-->

السبت، 25 يوليو 2026

الصورة بوصفها دليلاً علميًا: من يحرس الشاهد البصري؟

يوليو 25, 2026

الصورة بوصفها دليلاً علميًا: من يحرس الشاهد البصري؟

    أضافت شركة ميتا مؤخرًا وسمًا يحمل عبارة: «محتوى ذكاء اصطناعي» AI Content، يُلحق ببعض المنشورات التي تحوي صورًا أو مقاطع فيديو تم إنشاؤها أو تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد يبدو هذا الإجراء في نظر كثيرين مجرد تحديث تقني عابر، غير أنني أراه علامة فارقة في تاريخ علاقتنا بالحقيقة؛ إذ لم تعد الصورة تُستقبل بوصفها شاهدًا صامتًا على الواقع، بل غدت في حاجة إلى شهادةٍ تثبت براءتها من الاصطناع. فما إن يُنشئ المستخدم صورةً تعبيرية، أو يستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإضاءة، أو استعادة بعض التفاصيل، حتى تُوسم بأنها «محتوى ذكاء اصطناعي». وليس ما يستوقفني هنا هو الوسم في ذاته، بل ما يكشف عنه من تحول عميق في وعينا المعرفي؛ إذ لم يعد الشك استثناءً، بل أصبح هو نقطة الانطلاق، ولم تعد الأصالة تُفترض، بل باتت تُطالب بما يثبتها.

    من هنا يتجلى سؤالاً مُلحًا: إذا كانت منصات التواصل الاجتماعي، وهي فضاءات لا تقوم على اليقين ولا تدعي احتكار الحقيقة، قد رأت ضرورة تنبيه المتلقي إلى ما يمكن أن يلتبس عليه بصريًا، فكيف بالمؤسسات الأكاديمية، التي تنهض رسالتها على صيانة الصدق، وتُعرِّف نفسها بوصفها الحارس الأول للنزاهة العلمية؟ أليس من الأولى أن تتبنى هذه المؤسسات المبدأ ذاته، ولكن في ميدان أشد خطورة؟ لماذا لا تُرفق البحوث والرسائل العلمية التي استعانت بأدوات الذكاء الاصطناعي – سواء في الصياغة، أو الترجمة، أو التحليل، أو التوليد – بإفصاحٍ واضح يحدد طبيعة هذا الاستخدام وحدوده؟ فكما أصبحت الصورة مطالبة بالإفصاح عن تاريخ تكوينها، ينبغي للنص العلمي أيضًا أن يكون صريحًا في الكشف عن تاريخ إنتاجه؛ لأن الشفافية ليست عبئًا على الصدق، بل هي أحد شروط إمكانه.

    لقد نجحت بعض الجامعات، إلى حدٍ بعيد، في بناء منظومات متقدمة لكشف التشابه النصي، حتى غدا إخضاع رسائل الماجستير والدكتوراه لبرامج فحص الأصالة إجراءً بديهيًا لا يكاد يُناقش (بغض النظر عن كفاءة هذه البرامج فيما يتعلق باللغة العربية). غير أن الكلمات ليست وحدها ما يصنع المعرفة، وليست النصوص وحدها ما يستحق الحراسة؛ فهناك الصور المجهرية، والصور الطبية، وصور الأقمار الصناعية، والرسوم البيانية، والخرائط، والوثائق المصورة؛ وكلها غدت اليوم قابلة للتوليد أو التعديل بوسائط الذكاء الاصطناعي، على نحوٍ قد يعجز البصر البشري عن تمييزه!

    هنا تتخذ النزاهة العلمية وجهًا جديدًا؛ فإذا كان النص يحمل الفكرة، فإن الصورة تحمل البرهان؛ وإذا كان الاقتباس غير المشروع يُفسد الفكرة، فإن الصورة المصطنعة قد تُفسد الدليل ذاته. ومن ثم، فإن الصورة في البحث العلمي ليست عنصرًا جماليًا يخفف من كثافة الصفحات، ولا زينةً بصرية تُضفي على البحث شيئًا من الجاذبية، بل هي شاهد من شهود الواقع الفعلي. وحين يصبح الشاهد قابلاً للاصطناع، يغدو فحص شهادته واجبًا معرفيًا قبل أن يكون إجراءً تقنيًا؛ إذ لا تستقيم العدالة العلمية إذا اكتفت بالتحقق من صدق الأقوال، وأغفلت صدقية الشواهد التي تُقام عليها.

    ولعلنا نقف اليوم على أعتاب تحولٍ في مفهوم التحكيم الأكاديمي ذاته؛ فلم يعد كافيًا أن تُراجع النصوص وحدها، بل ينبغي أن تمتد المراجعة إلى كل ما يزعم تمثيل الواقع: سواء أكان صورةً، أم رسمًا بيانيًا، أم وثيقةً بصرية، أم أي وسيط يتم تقديمه بوصفه دليلاً. وكما أصبحت برامج كشف الاقتباس جزءًا أصيلاً من أخلاقيات البحث العلمي، فقد آن الأوان لأن تصبح أدوات التحقق من أصالة المحتوى البصري، أو الإفصاح عن مدى تدخل الذكاء الاصطناعي في إنتاجه، جزءًا لا يتجزأ من منظومة النزاهة الأكاديمية. وليس في هذا دعوة إلى الارتياب في الذكاء الاصطناعي أو إلى إعلان الحرب عليه؛ فالمشكلة لا تكمن في الأداة، بل في غياب الشفافية بشأن استخدامها؛ فالذكاء الاصطناعي، شأنه شأن أية تقنية كبرى، لا يناقض الواقع من حيث المبدأ، وإنما يناقضه حين يُستخدم في الخفاء، أو يتم تقديم نتاجه على أنه شاهد لم تمسه يد. إن أخلاق العلم لا تقتضي الامتناع عن استخدام الأدوات الجديدة، بل تقتضي الصراحة في الإفصاح عنها؛ لأن الحقيقة لا تخشى التقنية، وإنما تخشى أن تتخفى التقنية في هيئة الحقيقة.

    مع ذلك، فإن أدوات الكشف نفسها ليست بمنأى عن الخطأ؛ فهي، مهما بلغت دقتها، لا ينبغي أن تُمنح سلطة الحكم النهائي، ولا أن تتحول إلى قاضٍ يفصل في النزاعات المعرفية، وإنما ينبغي أن تُعامل بوصفها قرينةً تستدعي المراجعة، ووسيلةً تعزز الثقة، وليس بديلاً عن الخبرة العلمية والحكم الأكاديمي الرشيد؛ فالمشكلة ليست في استبدال الآلة بالإنسان، بل في أن تستعين المؤسسة العلمية بالآلة لتجعل من أحكامها أكثر موضوعية وشفافية. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى أن تُلزم الجامعات الباحثين بالإفصاح الصريح عن أي تدخل للذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور أو تعديلها، تمامًا كما تُلزمهم بالإفصاح عن مناهجهم، ومصادرهم، وأدواتهم البحثية؛ فالإفصاح ليس اعترافًا بنقصٍ في البحث، بل هو إعلانٌ عن نزاهته؛ لأن الأمانة العلمية لا تُقاس بما تم استخدامه من أدوات، وإنما بما تم الكشف عنه منها. وربما لن يكون السؤال الذي ستطرحه الجامعات في المستقبل: هل كتب الباحث هذا النص بنفسه؟ بل سؤالاً أشد عمقًا وأكثر اتصالاً بجوهر المعرفة: هل تمثل هذه الصورة الواقع حقًا، أم أنها لا تمثل سوى قدرة الخوارزمية على محاكاة الواقع بإتقان؟ فالفارق بين الاثنين ليس فارقًا تقنيًا، بل هو الفارق بين الدليل وتمثيله، وبين الحقيقة وصورتها!

    إن عصرًا يستطيع فيه هاتفٌ صغير أن ينبه مستخدم منصةٍ اجتماعية إلى أن صورةً ما قد أُنشئت أو عُدلت بالذكاء الاصطناعي، لا يليق بمؤسساتٍ جعلت من الحقيقة رسالتها الأولى أن تظل تعتمد على العين المجردة وحدها في التحقق من الأدلة البصرية؛ فالنزاهة العلمية لا تُصان بحسن النيات، ولا بالثقة المجردة، وإنما تُصان بمنظومةٍ من الشفافية والإفصاح والمراجعة المستمرة. وإذا كانت الجامعات قد نجحت، خلال العقود الماضية، في بناء ثقافة تُحاسب النص على أصالته، فإن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي اليوم هو أن تمتد هذه الثقافة إلى الدليل البصري ذاته؛ إذ لا يكفي أن نحرس العبارة، بينما نترك الشاهد الذي تستند إليه؛ فالحقيقة لا تقوم على الكلمات وحدها، بل على الأدلة التي تمنح تلك الكلمات مشروعيتها. ولعل هذه هي المعركة الحقيقية للنزاهة العلمية في العقود القادمة: أن ننتقل من حماية النص إلى حماية البرهان، ومن مساءلة المؤلف إلى مساءلة الدليل، ومن الثقة فيما نراه إلى التحقق من الكيفية التي جُعل بها مرئيًا. ففي زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على إنتاج ما يشبه الحقيقة، لن يكون الدفاع عن الحقيقة دفاعًا عن الواقع وحده، بل دفاعًا عن الشروط التي تجعلنا قادرين على التمييز بين الواقع وما يحاكيه. 

الترند واقتصاد الانتباه

يوليو 25, 2026

الترند واقتصاد الانتباه

   لم يعد كثيرٌ من الناس يفتشون عن فكرةٍ تستحق أن تُفهم، بقدر ما يفتشون عن «ترند» يستحق أن يُتداول. فإذا هبَّت موجة اندفعوا معها، يرفعون صوتها، ويستعيرون لغتها، ويحسبونها قضية العصر، فإذا خمد ضجيجها انفضوا عنها كأنها لم تكن، وارتحلوا إلى موجةٍ أخرى؛ إذ لم تعد القضية عند كثيرين هي الحقيقة، وإنما ما يلفت الأنظار، ويستأثر بالأسماع، ويستحوذ على الشاشات.

    وليس في «الترند» بأسٌ من حيث هو وسيلة لانتشار المعرفة، أو إحياء قضية عادلة، أو التعريف بإنجازٍ يستحق الاحتفاء؛ فالوسائل لا تُدان لذاتها، وإنما تُدان بغاياتها. غير أن الخطر يبدأ حين تنقلب الوسيلة إلى غاية، ويصبح الانتشار دليلاً على القيمة، وكثرة المتابعين برهانًا على الصواب، حتى يُقاس الحق بما أحدثه من ضجيج، وليس بما قام عليه من حجة. ولعل هذا ما يفسر اندفاع كثيرين إلى ملاحقة «الترندات»؛ فبعضهم يطلب الشهرة السريعة التي قد تمنحه في أيامٍ ما كان يحتاج إليه سنوات؛ وآخرون يرون فيها بابًا للمكاسب المالية، إذ تتحول كثرة المتابعين إلى إعلانات ورعايات وفرص عمل. ومنهم من يسعى إلى النفوذ الاجتماعي، فيغدو له جمهورٌ ينصت إلى رأيه ويعيد إنتاج كلماته، ومنهم من يجد في المشاركة في كل «ترند» شعورًا بالانتماء، وكأنه لا يريد أن يبقى خارج المشهد ولو للحظة. وهكذا أصبح الانتباه عملةً جديدة، وأصبح السعي إلى امتلاكها غايةً يتنافس عليها الناس كما كانوا يتنافسون قديمًا على المال أو الجاه!

    غير أن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه «الترندات» لا تصنعها عظمة الأحداث، وإنما يصنعها افتعال الإثارة؛ مشهدٌ مبتذل، أو كلمةٌ جارحة، أو سلوكٌ خارج عن المألوف؛ يكفي أن يوقظ فضول الجماهير، حتى تتلقفه المنصات، وتدفعه الخوارزميات إلى واجهة المشاهدة، لأنها تكافئ المحتوى الذي يثير الغضب، أو الصدمة، أو الجدل، أو الغرائز، أكثر مما تكافئ المحتوى الذي يوقظ الفكر أو يسمو بالذوق. وبالتالي يتحول الانتباه إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى، ويغدو الجدل صناعة، والفضيحة استثمارًا مضمونًا!

    لذلك لم يعد غريبًا أن يقدم بعض الناس على صناعة فضيحتهم بأيديهم؛ إذ يؤمنون، تصريحًا أو ضمنًا، بأن المهم ليس أن يتحدث الناس عنهم بخير أو بشر، بل أن يتحدثوا عنهم فحسب؛ فالنسيان عندهم أشد قسوةً من النقد، والتجاهل أفدح خسارةً من سوء السمعة. وهناك من تدفعه حاجةٌ نفسية عميقة إلى لفت الانتباه أو إثبات الذات، فيختار أقصر الطرق إلى الشهرة، ولو مرَّ عبر الإساءة إلى نفسه أو إلى القيم التي يدَّعي احترامها. هكذا نشأ في الفضاء الرقمي ما يشبه اقتصادًا جديدًا، أثمن موارده هو انتباه الإنسان؛ فمن ملك هذا الانتباه، ملك القدرة على توجيه الأذواق، وصناعة المواقف، وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هنا يمكن القول إننا نشهد تحولاً ثقافيًا وفلسفيًا من مجتمعٍ كان يُعلي من قيمة الإنجاز، إلى مجتمعٍ بات يُعلي من قيمة الظهور؛ حيث يصبح الاهتمام سلعة، ويغدو عدد المشاهدات وتسجيلات الإعجاب معيارًا للنجاح، ولو كان المحتوى فارغًا من المعنى، أو قائمًا على الإثارة والابتذال!

    غير أن الشهرة التي تُولد من الضجيج، تموت بالضجيج ذاته؛ لأنها تقوم على انفعالٍ عابر، لا على قيمةٍ باقية. أما ما يُبنى على العلم، أو الفكر، أو الإبداع، أو الخلق، فإنه وإن تأخر ظهوره، كان أبقى أثرًا، وأرسخ مقامًا. ولا تكمن خطورة «الترند» في أنه عابر، بل في أنه يُعوِّد العقل على العبور؛ فلا يمكث عند فكرة لكي تنضج، ولا عند قضية لكي يستوفيها فهمًا ونقدًا، بل ينتقل من انفعالٍ إلى انفعال، ومن صدمةٍ إلى صدمة، حتى يألف السطح، ويستوحش العمق. وحينئذٍ لا يضيع الوقت وحده، بل تضيع معه ملكة التأمل، وهي أثمن ما يملكه العقل الإنساني.

    إن الحقيقة لا تُولد في ضوضاء الجموع، ولا تنمو في استعجال اللحظة؛ إنها ثمرة الصبر، ورفيقة التأمل، وابنة السؤال الصادق. أما «الترند» فلا يعيش إلا على العجلة، ولا يقتات إلا من سرعة النسيان. وبين الحقيقة التي تحتاج إلى عقلٍ يصبر، و«الترند» الذي لا يحتاج إلا إلى إصبعٍ يمرر الشاشة، يتحدد مصير الوعي الإنساني: أهو وعيٌ يقود صاحبه إلى الحكمة، أم وعيٌ تجره الأمواج حيث شاءت، فلا يملك من أمره إلا أن يردد ما يسمع، وينسى ما ينبغي أن يفكر فيه؟

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

أزمة طيبات أم أزمة منظومة؟!

يونيو 16, 2026

أطعمة وخيرات محمية داخل قبة زجاجية وسط بيئة ملوثة بالدخان والفقر تعبر عن أزمة طيبات أم أزمة منظومة

من المثير للتأمل أن يتحول الخطاب العام، بين ليلة وضحاها، إلى واعظٍ أخلاقي يرفع راية الصحة، فيوجه سهام غضبه إلى ما سُمي «نظام الطيبات» بوصفه الخطيئة الكبرى، ويُصوره كأنه المسؤول الأوحد عن تدهور الأجساد واختلال الحياة. فجأة أصبح الإعلام الحكومي، وكثيرٌ من الأطباء، وجموعٌ من الناس، حُراسًا على أبواب العافية، يوزعون صكوك الإدانة، وكأن المرض، والموت، لم يكن يومًا ابنًا شرعيًا لمنظومة كاملة من الاختلالات!

بدايةً، ولكي لا يندفع أحدهم إلى إساءة فهم المقصود، فليس في هذا القول دفاعٌ عن ذلك النظام أو تبرئة له من سلبياته (خاصةً فيما يتعلق بإيقاف أدوية الأمراض المزمنة وما قد يترتب على ذلك من مخاطر)، فكل نظام غذائي قابل للنقد والمراجعة، لكن الفلسفة تعلمنا أن الحقيقة التي تُنتزع من سياقها تتحول إلى نصف حقيقة، ونصف الحقيقة قد يكون أكثر تضليلاً من الكذب الصريح.

إذا كان نظامٌ غذائي بعينه متهمًا بأنه يقتل الإنسان ببطء، فمن ذا الذي يُقيم محكمةً لصُناع الهواء المشبع بالسموم؟ ومن يحاسب مستوردي التبغ ومُصنعيه، وهم يطرحون الموت في الأسواق في عبوات أنيقة، يعرف الجميع حقيقتها، وتُقر بخطورتها البحوث العلمية والهيئات الصحية، ومع ذلك لا يواجهون العاصفة الأخلاقية ذاتها؟ ومن يضع التلوث السمعي والبصري في قفص الاتهام، وقد غدا الإنسان يعيش تحت قصفٍ يومي من الضجيج والفوضى، ومن سيلٍ لا ينقطع من الصور والمثيرات التي تستنزف أعصابه قبل أن تستنزف جسده؟ أليس للضوضاء أمراضها، وللفوضى ندوبها الخفية التي لا تظهر في صور الأشعة لكنها تترك أثرها العميق في النفس والعقل؟

ثم من يتحدث عن غذاء الروح والفكر، وقد تحول تسطيح الوعي إلى صناعة مكتملة الأركان، تتم تغذيتها بالشائعات والتفاهة والابتذال، حتى صار العقل، في مفارقة مؤلمة، أكثر أعضاء الإنسان تعرضًا لسوء التغذية؟ إن فساد الوعي لا يقل خطرًا عن مرض الجسد، لأن الأجساد المريضة قد تُشفى، أما العقول التي اعتادت الرداءة فتفقد قدرتها على تمييز الدواء من السم! وماذا عن مستشفيات الفقراء التي تتحول في أحيانٍ كثيرة إلى قاعات انتظار طويلة للألم، حيث يقف الزمن شاهدًا على عجز الإنسان وهو يراقب وجعه يتفاقم؟ وماذا عن المرضى الذين يفترشون الأرصفة والممرات بحثًا عن سرير، وكأن المرض وحده لم يكن كافيًا، فيُضاف إليه امتحان الكرامة، فيصبح العلاج رحلةً لإثبات الحق في الإنسانية قبل أن يكون سبيلاً لاستعادة الصحة؟ وماذا عن ممارسات المستشفيات الخاصة التي تجعل من العلاج سلعة، ومن المريض مشروع استثمار، ومن الألم فرصة للربح؟ حين يتحول الطب من رسالة إلى سوق، يفقد المرض معناه الطبيعي، ويغدو الإنسان محاصرًا بين وجعين: وجع الجسد، ووجع الاستغلال! ثم ماذا عن الفقر، ذلك المرض الصامت الذي لا يتم تدريسه في كليات الطب، رغم أنه الأب الخفي لكثيرٍ من العلل؟ إنه لا يسرق المال فحسب، بل ينتزع من الإنسان قدرته على الوقاية، ويؤجل علاجه حتى يستفحل الداء، ويضعه كل يوم أمام سؤال قاسٍ: أيشتري الدواء أم يشتري الخبز، وكلاهما شرطٌ للبقاء؟

إن اختزال أزمة الصحة في سببٍ واحد ليس انتصارًا للحقيقة، بل هروبٌ من مواجهة تعقيدها؛ فالحياة لا تفسد بعامل منفرد، وإنما تتآكل تحت وطأة منظومة كاملة من الاختلالات؛ من الهواء الذي نتنفسه، إلى الغذاء الذي نأكله، إلى الفكر الذي يملأ عقولنا، إلى العدالة التي تُوزَّع بها فرص العلاج والعيش الكريم. ومن أراد أن ينصف الحقيقة، فعليه أن ينظر إلى المشهد كله، لا إلى جزء منه، لأن العدالة التي تنتقي متهميها ليست عدالة، بل صورة أخرى من صور الانحياز!

إن اختزال الأزمة الصحية في نظام غذائي – أيًا كانت سلبياته – يشبه اتهام قطرة المطر بإغراق مدينة أهمل أهلها بناء المصارف؛ فالأمراض لا تولد مما تحتويه – أو لا تحتويه – المائدة وحدها، بل من البيئة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والسياسات العامة، ومن ذلك الإهمال المزمن الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى يصبح جزءًا من طبيعتها. المشكلة الحقيقية ليست في أن ننتقد نظامًا غذائيًا بعينه، بل في أن نحوله إلى شماعة نُعلق عليها كل أوجاعنا، فنرتاح من عناء مواجهة الأسباب الأعمق. 

ولعل السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا ليس: ماذا نأكل أو لا نأكل؟ بل: في أي بيئة نعيش؟ وأي منظومة تنتج هذا الكم من المرض ثم تطلب منا أن نبحث عن السبب في نظام غذائي بعينه؟ الإنسان لا يموت بما يدخل أو لا يدخل معدته فقط، بل قد يموت بما يدخل أو لا يدخل رئتيه، وما يرهق أعصابه، وما ينهك كرامته، وما يسحق وعيه، وما يزرع اليأس في قلبه. وعندما تصبح الحياة ذاتها بيئة طاردة للصحة، فإن التركيز على نظام غذائي واحد ليس بحثًا عن الحقيقة، بقدر ما هو هروب أنيق من مواجهتها!


الخميس، 11 يونيو 2026

البحث عن نبي!

يونيو 11, 2026

 

البحث عن نبي

 ثمة عالِمٌ كان له أتباعٌ ومريدون، يأتونه دومًا طالبين علمه وحكمته، مسترشدين برأيه فيما أشكل عليهم أو التبس على فهمهم، وذات هفوة وقع الرجل في ذنبٍ كبير، فانفضّ الناس من حوله، وأدار له الجميع ظهورهم متندرين بوقوعه في ذنبٍ كهذا ... وذات يوم، وبينما كان الرجل وحيدًا في بيته، إذ طرق بابه طارق، فلما طالعه وجده صبيًا ممن كان يقصدون مجلسه، وطلب الصبي منه أن يسمح له بالدخول والتعلّم منه ... سأله الرجل متعجبًا: ولماذا لم ترحل مع من رحل؟ فأجابه الصبي قائلاً: لأني لم أتبعك على أنك نبي! 

    لقد فهم الصبي ما لم يفهمه الآخرون، بل وما لم يستطع العرب أن يتخلوا عنه رغم تأكيد دينهم الحنيف منذ قرون: أن زمن الأنبياء قد ولى وانقضى، وأن ليس بيننا – ولن يكون معنا – من هو معصوم من الوقوع في الخطأ والخطيئة والزلل! هكذا ظل العرب مفتونون بهواية، بل بغواية، البحث عن نبي؛ اختلط لديهم الديني بالدنيوي، والحياتي بالأخروي، والمقدس المعصوم بالسياسي المذموم، وراحت منظوماتهم الإدارية العامة تنبني داخل الخاص الديني وتتجذر فيه؛ فما أن يعتلي أحدهم منبرًا أو يتولى منصبًا ولو كان صغيرًا لا قيمة له، حتى يصبح هو «صاحب الرأي»، لا «صاحب رأي» ... يغدو راسمًا للمنهج، ناطقًا بالحقائق، ممسكًا بلآلئ الحكمة!

   وكما أن لكل نبي حواريون، فإن لكل مسؤولٍ في زمننا هذا جوقةً من المصفقين؛ ولكل متصدرٍ للقول، وإن كان حديثه مشوبًا بالغريب أو المتكلف، مريدون يحيطون به كالهالة حول الضوء، لا يسألون عما يقول بقدر ما يتباركون بوقع قوله، فإن أصاب مرةً، رُفع إلى مقام الأبطال، وكأن الحكمة قد اختُصرت في شخصه، وكأن التاريخ لا يُكتب إلا بمداده؛ وإن لامس الصدفة أو توهم الإنجاز، نُسج حوله خطاب المعجزات، وصار فعله البسيط فتحًا يتم التبشير به به. أما إن شيَّد بالوهم صرحًا في الهواء، تسابق المصفقون إلى تثبيت ركائزه، ودعوا الناس إلى الإعجاب بالبناء، بل إلى المساهمة في «تأثيثه» بالتصفيق والتبرير والتأويل. ثم إذا ما انكسر هذا القصر الورقي، أو خفت بريق صاحبه، لم يبق حوله أحد؛ تنفض الجموع كما اجتمعت، ويغدو الصمت أسرع من الاعتراف، وكأن القرب لم يكن يومًا عن قناعة، بل عن وهجٍ عابر.

    إنها دائرةٌ مقلقة من التبجيل والانصراف، حيث تُستعار العظمة من لحظة نجاح، وتُسلب الشرعية عند أول تعثر، فلا يبقى للفكرة وزنها الحقيقي، بل تُقاس بمدى ضجيج مَن حولها. وهنا تتجلى المعضلة في أبسط صورها وأعمقها في آن: كيف يمكن للحقيقة أن تصمد، حين يكون معيارها هو عدد المصفقين لا مقدار الصدق فيها؟

    في فضاءٍ عربي مثقلٍ بإرث الرموز، تبدو الألقاب كأنها ليست مجرد كلمات تُضاف إلى الأسماء، بل طبقاتٌ من المعنى الاجتماعي تراكمت عبر الزمن حتى صارت جزءًا من تعريف الإنسان وليس وصفه؛ فمن «أستاذٍ» و«دكتورٍ» و«مهندس»، إلى «شيخٍ» و«مفكرٍ» و«نجم» و«كاتب»، مرورًا بترسباتٍ أقدم من «باشا» و«بيه»، وانتهاءً بمناخات المجاملة الرسمية من «معالي» و«سعادة» و«فضيل»ة، تتكاثر الألقاب كما لو أنها تحاول أن تملأ فراغًا ما، أو أن تعوّض نقصًا غير مُعلن في بنية الاعتراف الاجتماعي. حتى اللغة اليومية لم تسلم، فصارت تُضاف إلى الاسم طبقات من التوقير، كأن الذات وحدها لم تعد كافية للدلالة على حضور صاحبها. 

    وفي هذا السياق، يبرز لقب «حاج» مثالًا دالاً على اتساع دائرة التحول الرمزي للقب؛ إذ لا يتم اكتسابه بالضرورة بوصفه أثرًا مباشرًا لأداء فريضة الحج فحسب، بل قد يُمنح اجتماعيًا في بعض البيئات بوصفه علامة احترام مرتبطة بالعمر أو بالمكانة المالية أو بالحضور التجاري والاجتماعي، حتى يصبح أحيانًا أقرب إلى لقبٍ عُرفي تواطأت عليه الجماعة، لا توصيفًا دقيقًا لحدثٍ تعبدي مُحدد. وهكذا ينزاح المعنى من كونه أثرًا روحانيًا إلى كونه رمزًا للمكانة في الوعي الجمعي، وتتكدس لدينا منظومة من العناوين، لو أن أصحابها جسدوا ما توحي به حقًا، لتبدلت موازين القوة والمعرفة في العالم بأسره!

    غير أن المفارقة الأشد قسوة ليست في كثرة الألقاب، بل في ندرة البحث عن لقبٍ واحدٍ أبسط وأعمق: «إنسان». ذلك اللقب الذي لا يُمنح بشهادة، ولا يُكتسب بمنصب، ولا يُعلَّق على صدر أو بطاقة تعريف، بل يُصاغ في الفعل والسلوك والضمير. وفي هذا السياق، يبدو السؤال معلقًا كجرحٍ معرفي مفتوح: أهي أزمة ألقابٍ نعيشها، أم أزمة معنى يتخفى خلف وفرة المسميات؟ 

    هل انتهيتَ حقًا من الدهشة، ثم مررت بالغثيان، ثم استقر بك المقام في قنوطٍ باردٍ لا يثور ولا يحتج؟ هل رأيت الجهل يمشي في شوارع المدينة بثقة المنتصر، يتكئ على كتف الوهم في ناصية، ويصافح الكذب فيُبارك له الصعود والانتشار؟ هل بدا لك المشهد كأنه انقلاب صامت على المعنى، حيث لا يتم إقصاء العقل دفعة واحدة، بل يتم استنزافه حتى ينسحب بهدوء؟ هل شعرت أن الضجيج قد صار أكثر إقناعًا من الحقيقة، وأن الحضور الكثيف للسطحيات يمنحها شرعيةً زائفة، حتى لكأن الحماقة ليست استثناءً عابرًا، وإنما حالةً جمعيةً تتسع، وأن الانضمام إلى «التيار» يبدو أيسر من مقاومته؟ 

    هل أبهرتك كثرة الوجوه حتى خُيل إليك أن الانحراف هو القاعدة، وأن الاستقامة مجرد استثناءٍ متعب؟ ثم هل خطر لك أن هذا الشعور بالعجز ليس إلا جزءًا من المشهد ذاته، ذاك المشهد الذي يريد أن يسحبك من موقع الشاهد إلى موقع المتصالح، من موقع الوعي إلى موقع الاستسلام؟ أن يُقنعك بأن كثافة الخطأ دليلُ استحالة الصواب، وأن اتساع الفساد حجةٌ على عبث المقاومة؟

    وراء هذا كله، ثمة ما لا يزال يُراهن عليه هذا المشهد: أن يتعب وعيك فيتخلى، وأن تبهت حساسيتك فتذوب، وأن تتحول من مُساءِلٍ إلى متفرجٍ محايد. وهنا تحديدًا تبدأ الخسارة الحقيقية. لذلك، ليس المطلوب أن تُنكر ما ترى، ولا أن تتوهم أن العالم أقل تعقيدًا مما هو عليه، بل أن تحافظ على تلك المسافة الدقيقة بين الفهم والاستسلام؛ بين أن ترى العبث كما هو، وأن ترفض أن يتحول في داخلك إلى طبيعةٍ مألوفة. فما يُراد سلبه في النهاية ليس قدرتك على النقد، بل قدرتك على الدهشة، لأن من يفقد دهشته، يفقد في العمق آخر ما يربطه بالمعنى ... ويظل في التيه هائمًا على وجهه ... يبحث عن نبي!

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

انظر خلفك بغضب (Look back in anger)!

يونيو 09, 2026

انظر خلفك بغضب (Look back in anger)!

    لم تكن المسرحية التي كتبها الروائي المسرحي البريطاني «جون أوزبورن» John Osborne (1929 – 1994) بعد الحرب العالمية الثانية تحت عنوان «انظر خلفك بغضب» Look back in anger مجرد عمل فني، بل كانت صرخة وجودية خرجت من تحت ركام عالم لم يشف بعد من جراحه؛ فقد حملت في طياتها غضب جيلٍ كامل لم يشارك في الحرب، لكنه وُلد في ظل نتائجها، ووجد نفسه محاصرًا بواقع لا يشبه وعود النصر، ولا يليق بما قيل عن العدالة، ولا يفتح بابًا لأمل حقيقي في مستقبل أكثر إنصافًا.

    في ذلك العالم الذي أعقب الحرب، لم تكن الهزيمة دائمًا عسكرية، بل كانت أخلاقية وثقافية في جوهرها؛ إذ تسلل إلى مفاصل المجتمع البريطاني، كما إلى غيره من المجتمعات التي خرجت من الحرب مثخنة، نمط جديد من السلطة الناعمة: سلطة التافهين حين يتقدمون، وسلطة الأدعياء حين يُصدقون، وسلطة اللصوص والبلطجية حين يُمنحون الشرعية، وسلطة العقول المتحجرة حين تُقدَّم بوصفها حارسًا للثبات والاستقرار. وهكذا، لم تعد المنابر مرآة للحقيقة، بل أصبحت أدوات لإعادة إنتاج الزيف، ولم يعد الإعلام فضاءً للوعي، بل ساحة لتكريس الضجيج والتفاهة.

    كان «جون أوزبورن» يكتب من موقع الغضب لا من موقع الترف الفكري؛ غضب لا يستهدف فردًا بعينه، بل بنية كاملة أعادت توزيع القيم على نحو مقلوب؛ ففي هذا العالم، لا يتقدم الشرفاء لأنهم شرفاء، بل يتم إقصاؤهم لأنهم كذلك؛ ولا يُهمَّش المفكرون لأنهم عاجزون، بل لأنهم مزعجون؛ بينما يُرفع شأن من يتقن لعبة الادعاء، ويجيد التكيف مع سطحية اللحظة، ويستثمر في انحدار الذوق العام. لقد بدا وكأن الحضارة قد استُؤجرت، ثم استُبيحت، ثم أُعيد تعريفها بما يخدم مصالح من لا علاقة لهم بروحها!

    من هنا ارتفعت صرخة بطل المسرحية، «جيمي بورتر»، ليس فقط بوصفه شخصية درامية محصورة داخل حدود النص، بل بوصفه أيضًا استعارة كبرى لإنسان العصر الذي وجد نفسه منفيًا داخل وطنه، وغريبًا في زمنه، ومقصيًا عن التاريخ وهو لا يزال حيًا يشهد انكساراته. لم يكن «بورتر» يصرخ احتجاجًا على مصيره الفردي، وإنما كان يطلق صوت جيل كامل، جيل ولد في كنف الخراب، وحمل على كتفيه إرثًا من الهزائم لم يشارك في صنعها، ثم طُلب منه أن يتكيف معها وكأنها قدر طبيعي لا يجوز الاعتراض عليه! إنه جيل يقف في منطقة رمادية بين ماضٍ لم يختره، لكنه يدفع ثمن أخطائه، ومستقبل لا يستطيع الوثوق بوعوده، لأنه يرى ملامحه تُرسم بأيدي من فقدوا الكفاءة والخيال والنزاهة الأخلاقية، وحاضر تتآكل فيه المعايير حتى يغدو الزيف هو القاعدة، والاستثناء هو الصدق. لذلك لم يكن غضب «بورتر» انفعالًا عابرًا، بل كان موقفًا وجوديًا من عالم فقد توازنه، وانقطعت فيه الصلة بين الجدارة والاستحقاق، وبين العمل والكرامة، وبين الحقيقة والسلطة.

    في هذا السياق، تتحول المسرحية إلى مرثية لإنسان لم يعد يشعر بأنه ينتمي إلى العالم الذي يعيش فيه؛ فهو يرى المؤسسات التي يفترض أن تمنحه الأمان وقد تحولت إلى أدواتٍ للإقصاء، ويرى اللغة التي يفترض أن تكون وعاءً للحقيقة وقد أصبحت غطاءً للتمويه، ويرى القيم التي تربى على احترامها وقد أفرغت من مضمونها، ولم تعد تُمارس إلا بوصفها شعارات براقة تخفي وراءها مصالح ضيقة ونفاقًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا. ولهذا جاءت صرخته المشهورة: «اللعنة عليكم جميعًا، لقد دمرتم حياتنا، ودمرتم الوطن الذي تناثر أجزاء». إنها ليست جملة مسرحية تُقال على خشبة المسرح ثم تنتهي بانتهاء المشهد، بل هي تكثيف فلسفي لحالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان عندما يكتشف أن العالم الذي وعده بالعدل قد تأسس على الامتيازات، وأن المجتمع الذي بشَّره بالمساواة يعيد إنتاج الفوارق ذاتها بأسماء جديدة، وأن الوطن الذي حلم به فضاءً للانتماء قد تحول إلى شظايا متنافرة، لا يجمعها سوى خيط متصل من الخيبات المشتركة!

    إن مأساة «بورتر» لا تكمن في أنه غاضب، بل في أنه يرى بوضوح ما يرفض الآخرون رؤيته؛ إنه يدرك أن انهيار الحضارات لا يبدأ بانهيار الأبنية، بل بانهيار الثقة؛ الثقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخر، وبين الإنسان والعالم. وعندما تتآكل هذه الثقة، يصبح الوجود ذاته سؤالًا مفتوحًا بلا جواب، ويغدو البحث عن المعنى أشبه بمحاولة الإمساك بالضوء في مدينة يغمرها الضباب. ومن هنا تتحول المسرحية من حكاية عن شاب ساخط إلى تأمل فلسفي عميق في أزمة الإنسان الحديث، ذلك الإنسان الذي لم يفقد موطنه الجغرافي فحسب، بل فقد موطنه الرمزي أيضًا؛ فقد اللغة التي يطمئن إليها، والقيم التي يستند إليها، والمؤسسات التي يثق بها، حتى أصبح يعيش في عالم تتكاثر فيه الأقنعة بقدر ما تتراجع فيه الوجوه الحقيقية. 

    ولعل سر خلود «انظر خلفك بغضب» يكمن في أنها لم تؤرخ لغضب مرحلة تاريخية بعينها، بل كشفت عن البنية العميقة لغضب الإنسان كلما شعر أنه أصبح زائدًا عن حاجة العالم، وأن صوته لا يُسمع إلا إذا تحول إلى صرخة، وأن الحقيقة لم تعد تنتصر بقوتها، بل بقدرة أصحابها على الاحتمال. ولهذا لم يكن غضب «بورتر» دعوة إلى التدمير، بل كان محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية تتآكل بصمت تحت ركام الشعارات والأوهام والوعود المؤجلة. إن خطورة هذا النوع من الانهيار لا تكمن في الفوضى وحدها، بل في اعتياد الفوضى حتى تصبح نظامًا. حينها لا يعود الزيف استثناءً، بل قاعدة، ولا يصبح التردي انحرافًا، بل معيارًا. وهنا تحديدًا تتجلى مأساة المجتمعات التي تفقد حساسيتها تجاه التناقض، فتتعامل مع التافه بوصفه طبيعيًا، ومع الزائف بوصفه مألوفًا، ومع الفاسد بوصفه ضرورة إدارية أو سياسية.

   وإذا كانت مسرحية «أوزبورن» قد انبثقت من رماد بريطانيا التي خرجت من الحرب مثقلة بانتصارٍ فقد معناه، فإن أفقها التأويلي يتجاوز سياقها التاريخي ليغدو مرآةً لسؤال إنساني يتكرر كلما ورث جيلٌ خرابًا لم يكن شريكًا في صنعه: ماذا يبقى للإنسان حين يجد نفسه محكومًا بنتائج تاريخ لم يكتبه، ومطالبًا بسداد ديون أخطاء لم يرتكبها؟ هنا تبلغ المأساة ذروتها، لأن الإنسان لا يعاني من الذنب، بل من الإرث؛ إرثٍ ثقيل يفرض عليه أن يعيش داخل أنقاض رؤى الآخرين، وأن يحمل على كتفيه تصدعات عالمٍ تشكَّل قبل أن يولد. إنه يقف في مواجهة ماضٍ يستحيل تغييره، وحاضرٍ يعيد إنتاج علله كل يوم، ومستقبلٍ يبدو امتدادًا لخيبات الأمس أكثر مما يبدو وعدًا بالخلاص. في مثل هذا الوضع، لا يعود الغضب مجرد انفعال نفسي، بل يتحول إلى وعي مأساوي بالوجود، وإلى إدراك حاد للفجوة بين ما كان ينبغي أن يكون، وما آل إليه العالم بالفعل. 

    لهذا تبقى صرخة «بورتر»، داخل المسرحية وخارجها، سؤالًا فلسفيًا معلقًا في وجه كل مجتمع يفرط في صدقه الداخلي: كيف يمكن لأمة أن تستعيد روحها بعدما اعتادت ارتداء الأقنعة حتى نسيت ملامح وجهها الحقيقي؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يعثر على ذاته في عالمٍ طال فيه التمثيل حتى أصبح الزيف هو الواقع، وأصبح البحث عن الحقيقة فعل مقاومة لا يقل شجاعة عن صناعة التاريخ نفسه؟

الأحد، 7 يونيو 2026

الكيتش والحمقري ... في دفء الأكذوبة!

يونيو 07, 2026

 

الكيتش والحمقري ... في دفء الأكذوبة!

   كثيرٌ من الناس يعيشون دفء الأكذوبة؛ تلك الأكذوبة التي نسجتها أيديهم أو حيكت لهم في أروقة المجتمع، ثم توارثوها حتى غدت جزءًا من هويتهم ومصدرًا لوجاهة موهومة، أو ثروة عابرة، أو سلطة لا تستند إلى استحقاق. ومع مرور الزمن، لا يعود الكذب مجرد وسيلة، بل يتحول إلى مأوى نفسي يلوذون به من قسوة الواقع، حتى يصدقوا ما اختلقوه، ويذودوا عنه كما يذود المرء عن بيته الأخير. عندئذ يصبح كل من يقترب من ستر الوهم عدوًا ينبغي إسكاته، لأن الحقيقة لا تهدد الفكرة وحدها، بل تهدد الامتيازات التي نمت في ظلها.

    ولدفء الأكذوبة قدرة عجيبة على التسلل إلى كل مجال من مجالات الوجود الإنساني؛ فهي لا تستثني السياسة ولا الدين ولا التاريخ، بل تمتد حتى إلى ميادين العلم التي يفترض أنها أكثر الحقول انحيازًا للعقل. وهناك، يكون ثمن الحقيقة أفدح؛ فالحقيقة لا تواجه الجهل وحده، بل تواجه المصالح التي استثمرت في الجهل طويلاً؛ فمنذ أن تجرأ «هيباسوس» Hippasus على زعزعة اليقين الفيثاغوري وكشف هشاشة الأساس الذي استقرت عليه رؤيتهم للعالم، كان الغرق جزاء من حمل إليهم صقيع الحقيقة. وبعد قرون، وقف «جوردانو برونو» Giordano Bruno في مواجهة كونٍ ضاق برجال الكنيسة واتسع للعقل، فدفع حياته ثمنًا لإيمانه بأن الحقيقة لا تدور حول الإنسان، كما لا تدور الكواكب حول الأرض، وأحرق حيًا في ميدان الزهور بوسط روما. وما بين الغريق والمحترق يمتد تاريخ طويل من البشر الذين اختاروا برد الصدق على دفء الوهم، فاكتشفوا أن الجماهير كثيرًا ما تخشى الحقيقة لأنها تجردها من أوهامها، وأن أصحاب الامتيازات الزائفة يرون في كل حقيقة مولودة إعلانًا مبكرًا عن نهاية سلطانهم. وهكذا، لا يكون الصراع في جوهره بين صدقٍ وكذب، بل بين من اعتاد دفء الوهم حتى ظنه حياة، ومن قبل أن يرتجف في عراء الحقيقة لأنه أدرك أن البرد العابر أهون من احتراق الروح في موقد الأكاذيب! 

    إذا كان هذا ما آل إليه شأن العلم، وهو المجال الذي يفترض أن تكون الحقيقة فيه القيمة العليا والمرجعية الأخيرة، فما الظن بما دونه من ميادين السياسة والاجتماع والإدارة؟ إن المجتمعات لا تُقاس درجة نضجها بوفرة ما تردده من شعارات، وإنما بقدرتها على احتمال برودة الحقيقة. وكلما ازداد اعتماد أمة على الأكاذيب المريحة، ازداد ابتعادها عن مسار الحضارة، لأن الوهم لا يبني مستقبلاً، بل يؤجل لحظة الانهيار!

    ولعل من أكثر صور هذا المشهد قسوة أن تتعايش المجتمعات مع الأكذوبة حتى تصبح جزءًا من نظامها الأخلاقي (كالمجتمع الأثيني الذي حوكم فيه سقراط)، فتدفأ حكوماتها بأكذوبة الديمقراطية، ويتحصن مسؤولوها بأكذوبة الإنجاز والإصلاح، وتطمئن مؤسساتها إلى أكذوبة التخطيط، بينما يتخرج الطلاب من رحم أكذوبة التعليم، ويغادر المرضى أبواب المستشفيات حاملين أكذوبة الرعاية الصحية، ويقف المتقاضون أمام محاكم تتدثر بأكذوبة العدالة، ويعتصم الأكاديميين بألقاب فقدت معناها حين انفصلت عن المعرفة الحقيقية، في الوقت الذي يواجه فيه المواطن العادي، كل صباح، صقيع الواقع مجردًا من أي ستار.

    إن أخطر ما في الأكاذيب أنها لا تبقى ثابتة؛ فهي تتكاثر كما تتكاثر الظلال عند الغروب، ويزداد دفؤها كلما ازداد الخوف من الحقيقة، حتى تتحول إلى منظومة كاملة تُعيد إنتاج ذاتها وتُعاقب كل من يحاول اختراقها. غير أن هذا الدفء ليس إلا حرارة احتراق بطيء؛ فالأمم التي تستدفئ طويلاً بأوهامها لا تلبث أن تكتشف أنها كانت تجلس فوق رماد حضارتها، وأن النار التي حسبتها مصدرًا للأمان لم تكن سوى الشرارة الأولى لحريق لا يترك خلفه سوى الخراب والخيبات!

ولعل كلمة «كيتش» Kitsch هي من أكثر الكلمات قدرة على التقاط روح هذا العصر وكشف جوهره؛ فهي كلمة ألمانية تعني في أصلها «النفاية» أو الشيء الرديء المصنوع بغرض الإيهام بالجمال، وقد ذاع استخدامها في القرن التاسع عشر لوصف موجة من الأعمال الفنية التي قامت على التقليد السطحي والمبالغة العاطفية، حتى أصبحت مرادفًا للفن الهابط الذي يستبدل الزخرفة بالأصالة، والمظهر بالعمق. غير أن الكلمة تجاوزت حدود النقد الفني إلى فضاءٍ أرحب، خاصة بعد القراءة الفلسفية التي قدمها الأديب الفرنسي – التشيكي «ميلان كونديرا» Milan Kundera (من مواليد سنة 1929) في روايته «كائن لا تُحتمل خفته» The Unbearable Lightness of Being (1984)؛ إذ لم يعد «الكيتش» عنده مجرد إنتاج جمالي رديء، بل تحول إلى موقف وجودي، وإلى طريقة في النظر إلى العالم، تقوم على استبعاد كل ما يزعج الضمير أو يكشف تناقضات الواقع، وإحلال صورة منمقة يسهل تصديقها والتصفيق لها محل الحقيقة. فالكيتش، في جوهره، ليس حب الجمال، بل حب الوهم حين يتدثر بثياب الجمال.

    ومن هذا المنظور، يبدو واقعنا المعاصر غارقًا في تجليات «الكيتش» أكثر من أي وقت مضى؛ فهناك خطاب إعلامي يصنع وعيًا مزيفًا ويقدمه في هيئة حقيقة، ومنتجات تفتقر إلى الجودة لكنها تتخفى خلف بريق الدعاية، وفنون تستثير الغرائز بدل أن ترتقي بالذائقة، وتعليم يمنح الشهادات أكثر مما يمنح المعرفة، وسلوكيات تبتذل القيم ثم يتم فرضها بوصفها معيارًا للنجاح، حتى غدت الرداءة، وربما البلطجة، ، لكثرة تداولها وممارستها، تبدو أمرًا طبيعيًا لا يثير الاستغراب! 

    إن «الكيتش» ليس انحدارًا في الذوق فحسب، بل هو انتصار للمظهر على الجوهر، وللصورة على الحقيقة، وللأكذوبة الدافئة على الصدق البارد. وحين يستحيل «الكيتش» ثقافة عامة، يصبح المجتمع كله معرضًا لفقدان حساسيته تجاه الزيف، فلا يعود يميز بين الأصيل والمقلد، ولا بين القيمة الحقيقية والنجومية المصنوعة، ولا بين الإنجاز الفعلي والاستعراض الإعلامي.

    إننا، في كثير من وجوه حياتنا، لا نعيش مجرد زمن للكيتش، بل نقيم داخل منظومته؛ ننتج الكيتش، ونستهلك الكيتش، ونصفق للكيتش، ثم نتساءل، في دهشة، لماذا يتراجع الذوق، ويضمحل الفكر، وتفقد الحقيقة بريقها أمام الأضواء الكاذبة. ولعل أخطر ما في الكيتش أنه لا يكتفي بتزييف الواقع، بل يجعل الناس يأنسون إلى هذا التزييف، حتى يغدو كشف الحقيقة فعلاً صادمًا، ويصبح الصدق ذاته غريبًا في مجتمع اعتاد أن يستدفئ طويلاً بأكاذيبه.

    من الكلمات المُعبرة والساخرة لوصف هذا الوضع أيضًا، وأكثرها قدرة على التقاط هذه الظاهرة، في سخرية لاذعة وذكاء نافذ، كلمة «الحمقري» التي صاغها الأديب الساخر الراحل «محمود السعدني». وقد روى أصلها بقوله إنه كان، في صباه، يظن نفسه عبقريًا بينما كان مدرس الحساب يراه حمارًا، ثم انتهى به التأمل إلى اكتشاف أن كليهما كان مخطئًا؛ فلا هو عبقري ولا هو حمار خالص، وإنما مزيج من الاثنين: «حمقري». ولئن جاءت الكلمة يومئذٍ سخرية من الذات، فإنها اليوم تبدو وصفًا بالغ الدقة لنمط إنساني أخذ يتكاثر حتى كاد يصبح ظاهرة اجتماعية. فالحمقري المعاصر لم يعد ذلك الشخص الذي يبالغ في تقدير نفسه فحسب، بل هو من فقد القدرة على الشك في يقينه، حتى صار جهله مصدر ثقته، وضحالته سببًا في تعاليه، وعجزه عن التفكير دافعًا إلى احتقار كل تفكير!

    إنه كائن لا يخشى الجهل لأنه لا يراه، ولا يراجع أفكاره لأنه يعدها حقائق نهائية؛ يتحدث بثقة الأنبياء، ويُصدر أحكامه بيقين القضاة، ويوزع الحكمة كما لو كان مالكًا لمفاتيحها، بينما لا يستند إلا إلى تصورات هشة وشعارات مستهلكة وانطباعات عابرة. وكلما ازداد فراغًا، ازداد صخبًا؛ فالصوت العالي كثيرًا ما يكون الوسيلة الوحيدة لإخفاء خواء الفكرة! ولعل أخطر ما في هذا «الحمقري» أنه لا يكتفي باستحمار نفسه، بل يسعى إلى استحمار الآخرين، ويعد كل سؤال تهديدًا، وكل نقد مؤامرة، وكل عقل مستقل خروجًا على الإجماع الذي صنعه الوهم. فإذا استمعت إليه خُيل إليك أنه يتحدث من منصة الحقيقة المطلقة، أو أن كلماته وحيٌ لا يأتيه الباطل، بل كأن الحكمة قد اختارت أن تنطق بلسانه وحده. لكن ما إن تنفض عن عباراته غبار البلاغة، حتى لا يبقى منها إلا صدى فراغٍ طويل، وصوت يقينٍ لا يسنده علم، وادعاءٍ لا يحمله عقل.

    إن «الحمقري»، بهذا المعنى، ليس شخصًا بعينه، بل حالة ثقافية تنشأ حين يجتمع الجهل مع الثقة المطلقة، والادعاء مع غياب النقد، فتلد مجتمعًا يعلو فيه الضجيج على الفكر، ويصبح فيه المتواضع في علمه مترددًا، بينما يتصدر الجاهل المشهد وهو يظن أنه آخر الحكماء وأول العباقرة

    «الحمقري» في مجتمعنا ليس مجرد ظاهرة، لكنه التطور الطبيعي لوطنٍ مقدس في النصوص، مكدس باللصوص، يخلع القدسية على الزائف وينعم بدفء الأكذوبة! ويتمادى المقدّس البشري وحراسه في بناء أسوار المحظور؛ الممنوع من التفكير (التابو)، وفي تعميق مغزى وحُجج تقديسهم؛ تعلو أصواتهم، ويحصنون أنفسهم ضد أداة فضح القدسية الكاذبة: العقل؛ لأن مجرد السماح لهذا العضو (العقل) بالعمل، من شأنه أن يُعلن بقوة عن تدنيس هذه القدسية الكاذبة في باحة حرمها! إنه النفاق واللاثقة في العقل والركون إلى الدعة والاستسلام من قبل الكثرة، والتجهيل ورهاب العقل والرغبة في التأله من قبل القلة! 

    أيا عبيد التابو الزائف: حطموا أصنامكم وكُفوا عن مناجاة البطل، أطلقوا العنان للعقل، فهو وحده البطل، هو أقوى أطواق النجاة!

السبت، 6 يونيو 2026

من أنا؟ ومن أنت؟ الذات بوصفها سردية: هل نحن كيان ثابت أم قصة لا تنتهي؟

يونيو 06, 2026

من أنا؟ ومن أنت؟  الذات بوصفها سردية: هل نحن كيان ثابت أم قصة لا تنتهي؟
 

(الهوية ليست شيئًا نكتشفه، بل شيئًا نؤلفه باستمرار. نحن لا نعثر على ذواتنا كما نعثر على الأشياء المفقودة، بل نعيد تشكيلها مع كل تجربةٍ جديدة. الإنسان مشروعٌ أكثر من كونه منتجًا مكتملاً).

    منذ اللحظة التي التفت الوعي الإنساني إلى ذاته، لم يكف عن ملاحقة سؤال يبدو قديمًا قدم الوعي ذاته: من أكون؟ وهو سؤال يكتسب فرادته من مفارقة غريبة؛ إذ يبدو للوهلة الأولى من أبسط الأسئلة وأقربها إلى البداهة، حتى ليخال المرء أن جوابه حاضر في متناول يده، بينما ينكشف عند التأمل بوصفه أحد أكثر الألغاز استعصاءً على القبض والفهم. فما من شيء يبدو أقرب إلينا من ذواتنا، ومع ذلك ليس ثمة ما هو أشد مراوغة منها. إننا نحيا داخل هذا الكيان الذي نسميه «أنا»، وننطق به في كل يوم مرات لا تُحصى، لكننا ما إن نحاول تحديد معناه حتى يتبدد يقيننا، ويغدو المألوف غامضًا على نحو يثير الدهشة!

    لقرون طويلة، افترض الخيال الإنساني أن في أعماق كل فرد جوهرًا ثابتًا، نواةً خفية ت
ظل على حالها رغم ما يعتري الحياة من تحولات، وكأن الهوية صخرة راسخة تقف في وجه الزمن ولا تنال منها العواصف. غير أن الإنصات المتأني إلى التجربة البشرية يوقظ شكوكًا عميقة حيال هذا التصور؛ فأين يكمن ذلك الثبات المزعوم؟ إننا نتبدل على نحو لا يكاد ينقطع: تتغير أفكارنا، وتتبدل أذواقنا، وتتحول قناعاتنا، وتتسع أو تضيق دوائر انتمائنا، بل إننا نعيد تأويل ماضينا ذاته كلما تقدمنا في العمر، وما كان يبدو لنا حقيقة نهائية بالأمس قد يغدو اليوم مجرد مرحلة عابرة في مسار أطول.

    مع ذلك كله، يظل الإنسان متمسكًا بإحساسٍ راسخ بالاستمرار؛ فهو ينظر إلى صورته القديمة، أو يسترجع ذكرى بعيدة تعود إلى عشرين عامًا أو أكثر، ثم يقول دون تردد: «ذلك كنتُ أنا». وهنا تنبثق المفارقة الفلسفية في أوضح صورها: كيف يمكن لكائن يتغير على الدوام أن يبقى هو نفسه؟ وكيف تستمر الهوية إذا كان كل ما تتألف منه حياتنا عرضةً للتحول والتبدل؟ إن السؤال عن الذات ليس بحثًا عن شيء ثابت نعثر عليه في أعماقنا، بقدر ما هو محاولة لفهم ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين وجوهنا المتعاقبة عبر الزمن، ويمنحها، رغم اختلافها، شعورًا غامضًا بالوحدة والاستمرار.

    هنا يلوح احتمالٌ مدهش، يكاد يقلب البداهة رأسًا على عقب: لعل الذات ليست كيانًا صلبًا نقيم فيه، بل حكايةً تتشكل في فعل السرد ذاته، ونواصل روايتها لأنفسنا دون انقطاع. فالذاكرة، في جوهرها، لا تستعيد الماضي كما كان في لحظة حدوثه، بل تعيد تركيبه وصياغته كلما تم استدعاؤه من جديد، وكأننا لا نستدعي الزمن، بل نُعيد تأليفه. والأحداث التي نظنها حقائق مستقرة لا تلبث أن تنزلق تحت يد التأويل، فتتبدل دلالاتها كلما تبدلنا نحن في الداخل. إننا لا نتذكر حياتنا بقدر ما نعيد كتابتها، ولا نستحضرها ببرود الأرشيف، بل بحرارة الإنشاء المستمر؛ ومن ثم تغدو صورة الذات أشبه بروايةٍ مفتوحة، لا تعرف نهايةً ثابتة، وتتغير فصولها كلما تقدم فعل الحكي.

حين نتأمل مسار حياتنا، ندرك أننا ننسج من لحظات متفرقة، متباعدة في الزمان والمكان، خيطًا واحدًا نطلق عليه اسم «أنا». غير أن هذا الخيط، عند التدقيق، قد لا يكون جوهرًا مستقلاً بقدر ما هو فعلٌ ذهني يسعى إلى منح التشتت معنى، وإلى فرض قدر من الاتساق على ما هو في أصله مُفكك ومبعثر. فالفوضى الخام للتجربة لا تُحتمل كما هي؛ ولذلك يتدخل الوعي ليعيد ترتيبها داخل بنية سردية، لها بدايات ومسارات واتجاهات، حتى تبدو الحياة كقصة قابلة للفهم. وهكذا، فإننا لا نعيش وجودنا فحسب، بل نقوم أيضًا بتمثيله وسرده، في حركة دائمة بين المعاش والمحكي.

لعل هذا ما يفسر تلك الحاجة العميقة لدى الإنسان إلى المعنى، التي تفوق في أحيان كثيرة حاجته إلى الحقيقة المجردة؛ فهو لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يطمح إلى أن يكون مفهومًا داخل حكاية، أن يرى نفسه كذاتٍ تتقدم نحو غاية، أو كبطلٍ يتشكل عبر تجربة، أو ككائن تتصل لحظاته المتفرقة بخيط دلالي خفي. وما نطلق عليه اسم «الهوية» قد لا يكون في نهاية المطاف سوى هذا النسيج السردي الذي يمنح شتات التجربة وحدةً متخيلة، ويحول التعدد إلى شكلٍ من أشكال الاتساق الممكن.

    غير أن في هذا التصور مفارقة مؤرقة أيضًا؛ فإذا كانت الذات مجرد قصة، فمن الذي يرويها؟ ومن الذي يصغي إليها؟

    يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا، لكنه يؤدي إلى هاوية فلسفية عميقة؛ فكلما حاولنا الإمساك بالراوي وجدناه هو نفسه جزءًا من الحكاية. كأن الذات تطارد نفسها داخل مرآتين متقابلتين إلى ما لا نهاية. نحن المؤلف والشخصية في آن واحد، الراوي والمروي عنه، الكاتب والنص الذي يكتبه.

     ربما كان أكثر ما يبعث على الدهشة أن هذا الغموض ليس عيبًا في التجربة الإنسانية، بل أحد أسرار ثرائها؛ فلو كانت الذات جوهرًا مغلقًا ومكتملاً، لتحولت الحياة إلى مجرد كشفٍ تدريجي عن شيء موجود سلفًا. أما إذا كانت الذات سرديةً مفتوحة، فإن الوجود يغدو فعل خلقٍ دائم. لا نكتشف أنفسنا فحسب، بل نشارك في تأليفها لحظةً بعد أخرى.

    من هنا يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه مشروعًا مستمرًا، وليس بوصفه حقيقةً منجزة؛ أعني ليس بوصفه كيانًا اكتمل ثم دخل العالم، وإنما قصة تُكتب أثناء سيرها. وكل تجربة جديدة تضيف سطرًا، وكل خسارة تحذف فصلاً، وكل حب يعيد ترتيب المعنى، وكل فكرة تغير الحبكة بأكملها.

    أخيرًا، لعل السؤال: «من أنا؟» أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقًا: «أي قصة أكتب الآن؟»؛ ففي النهاية، قد لا تكون الذات حجرًا ثابتًا في مجرى الزمن، بل النهر نفسه؛ ذلك السرد المتدفق الذي لا يتوقف عن إعادة تشكيل مجراه، بينما يظل يهمس لنا، وسط كل هذا التغير، بوهم جميل اسمه: «أنا»!