-->

الاثنين، 26 أكتوبر 2026

حين يصمت الجسد ... هل يظل الوعي يصرخ في الداخل؟

أكتوبر 26, 2026

حين يصمت الجسد ... هل يظل الوعي يصرخ في الداخل؟

تأملات فلسفية في الإنسان الذي قد يكون حاضرًا، بينما يعجز العالم عن سماعه!

في بعض غرف العناية المركزة، يرقد الإنسان ساكنًا كأن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجهه؛ لا يفتح عينيه استجابةً لنداء، ولا يحرك يده حين يُطلب منه ذلك، ولا يمنح أحباءه تلك الإشارة الصغيرة التي يطمئنون بها إلى أنه ما زال معهم؛ يقف أهله حوله، يتأملون وجهًا يعرفونه جيدًا، لكنهم لا يعرفون ما الذي يجري خلف ذلك الصمت: هل غاب عن العالم حقًا، أم أن العالم هو الذي فقد الطريق إليه؟

إنها واحدة من أكثر المآزق الإنسانية قسوة: أن يكون المرء عاجزًا عن إثبات حضوره، وأن يصبح صمته دليلاً يُستند إليه في الحكم على غيابه. لكن العلم، بين حين وآخر، يضع أمامنا حقيقةً تجعلنا نعيد النظر في يقيننا؛ فليس كل ما لا نراه معدومًا، وليس كل ما لا يستجيب غائبًا، وليس العجز عن التعبير برهانًا قاطعًا على انطفاء التجربة الداخلية.

1 – حين تتكلم إشارات الدماغ

    يوم الخميس (22 أكتوبر 2026)، نشرت جامعة كولومبيا الأمريكية، عبر مركزها الطبي (مركز إيرفينج Irving Medical Center)، نتائج دراسة علمية بعنوان: «مرضى إصابات الدماغ الحادة الذين لا يستجيبون سريريًا يستطيعون تفعيل واجهة بين الدماغ والحاسوب» Clinically unresponsive patients with acute brain injury activate a brain-computer interface. نُشرت الدراسة في مجلة «برين» (الدماغ) العلمية Brain، وشارك في قيادتها طبيب الأعصاب الأمريكي (الألماني الأصل) «يان كلاسن» Jan Claassen (حاليًا أستاذ طب الأعصاب بجامعة كولومبيا وأحد كبار المتخصصين في العناية العصبية الحرجة). 

درس الباحثون 41 مريضًا يعانون إصابات دماغية حادة، ولم يُظهروا استجابات سريرية واضحة. ووضعوا على رؤوسهم أقطابًا لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ، باستخدام تقنية تخطيط كهربائية الدماغ Electroencephalography – EEG، ثم ربطوا هذه الإشارات بنظام حاسوبي يستطيع تحليلها لحظيًا. كان الاختبار بسيطًا في ظاهره، عميقًا في دلالته: يسمع المريض نغمة صوتية، ويطلب منه صوت مُسجل أن يحاول فتح يده اليمنى وإغلاقها لتغيير النغمة، ثم أن يتوقف عن المحاولة لتغييرها في الاتجاه الآخر. لم يكن المطلوب أن تتحرك اليد فعلاً؛ بل أن يلتقط الحاسوب الإشارات العصبية المرتبطة بمحاولة الحركة.

والنتيجة؟ استطاع 13 مريضًا من أصل 41، أي نحو 32%، التحكم في النغمة من خلال إشارات دماغهم. كما كشفت اختبارات منفصلة عن حالة تُعرف باسم الانفصال الإدراكي الحركي Cognitive Motor Dissociation – CMD لدى ثمانية مرضى؛ وهي حالة يمكن أن تبقى فيها بعض القدرات الإدراكية محفوظة، بينما يعجز المريض عن تحويل أوامره الذهنية إلى حركات ظاهرة.

لم تثبت الدراسة أن جميع المرضى غير المستجيبين واعون، ولا كشفت كل ما يدور في أذهان أولئك الثلاثة عشر. لكنها قدمت دليلاً مهمًا على أن غياب الاستجابة الظاهرة لا يعني بالضرورة غياب القدرة على الفهم أو محاولة تنفيذ الأوامر. وهذه خطوة أولى نحو تطوير واجهة بين الدماغ والحاسوب Brain-Computer Interface – BCI قد تتيح مستقبلاً لبعض هؤلاء المرضى وسيلة للتواصل مع أطبائهم وأسرهم.

2 – المشكلة ليست دائمًا في الصوت ... بل في الطريق إليه

لنتأمل المفارقة: قد يسمع الإنسان النداء، وقد يفهم الأمر، وقد يحاول الاستجابة، ثم لا يحدث شيء يمكن للآخرين ملاحظته؛ كأن رسالةً خرجت من العقل، لكنها ضلت طريقها إلى الجسد! وهنا ينبغي أن نميز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما نخلط بينها: «الوعي»، و«القدرة على التعبير عنه»، و«قدرة الآخرين على اكتشافه».

«الوعي Consciousness هو، في أحد معانيه الأساسية، أن تكون هناك تجربة ذاتية يعيشها الكائن؛ أن يكون للألم وقع، وللصوت حضور، وللعالم معنى من منظور صاحبه. أما «التعبير عن الوعي» Expression of Consciousness فهو ما نستطيع إظهاره للآخرين من خلال الكلام أو الحركة أو الإشارة. وأما «اكتشافه» Detection of Consciousness فهو محاولتنا الاستدلال على وجود تلك التجربة من العلامات المتاحة لنا.

هذه الأمور متصلة، لكنها ليست شيئًا واحدًا؛ فالإنسان قد يشعر ولا يستطيع الكلام، وقد يفهم ولا يستطيع الحركة، وقد يمتلك تجربة داخلية لا نملك الوسيلة المناسبة لقراءتها. وإذا عجزنا عن العثور على إشارة، فهل يعني ذلك أن الإشارة غير موجودة، أم أن أدواتنا لا تستطيع التقاطها؟ هذا السؤال يتجاوز الطب إلى صميم المعرفة الإنسانية؛ فنحن لا نطلع مباشرةً على وعي الآخرين؛ إنما نستدل عليه من أصواتهم ووجوههم وأفعالهم. وحتى في الحياة اليومية، لا نعرف ما يشعر به شخص آخر معرفةً مطلقة، بل نقترب من عالمه عبر اللغة والسلوك والثقة والتأويل. فإذا كان التواصل بين الأصحاء أنفسهم لا يمنحنا نافذةً كاملة على العقول، فكيف يمكننا أن نجعل الحركة الظاهرة شرطًا وحيدًا للاعتراف بحضور الوعي؟

3 – من ديكارت إلى مشكلة العقل والجسد

قبل قرون، وضع الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» مسألة العقل والجسد في قلب الفلسفة الحديثة. وفي تصوره الثنائي Mind–Body Dualism، ميز بين العقل بوصفه جوهرًا مفكرًا والجسد بوصفه ممتدًا في المكان. لم تكن أبحاث اليوم امتدادًا مباشرًا لفلسفته، ولا تثبت ثنائية العقل والجسد، لكنها تعيد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ما العلاقة بين ما نعيشه في الداخل وما يظهر منا في الخارج؟

إننا نرى الجسد ساكنًا، فنميل إلى تفسير السكون بوصفه غيابًا. لكن ما نراه ليس إلا الجانب القابل للملاحظة من الإنسان. أما عالمه الداخلي، فلا يُختزل بالضرورة في مقدار ما يستطيع إظهاره من حركات. ومع ذلك، ينبغي ألا نقفز من هذه الملاحظة إلى النقيض، فنفترض أن وراء كل جسد ساكن وعيًا مكتملاً ينتظر من يسمعه. العلم لا يمنحنا هذا اليقين، بل يعلمنا التواضع أمام ما لم نعرفه بعد. بعض المرضى قد يحتفظون بقدر من الوعي، وبعضهم قد لا يستطيع معالجة الأوامر أو الاستجابة لها، ولا يمكن تعميم نتيجة مجموعة محدودة على كل الحالات. والفلسفة الرصينة لا تستبدل يقينًا متعجلاً بيقين متعجل آخر؛ إنها تفتح مساحةً للسؤال، وتقاوم إغراء الإجابات السهلة.

4 – الجسد بوصفه لغةً ... وحدود اللغة

لسنا معتادين على التفكير في الحركة بوصفها لغة، لكنها كذلك؛ حركة اليد تقول: «نعم»، وإيماءة الرأس تقول: «لا»، وابتسامة صغيرة قد تحمل من الطمأنينة ما تعجز عنه صفحات من الكلام. نحن نقرأ الآخرين من خلال أجسادهم، ونبني كثيرًا من أحكامنا على ما يظهر منهم. لكن ماذا يحدث عندما تتعطل هذه اللغة؟ هل نفقد الإنسان لأننا فقدنا وسيلة التواصل معه؟ أم أننا نفقد فقط قدرتنا على الوصول إليه؟

تخيل أمًّا تجلس بجوار ابنها الذي لا يستجيب؛ تتحدث إليه كما لو كان يسمعها، تحكي له أخبار البيت، وتذكره بأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من عاشها معها. ربما لا تعرف إن كان يسمعها أو يفهمها. وربما لا تعرف إن كانت كلماتها تصل إلى مكان ما في داخله. ومع ذلك، تستمر في الحديث. قد يصف بعضنا ذلك بأنه أمل، وقد يراه آخرون تعبيرًا عن الحب. لكن فيه أيضًا حدسًا إنسانيًا عميقًا: أن الإنسان لا ينبغي أن يتحول، لمجرد عجزه عن الرد، إلى شيء صامت لا يستحق أن نخاطبه. وليس معنى ذلك أن المشاعر تثبت وجود الوعي، بل أن الاحترام لا ينبغي أن ينتظر دائمًا دليلاً كاملاً على القدرة على الاستجابة. وهنا تكتسب التقنية الجديدة أهميتها الأخلاقية، لا لأنها ستجيب عن كل أسئلتنا، بل لأنها قد تمنح بعض المرضى فرصةً إضافية كي يتم سماعهم، وربما كي يعبروا عن ألم أو حاجة أو رغبة لا سبيل إلى معرفتها من دون وسيلة مناسبة.

5 – هل تستطيع الآلة أن تمنح الصمت صوتًا؟

تفتح واجهات الدماغ والحاسوب بابًا جديدًا في العلاقة بين الإنسان والتقنية؛ فالحاسوب هنا لا يقرأ الأفكار كما نتخيلها في قصص الخيال العلمي، ولا يعرف أسرار النفس بمجرد الاتصال بالرأس. إنه يحلل أنماطًا من النشاط العصبي وفق مهمة محددة، ثم يحولها إلى مخرجات قابلة للملاحظة. والفرق كبير بين التقاط إشارة عصبية وبين فهم تجربة إنسانية كاملة. أن يتغير صوت استجابةً لإشارة دماغية لا يعني أننا أصبحنا نعرف كل ما يشعر به المريض، أو نستطيع أن نسأله أي سؤال ونحصل على جواب موثوق. لكن حتى هذه الخطوة المحدودة تثير سؤالاً أخلاقيًا هائلاً: إذا تطورت هذه الأنظمة وأصبحت قادرة على مساعدة المرضى في التعبير عن احتياجاتهم، فكيف ينبغي أن نستخدمها؟ ومن يقرر ما إذا كانت الإشارة تعني موافقةً أو رفضًا؟ وكيف نتحقق من دقة التواصل؟ وما الضمانات التي تحمي كرامة المريض وخصوصيته؟

إن منح الإنسان وسيلةً للتواصل لا يقتصر على اختراع جهاز؛ بل يقتضي أيضًا بناء قواعد تحترم إرادته، وتمنع إساءة تفسير إشاراته، وتدرك أن الخطأ في فهم شخص عاجز عن تصحيحنا قد تكون له عواقب خطيرة. وهكذا يصبح التقدم التقني اختبارًا لأخلاقنا بقدر ما هو اختبار لقدرتنا العلمية. فليس السؤال فقط: هل نستطيع استخراج إشارة من الدماغ؟ بل: هل نستطيع أن نصغي إليها بحكمة، وأن نفهم حدودها، وأن نحترم صاحبها؟

6 – ما الذي يخبرنا به الصمت عن أنفسنا؟

ربما تكون أكثر دلالات هذه الدراسة إثارةً للتأمل أنها لا تتحدث عن المرضى وحدهم، بل عن الطريقة التي نحكم بها على البشر؛ كم مرة نظرنا إلى صمت شخص ما كدليلٍ على جهله، أو إلى عجزه كدليلٍ على ضعفه، أو إلى عدم قدرته على الدفاع عن نفسه كدليلٍ على أنه لا يفهم ما يجري حوله؟ وكم مرة خلطنا بين ما يستطيع الإنسان إظهاره وما يستطيع أن يشعر به أو يدركه؟

ليس من العدل أن نقارن الحالات الطبية المعقدة بمواقف الحياة اليومية مقارنةً حرفية؛ فلكل حالة ظروفها وحدودها. لكن ثمة خيطًا فلسفيًا يجمع بينها: ما يظهر لنا عن الإنسان ليس بالضرورة كل ما هو عليه. قد لا يكون الصمت حكمة، ولا يكون الكلام دليلاً على الفهم. وقد يبدو المرء حاضرًا لأنه يتحدث، بينما يعجز عن الإصغاء، وقد يبدو آخر غائبًا لأنه لا يجيب، فيما لا نملك دليلاً كافيًا على غيابه الداخلي. لذلك لا ينبغي أن يصبح المظهر حكمًا نهائيًا، ولا أن نمنح أنفسنا سلطةً مطلقة على ما لا نستطيع معرفته. إن «التواضع المعرفي» ليس اعترافًا بالجهل فحسب، بل هو إدراكٌ للحدود التي تقف عندها أدواتنا وأحكامنا. وهو لا يدعونا إلى تصديق كل احتمال، وإنما إلى ألا نغلق الباب أمام احتمال لم نفحصه بما يكفي.

7 – حين يصمت الجسد ... هل يظل الوعي يصرخ في الداخل؟

ربما لا يصرخ الوعي فعلاً، وربما لا نستطيع أن نعرف ما يحدث في داخل كل مريض. لكن السؤال ذاته يذكرنا بأن الإنسان أعمق من العلامات التي نراها، وأن غياب الصوت لا يمنحنا حق إعلان غياب صاحبه.

لقد أظهرت دراسة جامعة كولومبيا أن بعض المرضى الذين لم يُظهروا استجابةً سريرية استطاعوا التحكم في نغمة صوتية عبر إشارات الدماغ. وهي نتيجة أولية واعدة، وليس برهانًا شاملاً على أن كل مريض غير مستجيب يعيش التجربة ذاتها، ولا تقنية جاهزة تتيح حوارًا كاملاً مع الجميع. ومع ذلك، فإن قيمتها تتجاوز النغمة التي ارتفعت أو انخفضت. إنها تذكرنا بأن المسافة بين الإنسان والعالم قد تكون أحيانًا مسافةً في التواصل، وليس دليلاً على أن كل ما في الداخل قد انطفأ.

ولعل أعمق ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة هو أن الإنصات الحقيقي يبدأ عندما نعترف بأننا قد لا نسمع كل شيء، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تتوقف على قدرته على إثبات حضوره لنا؛ ففي النهاية، ليست مأساة الإنسان أن يعجز عن الكلام؛ المأساة الأكبر أن يحيط به الآخرون، ثم يظنوا أن عجزه عن الرد يعني أنه لم يعد هناك أحد يستحق أن يُخاطَب. 

ربما لا يكون السؤال الأخير: هل ما زال هذا الإنسان حاضرًا؟ بل: هل نملك من العلم والتواضع والرحمة ما يكفي كيلا نحكم بغيابه قبل أن نحاول الإصغاء إليه؟

________________________________________

المصادر:

جامعة كولومبيا، المركز الطبي بجامعة كولومبيا إيرفينغ. (22 أكتوبر 2026). واجهة الدماغ والحاسوب قد تمنح مرضى العناية المركزة غير المستجيبين وسيلة للتواصل

شين، كيو.، إليسييف، أ.، كانسارا، ف.، بريارد، ج. ن.، سونغ، ي. ل.، كارمونا، ج.، غونزاليس، إ. ج.، فيلاسكيز، أ.، كلاين، أ. ج.، وأغاروال، س. (22 اكتوبر 2026). المرضى غير المستجيبين سريريًا المصابون بإصابة دماغية حادة يُفعّلون واجهة الدماغ والحاسوب

الأحد، 25 أكتوبر 2026

حين تصبح الآلة طبيبًا.. من يمنح المريض الطمأنينة؟

أكتوبر 25, 2026

حين تصبح الآلة طبيبًا.. من يمنح المريض الطمأنينة؟

تأملات فلسفية في حدود الذكاء الاصطناعي ومعنى الطب بوصفه علاقة إنسانية!

يدخل المريض إلى عيادة الطبيب وهو يحمل أكثر من ألم. يحمل خوفًا لا يعرف كيف يصفه، واحتمالات يتخيلها في ساعات الليل، وأسئلةً قد يخجل من طرح بعضها. يجلس أمام الطبيب، يروي ما يشعر به، ويترقب ملامح وجهه وهو يستمع، كأن حركةً صغيرة في العين أو نبرةً هادئة في الصوت قد تمنحه شيئًا من الأمان! إنه لا يبحث عن اسم مرضه فحسب؛ إنه يبحث عمن يساعده على فهم ما يحدث له، وعن عقل يميز بين الاحتمالات، وعن إنسان يستطيع أن يقول له، بصدق ومسؤولية: «سنعرف ما الذي يجري، وسنحاول أن نجد الطريق المناسب».

لكن ماذا لو جلس يومًا ما أمام نظامٍ ذكي يمتلك معرفة طبية واسعة، ويستطيع أن يطرح الأسئلة بالترتيب المناسب، ويختار الفحوص الأكثر فائدة، ويقارن مئات الاحتمالات، ثم يصل إلى تشخيص أدق مما يصل إليه كثير من الأطباء في بعض الاختبارات؟ هل يصبح الطبيب عندئذٍ مجرد وسيط قديم بين المريض والمعلومة؟ أم أن الطب يخفي في جوهره شيئًا لا يمكن اختزاله في الوصول إلى الإجابة الصحيحة؟ هذا السؤال لم يعد خيالاً علميًا بعيدًا؛ لقد بدأ العلم يضعه أمامنا بجدية، ويجبرنا على التفكير في معنى المعرفة، وحدود الآلة، وما يجعل الإنسان إنسانًا حين يتعامل مع ألم إنسان آخر.

1 – هل تفوقت الآلة في امتحان التشخيص

يوم الخميس (22 أكتوبر 2026)، أعلنت شركة مايكروسوفت عن نتائج نظامها للذكاء الاصطناعي الطبي، المعروف باسم «منسق التشخيص بالذكاء الاصطناعي من مايكروسوفت» Microsoft AI Diagnostic Orchestrator – MAI-DxO، ونُشرت الدراسة المرتبطة به في مجلة «ساينس» Science العلمية، في بحث يعرض طريقة جديدة لاختبار قدرات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي خطوةً بعد خطوة، بدلاً من الاكتفاء بتقديم مجموعة كاملة من الأعراض والفحوص للنظام وطلب إجابة نهائية منه.

الفكرة هنا ليست أن الآلة تقرأ المعلومات الطبية دفعةً واحدة فحسب، بل أنها تتبع مسارًا يشبه بعض جوانب التفكير السريري: تبدأ بمعلومات محدودة، وتحدد الأسئلة التي ينبغي طرحها، وتختار الفحوص المناسبة، ثم تعدل الاحتمالات التشخيصية وفق النتائج الجديدة. ويستخدم النظام ما يُعرف باسم «التنسيق بين الوكلاء الأذكياء» AI Agent Orchestration، حيث تنسق عملية التحليل بين أنظمة ذكية تؤدي أدوارًا مختلفة، وتقترح تشخيصات وفحوصًا، وتراجع الاحتمالات المتنافسة. والغاية هي محاكاة بعض مزايا النقاش الطبي المنظم، مع احتساب تكلفة الفحوص ودرجة فائدتها.

في مجموعة من 304 حالات طبية معقدة منشورة في «مجلة نيو إنجلاند الطبية» New England Journal of Medicine، حقق النظام دقة تشخيصية بلغت نحو 83%، مقارنةً بنحو 36% للأطباء العامين المشاركين في المقارنة عند استخدام المراجع والإنترنت، ونحو 22% من دون تلك المراجع. وفي مجموعة أخرى تضم 325 حالة من بيانات أقسام الطوارئ، بلغت دقته نحو 80%، مقابل نحو 47% للأطباء في الاختبار.

هذه أرقام لافتة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فقد جاءت النتائج من تقييم مضبوط لحالات موثقة، لا من تجربة تثبت تفوق النظام على الأطباء في كل المستشفيات والظروف. كما أن المقارنة لم تشمل فرقًا من الأطباء المتخصصين الذين يتعاملون عادةً مع الحالات الأشد تعقيدًا، ولم تختبر وحدها قدرة النظام على رعاية المريض بكل جوانبها. وأكدت مايكروسوفت أن الخطوة التالية تتطلب اختبارات في بيئات سريرية حقيقية، ومن بينها تعاون معلن مع مركز «بيث إسرائيل ديكونيس الطبي» Beth Israel Deaconess Medical Center في بوسطن لتقييم النظام في سياق الرعاية الصحية الفعلية.

إذن، ما الذي أثبتته النتائج؟ إنها تشير إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تصبح أدوات قوية في التفكير التشخيصي، وأن طريقة تنظيم الأسئلة والفحوص قد تُحسن الأداء. لكنها لا تعني أن الآلة أصبحت طبيبًا مكتمل القدرة، ولا أن المريض يستطيع الاعتماد عليها وحدها في اتخاذ قراراته العلاجية.

2 – هل الطب معرفة أم حكمة؟

لنفترض أن طبيبًا ونظامًا ذكيًا استقبلا المعلومات الطبية ذاتها، وأن النظام وصل إلى التشخيص الصحيح بسرعة أكبر، وبعدد أقل من الفحوص، وبتكلفة أقل. في هذه الحالة، سيكون من غير المعقول أن نرفض الاستفادة منه لمجرد أنه آلة. فإذا كانت التقنية قادرة على تقليل الأخطاء، أو كشف مرض لم ينتبه إليه الطبيب، أو تنبيه الفريق الطبي إلى احتمال خطير، فإن استخدامها قد يصبح واجبًا أخلاقيًا، وليس مجرد خيار تقني. لكن المسألة لا تنتهي عند التشخيص؛ فالتشخيص الطبي هو عملية تحديد المرض أو تفسير الأعراض بالاستناد إلى المعلومات والأدلة. أما الطب بوصفه ممارسةً إنسانية، فيشمل أيضًا التواصل مع المريض، وتقدير ظروفه، وشرح الاحتمالات، ومناقشة الخيارات العلاجية، ومراعاة ما يستطيع تحمله وما يريده لحياته. قد تعرف الآلة أن علاجًا معينًا هو الأنسب وفق المعطيات الطبية، لكن المريض قد يواجه ظروفًا نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية تؤثر في قراره. وقد يحتاج إلى شرح الفوائد والمخاطر بلغة يفهمها، وإلى وقت كي يستوعب معنى المرض، وإلى شخص يجيبه حين يسأل: «ماذا سيحدث لي؟». وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المعلومات وحسن استخدامها، بين الوصول إلى الإجابة وفهم ما تعنيه هذه الإجابة لحياة إنسان بعينه.

المعرفة تجيب عن سؤال: ما الاحتمال الأقرب إلى الصواب؟ أما «الحكمة السريرية» Clinical Wisdom، فتضيف أسئلة أخرى: ما الذي ينبغي فعله في هذه الحالة؟ ما المخاطر التي يجب تجنبها؟ كيف نشرح القرار للمريض؟ وكيف نراعي كرامته وحقه في الاختيار؟ وليس معنى ذلك أن الطبيب يمتلك الحكمة دائمًا، أو أن الآلة عاجزة بالضرورة عن المساعدة في هذه الجوانب. بل إن هذه هي المجالات التي ينبغي أن نختبر فيها التقنية، بدلاً من افتراض أن التفوق في التشخيص يكفي لإثبات التفوق في الرعاية كلها.

3 – ديكارت وسؤال العقل: هل يكفي التفكير لنكون أطباء؟

منذ الفلسفة الحديثة، شغلت العلاقة بين العقل والجسد الفلاسفة والعلماء. وقد كان الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» من أبرز من بحثوا في طبيعة العقل وعلاقته بالجسد. وفي زمننا هذا، تُثير أنظمة الذكاء الاصطناعي سؤالاً مختلفًا أمامنا: إذا استطاعت الآلة أن تنفذ بعض المهام التي كنا نربطها بالتفكير البشري، فهل يعني ذلك أنها تفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها الإنسان؟ وهل القدرة على الاستدلال دليل على امتلاك الخبرة الذاتية؟

ينبغي هنا التمييز بين الاستدلال الحاسوبي Computational Reasoning، أي معالجة المعلومات للوصول إلى استنتاجات، وبين «الخبرة الذاتية» Subjective Experience، أي أن يعيش الكائن تجربة من منظور داخلي. قد يستطيع نظام ذكي تحليل وصف الألم، وربطه بالأعراض، ومقارنة الاحتمالات التشخيصية. لكن ذلك لا يثبت أنه يشعر بالألم، أو يعرف الخوف من المرض كما يشعر به المريض، أو يختبر معنى الانتظار أمام نتيجة قد تغير حياته. ومع ذلك، لا يلزم أن نشترط على الآلة أن تشعر كما يشعر الإنسان حتى نستفيد من قدرتها على المساعدة؛ فالمقياس العملي لأداة التشخيص هو دقتها وسلامتها وفائدتها، لا ادعاؤها امتلاك مشاعر بشرية.

المشكلة تبدأ حين نخلط بين نوعين من الأسئلة: هل تستطيع الآلة أداء مهمة طبية بكفاءة؟ وهل تمتلك التجربة الإنسانية التي يعيشها المريض؟ السؤال الأول يمكن اختباره بالبيانات والنتائج. أما الثاني فيتعلق بأسئلة فلسفية أوسع عن الوعي وطبيعة التجربة الذاتية. ولا تجيب نتائج التشخيص وحدها عن هذه الأسئلة.

4 – المريض ليس لغزًا طبيًا فقط

تخيل مريضًا يسمع من النظام الذكي أن نتائج فحوصه تشير إلى احتمال مرض خطير. قد تكون النتيجة صحيحة، لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يشرح له معنى الاحتمال؟ من يوضح له الفرق بين الاشتباه والتأكيد؟ من يساعده على فهم الفحوص الإضافية؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار إذا كان التشخيص ناقصًا أو خاطئًا؟ إن المريض لا يقدم نفسه إلى الطب بوصفه مجموعة بيانات فحسب؛ إنه يأتي بجسده وتاريخه وعاداته ومخاوفه وعلاقاته وأحلامه. وقد تكون الأعراض نفسها ذات معنى مختلف باختلاف ظروفه، كما أن العلاج المناسب طبيًا قد يحتاج إلى نقاش حول آثاره في حياته اليومية.

هذا لا يعني أن الطبيب يستطيع معرفة كل تلك التفاصيل أو التعامل معها على نحو مثالي، بل يعني أن الرعاية الجيدة تتطلب مساحةً للأسئلة التي لا تظهر في نتائج المختبر وحدها؛ فالإنسان الذي يسمع تشخيصًا صعبًا لا يحتاج إلى الدقة فحسب، بل إلى طريقة صحيحة في عرض الحقيقة؛ لا يحتاج إلى طمأنة كاذبة، وإنما إلى صدق لا يتحول إلى قسوة، وإلى شرح لا يختبئ وراء المصطلحات، وإلى احترام لا يجعل خوفه أمرًا هامشيًا. والطمأنينة الطبية ليست وعدًا بأن كل شيء سيكون بخير؛ إنها مساعدة المريض على فهم ما يحدث، وما الذي يمكن فعله، وما حدود ما نعرفه الآن. وهذه الطمأنينة لا ينبغي أن تُختزل في نبرة صوت لطيفة، كما لا ينبغي أن تُنسب حصرًا إلى الإنسان. فقد تساعد الأنظمة الرقمية على شرح المعلومات، وتذكير المريض بخطوات العلاج، والإجابة عن أسئلة متكررة. لكن وجود شخص مسؤول يستطيع الإصغاء والتدخل وتحمل تبعات القرار يظل أمرًا جوهريًا في الرعاية الصحية.

5 – هل يمكن أن يكون الطبيب أكثر إنسانية بفضل الآلة؟

ربما يكون هذا هو الاحتمال الأجمل في قصة الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فإذا تولت الأنظمة الذكية بعض أعمال جمع المعلومات، وتنظيم الاحتمالات، ومراجعة السجلات، واقتراح الفحوص، فقد توفر للطبيب وقتًا كان يستهلكه في مهام روتينية أو مرهقة. وإذا استُخدمت على نحو مسؤول، فقد تساعده على اكتشاف ما فاته، وتقلل بعض الأخطاء، وتتيح له التركيز أكثر على التواصل مع المريض. عندئذٍ لا تكون الآلة منافسًا للإنسان بالضرورة، بل أداةً تساعده على ممارسة دوره بصورة أفضل.

لكن هذه النتيجة ليست تلقائية؛ فقد تُستخدم التقنية لتقليل الوقت المخصص لكل مريض، أو لتسريع العمل على حساب الشرح، أو لتوزيع المسؤولية بين الطبيب والنظام حتى يصبح من الصعب معرفة من يتحمل تبعات الخطأ. ولهذا فإن السؤال الأخلاقي ليس: هل نستطيع إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المستشفى؟ بل: كيف نستخدمه بحيث تزيد جودة الرعاية، ولا يتحول المريض إلى رقم في نظام أكثر سرعةً وأقل إصغاءً؟ إن التقنية التي ترفع دقة التشخيص لكنها تجعل المريض عاجزًا عن معرفة من اتخذ القرار، أو لماذا اتُخذ، أو كيف يمكن الاعتراض عليه، ليست كافية وحدها لبناء ثقة مستدامة. أما التقنية التي تدعم القرار الطبي، وتوضح حدودها، وتتيح مراجعة نتائجها، وتساعد الطبيب على شرح الخيارات للمريض، فقد تصبح إضافةً ثمينة إلى الطب.

6 – من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

كلما أصبحت الأنظمة الذكية أكثر قدرةً على تقديم توصيات طبية، ازدادت أهمية سؤال المسؤولية. إذا أخطأ النظام في تشخيص حالة، فهل يتحمل المسؤولية المُطور؟ أم المؤسسة الصحية التي اعتمدته؟ أم الطبيب الذي وافق على توصيته؟ أم الجهة التي لم توفر الضمانات اللازمة لاستخدامه؟ لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الحالات، فالمسؤولية تتوقف على طريقة تصميم النظام واستخدامه، وطبيعة القرار، والأدلة المتاحة، والقواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها.

لكن ثمة مبدأ أخلاقي ينبغي ألا يغيب: لا يجوز أن تصبح التقنية وسيلةً يتنصل بها البشر من مسؤولياتهم؛ فإذا أوصى النظام بفحص أو علاج، ينبغي أن تكون هناك آلية لمراجعة التوصية، وتحديد حدود الاعتماد عليها، والتعامل مع الحالات التي تتجاوز قدراته. وإذا اتخذ الطبيب قرارًا بالاستناد إلى توصية آلية، فلا بد من وضوح الدور الذي أدته التقنية في ذلك القرار. وهنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير Explainable AI، أي تطوير أنظمة تساعد المستخدمين على فهم أسباب مخرجاتها وحدودها، إلى جانب التحقق من أدائها في ظروف متنوعة. فليس كافيًا أن تعطينا الآلة جوابًا صحيحًا في مجموعة من الاختبارات؛ يجب أن نعرف أيضًا متى يمكن الوثوق بها، ومتى ينبغي الحذر منها. والثقة في الطب لا تنشأ من قوة الادعاء، بل من الأدلة، والشفافية، وإمكان المراجعة، ووجود جهة مسؤولة عندما تسوء الأمور.

7 – هل يفقد الطبيب قيمته إذا تفوقت الآلة عليه في التشخيص؟

هذا السؤال يفترض أن قيمة الطبيب تتحدد بمقدار المعلومات التي يستطيع حفظها، وبسرعة وصوله إلى اسم المرض. لكن الطبيب ليس موسوعةً تمشي على قدمين، ولا ينبغي أن تكون قيمته المهنية محصورة في منافسة الحاسوب على سرعة استرجاع المعلومات. إن الطب يجمع بين العلم والقرار والمسؤولية والتواصل. وقد تتغير طبيعة دور الطبيب مع تطور الأدوات، كما تغيرت من قبل مع ظهور التصوير الطبي، والتحاليل المخبرية، والأنظمة الإلكترونية للسجلات.

لم تجعل أجهزة التصوير اختصاصي الأشعة بلا قيمة، ولم تجعل قواعد البيانات الطبيب غير ضروري. بل غيرت طبيعة العمل، وفرضت مهارات جديدة، ووسعت ما يمكن اكتشافه ومعالجته. والذكاء الاصطناعي قد يفرض تحولاً أعمق، خصوصًا إذا أصبحت أنظمة التشخيص قادرة على تحليل حالات معقدة بدرجة عالية من الدقة. لكن النتيجة لن تتحدد بالتقنية وحدها؛ ستتحدد أيضًا بكيفية إعادة تنظيم المهنة، وبمدى قدرة المؤسسات على تدريب الأطباء على استخدام الأدوات الجديدة، وبكيفية حماية حقوق المرضى.

قد يصبح الطبيب أقل انشغالاً ببعض عمليات البحث والمقارنة، وأكثر تركيزًا على التحقق من التوصيات، ومناقشة الخيارات، ومتابعة استجابة المريض للعلاج. وقد تظهر أدوار جديدة تجمع بين الخبرة الطبية وفهم الأنظمة الذكية. إن قيمة الطبيب لا تختفي لمجرد أن آلةً أصبحت أفضل منه في مهمة محددة. لكنها قد تتغير، ويصبح من الضروري أن يثبت الطبيب قيمته من خلال ما يقدمه للمريض، لا من خلال احتكار المعلومة.

8 – حين تعرف الآلة اسم المرض ... من يعرف الإنسان؟

لعلنا نقف اليوم أمام تحول مهم في تاريخ الطب؛ فقد بدأت الأنظمة الذكية تُظهر قدرةً لافتة على تحليل حالات معقدة، وطرح أسئلة متتابعة، واختيار فحوص مناسبة، والوصول إلى تشخيصات دقيقة في اختبارات محددة. وهذه إمكانات تستحق البحث والتطوير، لأنها قد تساعد على تحسين الرعاية وإنقاذ الأرواح. لكن نتائج الاختبارات ليست نهاية القصة، بل بدايتها؛ فما زال علينا أن نعرف كيف ستؤدي هذه الأنظمة في المستشفيات الحقيقية، وكيف ستتعامل مع نقص المعلومات وتنوع المرضى، وكيف يمكن التحقق من سلامتها، ومن سيتحمل المسؤولية عندما تخطئ. وفي قلب هذا التحول يبقى سؤال لا ينبغي أن ننساه: ماذا نريد من الطب؟

إذا كان هدفنا مجرد تسمية المرض، فقد تنجح الآلة في إنجاز جزء متزايد من المهمة. أما إذا كان هدفنا رعاية إنسان مريض، فإن التشخيص ليس سوى خطوة في طريق أطول، يتضمن العلاج، والشرح، واحترام الاختيار، ومرافقة المريض في مواجهة ما لا يستطيع العلم أن يضمن نتائجه بالكامل. لا نحتاج إلى طبيب يتظاهر بأنه يعرف كل شيء، ولا إلى آلة تُقدَّم بوصفها معصومة من الخطأ. نحتاج إلى علم يراجع نفسه، وتقنية تُختبر بصرامة، وطبيب يعرف متى يستعين بالآلة ومتى يشك في توصيتها، ومؤسسة تجعل سلامة المريض وكرامته أساس القرار. وربما كان السؤال الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: هل تستطيع الآلة أن تصبح طبيبًا أفضل؟ بل: كيف نستطيع أن نجعلها تساعدنا على أن نصبح أكثر دقةً وعدلًا وإنسانية؟ فالآلة قد تساعدنا على اكتشاف المرض، لكن نجاح الطب لا يُقاس باسم التشخيص وحده؛ بل بما نفعله بعد اكتشافه، وبالطريقة التي نحفظ بها للإنسان حقه في الفهم والاختيار والكرامة. وحين تصبح الآلة قادرةً على الوصول إلى الإجابة الصحيحة، فلعل واجبنا ألا نسأل فقط عمّا تستطيع أن تعرفه، بل عمّا ينبغي لنا نحن أن نفعله بهذه المعرفة.

المصادر:

مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي. (22/10/2026). بناء الذكاء الفائق في المجال الطبي

رويترز. (2026، 23 أكتوبر). مايكروسوفت تطوّر أداة ذكاء اصطناعي قادرة على التشخيص الطبي بشكل متتابع مثل الطبيب

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

ما تبقى مني: رسائل لم أكتبها إلى الذين صنعوا اعوامي

أكتوبر 19, 2026
ما تبقى مني: رسائل لم أكتبها إلى الذين صنعوا اعوامي


لا أتعامل مع يوم ميلادي بوصفه مناسبةً أضيف فيها عامًا إلى عمري، بقدر ما أراه فرصةً أتأمل فيها ما أضافته الحياة إلى روحي، وما انتزعته منها، وما تركته معلقًا بين الرجاء والخذلان؛ فالأعوام، في حقيقتها، ليست ما ينقضي من الزمن، بل ما ينقضي فينا منه؛ وما يتبقى بعد ذلك من حكمةٍ نكتسبها، وأوهامٍ نتخفف منها، وندوبٍ نتعلم كيف نعيش دون أن نجعلها عنوانًا لحكايتنا.

كلما تقدمت بي السنوات، أدركت أن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي عشناها، بل بعمق ما شعرنا به خلالها، وبما أحدثته فينا من تحولات. ثمة أعوامٌ تمر هادئةً كأنها لم تكن، وأخرى تعبر أرواحنا كالعواصف، فتبعثر ما حسبناه ثابتًا، وتعيد ترتيب الأشياء في داخلنا على نحوٍ لم نكن لنختاره، لكنه كان، ربما، ما نحتاج إليه لكي نرى أنفسنا والعالم بعيونٍ أكثر نضجًا وأقل انخداعًا.

تعلمت أن حب الناس نعمة، لكنه ليس دائمًا كما نرجوه، وأن القلوب لا تُعرف بما تمنحه في لحظات الصفاء وحدها، بل بما تحفظه من ودٍ حين تتغير الظروف، وتضيق المسافات، وتتعارض المصالح. عرفت أن بعض المحبة صادقٌ إلى الحد الذي يجعل صاحبه وطنًا صغيرًا نلوذ به من قسوة العالم، وأن بعض الود ليس إلا صورةً جميلةً لمصلحةٍ عابرة، تنتهي بانتهاء أسبابها. وبين هذا وذاك، تعلمت ألا أندم على قلبٍ أحببت به بصدق، حتى إن لم أجد فيه ما كنت أرجوه؛ فالمحبة التي نمنحها لا تنتقص منا، وإنما تكشف عن حقيقتنا، أما الذين لم يعرفوا قيمتها، فقد أخطأوا العنوان، وليس قيمة العطاء.

وتعلمت، على مهلٍ وبكثيرٍ من التجارب، أن الخذلان لا يأتي دائمًا من الغرباء، وأن أكثر الجراح إيلامًا تلك التي تصيبنا في الموضع الذي تركناه آمنًا، مطمئنين إلى أن أحدًا لن يمسه بسوء. ثمة أناس منحناهم من الثقة ما يكفي ليكونوا استثناءً من حذرنا، فإذا بهم يُعلموننا، دون أن يقصدوا أو ربما وهم يقصدون، أن الطيبة لا ينبغي أن تكون غفلة، وأن حُسن الظن فضيلة ما لم يتحول إلى إنكارٍ للحقيقة، وأن التسامح لا يعني أن نعيد فتح الأبواب ذاتها لمن أثبتوا مرارًا أنهم لا يحسنون العبور منها.

ومع ذلك، لم أتعلم أن أقسو. بل لعل أجمل ما أرجو أن تكون السنوات قد فعلته بي أنها جعلتني أكثر فهمًا لتعقيد البشر، وأقل استعجالاً في إصدار الأحكام عليهم؛ فالناس لا يأتون إلينا بقلوبٍ بيضاء تمامًا ولا سوداء تمامًا؛ إنهم يحملون تاريخهم من الخوف والحاجة والانكسار، ويمنحوننا أحيانًا ما يستطيعون وليس ما نستحق، ويخذلوننا أحيانًا لأنهم لم يتصالحوا بعد مع أنفسهم. وليس في فهم دوافعهم ما يوجب علينا احتمال أذاهم، لكنه يمنحنا حريةً ثمينة: أن نغادر دون كراهية، وأن نضع الحدود دون ضغينة، وأن ننجو دون أن نتحول إلى نسخةٍ أخرى ممن آذونا.

أما الذين غادروا حياتي، أو غادرت حياتهم، فقد أدركت أن الفراق ليس دائمًا هزيمةً للعاطفة، ولا دليلاً على أن ما كان بيننا لم يكن حقيقيًا. بعض العلاقات تنتهي لأن ما جمعنا بها أدى غايته، وبعضها لأننا كبرنا في اتجاهاتٍ مختلفة، وبعضها لأن البقاء فيها صار يتطلب منا أن نتخلى عن أجزاءٍ من أنفسنا لكي نحافظ على صورتها. وقد تكون المغادرة، في بعض الأحيان، آخر أشكال الوفاء للنفس، وربما أصدق ما يمكن أن نقدمه لعلاقةٍ لم يعد بقاؤها ممكنًا إلا على حساب حقيقتنا.

لم أعد أرى في كل رحيلٍ خسارةً خالصة؛ فثمة أشخاص يرحلون ويتركون فينا فراغًا لا يُملأ، لكنهم يتركون أيضًا درسًا لا يُنسى، وثمة آخرون يبتعدون فنكتشف، بعد حين، أن غيابهم أعاد إلينا شيئًا من سلامنا الذي كنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. ولعل النضج هو أن نتوقف عن مطالبة الحياة بتفسيرٍ لكل فراق، وأن نقبل أن بعض النهايات لا تمنحنا إجابات، بل تمنحنا، مع الوقت، قدرةً على مواصلة الطريق دونها.

وفي مقابل الذين مضوا، كانت هناك قلوبٌ جاءت في الوقت الذي كدت أسيء فيه الظن بالعالم كله؛ قلوبٌ لم تُكثر من الوعود، لكنها أحسنت الحضور؛ لم تدعِ أنها ستبقى إلى الأبد، لكنها جعلت اللحظة التي جمعتنا بها أكثر رحمةً وأقل وحشة. هناك أناس لا يحتاجون إلى بذل جهدٍ كبير لكي يمنحوك الطمأنينة؛ يكفي أن تكون على سجيتك في حضرتهم، ألا تشرح صمتك طويلاً، وألا تعتذر عن حزنك، وألا تخشى أن تُساء قراءة ضعفك. هؤلاء هم المأوى الذي لا تصنعه الجدران، والدفء الذي لا تمنحه الأماكن، واليقين النادر بأن العالم، على اتساع قسوته، لا يزال يتسع لشيءٍ من الأمان.

وأحسب أن من أعظم ما يمكن أن يبلغه المرء في رحلته أن يجد قلبًا لا يضطر إلى التظاهر أمامه بالقوة، ولا إلى ارتداء هيئةٍ أكثر اكتمالاً مما هو عليه؛ قلبًا يسمح له بأن يكون إنسانًا فحسب؛ يتردد، ويخطئ، ويتعب، ويعيد المحاولة. ولعلنا، في نهاية الأمر، لا نبحث عن أشخاصٍ يفهمون كل ما فينا، بقدر ما نبحث عمن لا يجعلوننا نشعر بأن علينا إخفاء ما لا يستطيعون فهمه.

أما الأحلام، فقد علمتني السنوات الطوال أن بعضها يتحقق حين نكون قد استنفدنا أعمارًا في انتظاره، وأن بعضها الآخر يفقد بريقه لحظة الوصول إليه، كأن الطريق إليه كان أكثر سحرًا من نهايته. تحققت لي أمنياتٌ ظننت يومًا أنها بعيدة المنال، ففرحت بها كما يفرح المسافر ببلوغ محطةٍ طال انتظاره لها، ثم اكتشفت أن بلوغ الغاية لا ينهي رحلة الرغبة، بل يفتح أبوابًا جديدة للأسئلة. وتعثرت أحلامٌ أخرى، وانكسرت آمالٌ كنت قد بنيت حولها تصورًا كاملاً لمستقبلي، حتى بدا لي، في بعض اللحظات، أن ما انهار لم يكن حلمًا فحسب، بل صورة الحياة التي كنت أعتقد أنها تنتظرني.

لكنني أدركت لاحقًا أن الإنسان لا يُختزل في الأشياء التي نجح في تحقيقها، كما لا ينبغي أن يُدان بالأشياء التي عجز عن بلوغها؛ فثمة أحلامٌ لم تتحقق لأن الطريق إليها لم يكن لنا، وثمة أبوابٌ أُغلقت لأننا كنا نطرقها في الاتجاه الخطأ، وثمة خساراتٌ لم نفهم حكمتها إلا بعدما ابتعدنا عن موضع الألم. وليس معنى ذلك أن لكل وجعٍ حكمةً جاهزة، أو أن كل انكسارٍ يخفي وراءه مكافأةً عادلة؛ فالحياة لا تعمل وفق نظامٍ أخلاقي يضمن أن يُكافأ الطيب وتُرد إليه خساراته. لكنها تمنحنا، رغم ذلك، فرصةً دائمة لأن نصنع من تجاربنا معنى، وأن نختار ما إذا كنا سنسمح لما حدث لنا بأن يحطمنا، أم سنحاول أن نفهمه دون أن نستسلم له.

تعلمت كذلك أن الطموح ليس أن أصل إلى كل ما أريد، بل أن أحافظ على قدرتي على السعي دون أن أفقد نفسي في الطريق؛ أن أفرح بما أنجزت دون أن أتوهم أنني بلغت الكمال، وأن أحزن على ما فات دون أن أُحول الحسرة إلى إقامةٍ دائمة في الماضي. فالمرء الذي يربط قيمته بما يملكه، أو بما يحققه، أو بما يقوله الناس عنه، يظل أسيرًا لأشياءٍ لا يملك ضمان بقائها؛ أما الذي يتعلم أن يصالح طموحه مع إنسانيته، وأن يسعى دون أن يعبد النتيجة، فإنه يكتسب شيئًا من الحرية، حتى حين لا تسير الحياة كما يشتهي.

ومع مرور الأعوام، أصبحت أكثر انتباهًا إلى الأشياء الصغيرة التي كنت أعبرها قديمًا دون أن ألتفت إليها: حديثٌ صادق في نهاية يومٍ مرهق، يدٌ تمتد دون طلب، ضحكةٌ تأتي في وقتها، رسالةٌ قصيرة تخبرك بأن أحدهم تذكرك، وصمتٌ مريح تتقاسمه مع إنسانٍ لا يحتاج حضورك معه إلى شرح. أدركت أن السعادة ليست حدثًا عظيمًا بالضرورة، وأن الحياة لا تؤجل كل جمالها إلى اليوم الذي نحقق فيه أحلامنا الكبرى؛ إنها تمنحنا، في الطريق، لحظاتٍ صغيرة من النعمة، لكننا كثيرًا ما نكون منشغلين بمطاردة ما ينقصنا إلى الحد الذي لا نرى معه ما بين أيدينا.

ولعل أكثر ما غيرته فيّ السنوات هو علاقتي بنفسي؛ صرت أقل رغبةً في إثبات شيءٍ لأحد، وأقل انشغالاً بتصحيح كل انطباعٍ خاطئ عني. لم أعد أرى ضرورةً في أن يفهمني الجميع، ولا في أن أكسب كل نقاش، أو أنتصر في كل خلاف، أو أبقى حاضرًا في كل مكانٍ كنت يومًا جزءًا منه. ثمة راحةٌ عميقة في أن يتوقف المرء عن تحويل حياته إلى مرافعةٍ طويلة يشرح فيها نواياه ويدافع عن اختياراته، وأن يدرك أن من حقه أن يتغير، وأن يعيد النظر، وأن يتراجع عن طريقٍ لم يعد يشبهه، دون أن يكون ملزمًا بتقديم اعتذارٍ عن كل تحولٍ صادق في داخله.

لقد علمتني الأعوام أن النضج ليس أن تصبح أقل شعورًا، بل أن تصبح أكثر قدرةً على فهم شعورك؛ ليس أن تتوقف عن الحزن، بل أن تعرف كيف تمنحه حقه دون أن تسلمه مفاتيح حياتك؛ وليس أن تتخلى عن أحلامك، بل أن تميز بين الحلم الذي يستحق أن تناضل من أجله، والوهم الذي يستنزفك لأنك تخشى الاعتراف بأن أوانه قد مضى.

واليوم، وأنا أقف أمام عامٍ جديد من عمري، لا أملك رغبةً في أن أعد ما كسبته وحده، ولا أن أستعرض ما فقدته كما لو أن الحياة محكمةٌ ينبغي أن أقدم أمامها كشف حساب. أريد فقط أن أنظر إلى الطريق كما كان: بما فيه من محبةٍ أضاءت أيامي، وخيباتٍ أطفأت في داخلي أشياء ثم كشفت لي أشياء أخرى، ووجوهٍ تركت أثرها ثم غابت، ووجوهٍ بقيت حتى صارت جزءًا من معنى الاستمرار. أريد أن أتصالح مع نسخي القديمة؛ مع ذلك الإنسان الذي أخطأ لأنه لم يكن يعرف، وانتظر لأنه كان يأمل، وتعلق لأنه كان يحتاج إلى الحب، واندفع لأنه صدَّق أن الحياة ستمنحه دائمًا الوقت الكافي لإصلاح كل شيء.

لن أعاتب نفسي كثيرًا على ما لم أكن أعرفه آنذاك، ولن أطلب منها أن تكون قد فهمت دروسًا لم تكن التجربة قد علمتها إياها بعد؛ فالحكمة، في جانبٍ كبير منها، معرفةٌ تأتي متأخرة؛ تصل إلينا بعد أن نكون قد دفعنا ثمنها، وربما لهذا السبب تبدو باهظةً إلى هذا الحد. وما أستطيع فعله الآن هو أن أكون أكثر رحمةً بنفسي، وأكثر صدقًا مع الآخرين، وأشد حرصًا على ألا أؤجل الحياة انتظارًا للحظةٍ مثالية قد لا تأتي.

لا أريد عامًا خاليًا من الألم؛ فقد صرت أعرف أن ذلك ليس في وسع أحد؛ أريد عامًا أملك فيه من الوعي ما يجعلني أقل قسوةً على نفسي حين أتألم، ومن الشجاعة ما يعينني على اتخاذ القرارات الصعبة، ومن البصيرة ما يحميني من تكرار الأخطاء التي دفعت ثمنها، ومن الامتنان ما يجعلني أرى النعم التي اعتدت وجودها حتى كدت أنساها. أريد أن أواصل السعي نحو ما أحب، دون أن أفقد القدرة على الاستمتاع بما وصلت إليه، وأن أبقي قلبي مفتوحًا للحياة دون أن أتركه بلا حكمة، وأن أمنح المحبة لمن يستحقها دون أن أساوم على كرامتي كي أحصل عليها.

في ذكرى يوم مولدي، أفكر في العمر لا بوصفه ما تبقى لي، بل بوصفه ما لا يزال متاحًا أمامي؛ فليس المهم كم عامًا انقضى، وإنما أي إنسانٍ صرت بعد عبور كل هذه الأعوام، وأي إنسانٍ ما زلت قادرًا على أن أكونه. ربما لم أحقق كل ما أردت، وربما فقدت في الطريق أشياء كنت أظن أنني لن أستطيع الحياة دونها، وربما لا تزال في القلب أسئلةٌ لم تجد أجوبتها، وأمنياتٌ تنتظر فرصتها، وأحزانٌ لم أتعلم بعد كيف تغادرني تمامًا. 

لكنني هنا، وهذا في حد ذاته بدايةٌ تستحق الامتنان ... هنا، بما أحمله من ندوبٍ لم تعد تخجلني، وذكرياتٍ لا أريد محوها، وأشخاصٍ أحببتهم وما زلت أتمنى لهم الخير، وأشخاصٍ علمتني الحياة أن أحبهم من بعيد، وأبوابٍ لم تُفتح، وأخرى أُغلقت في اللحظة التي كنت أظن أنني أوشكت على الدخول منها ... هنا، أكثر معرفةً بما أريد، وإن كنت أقل يقينًا بما ستمنحني إياه الأيام؛ وأكثر إدراكًا أن السلام لا يأتي من خلو الحياة من المنغصات، بل من قدرتنا على ألا نجعل كل ما يحدث لنا ينتزع منا حقنا في الطمأنينة.

ذكرى يوم مولدي ليست احتفالاً بأنني عشت عامًا إضافيًا فحسب، بل هي اعترافٌ بأنني عبرت عامًا آخر بكل ما حمله من امتحاناتٍ واحتمالات، وأنني، على الرغم من كل ما تغير، ما زلت أملك الرغبة في أن أبدأ من جديد؛ فالهدف من الحياة، في نهاية المطاف، ليس أن نخرج منها منتصرين في كل معاركنا، بل أن نخرج منها وقد عرفنا ما يستحق القتال من أجله، وما يستحق أن نتركه يمضي، ومن يستحق أن نفتح له أبوابنا، ومتى ينبغي لنا أن نغلقها برفق، دون أن نغلق قلوبنا في وجه العالم. ولعل أجمل ما يمكن أن أتمناه لنفسي في عامي الجديد ليس مزيدًا من السنوات فحسب، بل مزيدًا من المعنى في السنوات، ومزيدًا من الصدق في العلاقات، ومزيدًا من السكينة في الروح، ومزيدًا من الشجاعة لأكون نفسي، حتى حين لا تكون هذه الذات هي الصورة التي انتظرها الآخرون مني. أما الباقي، فسأترك للحياة حقها في المفاجأة، وللأيام حقها في الكشف، وللأقدار مساحتها التي لا تبلغها حساباتنا.

سأمضي، لا لأنني أعرف ما ينتظرني في آخر الطريق، بل لأنني تعلمت أن الطريق نفسه يستحق أن يُعاش؛ وأن بعض الأشياء الجميلة لا تأتي إلا بعد طول انتظار، وأن بعض الأبواب لا تُفتح إلا حين نتوقف عن طرقها، وأن بعض القلوب تستحق أن نصل إليها مهما تأخر بنا الوصول ... وسأمضي، وفي قلبي امتنانٌ لكل من أحبني بصدق، ولكل من منحني مأوى حين ضاقت بي الجهات، وحتى لأولئك الذين خذلوني، لا لأن الخذلان جميل، بل لأنني لا أريد أن أمنح ما فعلوه بي سلطةً تحدد ما سأكونه بعدهم.

عامٌ جديد، إذن، لا أطلب فيه من الحياة أن تكون عادلةً دائمًا، بل أن أكون أنا أكثر حكمةً في استقبالها؛ لا أن تمنحني كل ما أحب، بل أن تمنحني القدرة على معرفة ما يستحق الحب؛ لا أن تحفظ لي كل من أحببت، بل أن تحفظ في قلبي القدرة على المحبة، مهما تبدلت الوجوه وتغيرت الفصول. وإذا كان لا بد لي من أمنيةٍ أخيرة في يوم ميلادي، فهي أن أظل، رغم ما عرفت من قسوة العالم، قادرًا على الدهشة، وعلى الامتنان، وعلى البدء من جديد؛ وأن أكبر في العمر دون أن يصغر قلبي، وأن أزداد حكمةً دون أن أفقد عفويتي، وأن أتعلم من الحياة ما يكفي لأحسن الاختيار، لا ما يجعلني أخشى التجربة.

أخيرًا، ما العمر إلا رحلةٌ قصيرة بين جهل البداية ومعرفة النهاية، وما أجمل أن نعبرها ونحن نحاول أن نفهم، ونحب، ونتجاوز، ونترك خلفنا أثرًا طيبًا في قلوبٍ صادفناها، وذكرى دافئةً في أرواحٍ تقاطعت طرقنا معها ... اليوم، لا أحتفل بأنني أضفت عامًا إلى عمري؛ بل أحتفل بأن العمر، بكل ما أخذه ومنحه، لم ينتزع مني رغبتي في الحياة ... أحبكم جميعًا.

الأحد، 18 أكتوبر 2026

بين النفور الفطري والمسؤولية الأخلاقية: تأملات في يدٍ وُضعت على كتفي

أكتوبر 18, 2026

 

بين النفور الفطري والمسؤولية الأخلاقية: تأملات في يدٍ وُضعت على كتفي

  كنت في طريقي إلى عملي، جالسًا بمحاذاة النافذة، أرقب الطريق وهو ينسج أمام عيني شريطًا متصلاً من المشاهد العابرة، وأدع بصري يتنقل بينها في شرودٍ صامت، كأنني أبحث في وجوه الأشياء عن معنى لا أعرف على وجه الدقة ما هو. كانت السيارة تمضي في إيقاعها المعتاد، وكان العالم في الخارج يعبرني بقدر ما أعبره، حتى اقترب من النافذة رجلٌ بدا كأن البؤس قد اتخذ من هيئته مسكنًا، وترك على ثيابه ويديه آثار حياةٍ لم ترأف به. وقف إلى جوار السيارة، ومد كفه يستجدي الصدقة، مرددًا كلماتٍ استهلكها التكرار حتى غدت أصواتًا مألوفة، تتسلل إلى الآذان دون أن تبلغ موضعًا في القلب، كأن كثرة سماع الاستغاثة قد علَّمت الناس كيف يسمعونها دون أن ينصتوا إليها.

    لم يكن مظهره وحده ما استثار في نفسي ذلك النفور المفاجئ، ولا رائحته التي تسللت عبر النافذة المفتوحة، فبعثت في حواسي انقباضًا لم أستطع دفعه؛ إنما كانت يده هي ما تجاوز حدود احتمالي. امتدت إلى داخل السيارة، واستقرت على كتفي في ألفةٍ مباغتة، كأنها تختصر مسافةً لم أسمح لأحد بعبورها، وتفترض بيني وبين صاحبها من القرب ما لم تمنحه المعرفة، ولا استأذنت فيه الثقة. عندئذٍ شعرت بأن جسدي قد سبق عقلي إلى إصدار حكمه؛ انقبضت في داخلي قوةٌ غامضة، وتراجعت نفسي قبل أن تتاح لها فرصة التأمل، كأن النفور غريزةٌ تستيقظ فينا قبل أن يتدخل الوعي، أو كأن الجسد، في لحظات بعينها، يتولى حراسة الحدود التي يعجز العقل عن التعبير عنها.

    أسرعت إلى إخراج بعض النقود، ومددت بها يدي إليه. لم يكن في حركتي، على ما أظن، كرمٌ خالص بقدر ما كانت رغبةٌ ملحة في إنهاء الموقف، واستعادة المسافة التي انتُهكت فجأة بيني وبين غريبٍ لا أعرفه. أخذ النقود، ومضى إلى نافذة أخرى، كما لو أن شيئًا لم يحدث، وكأن اللحظة التي أثقلت نفسي لم تكن بالنسبة إليه سوى محطةٍ عابرة في يومٍ طويل من الاستجداء. أعاد كلماته ذاتها، ومد يده من جديد، وانتقل ببؤسه من نافذة إلى أخرى، فيما بقيت أنا خلف زجاج السيارة، محاطًا بمساحتي الآمنة، أحمل من ذلك اللقاء القصير ما لم يحمله الرجل معه وهو يمضي.

    تحركت السيارة، وابتلع ضجيجها أصوات الطريق، وأخذت المشاهد تنساب خلف النافذة كما كانت قبل قليل؛ غير أن شيئًا في داخلي لم يعد إلى موضعه الأول. كان الرجل قد غادر مجال رؤيتي، لكنه لم يغادرني تمامًا. ظل عالقًا في مكانٍ أبعد من الذاكرة، في تلك المساحة الملتبسة بين الضمير والغريزة، حيث تتوارى الأحكام السريعة لتعود إلينا في صورة أسئلة، وحيث لا تعود الحوادث الصغيرة صغيرةً بالضرورة، لأنها توقظ في النفس ما كانت تفضل ألا تراه.

    أخذت أسائل نفسي: ما الذي أثار نفوري حقًّا؟ أكانت الرائحة التي اقتحمت حواسي، أم الهيئة التي استدعت في نفسي صورة البؤس، أم تلك اليد التي استقرت على كتفي دون استئذان؟ وأي هذه الأشياء كان السبب، وأيها لم يكن سوى ذريعةٍ اختبأت خلفها مشاعر أعمق، أقل وضوحًا وأكثر إحراجًا؟ هل ضقت بالرجل لأنه تجاوز حدود جسدي، أم لأن جسده نفسه كان يحمل من علامات الفقر والإهمال ما لا أطيق الاقتراب منه؟ وهل كنت سأشعر بالانقباض ذاته لو أن اليد التي لامست كتفي كانت نظيفة، والثياب التي ارتداها صاحبها أنيقة، والرائحة التي أحاطت به عطرة؟ أم أن الإنسان، في كثيرٍ من أحكامه، لا يستجيب للفعل وحده، بل يستجيب أيضًا للصورة التي يكسو بها الفاعل ذلك الفعل؟

    ثم مضيت في محاكمتي لنفسي، مترددًا بين حقي في النفور وواجبي في ألا أستسلم له حتى يصير حكمًا على إنسان؛ أليس من حقي أن أضيق باقتحام غريب لمساحتي الجسدية؟ أليس الخوف من العدوى، والنفور من الروائح الكريهة، والحاجة إلى صون الحدود الشخصية، أمورًا تتصل بطبيعة الجسد، ولا تستلزم بالضرورة قسوة القلب؟ لكن، في المقابل، أليس في وسع النفور الطبيعي أن يتحول، من حيث لا نشعر، إلى احتقارٍ مستتر، وأن تتسلل الغريزة إلى أحكامنا الأخلاقية فتجعلنا نخلط بين رفض ما يؤذينا ورفض من يختلف عنا، وبين حماية ذواتنا وإنكار إنسانية الآخرين؟

    ربما لم يكن الخطأ في أنني شعرت بالنفور؛ فالمشاعر الأولى لا تستأذن وعينا قبل أن تولد، ولا نملك دائمًا أن نختار ما يثير أجسادنا من انقباض أو ارتياح. إنما السؤال الذي ظل يؤرقني كان أبعد من الشعور نفسه: ماذا فعلت بذلك الشعور بعد أن استيقظ؟ هل اكتفيت بحماية مساحتي، أم سمحت لنفوري بأن يختزل الرجل كله في رائحته وثيابه ويده الممتدة؟ هل رأيت أمامي إنسانًا ضاقت به الحياة حتى صار يستجدي عابرين لا يعرفهم، أم لم أر سوى هيئةٍ أربكت راحتي، فاستعجلت الخلاص منها ببعض النقود، كأن المال قادرٌ على إنهاء الموقف، وعلى إعفائي من مواجهة ما أثاره في داخلي؟

    لقد أعطيته ما طلب، لكنني لم أعد واثقًا من أنني أعطيته بدافع الرحمة وحدها؛ ربما دفعت إليه النقود لأخفف عنه شيئًا من عوزه، وربما دفعتها لأخفف عن نفسي شيئًا من ضيقي، وربما اجتمع الدافعان في تلك الحركة الصغيرة دون أن يتمكن أحدهما من إقصاء الآخر. فكم من أفعالٍ تبدو نبيلة في ظاهرها، بينما تختبئ في أعماقها رغبةٌ خفية في استعادة راحتنا، وكم من إحسانٍ نمارسه لا لأننا احتملنا ألم الآخر، بل لأننا لم نحتمل حضوره أمامنا!

    لعل أكثر ما أربكني أنني لم أكن أعرف عن ذلك الرجل شيئًا؛ لم أعرف اسمه، ولا كيف انتهى به الطريق إلى تلك الهيئة، ولا كم بابًا طرق قبل أن يقف إلى جوار نافذتي، ولا كم مرةٍ اضطر إلى مد يده حتى غدت الكلمات التي يرددها جزءًا آليًّا من يومه، وفقدت في أذني معناها، وربما فقدت في أذنيه هو أيضًا قدرتها على التعبير عن شيء. لم أعرف إن كان وراء مظهره مرضٌ أو عوزٌ أو انكسار، ولا أي سلسلة من المصادفات القاسية أو الاختيارات الخاطئة أو الخسارات المتراكمة أوصلته إلى تلك اللحظة. كل ما عرفته أنني رأيته في ثوانٍ معدودة، ثم كدت أختصر حياته كلها في تلك الثواني. وهنا بدا لي أن المسألة لم تعد متعلقةً بالرجل وحده، بل بالطريقة التي نرى بها الآخرين حين يعترضون انتظام حياتنا؛ فنحن نحب أن نعتقد أننا نحكم على الناس بعقولنا، غير أن كثيرًا من أحكامنا تولد في منطقةٍ سابقة على التفكير؛ منطقةٍ تتداخل فيها الغريزة والعادة والخوف والصورة الاجتماعية، ثم يأتي العقل بعد ذلك ليمنحها من التبرير ما يجعلها تبدو معقولة. وقد لا تكون الرحمة الحقيقية أن نلغي نفورنا قسرًا، أو أن نتظاهر بأن أجسادنا لا تنفر مما ينفر منه الجسد بطبيعته؛ بل أن نمنع ذلك النفور من التحول إلى مقياسٍ لقيمة الإنسان، وأن ندرك أن ما يثير اشمئزازنا في هيئة أحدهم لا يستنفد حقيقته، ولا يحقّ لنا أن نجعله تعريفًا كاملاً له.

    ظللت أفكر في تلك اليد التي استقرت على كتفي. لقد ضايقتني لأنها اقتحمت حدودي، وهذا حق لا أحتاج إلى إنكاره لكي أبدو رحيمًا. لكنني تساءلت أيضًا: هل كنت سأرى فيها يدًا تطلب العون لو أنها بقيت خارج النافذة، أم أن ملامستها لي جعلتني أرى صاحبها بوصفه تهديدًا قبل أن أراه بوصفه محتاجًا؟ وأين تنتهي مشروعية الحذر، وأين يبدأ ذلك الحاجز الخفي الذي نقيمه بيننا وبين من تُذكرنا هيئتهم بأن العالم ليس عادلاً، وأن المسافة بين الطمأنينة والتشرد قد تكون، في بعض الأحيان، أضيق مما نتصور؟

    لم أصل إلى جوابٍ حاسم، وربما كان الجواب الحاسم في مثل هذه المسائل ضربًا من التبسيط الذي يريح الضمير أكثر مما ينصف الحقيقة. لكنني أدركت أنني لم أكن مطالبًا بأن أختار بين كرامتي وكرامته، ولا بين حقي في حماية جسدي وحقه في أن أراه إنسانًا لا مجرد مظهرٍ مُنفر. كان في وسعي أن أرفض تلك اللمسة دون أن أحتقر صاحبها، وأن أحمي مساحتي دون أن أنكر مساحته الإنسانية، وأن أعترف بنفوري دون أن أجعله فضيلةً أخلاقية أو تهمةً أبدية أوجهها إلى نفسي. 

    مضت السيارة في طريقها، بينما بقيت أنا منشغلاً بطريقٍ آخر، أكثر التواءً وأشد صعوبة: الطريق إلى فهم نفسي؛ فقد مضى الرجل يبحث عن نافذةٍ أخرى، وبقيت أنا أمام نافذةٍ داخلية انفتحت على أسئلة لم أكن قد فكرت في طرحها. ولعل ما تركه في نفسي لم يكن رائحةً عابرة، ولا لمسةً غير مرغوب فيها، بل ذلك الشك المقلق في بساطة أحكامنا على البشر؛ ذلك الشك الذي يُذكرنا بأن الإنسان قد يكون رحيمًا في تصوره عن نفسه، ثم يكتشف، في موقفٍ لا يستغرق سوى لحظات، أن الرحمة ليست صفةً نمتلكها مرةً وإلى الأبد، بل امتحانٌ يتكرر كلما وضعنا العالم وجهًا لوجه أمام ما لا نألفه، وما لا نرغب في الاقتراب منه، وما يوقظ فينا من ضعفٍ أو خوفٍ أو نفورٍ ما نفضّل ألّا نعترف به.

    منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال الذي يشغلني هو ما إذا كنت قاسيًا حين شعرت بالقرف، ولا ما إذا كان نفوري مبررًا أم مذنبًا؛ بل سؤالاً أشد دقةً وأبعد أثرًا: هل أستطيع أن أكون صادقًا مع مشاعري، من غير أن أجعلها ظلمًا للآخرين؟

    كانت السيارة تمضي إلى وجهتها، وكان الجميع منشغلين بيومهم، بينما كنت أكتشف أن بعض الرحلات لا تقودنا إلى مكان جديد، بل تعيدنا إلى أنفسنا، وتتركنا أمام سؤال لا ينتهي عند باب الوصول!

السبت، 17 أكتوبر 2026

لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد العلمي؟ .. هل افتقدنا الشغف بالكون؟

أكتوبر 17, 2026

لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد العلمي؟ .. هل افتقدنا الشغف بالكون؟

   في صباح عادي، يمسك أحدنا هاتفه، ويمرر إصبعه على شاشة لا تكاد تستقر على خبر حتى تقذفه إلى آخر؛ هنا آلة تكتب قصيدة، وهناك برنامج يرسم لوحة، وفي خبر ثالث نموذج يُشخص مرضًا، وفي رابع إعلان عن ذكاء اصطناعي جديد يُقال إنه أكثر قدرة من سابقه. تتوالى العناوين، وتتسابق المنصات على جذب انتباهه: الآلة تتعلم، والآلة تبدع، والآلة تفكر، وربما – كما توحي بعض العناوين – تقترب من تجاوز الإنسان نفسه!

    يقضي المرء دقائق في التصفح، ثم يرفع عينيه عن الشاشة. يخطر له سؤال بسيط، لكنه مربك: ماذا حدث للفلك؟ أين أخبار الفيزياء التي تحاول فك ألغاز المادة والكون؟ ماذا عن الرياضيات التي تغير بنية تفكيرنا، والكيمياء التي تفتح أبوابًا لمواد جديدة، وعلم الأحياء الذي لا يزال يطارد أسرار الحياة؟ وهل توقفت الجيولوجيا عن قراءة تاريخ الأرض، أم أن الأرض ذاتها فقدت قدرتها على إدهاشنا؟ لا شيء من ذلك قد حدث؛ النجوم لا تزال تبعث الضوء عبر مليارات السنين، والجسيمات تواصل سلوكها الغريب في أعماق المادة، والخلايا تنفذ عمليات مذهلة لا نزال نحاول فهمها، والأرض تحت أقدامنا تحتفظ في صخورها بذاكرة أقدم بكثير من تاريخ الإنسان. ومع ذلك، يبدو المشهد الإعلامي كما لو أن العلم كله قد اختُزل في حكاية واحدة: حكاية الآلة التي تتعلم، والإنسان الذي يراقبها مندهشًا، أو قلقًا، أو خائفًا من المستقبل!

    هنا تبرز مفارقة عصرنا: هل أصبح الذكاء الاصطناعي أهم ما ينتجه العلم بالفعل، أم أنه أصبح أكثر ما نراه منه؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بتوزيع الأخبار على صفحات الصحف وشاشات الهواتف، لكنه يخفي وراءه سؤالاً أعمق عن علاقتنا بالمعرفة ذاتها: هل ما زلنا نبحث عن فهم العالم، أم أصبحنا أكثر انشغالاً بما تستطيع أدواتنا أن تفعله؟ وهل تراجعت العلوم الأخرى حقًا، أم تراجعت قدرتنا على الإصغاء إليها في زمن لا يمنح انتباهه إلا لما يلمع سريعًا؟

    من هذه المفارقة تبدأ الحكاية؛ لا من التقليل من شأن الذكاء الاصطناعي، بل من محاولة استعادة صورة العلم كاملة، بكل أسئلته ودهشته ومساراته المتعددة.

أولاً: من اكتشاف أسرار الكون إلى أخبار الآلة التي تفكر

    لم يكن العلم، في تاريخه الطويل، مشروعًا واحدًا أو سباقًا نحو اختراع أدوات أكثر سرعة. لقد كان مغامرة متعددة المسارات: حاول الفيزيائيون فهم المادة والطاقة، وسعى علماء الأحياء إلى كشف أسرار الحياة، ودرس الفلكيون نشأة النجوم ومصير المجرات، واشتغل الرياضيون على بنى مجردة غيَّرت طرائق تفكيرنا في العالم، بينما أعاد الجيولوجيون بناء تاريخ الأرض من طبقات الصخور وآثار الزمن.

    كانت هذه العلوم تفتح أمام الإنسان نوافذ مختلفة على الوجود. ولم تكن أهمية اكتشافاتها تُقاس دائمًا بما تقدمه من منفعة مباشرة، بل بما تحدثه من تحول في فهمنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه. أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قصة إعلامية متجددة؛ لأنه يجمع بين الغموض والإبهار والمنافسة الاقتصادية والخوف من المستقبل. إنه لا يقدم لنا تقنية جديدة فحسب، بل يضع أمامنا سؤالاً يمس هويتنا: ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت الآلة قادرة على أداء بعض الأعمال التي عددناها طويلاً حكرًا على العقل البشري؟

    هذا السؤال يمنح أخبار الذكاء الاصطناعي قوة استثنائية؛ فالحديث عن آلة تكتب قصيدة أو تحلل صورة طبية أو تحل مسألة معقدة لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل يثير مخاوفنا بشأن العمل والإبداع والوعي ومكانة الإنسان. ولهذا يسهل تحويله إلى عنوان مثير وقصة سريعة الانتشار. لكن ثمة فارقًا بين أن يكون موضوع ما مثيرًا للاهتمام، وأن يكون هو المعيار الذي نقيس به أهمية العلم كله.

ثانيًا: لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد؟

    تتداخل هنا عوامل عدة؛ فالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، والمنافسة بين الشركات والدول، والتطور المتسارع في تطبيقاته، كلها تنتج تدفقًا مستمرًا من الأخبار. كما أن نتائجه قابلة للعرض الفوري: صورة يتم إنشاؤها في ثوانٍ، أو نص تتم كتابته في لحظات، أو برنامج ينجز مهمة كانت تتطلب ساعات من العمل. وفي المقابل، قد يقضي فريق من علماء الفيزياء سنوات في تحسين دقة قياس، أو يعمل باحثون في علم الأحياء طويلاً لفهم آلية جزيئية دقيقة، أو يدرس علماء الفلك إشارات ضعيفة قادمة من أعماق الكون. وقد يكون الإنجاز في هذه الحالات بالغ الأهمية، لكنه لا يظهر في صورة مشهد خاطف يسهل تداوله.

    هنا تنشأ مشكلة ثقافية: لم تعد قيمة الخبر العلمي تتحدد دائمًا بعمق السؤال الذي يعالجه أو بمدى تغييره لفهمنا، بل بقدرته على جذب الانتباه وإثارة الدهشة السريعة. وهكذا قد تحظى أداة جديدة بانتشار واسع، بينما يظل اكتشاف علمي يعيد النظر في فهمنا للمادة أو الحياة أو تاريخ الأرض بعيدًا عن دائرة الاهتمام العام. ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الحضور الإعلامي والتقدم العلمي الفعلي؛ فقلة الأخبار المتداولة عن فرع من فروع العلم لا تعني بالضرورة تراجعه، كما أن كثرة الأخبار عن تقنية ما لا تعني أن كل ما يُنشر عنها يمثل اختراقًا علميًا حقيقيًا. نحن أمام تفاوت في الرؤية والاهتمام، وليس دليلاً كافيًا على تفاوت مماثل في قيمة العلوم أو نشاطها.

ثالثًا: أين اختفت العلوم الأخرى؟

    لم تختفِ، في الحقيقة؛ الذي اختفى جزئيًا هو حضورها في الصورة التي تقدمها لنا وسائل الإعلام؛ ففي الفلك، لا يزال الإنسان يسعى إلى فهم نشأة المجرات وتطور النجوم وطبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة. وكلما تحسنت أدوات الرصد، اكتشفنا أن الكون أكثر تعقيدًا مما افترضنا، وأن ما نعرفه ليس سوى جزء محدود مما يمكن أن نعرفه؛ وفي الفيزياء، لا تزال الأسئلة الكبرى مفتوحة: كيف نوفق بين ميكانيكا الكم والجاذبية؟ ما طبيعة المادة في أعمق مستوياتها؟ وهل تمثل النظريات الحالية وصفًا نهائيًا للعالم، أم أنها مراحل مؤقتة في مسيرة أطول من التصحيح والتطوير؟ أما علم الأحياء، فيضعنا أمام لغز لا يقل إثارة: كيف تنشأ الحياة وتستمر؟ كيف تتشكل وظائف الخلايا؟ وكيف يتكون الوعي من نشاط أنظمة عصبية مادية؟ وفي الكيمياء، تتواصل محاولات ابتكار مواد جديدة وفهم التفاعلات التي قد تفتح آفاقًا في الطاقة والطب والصناعة. حتى الرياضيات، التي لا تنتج دائمًا أجهزة يمكن عرضها أمام الكاميرات، تظل من أكثر المجالات قدرة على تغيير رؤيتنا للعالم؛ فقد تنشأ فكرة رياضية مجردة دون تطبيق واضح، ثم يتبين بعد عقود أنها ضرورية لفهم ظاهرة فيزيائية أو بناء تقنية جديدة. وفي علوم الأرض والمحيطات والمناخ، تتكشف يومًا بعد يوم تفاصيل عن تاريخ كوكبنا، وعن العمليات التي تشكَّل بيئته، وعن التغيرات التي قد تحدد شروط الحياة في المستقبل.

    هذه المجالات ليست بقايا من عصر علمي مضى، وليست مجرد خلفية يعمل الذكاء الاصطناعي فوقها. إنها ميادين حية من البحث، لكل منها أسئلته ومناهجه ومشكلاته التي لا يمكن اختزالها في تطور الخوارزميات. والأمر الأكثر دلالة أن الذكاء الاصطناعي نفسه أصبح أداة تستخدمها هذه العلوم؛ فهو يساعد في تحليل البيانات الفلكية، ودراسة الجزيئات، وتسريع بعض مراحل البحث الطبي، ومحاكاة الأنظمة المعقدة. لكن من الخطأ أن ننسب الإنجاز كله إلى الأداة، ثم ننسى العلم الذي صاغ السؤال وحدد ما ينبغي قياسه، واختبر النتائج وفسّر دلالتها. فإذا ساعدت خوارزمية على اكتشاف نمط في بيانات تلسكوب، فإن الخبر العلمي الحقيقي لا يكتمل بعبارة «الذكاء الاصطناعي اكتشف نمطًا»، بل يبدأ بالسؤال: ما هذا النمط؟ وما الذي يخبرنا به عن الكون؟ وهل يغير شيئًا في نظرياتنا السابقة؟

رابعًا: المشكلة ليست تقنية، بل فلسفية أيضًا

    هنا نصل إلى جوهر المسألة. إن اختزال أخبار العلم في الذكاء الاصطناعي يعكس، بصورة ما، تحولاً في علاقتنا بالمعرفة ذاتها. لقد أصبحنا نميل إلى تقدير ما يزيد قدرتنا على الفعل والإنجاز، أكثر من تقدير ما يوسع قدرتنا على الفهم والتأمل. نريد آلة أسرع، وبرنامجًا أذكى، ونتيجة تظهر في وقت أقصر. لكن هل يعني امتلاك قدرة أكبر أننا أصبحنا نفهم العالم بصورة أعمق؟

    ليس بالضرورة؛ فثمة فرق بين أن نتمكن من التنبؤ بظاهرة، وأن نفهم أسبابها؛ وبين أن نكتشف انتظامًا في البيانات، وأن نعرف ما الذي يعنيه هذا الانتظام؛ وبين أن ننتج إجابة تبدو صحيحة، وأن نمتلك تفسيرًا يمكن اختباره ونقده. قد ينجح نظام اصطناعي في العثور على علاقات معقدة بين متغيرات كثيرة، دون أن يقدم لنا تفسيرًا واضحًا للعلاقة السببية بينها. وقد ينتج فرضية جديرة بالاهتمام، لكنها تظل بحاجة إلى الاختبار والتحقق. فالنتيجة التي تبدو مدهشة ليست حقيقة علمية لمجرد أنها صدرت عن نظام متقدم. 

    هنا يبرز سؤال فلسفي قديم يتخذ صورة جديدة: ما المعرفة؟ هل تكفي القدرة على إنتاج إجابات صحيحة، أم أن المعرفة تتطلب أيضًا فهمًا وتفسيرًا وتبريرًا؟ لا تقدم هذه الأسئلة إجابات سهلة، لكنها تذكرنا بأن التقدم في أدوات البحث لا يحسم وحده طبيعة المعرفة التي ننتجها. إن الآلة قد تساعدنا على رؤية ما لم نكن نراه، لكنها لا تعفينا من مسؤولية تحديد معنى ما رأيناه. وقد تفتح أمامنا احتمالات جديدة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى النقد والتجربة والحكم العلمي. لهذا، فإن السؤال عن الذكاء الاصطناعي ليس سؤالاً عن قدراته فحسب، بل عن المعايير التي سنستخدمها للتمييز بين الحساب والفهم، وبين التنبؤ والتفسير، وبين إنتاج المعلومة واكتساب المعرفة.

خامسًا: هل أصبح الإنسان مهووسًا بذكائه أكثر من العالم؟

    ربما تكمن المفارقة الأعمق في أننا، بعد قرون من توجيه أنظارنا إلى الخارج، نحو النجوم والمادة والحياة والأرض، أصبحنا نوجّه قدرًا متزايدًا من اهتمامنا إلى أنفسنا، أو بالأحرى إلى الآلات التي نصنعها لمحاكاة بعض قدراتنا.

    لم يعد السؤال الأكثر تداولًا هو: كيف نشأ الكون؟ أو ما طبيعة الحياة؟ أو كيف يتشكل الوعي؟ بل أصبح كثيرًا ما يدور حول سؤال آخر: هل تستطيع الآلة أن تفعل ما نفعله نحن؟ هذا التحول مفهوم؛ فالذكاء الاصطناعي يضع تصوراتنا عن العقل والإبداع والعمل أمام اختبار مباشر. لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تضييق أفقنا إذا أصبحنا لا نرى قيمة العلم إلا في مقدار ما يخبرنا به عن أنفسنا أو ما يقدمه لنا من أدوات؛ فالكون لا تقل أهميته لأننا لم نصنعه، والحياة لا تصبح أقل جدارة بالبحث لأنها لا تنتج تطبيقًا تجاريًا سريعًا، والرياضيات لا تفقد قيمتها لأن نتائجها لا تتحول فورًا إلى منتج قابل للبيع.

    إن المعرفة ليست كلها وسيلة إلى غاية أخرى. ثمة قيمة في أن نفهم العالم لأنه جدير بالفهم، وأن نبحث في أصل الأشياء لأن السؤال نفسه يكشف حدود معرفتنا ويفتح أمامنا آفاقًا لم نكن نتصورها. ولعل هذا هو أحد أعمق الدروس التي يمكن أن نستخلصها من تاريخ العلم: إن الاكتشافات الكبرى لا تبدأ دائمًا من حاجة عملية واضحة، بل قد تبدأ من فضول يبدو في لحظته بلا منفعة مباشرة، ثم يتبين لاحقًا أنه غيّر مسار المعرفة والحضارة. 

سادسًا: العلم ليس سباقًا نحو آلة أذكى

    ليس المقصود من هذا كله التقليل من أهمية الذكاء الاصطناعي، أو إنكار ما قد يقدمه من فرص هائلة للبحث والاكتشاف؛ فمن الممكن أن يصبح من أهم الأدوات التي عرفها العلم، وأن يساعد في معالجة مسائل كانت تتجاوز قدراتنا الحسابية أو التحليلية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى موضوع يطغى على الغايات التي وُجدت من أجلها؛ فالعلم لا يتقدم في اتجاه واحد، ولا يمكن اختزال مسيرته في منافسة على إنتاج أنظمة أكثر ذكاءً. إنه شبكة واسعة من الأسئلة والمناهج والتجارب، تتفاعل فيها العلوم الأساسية والتطبيقية، وتتقدم فيها المعرفة أحيانًا بخطوات صغيرة لا يلتفت إليها أحد، لكنها تصبح لاحقًا أساسًا لتحولات كبرى.

    الثقافة العلمية الناضجة ليست تلك التي تتابع أحدث التقنيات فحسب، بل تلك التي تعرف كيف تسأل عما وراءها: ما المشكلة التي تعالجها؟ وما الذي أضافته إلى فهمنا؟ وما حدودها؟ وأي أسئلة جديدة تفتحها؟

إننا بحاجة إلى إعلام علمي لا يكتفي بملاحقة الموجة الأكثر إثارة، بل يعيد القيمة إلى التنوع العلمي، ويمنح الفيزياء والرياضيات والأحياء والكيمياء والفلك وعلوم الأرض والمناخ المساحة التي تستحقها. إعلام يشرح للناس لماذا يمكن أن يكون تحسن صغير في قياس علمي أهم من إعلان ضخم عن منتج جديد، ولماذا قد يحمل بحث نظري لا يبدو نافعًا اليوم بذور اكتشافات الغد. العلم أوسع من التكنولوجيا، والمعرفة أوسع من الذكاء الاصطناعي، والكون أوسع بكثير من أن يصبح مجرد مسرح نستعرض عليه قدرات الآلات.

    ربما كان التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي هو ألا نفقد القدرة على الدهشة بما لا نصنعه نحن، وألا ننسى الأسئلة التي سبقت اختراع الحواسيب وستظل قائمة بعدها: ما طبيعة الواقع؟ كيف نشأت الحياة؟ ما حدود العقل؟ وما الذي يمكن للإنسان أن يعرفه عن الكون الذي هو جزء منه؟ إن الآلة قد تصبح أقدر منا على الحساب، وقد تساعدنا على اكتشاف أنماط لم نكن لنبلغها وحدنا. لكن قيمة العلم لا تُقاس فقط بما تستطيع الآلة إنجازه، بل أيضًا بنوعية الأسئلة التي نجرؤ على طرحها، وبقدرتنا على مراجعة إجاباتنا، وباستعدادنا للاعتراف بأن المجهول لا يزال أوسع من كل ما نعرفه. وحين ننشغل بالآلة التي تحاول أن تفكر، ينبغي ألا ننسى العالم الذي نحاول فهمه؛ وحين نحتفي بذكاء أدواتنا، ينبغي ألا نفقد فضولنا تجاه أسرار الوجود ... لأن أعظم ما في العلم ليس أنه يمنحنا السيطرة على العالم، بل أنه يُعلمنا، مرة بعد مرة، كم لا نزال نجهل عنه!

الجمعة، 25 سبتمبر 2026

كش ملك الشيطان لم ينتصر الشيطان ... لكنه أقنعك أنك قد خسرت!

سبتمبر 25, 2026

كش ملك الشيطان لم ينتصر لكنه أقنعك أنك قد خسرت

    في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، رسم الفنان الألماني «موريتز ريتزش» Moritz Retzsch واحدة من أكثر الصور إثارة في تاريخ الفن: رجل شاب يجلس أمام كائنٍ غامض يتربص به فوق رقعة شطرنج، وكأن رهان الفوز ليس على كأس أو لقب، وإنما على الروح!

    حين تتأمل اللوحة، تظنُ للوهلة الأولى أنك تطالع المشهد التقليدي لخيرٍ يُصارع شرًّا. لكنك، إن أمعنت النظر، ستكتشف أنك لا تنظر إلى مجرد لوحة زيتية، بل إلى مرآةٍ فلسفية تُحاكي وجودك المعاصر بدقةٍ مرعبة!

    اللوحة تُعرف باسم «لاعبو الشطرنج» Die Schachspieler، وترتبط بعالم «فاوست» الأسطوري الذي أثار مخيلة «ريتزش» كما ألهم «جوته». لم يكتف «ريتزش» برسم لوحة واحدة عن هذه الشخصية، بل أنجز سنة 1828 سلسلة فنية متكاملة تضم ستة وعشرين نقشًا مستوحى من القصة. أما مشهد الشطرنج الشهير، فلم يكن مجرد نقل حرفي لأحد مشاهد مسرحية «جوته»، بل جاء كمعالجة فنية مستقلة تجسد الروح الفاوستية.

     تأمَّل التفاصيل الفلسفية التي تحملها اللوحة

- الشيطان: هادئٌ كالموت، واثقٌ من نفسه، لا يحتاج إلى الصراخ أو التباهي ومحاولة لفت الانتباه؛ فالذعر الذي يملأ وجه الشاب يؤدي الواجب بالنيابة عنه ... يكفيه أن يجعل منافسه يرى خسارته بعينيه!

- الرجل الشاب: يجلس شاحبًا، منحنيًا فوق الرقعة، يحدق فيها وقد بدا عليه الانهيار. وكأن جسده قد أصبح جزءًا من الهزيمة! كل نقلة تستهلك شيئًا منه، وكل تأخير... نقلة أيضًا!

- الملاك: حاضرٌ لكنه لا يلعب، يقف خلف الشاب كطيفٍ حزين، مُكبلاً بالعجز عن التدخل لأن قواعد «الإرادة الحرة» تفرض على الإنسان خوض معركته بنفسه!

- الرقعة: تستقر فوق صندوقٍ أشبه بالتابوت، محفوفٍ برموز الفناء؛ فاللعبة لا تُقام على لوحة من الخشب، بل على زمن الإنسان المتسرب من بين أصابعه!

    الشطرنج لعبة غريبة. إنها لعبة حرية داخل نظام مغلق؛ يمكنك أن تختار، لكن ليس كل شيء ممكنًا.

يمكنك أن تتحرك، لكنك لا تستطيع أن تتحرك كيف تشاء. وهنا تصبح الرقعة استعارة هائلة للوجود الإنساني:

كم من اختياراتنا هي بالفعل اختيارات، وكم منها مجرد حركات مسموح بها داخل رقعة لم نختر قواعدها؟

    ربما أمكننا في هذا الموضع أن نستدعي «سبينوزا»× إذ لم يقل ببساطة إن الإنسان «لا يملك حرية»، بل هاجم الوهم الذي يجعلنا نخلط بين الوعي بأفعالنا والوعي بأسبابها. وكان مثاله المشهور: لو امتلك الحجر وعيًا لظن أنه يطير بإرادته، لأنه يشعر بحركته ولا يعرف القوة التي دفعته! فهل يشبه الإنسان ذلك الحجر؟

ربما. 

    نحن نعرف ما نختار، لكننا لا نعرف دائمًا من أين جاءت رغباتنا، ولا كيف تشكَّلت دوافعنا، ولا كم من «قراراتنا» سبق أن صنعته الأسرة والمجتمع والخوف والطموح والعادة والسوق والبيئة التي نعيش فيها. وهنا يصبح سؤال «فاوست» أكثر إزعاجًا: هل اختار «فاوست» مصيره، أم اختار داخل شروط جعلته يعتقد أن اختياره حر؟

    ثم يأتي «سارتر» ... وتزداد اللعبة قسوة؛ فإذا كان «سبينوزا» يسألنا عن الأسباب الخفية التي تحركنا، فإن «سارتر» يعيد إلينا عبء المسؤولية. الحرية عنده ليست هدية مريحة؛ إنها عبء. والقلق الوجودي يظهر حين يدرك الإنسان أنه لا يستطيع أن يتخلص تمامًا من مسؤوليته عن اختياراته. لذلك ارتبطت الفلسفة الوجودية بفكرة أن الإنسان «محكوم عليه بالحرية»!

    انظر إلى فاوست مرة أخرى. قد لا يكون أكثر ما يرعبه هو الشيطان. ربما ما يرعبه هو أن القطعة في يده ... أن القرار، رغم كل شيء، ما زال قراره!

    «شوبنهاور» يدخل من الباب الخلفي ليهمس بأن الإنسان قد لا يكون سيد رغباته أصلاً. نحن نريد، ثم نبرر ما أردناه؛ نطارد اللذة، ثم نخترع لها فلسفة؛ نبحث عن المال والشهرة والقوة، ثم نقنع أنفسنا أننا نبحث عن «النجاح». وهكذا قد يصبح الإنسان، دون أن يشعر، قطعةً تحركها رغباته أكثر مما يحركها عقله!

    الشيطان في اللوحة ليس بالضرورة شخصًا. يمكن أن يكون الرغبة حين تصبح سيدًا، والنظام القائم حين يصبح قدرًا، والوهم حين يتحول إلى يقين. ربما لو أعاد «ريتزش» رسم اللوحة اليوم، لم يكن بحاجة إلى شيطان ذي قرنين يتدثر بملابس السوداء تغطيها الرموز القوطية. لقد تحول الشيطان اليوم إلى كائنٍ مثير، يرتدي ثوب الجمال ويُبشر بالوفرة. ربما كان يكفي «ريتزش» ان يستحضر روح الهاتف الذكي؛ أن يضع أمام الرجل شاشةً زجاجية ملونة تنبض بالإشعارات بدلاً من رقعة الشطرنج، إذ لم يعد المرء يلعب ضد منافس نراه، وغنما ضد نظام يدرس كل حركة لعينيه وكل ضغطة لإصبعه ليُبقيه داخل اللعبة؛ وأن يضع خلفه شبكة من الخوارزميات التي تعرف نقاط ضعفه أكثر مما يعرفها هو، وتُفصِّل له من اللذة والسهولة ما يجعله يتنازل عن حريته طواعية؛ الملاك الحارس لم يعد يقف حزينًا يراقب اللعبة من البعيد، بل ربما حُجب تمامًا خلف سحابة من الضوضاء الرقمية والتشتت المستمر، فلم يعد الشاب يرواح بين الإلهام والشهوة، بل أصبح معزولاً في تدفق لا يتوقف من الرغبات الرقمية!

    الشيطان المعاصر لا يقول لك: «افعل ما أريد»؛ إنه أكثر ذكاءً من ذلك. يقول: «افعل ما تريد»، ثم يرتب لك الخيارات! تفتح هاتفك فتظن أنك اخترت ما ستراه، بينما اختارت لك الخوارزمية ما سيظهر أولاً؛ تدخل السوق فتظن أنك اخترت ما ستشتري، بينما صُممت البيئة كلها لتدفعك نحو قرار بعينه؛ تبحث عن رأي، فتجد أمامك مئات الآراء التي تشبه رأيك، حتى تبدأ في الاعتقاد أن العالم كله يفكر مثلك؛ وتجلس أمام الذكاء الاصطناعي طالبًا منه أن يساعدك على التفكير، ثم تكتشف بعد وقت أنك بدأت تستعير منه حتى طريقة صياغة أفكارك!

    ليس هذا بالضرورة «مؤامرة»؛ بل هو الوجه الفلسفي لعالم تُصمم فيه البيئات الرقمية باستمرار لجذب الانتباه والتنبؤ بالسلوك وتخصيص ما يصل إلى المستخدم. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل الحرية أن يكون أمامك ألف خيار، أم أن تعرف لماذا اخترت واحدًا منها؟

    أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تمنعك من الحركة، بل تلك التي تمنحك حركات كثيرة، ثم تجعلك تختار بينها وأنت لا ترى حدود الرقعة، أن تكون عبدُ القفص الذي يختار لونه. عندها لا تحتاج السُلطة إلى أن تقول لك: «لا تفعل»، يكفي أن تجعل بعض الأشياء أكثر ظهورًا من غيرها. ولا تحتاج المنظومة إلى أن تمنعك من الكلام؛ يكفي أن تجعل صوتًا معينًا أعلى من الأصوات الأخرى. ولا يحتاج السوق إلى إجبارك على الشراء؛ يكفي أن يقنعك بأن الرغبة التي صنعها فيك كانت رغبتك منذ البداية. وهنا يعود فاوست!

لكن... هل خسر «فاوست» فعلًا؟ ثمة حكاية شطرنجية شهيرة ارتبطت باللوحة بلاعب الشطرنج الأمريكي «بول مورفي» Paul Morphy، مؤداها أن مورفي، حين تأمل وضعية الرقعة، لم يقتنع بأن الرجل قد وصل فعلاً إلى «كش ملك»؛ بل رأى أن هناك نقلة يمكن أن تقلب الموقف على الشيطان. وهذه الرواية موثقة في الأدبيات الشطرنجية، وإن بقيت تفاصيلها موضع نقاش تاريخي.

    هنا تنقلب دلالة اللوحة كلها ... ربما ليست الرسالة: «لقد انتصر الشيطان»، بل: «لقد أقنعك الشيطان أنك خسرت». وهذه، ربما، هي أكثر الأفكار رعبًا وجمالاً في اللوحة ... رعبًا للشيطان؛ للنظام القائم؛ لسدنة الذكاء الاصطناعي: أن الإنسان لا يُهزم دائمًا عندما تُغلق أمامه الطرق؛ أحيانًا يُهزم عندما يتوقف عن البحث عن الطريق الذي لم يره. قد تكون الرقعة ضيقة؛ قد يكون الخصم أذكى واقوى؛ قد تكون قطعك قليلة؛ وقد يبدو الموقف ميؤوسًا منه ... لكن ما دام هناك اختيار لم تره بعد، فإن اللعبة لم تنتهِ. وهنا لا يغدو السؤال: كيف أهزم الشيطان؟ ... وإنما كيف أتأكد أنني لا ألعب لعبته وفق القواعد التي وضعها هو؟ 

    ربما كان هذا هو الدرس الذي تركه «ريتزش» لنا من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين: أخطر شيطان ليس الذي يحرك قطعك ... بل الذي يجعلك تحركها بنفسك، ثم يقنعك أنك كنت حرًا. والهزيمة الحقيقية ليست أن تسمع «كش ملك» ... بل أن تصدقها قبل أن تنظر إلى الرقعة مرة أخيرة!

الخميس، 24 سبتمبر 2026

هل تأملت في حياتك نهرًا؟!

سبتمبر 24, 2026

رجل يتأمل نهرًا وقت الغروب وسط طبيعة هادئة

    في مقالٍ له تحت عنوان «هل تأملت في حياتك نهرًا؟»، يورد الدكتور «أحمد خالد توفيق» قصة معبرة للروائي الفرنسي «أندريه موروا» André Maurois. القصة تحكي عن فنانٍ تافه مغمور لا يبيع لوحة واحدة من لوحاته. وذات يوم زاره صحافي من أصدقائه فرقَّ لحاله، واقترح عليه أن يدعي أنه ابتكر أسلوبًا جديدًا في الفن يسميه مثلاً «الطريقة النفسية التحليلية» ... ودار بينهما الحوار التالي:

  • هل يمكنك أن ترسم لي بعض اللوحات التي تحوي كلامًا فارغًا؟ مثلاً، امرأة جميلة وحولها أوراق مالية كناية عن حب المرأة للثراء، أو رجلاً بدينًا متأنقًا حوله دموع ودم كناية عن أغنياء الحرب ... هل تستطيع ذلك؟
  • بالتأكيد.
  • إذن، نفذ عشر لوحات بهذه الطريقة وسوف أكتب أنا مقالاً عن طريقتك العبقرية وعن معرضك المقبل.

    أنجز الفنان هذا الكلام الفارغ في ليلة واحدة، وجاء يوم المعرض الذي احتشدت باريس كلها لتراه. كان هناك حشدٌ من النقاد الفنيين، فقال الصحافي للفنان: «لا تخف، كلما سألك أحدهم عن معنى (الطريقة النفسية التحليلية) اكتف بأن تنفث دخان الغليون في وجهه، وقل: هل تأملت في حياتك نهرًا؟، سوف يتظاهرون بأنهم فهموا»! 

    نفَّذ الفنان التعليمات، وكلما التف حوله نقاد أو صحافيون وسألوه عن مغزى أسلوبه، نفث الدخان في وجوههم وقال: هل تأملتم في حياتكم نهراً؟ ... فيصيحون في انبهار: هذا صحيح ... يا له من عبقري!

    انتهى المعرض بعدما بيعت اللوحات بثمن باهظ، وصار الفنان أهم فنان في باريس، وجاءه الصحافي ضاحكًا بعد رحيل الناس وقال: هل رأيت كيف خدعنا هؤلاء القوم بلوحاتك عديمة القيمة؟! نظر له الفنان في حزم وقال: هل أفهم من هذا أنك تنتقد طريقتي النفسية التحليلية؟ صاح الصحافي في غيظ: هلُم ... لا تصدق نفسك؛ أنت تعرف أنه لا يوجد شيء اسمه الطريقة النفسية التحليلية! هنا نظر له الفنان طويلاً ثم نفث دخان الغليون في وجهه وقال: هل تأملت في حياتك نهراً؟!

    القصة تُعبر باختصار عن كثير مما تراهم حولك الآن، بل ومنذ سنوات طويلة، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي: أشباه فنانين ومثقفين وكًتَّاب وأساتذة ودعاة ومسؤولين؛ رويبضات يعتلون منابر الكلام والفعل والتوجيه، يتم تلميعهم جيدًا، أو يقومون هُم بتلميع أنفسهم، إعلاميًا أو حكوميًا أو مجتمعيًا، فيصفق الناس، ويُهلل الجهلاء والمنتفعون! 

    المصيبة أنهم يصدقون أنفسهم بعد حين، يتوهمون أنهم قد امتلكوا نواصي الحقيقة، وأنهم العباقرة وغيرهم أغبياء ... تُراجع أحدهم فينفث في وجهك دخان جهله ولسان حله يقول: هل تأملت في حياتك نهرًا؟! 

قَدرُك أن تلتقي هؤلاء؛ أن تُعتقل داخل دائرة تفاهاتهم؛ أن تُحاصر باللامعقول، وتُعتصر بعبثيتهم روحًا وجسدًا؛ أن تُجبر على التعايش مع أفكارهم وصخبهم وأطماعهم، وأن يستهلكونك حتى آخر قطرة وعي، وآخر نبضة صبر، وآخر خيط يرسم معالم هويتك! إنه قدرُك، لابد أن تعيشه، فلا يُجدي معه الفرار ... وتنفس إن استطعت بقلمك، حين تخلو إله ويخلو إليك!

هل تأملت في حياتك نهرًا؟

إنها ليست جملة، بل قناعٌ لغويّ للفراغ حين يتجمل، وللجهل حين يتأنق، وللعبث حين يُصفّق لنفسه واقفًا.