قاع الهامور من منظور فلسفي
كان الإنسان الرقمي حتى الماضي القريب مستهلكًا للخيال: يشاهده، ويستمع إليه، وينفعل به. أما اليوم، فهو يُعيد إنتاجه؛ فقاع الهامور لم يتم تداوله كفضاءٍ كرتونيٍ جاهز، بل جرى خلعه عن سياقه الغربي، ونقله إلى بيئةٍ مصريةٍ محلية، ثم تعبئته بشخصياتٍ ومشكلاتٍ واقعية، ثم إعادة بثه في صورٍ أكثر سخرية وطرافة. وهذا الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج ليس محايدًا؛ بل يشي بأن الجمهور لم يعد يكتفي بأن يكون متفرجًا، بل صار مؤلفًا، ومخرجًا، وممثلاً في آنٍ معًا.
هذه المشاركة الإبداعية تحمل في طياتها مفارقة وجودية: فالمواطن المصري، الذي يعيش واقعًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا مثقلاً بالصعوبات والتحديات، لا يهرب من هذا الواقع إلى فضاءٍ وهميٍ بعيد، كما قد يظن المراقب السطحي، بل هو يعيد بناء الواقع ذاته على هيئة خيال؛ لكي يستطيع أن يراه، أن يلمسه، أن يضحك منه، بل ربما لكي يستطيع أن يتحمله؛ فالضحك هنا ليس هروبًا، بل طريقة أخرى للاحتمال، أو قل: هو الشكل الأكثر إنسانية لمواجهة ما لا يُطاق!
لم يلبث «قاع الهامور» أن أصبح، في أيامه الأولى، مسرحًا للشكوى الجماعية؛ حيث تحولت صفحة «شكاوى أهل قاع الهامور» إلى ديوانٍ شعبيٍ رقمي، يُسقط فيه المصريون مشكلاتهم اليومية: الإسكان، الإيجارات، التعليم، البطالة، الزحام، الخلافات الأسرية، وحتى الإشارات إلى الفساد والتفاوت الطبقي. لكنهم لا يكتبونها في سياقها الجاد، وإنما يصوغونها على هيئة ميماتٍ ساخرة، ونكاتٍ كرتونية، وتعليقاتٍ هزلية. وهنا تبرز دلالة سياسية لا ينبغي تجاهلها: حين يعجز المواطن عن التعبير عن تذمره عبر السُبل الرسمية، أو حين يخاف من تبعات الاحتجاج المباشر، أو حين ييأس من جدوى الخطاب السياسي التقليدي، فإنه يبتكر فضاءً بديلاً؛ فضاءً لا يُسأل فيه عن هويته، ولا يُحاسب على رأيه، لكنه مع ذلك يعبر عن مضمونٍ سياسيٍ حقيقي. على سبيل المثال، النكتة عن ارتفاع الأسعار أو التعليم أو الخدمات الصحية في قاع الهامور ليست مجرد هزل، بل هي احتجاجٌ مُغلف بالسخرية؛ احتجاج يلتقي فيه المزاح بالمرارة، ويتلاقى فيه الخيال بالواقع في منطقةٍ رمادية لا تخضع لرقابةٍ مباشرة.
ولئن كان بعض المتابعين يرى في هذا الضحك الجماعي نوعًا من التطبيع مع الألم، أو هروبًا من المواجهة، فإن القراءة الأعمق تراه شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية؛ مقاومة تضعف فيها الأدوات التقليدية للسياسة، فتتسلح البلاغة الشعبية بالكاريكاتير الرقمي؛ فالمواطن لم يعد يشكو باسمه، بل يخلق شخصية كرتونيةً تشكو نيابةً عنه، وفي هذا إعلاءٌ لشأن الخيال كأداةٍ للنقد، وتهميشٌ ضمنيٌ لفاعلية الخطاب الرسمي!
ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة دون الوقوف عند الدور المحوري للذكاء الاصطناعي في إنتاجها وتضخيمها؛ فالصور المولَّدة، والمشاهد المعدَّلة تقنيًا، والنصوص الساخرة التي تنتشر بسرعة الضوء، كلها أصبحت ممكنةً بفضل أدواتٍ رقميةٍ تمنح الخيال مظهر الحقيقة، وتجعل الانتقال من مجرد التخيل إلى الصورة المرئية شبه لحظي. لكن السؤال الفلسفي والسياسي الذي تطرحه هذه القدرة الجديدة هو: ما الذي يتبقى من الحدود بين الواقعي والمتخيل؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على منح أي خيال مظهر الحقيقة، فهل يصبح الواقع ذاته مجرد رواية من بين رواياتٍ كثيرة، كلٌّ منها قابل للتصديق وقابل للتفنيد في آنٍ واحد؟ وما معنى أن يكون المواطن اليوم قادرًا على إنشاء مدينة وهمية تتشابه مع مدينته الحقيقية، ثم يشكو فيها ما يشكو منه في واقعه، دون أن يعرف أحد أي المدينتين أكثر حقيقة؟
هذا الانفصال بين الصورة والمرجع، وبين الرمز ومدلوله، هو أحد أبرز التحديات التي تطرحها الثورة الرقمية المعاصرة. ولم يعد الأمر مقتصرًا على المتخصصين والفلاسفة، بل صار ملموسًا في ترندات السوشيال ميديا، وفي تفاعل الملايين مع عوالمَ مصطنعةٍ تتصارع فيها الحقيقة مع المحاكاة، والجدية مع السخرية.
من جهة أخرى، يضيف الاسم ذاته طبقة رمزية غنية لهذه الظاهرة؛ فالهامور في الأصل هو سمكة خليجية كبيرة وقوية تعيش بين الصخور والشعاب. ثم انتقلت الكلمة إلى الاستعمال المجازي، فأصبحت تُطلق على صاحب المال والنفوذ، أو التاجر الكبير، أو الشخص المسيطر والقوي. غير أن السياق المصري الراهن يُجرّد الكلمة من دلالتها المجازية الخليجية، ويعيد صوغها داخل فضاء «سبونج بوب» الكرتوني، حيث هي مجرد اسمٍ لمدينةٍ غارقة في قاع المحيط. لكن اللاوعي الجمعي لا يمكن أن يمر على هذه الإيحاءات دون أن يلتقطها؛ فـ «القاع» يُوحي بالهبوط، بالتهميش، بالتراكم، بالغرق الوجودي. و«الهامور» يُوحي بالقوة، بالسيطرة، بالثروة، بالنفوذ. وهكذا ينشأ، من غير قصدٍ من مؤسسي الصفحة، تناقضٌ ساخر بين من يملكون «الهامور» وأهل «القاع» الذين يشكون همومهم. إنها استعارةٌ لا إرادية للتفاوت الطبقي، تصنعها الصدفة اللغوية ويلتقطها الذوق الشعبي.
على الإجمال، يمكن قراءة «قاع الهامور» بوصفه ظاهرةً ثقافية صغيرةً تختصر تحولاً كبيرًا. إنها ليست مجرد ترندٍ عابرٍ في تاريخ السوشيال ميديا، بل هي مرآةٌ لتشكيل وعي جماعي جديد، تتشابك فيه السخرية بالاحتجاج، والخيال بالسياسة، والفردانية بالجماعية، والاستهلاك بالإنتاج. وهي تطرح، في صيغتها الساخرة، أسئلةً كانت، وما زالت، موضعَ تأمل الفلاسفة والنقاد الاجتماعيين: متى يصبح الضحك خطابًا؟ ومتى تتحول الشكوى إلى نكتة؟ وهل يمكن للخيال أن يكون فعلاً سياسيًا، أم أنه مجرد مسكنٍ مؤقتٍ؟
ولعل الإجابة، في هذا المقام، هي أن «قاع الهامور» ليس نقيضًا للواقع، بل هو تجسيدٌ لعلاقة جديدة بالواقع؛ علاقة لا تلغي الألم، ولا تتظاهر بمعالجته، بل تخلق منه مادة سردية جماعية، يتحمل فيها الجمهور مشكلاته عبر تحويلها إلى حكايةٍ يضحك عليها، ليس لأنه غير قادر على تغييرها، بل لأنه، في غياب آليات التغيير المباشرة، يصنع من الخيال فضاءً للتنفيس، ومن السخرية لغةً للسياسة.
اللافت أن «قاع الهامور» لم يقدم جديدًا في مضامين الشكاوى، بل قدَّم جديدًا في شكل الوعي؛ فعوضًا عن التدوينات السياسية، والاحتجاجات المباشرة، صار الميم الرقمي، والصورة المعدَّلة، والنكتة الكرتونية، أدواتٍ لإعادة تفسير الواقع. وقد يكون هذا، في حد ذاته، مؤشرًا على تحول في ثقافة الاحتجاج ذاتها؛ تحول يُعلن أن السياسة لم تعُد حكرًا على المؤسسات والنخب، بل صارت شأنًا يوميًا تُمارسه الأغلبية عبر الخيال، وتُواجه فيه السلطة بالضحك، والعجز بالابتكار الرمزي. غير أن هذا الانفتاح الإبداعي على الخيال يحمل في طياته خطرًا وجوديًا يجب أن ينتبه إليه المُحللون وصُناع القرار: فإذا أصبح كل شيءٍ قابلاً لأن يكون خيالاً، فأين نضع أقدامنا على أرضٍ صلبة؟ وإذا صارت السخرية هي اللغة السائدة، فمتى نعود إلى الجد الذي لا يُطاق، لكنه ضروري لبناء الدولة وثباتها؟
ربما كان السؤال، في النهاية، هو ذاته ما طرحته مدينةٌ غارقة اسمها «قاع الهامور» على ملايين المصريين: هل نحن الذين نصنع الخيال، أم أن الخيال، وقد تسلح بالتقنية، صار يصنعنا؟ وإذا كان الجواب الثاني أقرب إلى الحقيقة، فإننا أمام لحظةٍ تأسيسية جديدة: لحظة تتشكل فيها الذات الجمعية عبر عوالم افتراضية، وتُعاد فيها صياغة السياسة والاجتماع والشكوى والحُلم، في مرايا لا تعكس الواقع، وإنما تقترحه!
.webp)
.webp)
.webp)
%20(1).webp)
.webp)
.webp)
.webp)