كان يمكن أن تربط فكرها بأجيال لاحقة. فالجسد يمكن اغتياله في لحظة، أما العقل فلا يُغتال إلا حين يُحرم من الذاكرة، ويُجتث من سياقه. وهكذا، تصبح «هيباتيا» مثالاً صارخًا على شكلٍ من أشكال العنف الثقافي الذي لا يكتفي بإسكات الصوت، بل يعمل على محو صداه. فالمعرفة التي لا تُدوَّن، أو لا يُسمح لها أن تُدوَّن، تظل عُرضة للنسيان، وكأنها لم تكن. ومن هنا، يمكن القول إن «هيباتيا» لم تُقتل مرةً واحدة، بل قُتلت مرتين: مرة حين سُحقت جسديًا في شوارع الإسكندرية، ومرة حين أُعدم فكرها بصمت، عبر إقصائه من المتن، وتركه يتلاشى في الهوامش.

    إن مأساة «هيباتيا»، في جوهرها، ليست مأساة فردٍ فحسب، بل مأساة العقل حين يُستهدف لا لأنه أخطأ، بل لأنه فكَّر. وهي تذكيرٌ قاسٍ بأن المحو، حين يُحسن تدبيره، قد يكون أبلغ أثرًا من القتل؛ لأنه لا يترك ضحيةً واحدة، بل يخلّف فراغًا معرفيًا يمتد عبر القرون.

* ماري أنينغ: الاكتشاف الذي عاش بلا اسم

    في القرن التاسع عشر، حين كان العلم يخطو خطواته الأولى نحو فهمٍ عميقٍ لأزمنة الأرض السحيقة، كانت عالمة الحفريات البريطانية «ماري أنينغ» Mary Anning (1799 – 1847) تمشي وحيدةً على حوافّ العالم؛ بعيدًا عن قاعات الجامعات، على الشواطئ الباردة لجنوب إنجلترا، حيث تتكسر الأمواج كما تتكسر الأوهام القديمة. هناك، بين صمت الصخور وذاكرة الطبقات الجيولوجية، كانت تلتقط شظايا الزمن، وتستخرج من جسد الأرض بقايا كائناتٍ سبقت الإنسان بآلاف القرون، كأنها تستنطق الماضي ليعترف بما كان.

    لم تكن «ماري» مجرد ملتقطة أحافير، بل كانت قارئةً نادرةً للعلامات الخفية، تفهم ما ترى، وتربط بين الأجزاء، وتعيد بناء الحكاية الكبرى للحياة قبل أن يكون لذلك علمٌ مكتمل الاسم أو المنهج. اكتشفت ما لم يره غيرها، وصنَّفت ما عجز كثيرون عن فهمه، وكانت معرفتها، كما شهد معاصروها، أعمق من معرفة معظم أولئك الذين جلسوا على مقاعد الاعتراف الأكاديمي. لكن المأساة لم تكن في الجهل، بل في نظامٍ كان يرى العلم امتيازًا اجتماعيًا، وليس ثمرة إعمالٍ للعقل. لم تكن «ماري» رجلاً، ولم تكن من طبقةٍ تملك حق الدخول إلى النوادي العلمية المغلقة؛ ولذلك، ظل علمها يعبر الأبواب دونها. كانت الاكتشافات تُحمل إلى القاعات المضيئة، تُناقش بأسماءٍ أخرى، وتُسجَّل في دفاتر التاريخ بأقلامٍ لم تبتل بملح البحر ولا بعرق الشقاء، بينما بقيت هي على الهامش، شاهدةً على ما يُصنع من ثمار جهدها دون أن يُذكر اسمها!

    قال أحد معاصريها بحق: «كانت تعرف أكثر مما يعرف معظمهم»، غير أن المعرفة، حين تصدر عن امرأةٍ فقيرة، لا تُعد كافية لتمنح الخلود. فالعلم، في تلك الحقبة، لم يكن يبحث فقط عن الحقيقة، بل عن صاحبٍ «مناسب» للحقيقة؛ اسمٍ يتوافق مع السلطة، ونسبٍ يرضي العرف، وصوتٍ يُسمح له بأن يُسمع. وهكذا، لم تُسرق اكتشافات «ماري» في لحظاتٍ فجة، بل جُردت منها ببطءٍ أشد قسوة: اقتُطعت منها اسمًا بعد اسم، وحُذفت حتى من الهوامش، حتى غدا ما أنجزته كأنه وُلد بلا أم. اكتشافاتٌ عظيمةٌ عاشت، لكنها عاشت يتيمة، بلا وجهٍ يشبهها، وبلا اسمٍ يعترف بأن امرأةً وقفت يومًا على الشاطئ، وغيرت، بصمتها العنيد، فهم البشرية لتاريخ الحياة على الأرض!

* روزاليند فرانكلين: الصورة التي غيّرت العالم ولم تُوقَّع

    حين ركزت عالمة الفيزياء الحيوية «روزاليند فرانكلين» Rosalind Franklin (1920 – 1958) عدسة العلم على البنية الخفية للحياة، لم تكن تلتقط صورةً عابرة، بل كانت تُجمد لحظةً كونيةً نادرة: لحظة انكشاف السر الذي يكتب به الوجود ذاته شيفرته. في مختبرٍ بارد، وتحت شروطٍ صارمة من الدقة والصبر، وُلدت تلك الصورة التي ستُعرف لاحقًا بوصفها المفتاح الصامت لفهم اللولب المزدوج للحمض النووي. لم يكن في نيتها أن تُحدث ضجيجًا، فالعلم عندها كان فعل أمانة وليس عرضًا للبطولة، واكتشاف الحقيقة كان غايةً وليس وسيلةً إلى المجد.

    لكن الصورة، ما إن خرجت من إطارها الأخلاقي، حتى بدأت حياةً أخرى لا تشبه صاحبتها؛ استُخدمت دون إذن، وتناقلتها الأيدي كما لو كانت فكرةً سائبة بلا أصل، وبُني عليها النموذج الذي سيُعلن لاحقًا بوصفه أعظم إنجازات علم الأحياء في القرن العشرين. نُشرت النظرية، وتحول الاكتشاف إلى خطابٍ عالمي، بينما ظل الاسم الذي منح الصورة معناها الحقيقي مطويًّا في الظل، كأن العدسة التقطت الحقيقة، لكنها أخفت صاحبة النظر. وحين جاء زمن الاحتفاء، زمن الجوائز والتكريمات والكلمات الرنانة عن «العبقرية الإنسانية»، كان مقعد «روزاليند» فارغًا. لم يكن غيابها نتيجة سهوٍ بريء أو نسيانٍ عابر، بل ثمرة فعلٍ مكتمل الأركان: استحواذ مباشر، جرى بهدوء العلماء وبرودة المختبرات، ثم أُلبس لاحقًا ثوب الضرورة التاريخية. ولم يكن التاريخ يومها قاسيًا فحسب، بل كان صبورًا على الظلم، يؤجل تصحيحه حتى يفقد التصحيح معناه؛ فالاعتراف الذي جاء لاحقًا، بعد رحيلها المبكر، لم يكن إنصافًا بقدر ما كان تسجيلاً متأخرًا للذنب. بعض الاعترافات لا تعيد الحق إلى صاحبه، لأنها تأتي حين لا يعود صاحب الحق موجودًا ليسمعها. إنها اعترافات تُكتب لتبرئة الذاكرة الجماعية، وليس لإنقاذ العدالة. وهكذا بقيت صورة «روزاليند» شاهدةً على مفارقة موجعة: أن تغير امرأةٌ وجه العالم، ثم تُمحى من صورته، وأن يُخلَّد الاكتشاف، بينما يُترك من صنعه خارج التاريخ … موقَّعًا بالصمت!

* إيمي نوثر: العبقرية التي عملت في الظل

    في صميم الفيزياء الحديثة، حيث تُبنى القوانين بوصفها لغة الكون الخفية، تقف «مبرهنة نوثر»  Noether's theorem كعمودٍ لا يُرى، لكنه يحمل السقف كله؛ فلا يمكننا فهم قانون حفظٍ للطاقة Conservation Law، ولا الزخم، ولا الشحنة، إلا إذا أُصغينا إلى تلك العلاقة العميقة التي كشفتها عالمة الرياضيات الألمانية «إيمي نوثر» Emmy Noether (1882 – 1935) بين تناظرات الطبيعة وثبات قوانينها. لقد أعادت «نوثر» ترتيب الفهم ذاته: لم تعد القوانين أوامر مفروضة على الكون، بل نتائج حتمية لانسجامه الداخلي.

    مع ذلك، كانت صاحبة هذا الانقلاب المفهومي تعمل في الهامش، لا لأن عقلها قاصر، بل لأن المكان لم يكن معدًّا لاستقبال امرأةٍ تحمل هذا القدر من الجذرية الفكرية. كانت «نوثر» يمارس التدريس في الجامعات الألمانية بلا أجر، كأن المعرفة التي تمنحها لا تستحق مقابلًا، وكأن حضورها ذاته فعلٌ زائد عن الحاجة. نُشرت أفكارها أحيانًا تحت أسماء زملائها، لا على سبيل التصحيح الشكلي للاسم الذي ينبغي أن يتصدرها؛ فالعقل مقبول، ما دام لا يطالب بجسدٍ مؤسسي، ولا باسمٍ مُعلَّق على باب التاريخ!

    قال «آينشتين» عنها إنها «أعظم عبقرية رياضية منذ بدء تعليم النساء»، لكن حتى هذه الشهادة، الصادرة عن أكثر العقول حضورًا في القرن العشرين، لم تكن كافية لفتح الأبواب المغلقة. فالمشكلة لم تكن في التقدير الفردي، بل في بنيةٍ كاملةٍ كانت توزع الشرعية كما تُوزع الامتيازات: بحسابات النوع الاجتماعي، لا بحسابات العبقرية. وهنا، لم تقع السرقة في مستوى الفكرة ذاتها؛ فمبرهنة «نوثر» بقيت باسمها، عصية على المحو. السرقة وقعت في مستوى أدق وأقسى: الحق في الوجود الأكاديمي. في المنبر الذي تُلقى عليه الأفكار، في المنصب الذي يُحول العقل إلى مؤسسة، في الاعتراف الذي يجعل العبقرية حدثًا تاريخيًا. لقد سُمح لـ «نوثر» بأن تفكر، لكن لم يُسمح للفكر أن يستقر فيها بوصفها مرجعه الشرعي.

    من هنا تتضح الصورة الكبرى: إن إقصاء النساء من تاريخ الفكر لم يكن دائمًا صاخبًا أو عنيفًا، بل كان في الغالب إجرائيًا، باردًا، ومنظمًا. لم تُكمَّم الأفواه، بل أُعيد توجيه الأسماء. لم يُمنعن من التفكير، بل مُنع الفكر من أن يُنسب إليهن. وبين الفكرة واسمها، تاهت عقولٌ كثيرة، وبقي التاريخ –كما كُتب – سجلاً ناقصًا، يحتاج دومًا إلى من يعيد قراءته بإنصاتٍ مختلف!

** الحضور الغائب: عبقرية المرأة في التاريخ العربي

    في صفحات التاريخ العربي، نجد أن النساء كُن حاضرات بفعلهن وعملهن: علَّمن الحديث، مارسن الطب، نسخن المخطوطات، وأدرن مدارس العلم والتعليم. لكن ثمة فجوة عظيمة بين حضورهن العملي وبين ما وصل إلينا من أثرهن المكتوب. ماذا كتبن؟ كيف فكرن؟ وأين ذهبت أفكارهن؟ كثيرٌ منها نُقل شفهيًا، أو نُسب إلى الرجال، أو تلاشى مع الزمن، كما لو أن الذاكرة التاريخية قررت أن تبتلع صوتهن.

    لم يكن الإقصاء دائمًا صارخًا، ولا منعًا مباشرًا بالورقة والقلم. كان إقصاءً بنيويًا دقيقًا: أن تكون المرأة موجودة في الفعل، حاضرة في الإبداع، غائبة في السجل؛ أن تعمل، وأن لا يُعترف باسمها، كأن الوجود ذاته لم يكن كافيًا ليمنحها حق الظهور الرمزي. لقد صيغ التاريخ وفق آليات السلطة، والسلطة كانت ذكورية، مركزية، وانتقائية في من يُسمح له بأن يحجز مكانه في ذاكرة الفكر. لم تُقص المرأة لأنها أقل عقلاً، بل لأنها لم تُمنح حقًا أساسيًا: الحق في التمثيل، الحق في أن يُسجَّل اسمها، الحق في أن يُقال يومًا: كانت هنا، وفكرت، وأبدعت، وأضافت!

    اليوم، الاعتراف ليس ترفًا أكاديميًا، ولا مجرد تصحيح لسجلات مضت. إنه إعادة إنسانية للفكر نفسه، استعادة للضمير المعرفي، وإعادة صياغة التاريخ بما يليق بالعدالة الفكرية. حين نعيد أسماء النساء إلى أفكارهن، لا نغير الماضي كما حدث، لكننا نغير الطريقة التي نفهم بها الإبداع، ونستعيد حق الفكر في أن يُذكر صاحبه.

    إن أخطر سرقة في تاريخ الفكر لم تكن سرقة الأفكار، بل سرقة الاسم. فحين يُسرق الاسم، يُسلب الإنسان حقه في الذاكرة، ويُمحى أثره الرمزي من دائرة التأريخ، فيصير مجهولاً في معادلة الفكر، وكأن فكرة عظيمة خرجت من فراغ، لا من عقلٍ حي.

الحلقات السابقة

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الأولى: (لافوازييه وبريستلي)

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الثانية: (نيوتن وليبنتز)

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقتان الثالثة والرابعة: (داروين ووالاس & هيدجر وهوسرل & نبتشه وشوبنهور)

الأربعاء، 28 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقتان الثالثة والرابعة: (داروين ووالاس & هيدجر وهوسرل & نبتشه وشوبنهور)

يناير 28, 2026

لوحة تجمع داروين، هيدجر، نيتشه، وعلماء آخرين في مكتبة تاريخية، تعبر عن صراعات الأفكار والسرقات العلمية والفلسفية

ثالثًا: داروين ووالاس: حين تبتلع الفكرة أحد أبنائها

    في تاريخ الفكر الإنساني، لا تُرتكب المظالم دائمًا بيدٍ غليظة، ولا تُقترف السرقات تحت ضوء الفضيحة؛ كثيرًا ما يتشكَّل الظلم في صمتٍ مُهذَّب ومهيب، ويُمارس بأختامٍ رسمية، ويُغلَّف بخطابٍ عقلانيٍ يزعم النزاهة وحُسن النية. هناك، حيث تتوارى النوايا الشريرة الصريحة، ويحل محلها منطق الإجراء والسلطة، تُرتكب أفدح الانحرافات، لا لأنها صادمة، بل لأنها تبدو طبيعية، بل ومبرَّرة.

    من بين أكثر هذه الوقائع دلالة، ما انكشف لاحقًا في قصة نشوء نظرية التطور؛ تلك اللحظة الدقيقة التي تلامست فيها العبقرية مع المصادفة، وتداخل فيها الإبداع الخالص مع حسابات النفوذ، فاختلط الإنصاف بما يتيحه الموقع، وليس بما يستوجبه الحق.

    لم يكن عالم الطبيعة والأحياء والمستكشف والجغرافي والأنثروبولوجي البريطاني «ألفرد رسل والاس» Alfred Russel Wallace (1823 – 1913) ظلاً لأحد، ولا تلميذًا يُردد ما قيل قبله، ولا ناسخًا لفكرة سبقت إلى التداول؛ بل كان عقلاً مكتمل الاستقلال، شق طريقه وحيدًا في قلب الغابات الاستوائية، حيث لا أكاديميات ولا منابر، حتى بلغ – عبر التأمل والتجربة – إلى الجوهر ذاته الذي كان ابن موطنه «تشارلز داروين» Charles Darwin (1809 – 1882) يعمل على بلورته في عزلةٍ أخرى، أقل قسوةً وأكثر اتصالاً بالمؤسسة العلمية: فكرة الانتخاب الطبيعي Natural Selection. وحين خط «والاس» رسالته إلى «داروين» سنة 1858، لم يكن في ذهنه طلب اعتراف، ولا توقٌ إلى مجد، ولا رغبة في منافسة. كتب ببراءة العالم الذي يرى في الحقيقة ملكًا مشتركًا، وليس غنيمةً تُحتكر. شارك فكرته بثقةٍ كاملة في نزاهة زميله، وباطمئنان من لم يتعلم بعد أن المعرفة، متى لامست مراكز النفوذ، لا تُقاس بصفائها وحده، بل بقدرتها على الصمود داخل ميزان القوة.

    هنا، عند هذه النقطة بالذات، يبدأ التحول من تاريخ الأفكار إلى سياسة الأفكار؛ من سؤال: من فكَّر أولاً؟ إلى سؤالٍ أكثر خطورة: من يملك حق الإعلان؟ ففي هذا الانتقال الصامت، لا تُكذَّب الفكرة، ولا تُمحى، لكنها تُعاد نسبتها، ويُعاد ترتيب المشهد بحيث يبدو كل شيء عادلاً، من دون أن يكون منصفًا تمامًا.

    ما جرى بعد ذلك لا يندرج في باب السرقة الفجة، ولا يستقيم أن يُوصَف بالعدل الخالص. لقد كان، على نحو أدق، صورةً رمادية لتاريخ المعرفة حين لا تُدار بمنطق الحق وحده، بل بمنطق العرض والتمثيل؛ فقد عُرضت أفكار الرجلين معًا أمام الجمعية اللينية في لندن The Linnean Society، في إجراء بدا، ظاهريًا، منصفًا ومتوازنًا؛ غير أن التاريخ – كما اعتاد – لا يحتفظ بجميع الأصوات، بل يختار منها صوتًا واحدًا، ثم يعيد بناء الحكاية من حوله.

    في تلك الجلسة، قُرئت رسالة «ألفرد رسل والاس» التي كتبها من أرخبيل الملايو، والتي لخص فيها تصوره لآلية الانتقاء الطبيعي بوصفها القوة التي تُبقي الأصلح وتُقصي ما لا يتكيف. لم تكن الرسالة عابرة ولا غامضة؛ فقد عرض «والاس» فيها، بوضوح لافت، فكرة الصراع من أجل البقاء  Struggle for Existence، وكيف يؤدي التفاوت الطفيف بين الأفراد، عبر الزمن، إلى نشوء الأنواع الجديدة. ولم يكن ذلك حدسًا شاعريًا، بل بناءً تصوريًا متماسكًا، سبق في دقته كثيرًا من الصياغات اللاحقة. ثم أُرفقَت الرسالة ببحث «والاس» المعنون: في ميل الأصناف إلى الابتعاد اللامحدود عن النمط الأصلي On the Tendency of Varieties to Depart Indefinitely from the Original Type، وهو عنوان لا يخفى ما فيه من جرأة فلسفية، إذ يُصرح منذ سطوره الأولى بأن الثبات وهم، وأن الطبيعة لا تعرف السكون، بل التحول المستمر.

    مع ذلك، خرج «داروين» من هذا العرض المشترك بوصفه «صاحب النظرية»، لا لأن فكرته كانت أوضح، ولا لأن تصوره كان أعمق بالضرورة، بل لأنه كان الأقدر على تحويل الفكرة إلى سردية كبرى: كتاب، وحجج متراكمة، وشبكة علاقات، وموقع اجتماعي يُضفي على الفكرة سلطةً إضافية. أما «والاس»، فقد انزاح تدريجيًا إلى الهامش، لا لأن منطقه كان أضعف، بل لأن صوته كان أخفت، ولأن سيرته – حياة الترحال، والعزلة، والبعد عن المركز – لم تكن قابلة للصياغة في صورة الأسطورة التي يعشقها التاريخ. وهكذا، لم تُقص فكرة «والاس»، لكنها ذابت في ظل اسمٍ آخر. ولم يُكذَّب، لكنه لم يُوضع في ذاكرة البيولوجيا كما ينبغي. فالتاريخ، في نهاية الأمر، لا يكتب فقط ما قيل، بل يكتب – وبقسوة صامتة – من الذي امتلك حق القول العلني، ومن استطاع أن يجعل فكرته حدثًا، وليس مجرد حقيقة!

    لسنا هنا أمام لص صريح أو سارق متعمد، بل أمام مفارقة أخلاقية أعقد وأعمق: فكرة واحدة، وعبقريتان متوازيتان، لكن الذاكرة الجمعية، كالتاريخ ذاته، لا تتسع إلا لاسمٍ واحد. وكأن الزمن، مرة أخرى، لا يكافئ من يكتشف الحقيقة فحسب، بل من يمتلك القدرة على حملها على كتفيه طويلاً، وصوغها بلغة تتجاوز الموت، لتصبح قابلة للخلود.

    مأساة «ألفرد رسل والاس» لا تكمن في أن فكرته سُرقت، بل في أنها ذابت داخل إطار أكبر صاغه تاريخ المعرفة، ونُسب إلى غيره. وهنا يتجلى أحد وجوه الظلم المعرفي الأكثر خبثًا: ليس في محو الاكتشاف بحد ذاته، بل في محو من اكتشفه، وتحويل الشريك في الحقيقة إلى هامش في السرد، إلى حضور خافت يُذكر بالكاد، بينما تُرفع راية المؤلف الأكثر قدرة على صياغة السردية الكبرى. وهكذا تتكرر الحلقة، ويُعاد الدرس ذاته على امتداد تاريخ الفكر: الأفكار لا تُظلم لأنها خاطئة، بل لأنها وُلدت في الأيدي الخطأ، أو في الزمان الخطأ، أو بلا الحماية اللازمة التي يحتاجها العقل حين يخرج إلى العالم؛ فالمعرفة، وإن كانت صارمة في قوانينها، لا تزال تُحاكم في أروقة البشر، حيث تتحكّم النفوذ، والشبكات الاجتماعية، والقدرة على سرد الحكاية، أكثر مما تتحكم الحقائق المجردة.

    في هذا الضوء، يبدو التاريخ ليس مجرد سجل للأفكار، بل محكمة رمزية تختار من يُسمع ومن يُنسى، ومن يصبح أسطورة ومن يظل ظلاً. وهنا تكمن المأساة الكبرى للعلم: ليس في خطأ الفكر، ولا في فشل الاستنتاج، بل في الظرف البشري المحيط بالفكرة حين تخرج إلى العالم.

رابعًا: هيدجر وهوسرل: سرقة بلا اعتراف

    في الفلسفة، لا تكون السرقة دائمًا اقتباسًا حرفيًا أو نقلًا فجًّا للأفكار، بل قد تقع في مستوى أعمق: مستوى المنهج، وطريقة السؤال، وشكل النظر إلى الظاهرة. وهذا هو المستوى الذي يجب أن يُفهم منه الخلاف – والاتهام – بين الفيلسوف الألماني «إدموند هوسرل» Edmund Husserl (1859 – 1938) وتلميذه الأشهر «مارتن هيدجر» Martin Heidegger (1889 – 1976).

    كان «هوسرل» مؤسس «الظاهراتية» Phenomenology بوصفها منهجًا صارمًا يقوم على ثلاث ركائز أساسية: 

1. العودة إلى التجربة المباشرة كما تُعاش، لا كما تُفسَّر ميتافيزيقيًا؛

2. تعليق الأحكام المسبقة (الإبوخيه Epoche) لفحص الظواهر كما تظهر للوعي؛

3. تحليل بنية القصدية: أي أن كل وعي هو وعيٌ بشيء، وأن المعنى لا يُفهم إلا من خلال هذا التوجه القصدي.

    هذه الركائز هي ما تلقاه «هيدجر» كاملاً، حيث أخذ من هوسرل المنهج الظاهراتي بأكمله: طريقة الوصف، أسلوب التفكيك، رفض التفسيرات الخارجية، والتركيز على المعنى كما يتكشف من داخل التجربة. لم يكن كتابه الرئيس «الوجود والزمن» Being and Time (1927) ممكنًا من حيث المنهج دون هذه الأدوات الهوسرلية.

    لكن هنا يحدث التحول الحاسم: «هيدجر» لم يستخدم الظاهراتية لتحليل الوعي – كما فعل «هوسرل» – بل نقلها نقلة جذرية إلى سؤال الوجود؛ استبدل «الوجود هنا» («الدازاين» Dasein) بالوعي، واستبدل تحليل الانكشاف الوجودي للعالم بتحليل القصدية. غير أن هذا التحويل لم يكن قطيعة منهجية، بل تغييرًا في وجهة الاستخدام مع الحفاظ على الأداة ذاتها.

    المشكلة الأخلاقية لا تكمن في هذا التحويل – فالتحويل مشروع فلسفيًا – بل في ما تلاه؛ ففي «الوجود والزمن»، وهو العمل الذي دشّن به «هيدجر» شهرته الفلسفية الكبرى، غاب اسم «هوسرل» تقريبًا، فلا نجده كمحاور، أو حتى كأصلٍ منهجي. وكأن المنهج الظاهراتي ظهر فجأة بوصفه أداة هيدجرية خالصة، وليس ميراثًا فلسفيًا تلقاه وتشكل داخله.

    ما أخذه «هيدجر» إذن ليس «أفكارًا» جاهزة، بل الحق في السؤال ذاته: أخذ طريقة فتح الظاهرة، أسلوب تحليل المعنى من الداخل، ومبدأ أن الفلسفة لا تبدأ من نظريات عن العالم، بل من كيفية حضوره لنا. هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي الهيكل العميق الذي يقوم عليه «الوجود والزمن». وعندما يُمحى هذا الأصل، لا تُسرق الفكرة، بل تُسرق شرعية التأسيس. يصبح «هيدجر»، في عين القارئ، منشئ المنهج لا وارثه؛ مبتكر الأداة لا مستثمرها؛ بينما الحقيقة التاريخية تقول إن هذا البناء، مهما بلغ من الجدة، قائم على أرض مهدها «هوسرل». 

    من هنا، فإن المسألة ليست تاريخ تأثيرات، بل مسألة عدالة فلسفية؛ فالعبقرية لا تُدان لأنها تجاوزت أستاذها، بل تتم مساءلتها حين تتجاوز دون اعتراف. لأن الاعتراف لا ينتقص من الإبداع، بل يمنحه نسبه، ويمنع الفكر من أن يتحول إلى أسطورة فردية زائفة. ومرة أخرى، ما أخذه «هيدجر» من هوسرل هو المنهج، أسلوب السؤال، وبنية التحليل الظاهراتي ذاتها؛ وما أضافه هو الاتجاه الأنطولوجي واللغة الوجودية الخاصة به. أما الصمت عن هذا الأصل، فليس مسألة أسلوبية، بل موقفٌ أخلاقي ترك أثره في ذاكرة الفلسفة حتى اليوم.

خامسًا: نيتشه وشوبنهاور — التأثر الذي اعترف بنفسه

    يبدو السؤال عن سرقة الفيلسوف الألماني «نيتشه» Friedrich Nietzsche (1844 – 1900) من سلفه «آرثر شوبنهاور» Arthur Schopenhauer (1788 – 1860)، للوهلة الأولى، مشروعًا؛ فالتشابه بين «نيتشه» المبكر وأستاذه الفلسفي واضح لا يحتاج إلى عناء كبير لإثباته. إن فكرة الإرادة بوصفها جوهر العالم، والنظرة المتشائمة إلى الوجود، والشك العميق في الأخلاق السائدة: كلها عناصر تحمل بصمة «شوبنهاور» الثقيلة. غير أن التشابه، في الفلسفة، لا يعني بالضرورة الاستيلاء، كما أن التأثر لا يرقى تلقائيًا إلى السرقة. 

    الفرق الجوهري هنا يكمن في الوعي بالتأثر وفي طريقة الخروج منه. «نيتشه» لم يُخفِ يومًا إعجابه العميق بـ «شوبنهاور»، بل أعلن ذلك صراحة، وعده في مرحلة من حياته «مربيه الأكبر». لم يتسّل إلى أفكاره في صمت، ولم يمحُ اسمه من ذاكرته النصية، بل بدأ من الاعتراف، ثم انتقل إلى الصدام. وهذا الصدام هو ما يجعل العلاقة بينهما علاقة قتل رمزي للأب لا سطوًا خفيًا عليه!

    لقد أخذ «نيتشه» من «شوبنهاور» مفهوم الإرادة، لكنه قلب معناها رأسًا على عقب؛ فعند «شوبنهاور»، الإرادة عمياء، لا عقلانية، وهي مصدر الألم والعبث، وما الخلاص إلا في نفيها، في الزهد، في الانسحاب من الحياة. أما عند «نيتشه»، فالإرادة تتحول إلى إرادة قوة، لا تُنفى بل تُحتضن، لا تُكبح بل تُؤكَّد. وكبديل لأخلاق الشفقة الشوبنهاورية، يطرح« نيتشه» أخلاق الخلق والتجاوز. وكبديل للهروب من العالم، يدعو إلى قول «نعم» للحياة، حتى في أقسى وجوهها.

    هنا لا نجد تكرارًا، بل تحويلاً جذريًا؛ «نيتشه» لم يسرق فكرة أستاذه، بل دخل معها في صراع وجودي، وأعاد تشكيلها بحيث لم يعد «شوبنهاور» قادرًا على التعرف على نفسه فيها. وهذا ما يميز التلميذ الذي يريد هوية خاصة، لا مجرد موقع في ظل معلمه. ولهذا ينجو «نيتشه» من تهمة «اللص الفلسفي»؛ ليس لأنه لم يأخذ، بل لأنه أخذ واعترف، ثم تمرد علنًا. الفلسفة لا تُدين الاقتباس، بل تُدين الإخفاء. ولا تحاكم من يبدأ من غيره، بل من يدعي البدء من العدم. ومع ذلك، تبقى المسألة أوسع من «نيتشه» وحده؛ فالتاريخ الفلسفي لا يكافئ دائمًا الأكثر أمانة، بل الأكثر قدرة على تحويل الفكرة إلى حدث. كثير من الأفكار وُلدت في الهامش، ثم انتقلت إلى المركز حين وجدت من يملك الجرأة واللغة والصوت العالي. هناك، تُقدَّم كأنها قدر فكري، لا ثمرة قلق طويل وتجارب غير مرئية.

    التاريخ يميل إلى الواثقين، لا إلى المترددين؛ إلى من يروي الفكرة بوصفها مصيرًا، لا بوصفها احتمالًا هشًّا. أما الاعتراف المتأخر بفضل المنسيين، فغالبًا ما يأتي بعد فوات الأوان: يعيد الأسماء إلى الهوامش الأكاديمية، لكنه لا يعيد المجد، ولا يداوي عزلة من عاشوا وماتوا خارج الضوء. ومن هنا يظل السؤال موجعًا: كم فكرة عظيمة لم تُكتب لها الحياة لأنها لم تجد من يحملها بلا خوف؟ وكم عقل لامع اندثر لأن غيره كان أبرع في سرد القصة لا في اكتشافها؟ لعل الأفكار، في النهاية، لا تملك أصحابًا ثابتين. لعلها كائنات حرة، تبحث عمن يمنحها شكلاً، وصوتًا، وقدرًا تاريخيًا. وما نعرفه يقينًا أن تاريخ الفلسفة ليس سجلاً خالصًا للأمانة، بل هو سجل للانتصار الرمزي. لذلك، حين نقرأ أسماء العظماء، يجدر بنا أن نصغي أيضًا إلى الهمس الذي خلفهم: أصوات من رأوا أولاً، لكنهم لم يكونوا الأقوى في حكي الحكاية.

الجمعة، 23 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الثانية: (نيوتن وليبنتز)

يناير 23, 2026

لوحة فنية تخيلية تجمع بين العالم إسحاق نيوتن والعالم جوتفريد لايبنتز في معمل قديم، يدرسان المخططات الرياضية لحساب التفاضل والتكامل وسط أدوات علمية كلاسيكية

ثانيًا: نيوتن وليبنتز (العبقرية ومنصة القضاء)

    لم ينبثق علم التفاضل والتكامل من ومضة عبقرية عابرة، ولا من لحظة إلهام خاطفة كما تميل الأساطير إلى أن تُصور نشأة الاكتشافات الكبرى، بل تشكَّل ببطءٍ وصبر داخل عقلين استثنائيين، كان كلٌّ منهما يعمل في عزلة عميقة، أشبه بعزلة الرهبان المنقطعين للتأمل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الفكرة.

    «إسحاق نيوتن» Isaac Newton (1642 – 1727) كان شابًا منفيًّا قسرًا إلى ريف إنجلترا، بعد أن أغلقت الأوبئة أبواب الجامعات وفر الناس من المدن خوفًا من الطاعون. في ذلك الصمت الثقيل، وبين الخوف من الموت وتأمل قوانين الطبيعة، انصرف «نيوتن» إلى تساؤلات تتجاوز طقوس الزمن اليومي: كيف تتغير الأشياء؟ كيف تتحرك الأجسام؟ وكيف يمكن للعقل أن يفهم «اللاتناهي» Infinity ويمسك باللانهاية دون أن يفلت منها؟ كان يُنقب في أعماق الرياضيات كما يُنقب الإنسان عن معنى الخلاص، مدفوعًا بإحساسٍ داخلي بأن الكون يخضع لنظام صارم يمكن كشفه، شرط الصبر والانكفاء.

    وفي مكان آخر من أوروبا (ألمانيا)، بعيدًا عن تلك الحقول المعزولة، كان «جوتفريد فيلهلم ليبنتز» Gottfried Wilhelm Leibniz (1646 – 1716) يسلك طريقًا مختلفًا إلى النتيجة ذاتها. لم يكن منغلقًا على مسألة واحدة، بل كان يجوب ميادين الفكر الواسعة: الفلسفة، والمنطق، واللغة، والتاريخ، والسياسة. ومن هذا الاتساع الذهني، بدأ يصوغ أدوات رياضية جديدة، كلغة رمزية قادرة على التعبير عن التغير والحركة. كان يبتكر الرموز كما لو أنه يمنح العقل البشري أبجدية جديدة لفهم الكون، تجعل الأفكار المعقدة قابلة للرؤية والتداول.

    هكذا، وعلى الرغم من اختلاف السياقين، والمسارين، وطبائع التفكير، التقى العقلان عند الحقيقة ذاتها: البنية الرياضية التي تصف التغير المستمر. غير أن هذا اللقاء كان لقاء أفكار لا لقاء أقدار؛ فقد اجتمعا عند الاكتشاف، لكنهما افترقا عند المصير والضمير، إذ قاد الاكتشاف كلاً منهما إلى طريق مختلف في التاريخ، لا تحكمه العبقرية وحدها، بل تحكمه أيضًا ظروف النشر، والسلطة، والاعتراف!

   ربما كان «نيوتن» هو الأسبق إلى تخوم الاكتشاف، لكنه تعامل مع فكرته كما يتعامل الناس مع الكنوز النادرة: يُخفيها في أدراج العقل، بعيدًا عن الأعين، خوفًا من أن تُساء قراءتها أو تُنتزع من سياقها قبل أن تكتمل. كان يؤمن أن الفكرة التي لم تتخمر طويلاً في صمتٍ قاسٍ لا يحق لها أن تخرج إلى العالم، وأن النقد المبكر ليس نقاشًا بقدر ما هو تهديد لصورة العبقري عن نفسه. لذلك آثر العزلة، وترك اكتشافه حبيس المخطوطات، مؤجلاً لحظة المواجهة مع الآخرين.

    أما «ليبنتز»، فكان نقيضه في المزاج والرؤية. لم يرَ في الفكر ملكية خاصة، بل مشروعًا جماعيًا لا يكتمل إلا بالتداول. كان يؤمن أن الفكرة لا تولد ولادةً كاملة إلا حين تُقال، وتُكتب، وتُعرَض على عقول أخرى، فتُختبر في سجالها مع النقد والاختلاف. وحين نشر سنة 1684 مقاله «منهج جديدة لإيجاد القيم العظمى والصغرى، وكذلك المماسات، لا تعيقها الكسور ولا الكميات» Nova Methodus، والذي قدَّم فيه لأول مرة حساب التفاضل برموزه المعروفة التي ستصير لاحقًا لغة الرياضيات الحديثة، لم يكن يتخيل أنه لا يفتح باب علم جديد فحسب، بل يفتح أيضًا باب خصومة تاريخية!

    في تلك اللحظة، لم يتوقف العالم ليسأل السؤال الفلسفي الأعمق: كيف يمكن لعقلين، يعمل كلٌّ منهما بمعزل واستقلال عن الآخر، أن يصلا إلى البنية ذاتها لفهم التغير واللاتناهي؟ لم يُطرح سؤال تلاقي العقول، بل طُرح سؤال الاتهام؛ سؤال أقرب إلى الغريزة البدائية منه إلى روح المعرفة: من أخذ مِن مَن؟ مَن سبق مَن؟ من يملك الحق الحصري في الفكرة؟ هكذا هبطت العبقرية من سمائها التأملية إلى أرضٍ أكثر خشونة: قاعة محكمة علمية. دخل الاتهام متدثرًا بدثار البحث العلمي، لكنه كان مُشبعًا بروائح أخرى لا تخطئها الحاسة: قومية إنجليزية متحفزة للدفاع عن رمزها الأكبر، وغيرة فكرية غير مُعلنة، وصراع خفي على من يملك سلطة التسمية، ومن يحق له أن يُدوَّن التاريخ باسمه.

    طالب «ليبنتز» بتحقيقٍ رسمي، معتقدًا أن وضوح المسار العلمي واستقلال الاكتشاف كفيلان بحمايته. كان ما يزال يؤمن بأن العقل إذا عُرضت عليه الوقائع عارية، اختار العدل. لكنه لم يكن يُدرك بعد أن العدالة، حين تمر عبر مؤسسات السلطة، لا تظل دائمًا وفية لقواعد المنطق؛ فهي، مثل الهندسة إذا أُعيد رسمها بيدٍ غير محايدة، تُغير زواياها دون أن تعلن ذلك صراحة.

    في سنة 1712 تشكَّلت لجنة تحقيق من الجمعية الملكية البريطانية للفصل في النزاع. قد يبدو الأمر، في ظاهره، إجراءً علميًا معتادًا، لكن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الكوارث الكبرى. فقد كان رئيس الجمعية الملكية آنذاك «إسحاق نيوتن» نفسه. هكذا انقلب ميزان العدالة منذ اللحظة الأولى: الخصم جلس على مقعد القاضي، والقاضي أمسك بالقلم الذي سيكتب الرواية الرسمية.

    أما التقرير الذي صدر لإدانة «ليبنتز»، والمعروف بعنوان «تبادل الرسائل» Commercium Epistolicum، فقد تم تقديمه بوصفه وثيقة موضوعية، مكتوبة بيدٍ محايدة. غير أن الحياد هنا كان اسمًا بلا مضمون؛ إذ تشير الشهادات التاريخية إلى أن التقرير كُتب بقلم «نيوتن» مباشرة، أو على الأقل تحت إشرافه اللصيق. لم يكن «ليبنتز» حاضرًا حضور الخصم المكافئ: لم يُستدعَ كما ينبغي، لم يُمنح فرصة الدفاع الكامل عن نفسه، ولم يُتح له الاطلاع على كل الوثائق التي استُخدمت ضده. وهكذا صدر الحكم لا باسم الحقيقة المجردة، بل باسم الهيبة العلمية، وباسم السلطة التي تملك حق إعلان المنتصر: «نيوتن هو المكتشف الأول لحساب التفاضل، وليبنتز توصل إلى الاكتشاف لاحقًا، واطلع – بشكلٍ مباشر أو غير مباشر – على أفكار نيوتن»!

    كانت النتيجة قاسية وسريعة. خسر «ليبنتز» إنجلترا دفعة واحدة: سمعته، وقُرَّاءه، ومكانته في التاريخ العلمي الإنجليزي؛ قوطعت مؤلفاته، وسُحبت الثقة من اسمه، وأُغلقت أمامه المنابر التي كانت تتيح للأفكار أن تعيش. وانقسمت أوروبا انقسامًا يشبه انقسام الخرائط بعد الحروب الكبرى: إنجلترا اصطفت خلف «نيوتن»، بينما وقفت القارة الأوروبية مع «ليبنتز». والمفارقة التي لا تخلو من سخرية التاريخ أن القارة التي لم تنتصر له سياسيًا هي التي ورثت إرثه العلمي الحقيقي؛ فقد انتصرت لغته الرياضية حيث خسر هو معركته الرمزية؛ رموزه البسيطة والعميقة في آنٍ واحد (مثل dx, dy؛ أو تفاضل x، وتفاضل y) صارت النبض اليومي لكل معادلة حديثة، بينما تآكل ترميز «نيوتن» تدريجيًا، حتى لم يبقَ منه إلا أثر محفوظ في كتب التاريخ.

    وتبلغ المأساة ذروتها في مشهد جنازة «ليبنتز» سنة 1716؛ فيلسوف أوروبا، وصاحب العقل الموسوعي الذي جاب ميادين المعرفة، يُوارى الثرى في صمت شبه كامل: بلا موكب رسمي، بلا علماء، بلا أصوات وداع. تُروى القصة كما لو كانت مشهدًا رمزيًا، قيل إن المطر كان شاهد العزاء الوحيد. في الجهة الأخرى من الصورة، كان «نيوتن» يعيش ذروة مجده: رئيسًا للمؤسسات العلمية، مُكرمًا بلقبٍ ملكي، وصورةً متجذرة في الوعي العام بوصفه «أب العلم الحديث»! ولم يكن الفارق، في جوهره، فارق عمقٍ عقلي أو قيمةٍ معرفية، بل فارق موقع. فارق بين من يملك المنبر، ومن يُمسك بالختم، وبين من تُسمع أفكاره، ومن يُكتب اسمه في الهامش، مهما كان اتساع عقله.

    حين خمدت الضوضاء، وسكن غبار الخصومة، وابتعد الزمن بما يكفي ليُضعف سلطان الأسماء، صار في مقدور مؤرخي العلم أن يقولوا ما كان محرَّمًا قوله يوم كان النزاع حيًّا: لم يكن «ليبنتز» سارقًا، كما لم يكن «نيوتن» كاذبًا. لقد بلغ الاثنان، كلٌّ من طريقه، إلى الاكتشاف ذاته، كأن العقل الإنساني – حين يبلغ تخومه القصوى – يُفضي بأكثر من صوت إلى الحقيقة ذاتها.

    غير أن التاريخ لا يُصاغ دائمًا من معدن الحقيقة الخالص، بل يُسكب في قوالب تصنعها القوة، ويُلمَّع بميزان النفوذ؛ فما يُدوَّن في السجلات لا يكون، في الغالب، ما وقع كما وقع، بل ما سُمح له أن يُروى، وما وجد سندًا يحميه، وما انسجم مع موازين السلطة في زمانه. وهكذا، لم تكن قصة التفاضل والتكامل مجرد فصل في تطور الأفكار الرياضية، بل كانت امتحانًا للمعرفة حين تغادر مختبراتها الصامتة لتدخل دهاليز السياسة، واختبارًا للعبقرية حين تُعرض على محكمة لا تقيس الأفكار بعمقها، بل بأصوات من ينطق بها، وبالمنابر التي تُقال منها. ففي تلك اللحظة، لا يعود السؤال: من كان أصدق برهانًا؟ بل: من كان أعلى نفوذًا؟

    لقد كان العلم، في نتائجه، منضبطًا لا يحابي، صارمًا لا يلين؛ فالرموز واحدة، والقوانين واحدة، والحقيقة – حين تُجرَّد من أسمائها – لا تميل إلى هذا أو ذاك. لكن تاريخ العلم شأن آخر؛ إنه تاريخ بشري، والبشر لا يُكتبون دائمًا بما يعرفون، بل بما يقدرون عليه. والإنسان، كما نعلم، كثيرًا ما ينحاز إلى من يملك الصوت الأعلى، لا إلى من يحمل الفكرة الأعمق. ومن هنا، لا يبدو النزاع بين «نيوتن» و«ليبنتز» استثناءً، بل مثالًا مُكثفًا لحالٍ تتكرر: عبقريتان تتقاطعان عند الفكرة ذاتها، غير أن إحداهما تقف في ظل مؤسسة قوية، والأخرى وحيدة في فضاء أقل صخبًا. وحين اختل ميزان القوّة، اختل معه ميزان الرواية. ولعل أصدق ما قيل في خلاصة هذه القصة، ما همس به أحد مؤرخي العلم بعد أن استوت المسافة، وتساوت الأسماء أمام الزمن: لو أن «نيوتن» أخرج أفكاره إلى العلن مبكرًا، لما وُلد النزاع أصلاً؛ ولو أن «نيوتن» لم يكن بتلك القوة، لما خرج «ليبنتز» من المعركة خاسرًا؛ فبين التأخر في النشر، وفائض النفوذ، تشكل فصلٌ من تاريخ العلم لا يُعلمنا الحساب وحده، بل يعلمنا – وهو الأهم – كيف تُعامَل الحقيقة حين لا تكون عارية من البشر!

الثلاثاء، 20 يناير 2026

حين يصبح الحب امتحانًا

يناير 20, 2026

 

رجل مسن ينظر بتأمل وحزن من نافذة خشبية قديمة، يعبر عن الوحدة والانتظار في سياق اختبارات الحب والمشاعر

   كان أبًا من طينةٍ لا تُرى بالعين، بل تُحس بالقلب؛ من أولئك الذين لا يملكون أبناءهم، بل يسكنون فيهم. كان له بنتان وولدان، أربعة قلوبٍ خرجت من قلبه، لكنه لم يشعر يومًا أنهم خرجوا فعلاً؛ كانوا امتداد أنفاسه، وذاكرة أيامه، والمعنى الأخير الذي يجعل للحياة قابلية الاحتمال.

   أحبهم جميعًا حبًّا متساويًا في ميزان العقل، غير متساوٍ في رجفة القلب؛ فالقلب لا يعرف الحساب، بل يعرف الخوف. وكان خوفه عليهم هو اسمه الآخر. وحين كبروا، لم يكبر خوفه، بل ازداد حكمةً وألمًا!

    قالوا له إن الحياة في الوطن لم تعد تُحتمل، وإن المستقبل هناك، خلف البحار، حيث الفرص أوسع والسماء أقل ضيقًا، وحيث المال أوفر والإنسان أرقى والحياة أيسر. قالوا ذلك بهدوءٍ منطقي، كأنهم يشرحون مسألةً حسابية، ولم ينتبهوا أن المسائل التي تخص القلب لا تُحل، بل تُعاش. أنصت إليهم، وهز رأسه، وأخفى ارتعاشة روحه خلف ابتسامةٍ متعبة. كان يفهمهم، أو هكذا أقنع نفسه؛ فالأب الحقيقي لا يعارض أحلام أبنائه، حتى لو كانت تلك الأحلام تمضي به إلى الوحدة.

    سافر اثنان: ولدٌ حمل اسمه معه، وبنتٌ حملت صوته في ذاكرتها. صعدا الطائرة، وبقي هو على الأرض، يلوّح بيدٍ ويُمسك بقلبه باليد الأخرى. لم يبكِ في المطار؛ البكاء أمام الرحيل يشبه الاعتراف بالهزيمة، وهو لم يكن يريد أن يبدو مهزومًا في أعينهم. لكنه حين عاد إلى البيت، وجد الصمت قد سبقَه، وجلس على المقاعد التي كانت تمتلئ بالضحك والصياح، فاكتشف أن الفراغ كائنٌ حي، يتنفس ويؤلم!

    أما البنت الثالثة، فلم تسافر بعيدًا في الجغرافيا، لكنها ابتعدت في الحياة. تزوجت في محافظةٍ أخرى، وصار لها بيتٌ جديد، وواجباتٌ جديدة، واسمٌ تُنادى به غير اسمه. لم يكن الزواج فراقًا في نظره، لكنه كان تحولاً، والتحولات تُخيف من اعتاد الثبات.

    بقي معه الولد الصغير، في الجامعة، وزوجته. بيتٌ لم يخلُ تمامًا، لكنه لم يعد مكتملاً. كان يرى الابن، فلا يراه؛ يرى فيه الطفل الذي كان يمسك يده، لا الشاب الذي صار له عالمه الخاص، الطفل الذي كان متعلقًا به، لا الشاب المتعلق بأصدقائه وزملائه وطموحات عُمره. ويرى زوجته، فيشكر الله على وجودها، ثم يشعر بالذنب لأنه يُحملها عبء فراغٍ لم تصنعه، وعبء حياة أرادت هي أن تكون أفضل وأوسع وأشمل وأكثر دفئًا، ولم تستطع!

    كان معذبًا بين نارين: نار اللوعة، ونار الرضا. يعرف أن مصلحتهم فيما اختاروا، ويعرف في الوقت نفسه أن قلبه لم يُستشر في القرار. يسأل نفسه ليلاً: هل الأنانية أن أشتاق؟ وهل التضحية أن أصمت؟ وهل الأبوة أن تُربي أبناءك جيدًا، ثم تُكافأ بالوحدة؟

    لم يكن يلومهم، ولا يلوم البلد، ولا يلوم الزمن؛ كان يلوم الحب حين يكون عميقًا إلى هذا الحد؛ فالحب، حين يبلغ ذروته، يتحول من نعمةٍ خالصة إلى امتحانٍ قاسٍ: امتحان أن تحب دون أن تملك، وأن تفرح لنجاحهم وأنت تنزف، وأن تقول: «اذهبوا» بينما كل ما فيك يصرخ: «ابقوا»!

    وهكذا عاش، لا منكسرًا تمامًا ولا سالمًا تمامًا؛ أبًا تعلَّم متأخرًا أن الأبناء لا يُخلقون ليبقوا، بل ليغادروا … وأن دور الأب لا ينتهي عند الرحيل، بل يبدأ فيه، حين يصبح الحب صامتًا، والاشتياق صلاةً يومية، والبيت شاهدًا على أن السعادة، أحيانًا، تكون في مصلحة من نحب، لا في بقائهم معنا. 

    وبعد سفرهم، لم يعد الزمن يسير كما كان؛ صار بطيئًا، ثقيل الخطى، كأن الساعات نفسها تشيخ معه. كانت الأيام تمر متشابهة، بلا ملامح، ويغدو الصباح امتدادًا باهتًا لما قبله، كأن الغياب ألقى بثقله على الوقت، ففقد قدرته على الجري، واكتفى بالزحف بصبرٍ موجع.

    تجاوز عامه الستين، فوجد أن الشيخوخة لا تبدأ في الجسد، بل في اللحظة التي تدرك فيها أن أحلامك القديمة لم تمت، بل تُركت بلا تحقيق. كان قد حلم، في شبابه الصابر، بأسرةٍ كبيرة تلتف حوله مع الكِبر، بأصواتٍ تملأ البيت، وبأحفادٍ يركضون بين الغرف، وبكرسيٍ في صدر المجلس لا يشيخ لأن من حوله يتجددون. لكن الحلم، حين اصطدم بالواقع، تحطم لا بضربةٍ واحدة، بل بتآكلٍ صامت، كالجدار الذي تهدمه الرطوبة لا المعاول!

    كان يعود إلى البيت كلما خرج، فيشعر أن الجدران أطول من اللازم، وأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل. يتجول بين الغرف كمن يزور متحفًا لذكرياته: هنا ضحكةٌ معلقة في الهواء، وهناك أثرُ شجارٍ قديم انتهى بالتصالح. لم يكن يشتاق إلى أشخاصٍ فقط، بل إلى نسخه السابقة من نفسه؛ إلى الأب الذي كان يصرخ ويضحك ويغضب ويصلح، لا إلى الرجل الذي صار يتحدث مع الصور، ويحسب الأيام بين مكالمةٍ وأخرى. وكان يؤلمه أن يعترف، ولو في سره، بأن الشيخوخة مع الأبناء أقل قسوة، وأن الوحدة لا تصبح حكيمة مع العمر، بل أكثر فتكًا!

    ومع ذلك، لم يتحول إلى أبٍ ساخط، بل إلى رجلٍ يحمل خيباته بصمتٍ نبيل. كان يقول لنفسه إن الحلم لا يُقاس بتحققه، بل بصدق من حلم به. صحيح أن الأسرة الكبيرة لم تكتمل حول مائدته، لكنهم اكتملوا في العالم، وهو من دفعهم إلى ذلك بيديه. وبين هذا الإدراك وذاك الألم، عاش معلقًا: قلبه معلقٌ بهم حيث هم، وجسده هنا، في بيتٍ لم يخنه لكنه لم يعد يكفيه. هكذا صار أبًا تجاوز الستين، لا يطلب من الحياة أكثر مما بقي منها، سوى أن تمنحه القدرة على الاحتمال … وأن تترك له حلمه القديم حيًّا، لا كواقع، بل كذكرىٍ تؤلمه بقدر ما تشهد أنه أحب بعمق.

    كان في احتياجه إليهم ما يشبه الحاجة إلى الهواء؛ لا تُرى، لكنها إن غابت اختنق القلب. لم يكن يحتاجهم عونًا ماديًا ولا سندًا ظاهريًا، بل حضورًا يطمئن روحه، صوتًا يوقظه من وحدته، نظرةً تقول له إن ما أفناه من عمره لم يذهب بعيدًا عنه. كان في أشد لحظات ضعفه يبدو صلبًا، لأن الآباء لا يتقنون الشكوى، ولأن الحزن حين يسكن رجلاً في مثل عمره لا يصرخ، بل يتآكل بصمت. كان يتمزق من الداخل، قطعةً قطعة، دون أن ينطق؛ يبتلع ألمه كما ابتلع من قبل تعبه، ويؤجل نفسه إلى أجلٍ غير مسمى.

    وفي وحدته الطويلة، كان السؤال يُلح عليه كجُرحٍ لا يندمل: لماذا لا يحبون كما يحب هو؟ هل أخطأ حين أحبهم أكثر مما ينبغي؟ أم أن الحب، مثل العمر، يختلف وزنه من جيلٍ إلى جيل؟ كان يتساءل دون اتهام، ودون غضب، فقط بدهشةٍ موجعة: كيف استطاعوا أن يمضوا، بينما لا يزال هو واقفًا عند اللحظة ذاتها؟ كيف صار الحب عندهم مساحةً في الحياة، بينما صاروا هم عنده الحياة كلها؟ 

    لم يكن يريد أن يعيدهم، ولا أن يُقيد أحلامهم، بل كان يريد أن يفهم؛ أن يجد تفسيرًا لهذا الخلل العاطفي، لهذا الميزان المائل، حيث يعطي القلب أكثر مما يستطيع أن يسترد. وهكذا عاش بسؤالٍ لا جواب له، وحبٍ لم يندم عليه، لكنه دفع ثمنه وحده! ... عاش ينتظر الموت في صمت!

الاثنين، 19 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الأولى: (لافوازييه وبريستلي)

يناير 19, 2026

لوحة فنية تخيلية للعالمين لافوازييه وبريستلي في مختبر كيميائي قديم يناقشان اكتشاف غاز الأكسجين

     لم يكن تاريخ الفكر، منذ أن وعى الإنسان ذاته، سجلاً نقيًّا للإنصاف، ولا محكمةً تُوزن فيها المعاني بميزان العدل الخالص؛ فالأفكار – تلك الكائنات الهشة المتعالية – لا تجد دائمًا مأواها الطبيعي في أسماء من أنجبوها، ولا تُنسب بالضرورة إلى العقول التي كابدتها في صمت الليالي، بل كثيرًا ما تُختطف من سياقها، أو تُنتزع من جذورها، أو يُعاد تشكيلها في قوالب أكثر بريقًا، ثم تُقدَّم للعالم ممهورة بتواقيع لا تشبهها!

    الأشد مفارقة أن هذه الجرائم لا تُرتكب دومًا في العتمة، ولا تُدار خلف ستائر الخجل؛ بل تُمارس أحيانًا في وضح النهار، تحت أضواء المنصات، وبألسنة مُنمقة، وبألقاب ضخمة، وبين جدران مؤسسات تدَّعي حراسة الحقيقة. هناك، حيث يُفترض أن تُصان الأمانة الفكرية، تُمارس الخيانة في أرقى صورها. وليس هؤلاء لصوصًا بالمعنى المبتذل للكلمة؛ فهم لم يمدوا أيديهم إلى خزائن المال، بل إلى خزائن المعنى؛ لم يختلسوا جهدًا ماديًا، بل اغتصبوا المجد الرمزي، وسلبوا الاعتراف، وهو أندر العملات وأقساها أثرًا. إنهم لصوص النبل الزائف، الذين يعرفون أن التاريخ لا يُحاسب دائمًا، وأن الذاكرة الجمعية كثيرًا ما تنحاز لمن يملك الصوت الأعلى وليس الفكرة الأعمق! وفي جوهر هذه المأساة الأخلاقية، لا تُظلم الفكرة وحدها، بل يُظلَم الإنسان ذاته؛ إذ يُختزل الإبداع إلى سلعة قابلة للتداول، ويُفصل الفكر عن مسؤوليته، وتتحول المعرفة من فعل أخلاقي إلى وسيلة للهيمنة. وهكذا يُكافأ السارق لا لأنه أبدع، بل لأنه أتقن فن الظهور، بينما يُترك صاحب الفكرة في هامش النسيان، شاهداً صامتًا على اغتيال ما كان يومًا امتدادًا لروحه!

    إنها المفارقة العميقة في مسار الفكر الإنساني: أن تولد الحقيقة واهنةً، عاريةً من السلطان، فلا يقوى عودها إلا حين تتبناها ألسنةٌ لم تذق عناء مخاضها، ولم تنزف في سبيلها تعب السؤال ولا قلق الاكتشاف. ومع ذلك، تظل الفكرة – مهما امتدت إليها أيدي السطو – كائنًا عصيًا على الإعدام؛ فقد يُمحى الاسم من الهامش، ويُقصى صاحبه إلى عتمة النسيان، غير أن الأثر يواصل سيره الصامت في ضمير الزمن، متخففًا من الألقاب، متحصنًا بالمعنى، مترقبًا لحظة إنصافٍ قد تطول، لكنها لا تُجهض أبدًا. ومن هذا الأفق الأخلاقي الملتبس، يتقدم هذا المقال لا ليقيم محكمةً للتاريخ، ولا ليستدعي ثأرًا متأخرًا، بل ليتأمل في بعض تلك السرقات الرمزية التي ازدحم بها تاريخ العلم والفلسفة؛ سرقات كان أبطالها أسماءً لامعة، وعقولاً مُبجلة، وفلاسفة وعلماء يُشار إليهم بالبنان، بينما توارت في الظل عقول أخرى صاغت البذرة الأولى ثم غابت بلا شاهد ولا اعتراف. وهكذا، قد لا تحفظ سجلات التاريخ – في كثير من الأحيان – سوى المآثر المنسوبة زورًا، تاركة الحقيقة تتخفى في الشقوق، تنتظر قارئًا يقيم لها وزنًا، ويعيد إليها ما سُلب منها: شرف النسبة، وكرامة المعنى.

أولاً: من اكتشف الأكسجين؟ سؤال بسيط … وإجابة مثقلة بالانحياز

    يبدو السؤال، للوهلة الأولى، بريئًا في بساطته: من اكتشف الأكسجين؟ غير أن بساطته خادعة؛ إذ ما إن نقترب منه حتى ينفتح على طبقات من الظلم المعرفي، ويكشف عن الطريقة التي يكتب بها التاريخ العلمي انتصاراته وفق ميزان السلطة والتأويل، وليس على أساس الأحقية أو الأسبقية.

    تُلقننا الكتب المدرسية أن عالم الكيمياء الفرنسي «أنطوان لافوازييه» Antoine Lavoisier (1743 – 1794) هو مكتشف الأكسجين، وأحيانًا تُضاف إلى الهامش إشارة عابرة إلى اسم الكيميائي الإنجليزي «جوزيف بريستلي» Joseph Priestley (1733 – 1804)، كأنما الأمر تفصيل ثانوي لا يستحق الوقوف عنده. غير أن الحقيقة – كما في أغلب تواريخ الاكتشاف – أكثر تعقيدًا، وأكثر قسوة.

    تبدأ الحكاية في مختبر متواضع، لا يُضاهي تلك المختبرات المُجهزة في الأكاديميات الفخمة، مع رجل إنجليزي يُدعى «جوزيف بريستلي»؛ ففي سنة 1774، تمكن «بريستلي» من عزل غاز جديد، رآه لأول مرة منفصلاً، لاحظ خصائصه، ودوَّن نتائجه، ونشرها بوضوح علمي لا لبس فيه. لقد لمس الاكتشاف بيديه، وشهده بعينيه، وكان أول من أخرج الأكسجين من عتمة التفاعل إلى ضوء التجربة. غير أنه، بحكم انتمائه الفكري، ظل وفيًّا لنظرية سائدة آنذاك: نظرية الفلوجستون، فسمى ما اكتشفه «الهواء منزوع الفلوجستون» Dephlogisticated Air، دون أن يدرك تمامًا الزلزال المفهومي الذي أحدثه.

    لم يكن قصور «بريستلي» تجريبيًا، بل فلسفيًا؛ إذ امتلك الظاهرة، لكنه لم يمتلك اللغة الجديدة التي تفسرها. وهنا دخل «لافوازييه» المشهد، ليس بوصفه مكتشفًا بالمعنى التجريبي الأول، بل بوصفه مؤولاً ومُنظمًا. أخذ نتائج «بريستلي»، وأعاد قراءتها في ضوء إطار نظري مختلف، ومنح الغاز اسمًا جديدًا، وضمه إلى نسق كيميائي متماسك، وأعلن – بحقٍ من جهة، وبسطوةٍ من جهة أخرى – ميلاد الكيمياء الحديثة.

    أعلن «بريستلي» عن مولد اكتشافه لا في صيغة بيانٍ صارخ، بل في هيئة رسالةٍ هادئة بعث بها إلى الطبيب الإسكتلندي «السير جون برينجل» Sir John Pringle (1707 – 1782)، مؤرخة في الخامس عشر من مارس عام 1775، قبل أن تُتلى كلماته على مسامع الجمعية الملكية في الخامس والعشرين من مايو. وكأن الحقيقة، منذ لحظتها الأولى، اختارت أن تدخل العالم همسًا لا صخبًا، مكتفية بشهادة العلم لا بضجيج الادّعاء.

    غير أن رواية «بريستلي» في هذا الصدد تُعيد فتح المشهد على نحو أكثر التباسًا؛ إذ يُقر بأنه كان قد تحدث، قبل ذلك بأشهر، عن تجاربه المنجزة وتلك التي كانت لا تزال في طور التشكل، أثناء إقامته في باريس في أكتوبر من سنة 1774. هناك، وفي سياق لقاءات العلماء وتبادل الأفكار، كشف لزميله «لافوازييه» عن كل ما يتعلق بالغاز الجديد، كما لو أن المعرفة آنذاك كانت فعل ثقةٍ متبادلة، لا عقدًا قانونيًا محكومًا بالختم والتوثيق. ومن هنا تنبثق إشكالية أخلاقية عنيدة، لا تتعلق بالاكتشاف وحده، بل بطبيعة البحث العلمي ذاته: أين تنتهي حدود التعاون، وأين يبدأ التعدي؟ هل يُعد الإفصاح عن النتائج قبل اكتمال بنائها ضربًا من السذاجة العلمية، أم أنه تعبير عن روح البحث في أنقى صورها، حين كان العلم يُمارس بوصفه ملكًا مشتركًا للعقل الإنساني لا غنيمة فردية؟ في هذا المفصل الدقيق، لا يبدو «بريستلي» مخطئًا بقدر ما يبدو وفيًّا لأخلاقيات زمنٍ لم يكن قد أدرك بعد أن الأفكار، متى خرجت من أفواه أصحابها، قد لا تعود إليهم أبدًا بالاسم، وإن ظلت تحمل بصمتهم في جوهرها. 

    فمن هو صاحب الاكتشاف حقًّا؟ أهو من رأى الظاهرة أولاً، وعزلها من صمت المادة؟ أم من فهمها لاحقًا، ومنحها معنى، وأدرجها في خطاب علمي قادر على البقاء؟ يبدو أن التاريخ قد حسم أمره لصالح الثاني، لا لأن العدالة اقتضت ذلك، بل لأن العلم – في سيرته المؤسسية – لا يكافئ السبق وحده، بل يكافئ من يمتلك سلطة التسمية، ونفوذ التأويل، والقدرة على كتابة الرواية التي يعتمدها اللاحقون. وهكذا، لم يُمح اسم «بريستلي» تمامًا، لكنه حُشر في الهامش، بينما اعتلى «لافوازييه» المتن. إنها ليست قصة «أكسجين» فحسب، بل قصة المعرفة ذاتها: كيف تُنتزع الاكتشافات من سياقها، وكيف يُعاد توزيع الفضل، وكيف يُكافأ الفهم المتأخر أحيانًا أكثر من الرؤية الأولى. وفي هذا، يتجلى أحد أكثر وجوه التاريخ العلمي التباسًا … وأقلها عدلاً!