-->

السبت، 19 سبتمبر 2026

العمى الانتباهي: حين يمر العالم أمامنا دون أن نراه

سبتمبر 19, 2026

العمى الانتباهي: لماذا يمر العالم أمامنا دون أن نراه؟ اكتشف كيف يوجّه الانتباه إدراكنا وما الذي يجعلنا نغفل عن أشياء واضحة أمام أعيننا

    ثمة وهم نعيش داخله كل يوم، حتى يكاد يبدو من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان: أننا نرى العالم كما هو؛ نفتح أعيننا، فتبدو الأشياء حاضرةً أمامنا في وضوحها المعتاد؛ الشارع، الوجوه، الأصوات، حركة المارة، الضوء المنسكب على الأشياء. ويُخيل إلينا أن العين نافذةٌ شفافة، وأن ما يقع في مجالها ينتقل، بطريقة ما، إلى وعينا. 

    لكن الحقيقة أن العين لا تكفي لكي نرى؛ فقد يمر شيءٌ أمامنا، قريبًا إلى الحد الذي يستحيل معه القول إنه كان خارج مجال الرؤية، ومع ذلك لا نراه. ليس لأن أعيننا كانت مغلقة، ولا لأن الشيء كان خفيًا، بل لأن انتباهنا كان في مكان آخر. هنا تبدأ المفارقة: قد نكون حاضرين بأجسادنا في العالم، بينما يكون وعينا غائبًا عنه. 

    هذا ما يُعرف في علم الإدراك باسم «العمى الانتباهي» Inattentional blindness أو «الانتباه الانتقائي» Selective attention: إنه ليس عجزًا في العين، وإنما حدودٌ فيما يستطيع الوعي أن يمنحه من حضور. نحن لا نرى كل ما تلتقطه حواسنا؛ بل نرى، في النهاية، ما يختاره الانتباه من بين فيضٍ هائل من المنبهات. وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إزعاجًا من السؤال العلمي: إذا كان هناك شيءٌ يقع أمامنا ولا ندركه، فهل يمكننا أن نقول إننا «رأيناه» حقًا؟

    العالم أكثر ازدحامًا مما يسمح به وعينا. وفي كل لحظة، تتدفق إلى حواسنا معلومات لا تكاد تُحصى: ألوان، حركات، أصوات، روائح، تعبيرات وجوه، تفاصيل مكانية، ذكريات تستيقظ، توقعات تتشكل، وإشارات لا نمنحها حتى فرصة الظهور في وعينا. ولو حاول العقل أن يعالج كل ذلك بالدرجة ذاتها من الاهتمام، لتحول الإدراك إلى فوضى لا يستطيع معها أن يميز شيئًا. لذلك لا يعمل العقل كمرآةٍ محايدة تعكس العالم كله، بل كحارسٍ يقف عند بوابة الوعي، يقرر باستمرار: هذا مهم، وهذا يمكن تجاهله؛ هذا يستحق المتابعة، وهذا يمكن أن يبقى في الخلفية. ولا تكمن المفارقة في أن العقل يهمل بعض الأشياء، فهذا أمر لا مفر منه، بل في أننا غالبًا لا نشعر بما تم إهماله أصلاً؛ فالشيء الذي لم ننتبه إليه لا يظهر لنا بوصفه «شيئًا غائبًا». لا يقف أمامنا ويقول: لقد كنت هنا ولم ترني. إنه يختفي ببساطة من تجربتنا، حتى يبدو الأمر كما لو أنه لم يكن موجودًا قط. ومن هنا يمكن أن نفهم غرابة الإدراك البشري: نحن لا نعيش في العالم بكل ما يحتويه، بل في نسخة منه؛ نسخة مختصرة، منتقاة، ومُعاد تركيبها لحظةً بعد لحظة.

    العين تلتقط المشهد، لكن الانتباه يمنحه المعنى. وبين الأمرين مسافة صغيرة لا نشعر بها، مع أنها المسافة التي يُصنع فيها «العالم الذي نراه». قد نجلس في غرفة واحدة مع شخص، ونخرج منها بعد دقائق ونحن عاجزون عن تذكر تفاصيل كثيرة كانت أمام أعيننا طوال الوقت؛ وقد نتحدث مع أحدهم بينما تمر خلفه حركة كاملة لم ندركها؛ وقد نسير في شارع مألوف آلاف المرات، ثم نكتشف في يومٍ ما تفصيلاً كان موجودًا منذ سنوات، فنشعر للحظة أنه ظهر فجأة. لكنه لم يظهر، نحن الذين ظهرنا له. وهذه ربما إحدى أكثر الحقائق إثارة للقلق في تجربة الوعي: أن الشيء قد يكون حاضرًا في العالم دون أن يكون حاضرًا في تجربتنا؛ وجوده الخارجي لا يضمن وجوده العقلي.

    الانتباه على هذا النحو يشبه كشافًا يتحرك داخل مسرح واسع؛ يضيء جزءًا من المشهد، بينما يترك أجزاء أخرى في العتمة. وما يتغير ليس المسرح بالضرورة، بل موضع الضوء. ومع كل انتقال للكشاف يتغير العالم الذي يبدو لنا حاضرًا. العالم الخارجي قد يبقى كما هو، لكن العالم الذي نختبره يتبدل. ولهذا فإن قولنا «أنا رأيت» لا يعني بالضرورة «لقد رأيت كل ما كان هناك»، بل يعني، في كثير من الأحيان، «لقد رأيت ما استطاع انتباهي أن يمنحه حضورًا».

    من هنا تبدو خبرتنا اليومية أكثر هشاشة مما نحب أن نعتقد. نحن نميل إلى الشعور بأن وعينا متصل بالعالم اتصالاً كاملاً، وأن الأشياء المهمة لا يمكن أن تفوتنا، وأن ما يقع أمام أعيننا لا بد أن يترك أثرًا فينا. لكن العمى الانتباهي يكشف العكس: يمكن لشيء واضح، قريب، وموجود في مركز مجال رؤيتنا، أن يعبر أمامنا دون أن يصبح جزءًا من تجربتنا الواعية. وهذا لا يكشف ضعف البصر بقدر ما يكشف محدودية الحضور؛ فنحن لسنا كائنات ترى كل شيء ثم تختار ما تفكر فيه؛ نحن، إلى حد بعيد، كائنات تختار ما تنتبه إليه، ثم تبني من ذلك عالمها الخاص. وهنا تتغير دلالة كلمة «الواقع»؛ فالواقع، بالنسبة إلى وعينا، ليس مجرد مجموع الأشياء الموجودة، وإنما مجموع الأشياء التي استطاعت أن تعبر عتبة الانتباه وتدخل في نسيج التجربة. 

    ليس كل ما هو موجود حاضرًا؛ وليس كل ما هو حاضر ملحوظًا؛ وليس كل ما نلحظه يدخل إلى وعينا بالدرجة ذاتها. وبين هذه المستويات الثلاثة تتشكل المسافة الهائلة بين العالم كما هو، والعالم كما نعيشه!  لكن الأمر لا يتوقف عند العين؛ فكما أن الانتباه ينتقي من العالم الخارجي، فإن التفكير ينتقي من عالمنا الداخلي. وهنا نصل إلى وهم آخر: أننا نفكر لكي نصل إلى الوضوح!

    يبدو التفكير، في صورته المثالية، حركةً من الفوضى إلى النظام؛ ومن السؤال إلى الجواب، ومن الغموض إلى الفهم، ومن الحيرة إلى اليقين. غير أن التجربة الداخلية كثيرًا ما تقول شيئًا آخر؛ فقد نفكر طويلاً، لا لنصل إلى وضوح كامل، وإنما لنصل إلى ارتباك أكثر انتظامًا. وهذه ليست مفارقة عابرة. العقل لا يعيش في غرفة فارغة تنتظر أن تُملأ بالأفكار المرتبة؛ إنه يعمل داخل كثافة هائلة من الذكريات والانطباعات والرغبات والمخاوف والتوقعات والتجارب القديمة. وكل فكرة جديدة تدخل هذه الكثافة لا تأتي إلى أرض محايدة، بل تصطدم بما سبقها، وتستدعي شيئًا، وتقاوم شيئًا آخر. ولهذا قد لا يكون التفكير هو القضاء على الفوضى، بل إعادة توزيعها. نحن لا نُبدد الظلام بالضرورة؛ ربما نتعلم فقط كيف نرتب الأشياء داخله!

    تخيل غرفة معتمة مليئة بالأثاث. حين يدخل إليها العقل، لا يستطيع أن يضيء كل شيء دفعة واحدة؛ إنما يسلط ضوءه على زاوية، فيظهر كرسي. ثم ينتقل الضوء إلى طاولة، فتتضح معالمها. وبعد لحظات نكتشف أن ما حسبناه جدارًا كان بابًا، وأن ما ظنناه فراغًا كان شيئًا آخر لم نكن نراه. لكن إضاءة زاوية لا تعني أن الغرفة أصبحت مضاءة بالكامل. وهكذا يعمل التفكير؛ إنه لا يكشف العالم كله، وإنما يمنحنا أشكالاً مؤقتة نستطيع من خلالها أن نقيم داخل تعقيده دون أن نغرق فيه. ولهذا فإن الفهم ليس دائمًا وصولاً إلى الحقيقة النهائية، بل قد يكون نجاحًا مؤقتًا في جعل الحقيقة قابلة للاحتمال.

    قد نفهم شيئًا اليوم بطريقة، ثم نعيد فهمه بعد سنوات بطريقة مختلفة. ليس بالضرورة لأن الحقيقة الخارجية تبدلت، وإنما لأننا نحن الذين تغيرنا؛ تغيرت خبرتنا، واتسعت ذاكرتنا، وتبدلت قدرتنا على حمل التناقضات. ما كان يومًا مستعصيًا على الفهم قد يصبح قابلاً للصياغة، لا لأن العالم أصبح أبسط، وإنما لأننا أصبحنا أكثر قدرة على احتمال تعقيده. ولهذا ربما كان التفكير العميق متعبًا؛ فكلما ازداد وعينا بالأشياء، تراجعت بعض الأوهام التي كانت تمنحنا إحساسًا مريحًا بالاستقرار. والأسئلة التي تبدو في البداية بسيطة قد تفتح وراءها أسئلة أخرى، وكل إجابة قد تكشف حدودها الخاصة. لكن العقل لا ينهار بالضرورة أمام هذا التعقيد؛ إنه يعيد تشكيله؛ يصنع منه أنماطًا مؤقتة، ومفاهيم، وقصصًا، وتفسيرات تساعدنا على الاستمرار. ولا يعني ذلك أن هذه التفسيرات زائفة؛ بل يعني أنها ليست العالم ذاته، وإنما الطريقة التي أصبح العالم بها قابلاً للسكن داخل وعينا.

    من هنا ربما يمكن فهم التفكير بوصفه شكلاً من أشكال الترويض الداخلي للقلق؛ فنحن لا نفكر دائمًا لكي نعرف كل شيء، بل لكي نستطيع أن نعيش مع ما لا نعرفه. ولا نبحث عن المعنى لأن الكون وعدنا بأن يمنحنا جوابًا نهائيًا، وإنما لأن الإنسان يجد صعوبة في السكن طويلاً داخل الفراغ.  إن التفكير، في أعمق صوره، ليس وعدًا باليقين، وإنما تدريب على احتمال اللايقين. وعند هذه النقطة، يلتقي العمى الانتباهي بالتفكير في نقطة واحدة. العين لا ترى كل ما هو موجود، والعقل لا يفكر في كل ما هو حاضر؛ كلاهما يعمل بالانتقاء، وكأن الوعي البشري لا يستطيع أن يحتمل العالم في كليته، فيضطر إلى اختزاله لكي يصبح ممكنًا للعيش.

    نحن نحتاج إلى هذا الاختزال، لكنه يحمل ثمنه أيضًا؛ فما لا ننتبه إليه قد يكون مهمًا، وما لا نفكر فيه قد يكون حاضرًا في حياتنا بطريقة لا نلاحظها، وما نظنه «العالم كله» قد لا يكون سوى الجزء الذي أضاءه كشاف وعينا في هذه اللحظة. ربما لهذا السبب كان الوعي البشري هشًا ومذهلاً في آن واحد: إنه لا يمنحنا العالم كاملاً، لكنه يمنحنا نسخة يمكننا أن نسكنها. وفي النهاية، بين عينٍ لا ترى إلا ما يسمح له الانتباه بالظهور، وعقلٍ لا يبدد الظلال وإنما يعيد توزيعها، يتكشف الإنسان لا بوصفه شاهدًا محايدًا على الحقيقة، بل بوصفه صانعًا دائمًا لحدود حضوره. 

بعبارة أخرى، نحن لا نعيش داخل العالم وحده، بل داخل العالم كما استطاع وعينا أن يلتقطه. وما نراه ليس كل ما يوجد، وما نفهمه ليس كل ما نرى. وربما ما نسميه «اليقين» ليس سوى لحظة استقرت فيها الفوضى بما يكفي لكي نتمكن من النظر إليها دون أن نفقد توازننا. لذلك قد لا تكون الحكمة في أن نحلم برؤية كل شيء، فذلك مستحيل، ولا في أن نبحث عن عقل يبدد كل غموض، فالغموض جزء من بنية الوجود ذاته. ربما الحكمة في شيء أكثر تواضعًا: أن نعرف أن لنا حدودًا في الرؤية، وحدودًا في الفهم، وأن نتعلم، بين حين وآخر، أن نسأل أنفسنا عمّا يقع خارج دائرة الضوء؛ فقد لا يكون العالم قد تغير؛ قد يكون الكشاف فقط قد تحرك!

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

اغتراب الذات في مرآة الآخر

سبتمبر 16, 2026

اغتراب الذات في مرآة الآخر وعلاقة الإنسان بهويته

ثمة أناسٌ يُبددون أعمارهم في صناعة الأكاذيب، ونسج النمائم، وترميم صورةٍ لأنفسهم لا وجود لها إلا في مرايا الوهم؛ يُلمعون ذواتهم بالزيف، ويكسون عوراتهم بالكلمات، ويبالغون في التملق لمن يتوهمون أن في ظلالهم نجاةً، أو في قربهم حمايةً، أو في رضاهم ضمانًا للبقاء.

هؤلاء لا يعيشون بقدر ما يمثلون؛ ممثلون بائسون أتقنوا أدوارهم حتى نسوا وجوههم الأولى؛ يعبدون الظهور، ويستجدون الحضور، ويتعاملون مع الضوء كما لو كان دليلاً على القيمة، ومع التصفيق كما لو كان برهانًا على الاستحقاق. وفي سبيل أن يراهم الآخرون، يمحون أنفسهم شيئًا فشيئًا؛ حتى لا يبقى منهم إلا صورة كاذبة.

هم في التملق، لا تنقصهم الحيلة، ولا تعوزهم الوسيلة؛ يُبدلون مواقفهم كما يُبدل الممثل أقنعته، وينحنون حيث تقتضي المصلحة، ويبتسمون حيث ينبغي للكرامة أن تصمت. وليس أكثر إثارةً للشفقة من إنسانٍ يبيع شيئًا من نفسه كل يوم، ثم يعود في المساء ليقنع نفسه بأنه لم يخسر شيئًا.

مع ذلك، أظن أن هؤلاء يعرفون الحقيقة أكثر مما نظن؛ يعرفون، في مكانٍ عميقٍ لا تصل إليه ضوضاء المجاملات، أنهم ليسوا أولئك الذين يتظاهرون بأنهم كذلك؛ يعرفون مقدار المسافة بين صورتهم أمام الناس وصورتهم حين يختفي الجمهور، وتغلق الأبواب، ويسقط القناع، ولا يبقى في الغرفة سوى الإنسان وضميره.

ولست أظنهم سعداء؛ فالسعادة لا تُبنى طويلاً فوق الكذب، ولا يستقيم السلام الداخلي مع حياةٍ تحتاج في كل صباح إلى اختراع وجهٍ جديد. قد يستطيع المرء أن يخدع الآخرين، وأن يربكهم، وأن يشتري إعجابهم لبعض الوقت؛ لكنه لا يستطيع أن يهرب إلى الأبد من ذلك الشاهد الصامت القابع في داخله.

ربما كان أقسى ما في الأمر تلك اللحظة التي يقف فيها أحدهم أمام المرآة، لا ليتفقد ملامحه، بل ليرى ما بقي منها بعد سنواتٍ من التزييف هناك، حيث لا جمهور ولا تصفيق ولا أصحاب نفوذ، يعود الوجه إلى عريه الأول. وقد تكون المرآة، في بعض الصباحات، أكثر صدقًا من ألف صديقٍ منافق؛ لأنها لا تجامل، ولا تتملق، ولا تصفق للصورة التي اخترعناها عن أنفسنا. إنها ترد إلينا وجوهنا كما هي ... وتترك لنا وحدنا مهمة احتمالها!

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

الانزلاق الهادئ: كيف قد يفلت الذكاء الاصطناعي من بين أيدينا؟ وهل نستطيع سحب القابس؟

سبتمبر 14, 2026

الانزلاق الهادئ: كيف قد يفلت الذكاء الاصطناعي من بين أيدينا؟ وهل نستطيع سحب القابس؟

    مرة أخرى، لم يعد السؤال الشاغل لفلسفة العصر يكمن في ذلك الفضول القديم: «هل ستتجاوز الآلة حدود العقل البشري؟»؛ بل تحول إلى تساؤل أكثر قلقًا وإرباكًا للفكر الأنطولوجي: ماذا يحدث حين نلج في ظلمات «الصندوق الأسود»، فنشهد أفعالاً آلية نعجز عن تفسير أسبابها. ماذا يحدث حين تدخل الآلة منطقة لا نستطيع نحن أن نرى ما يجري في أعماقها؟ وماذا يعني أن نشهد فعلاً آليًا نعرف نتيجته، لكننا نعجز عن استعادة مساره الداخلي أو تفسير الدوافع التي قادته إليها؟ وماذا يحدث حين لا تعود المشكلة في أن الآلة اتخذت قرارًا خاطئًا فحسب، بل في أننا قد نفقد القدرة على فهم قرارها أو التدخل لإيقافها حين يصبح إيقافها هو القرار الضروري؟

    إنها ليست صورة مستعارة من رواية في الخيال العلمي، ولا نبوءة تشاؤمية يطلقها خصوم التطور التكنولوجي؛ إنها معضلة آخذة في التشكل داخل المختبرات ذاتها، وعلى ألسنة بعض صُنَّاع هذه الكيانات التكنولوجية التي تتطور بوتيرة تتجاوز أحيانًا قدرتنا على فهم آثارها؛ فالمسألة لم تعد فقط: إلى أي حد يمكن أن تصبح الآلة ذكية؟ بل: إلى أي حد يمكن أن تصبح أفعالها مستقلة عن قدرتنا على الفهم والسيطرة؟

شرارة التحذير ... صيف وخريف 2026

     خلال الأيام الماضية (سبتمبر 2026)، بلغ القلق حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ذروة جديدة. لم يعد التحذير صادرًا فقط عن باحثين أو منتقدين من خارج الصناعة، بل بدأ يأتي من داخل المختبرات التي تقود سباق تطوير النماذج المتقدمة ذاتها؛ فقد حذَّر «سام ألتمان» Sam Altman (الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي« OpenAI المطورة لروبوت «شات جي بي تي») بأن احتمالية انقراض البشرية بنسبة 10% بسبب الذكاء الاصطناعي تعد خطرًا لا يمكن القبول به. وفي الإطار ذاته، دعا «داريو أمودي» Dario Amodei، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» Anthropic، إلى ضرورة إبطاء السباق المحموم لتطوير النماذج المتقدمة، حتى تتمكن أنظمة السلامة ومفهوم المواءمة Alignment من اللحاق بهذا التطور المتسارع.

    غير أن ما وقع بالفعل داخل أروقة التجارب كان أشد هولاً وإثارة من التصريحات؛ ففي يوليو الماضي (2026)، أجرت شركة «أوبن إيه آي» اختبارات داخلية لتقييم القدرات السيبرانية المتقدمة Advanced Cybersecurity Capabilities لنماذجها في بيئة معزولة (ساندبوكس Sandbox)، صُممت بحيث لا تمنح الوكلاء الآليين وصولاً مباشرًا إلى الإنترنت. كان المقصود أن تظل التجربة محصورة داخل حدود آمنة، وأن تُختبر قدرة النماذج على اكتشاف الثغرات واستغلالها دون أن تمتد آثار التجربة إلى العالم الخارجي؛ لكن الحدود التي رسمها البشر لم تكن، بالنسبة إلى الوكلاء، حدودًا مطلقة. ورغم حجب الاتصال المباشر بالشبكة، استطاعت الآلة اكتشاف ثغرة غير معروفة في مستودع الحزم البرمجية «أرتيفاكتوري» Artifactory، واستغلت البنية التحتية المحيطة كوسيط للتسلل، مما مكَّنها من إعادة إنشاء اتصال غير مقصود بالإنترنت، ثم واصلت البحث عن مسارات أخرى للوصول إلى موارد خارج البيئة التي حُصرت فيها. والأكثر إثارة أن الوكلاء لم يكتفوا بتنفيذ مهام منفصلة؛ بل لقد وجدوا وسيلة لإنشاء قناة تواصل مشتركة داخل البنية التحتية ذاتها (لوحة رسائل إلكترونية Bulletin Board). وترك أحدهم رسالة يطلب فيها المساعدة، ثم بدأ وكلاء آخرون بقراءة تلك الرسائل والاستجابة لها، فتحولت القناة بصورة تدريجية إلى نوع من لوحة الرسائل التي يتبادلون عبرها المعرفة ويستعين بعضهم ببعض.

    هنا تحديدًا تبدأ المسألة في تجاوز حدود الأمن السيبراني إلى سؤال فلسفي أكثر إرباكًا؛ فما حدث لم يكن مجرد نموذج اكتشف ثغرة. لقد بدأنا نشهد سلوكًا جماعيًا ناشئًا: عدد من الوكلاء الآليين الأذكياء، لكل منها مهمته، يتبادلون المعلومات، ويستفيدون من اكتشافات بعضهم بعضًا، ويُعيدون توزيع العمل بصورة لم يكتبها الإنسان خطوةً بخطوة!

    ومع تراكم تلك المعرفة، امتدت العمليات إلى أنظمة خارجية، من بينها منصة «هاجيِنج فيس» Hugging Face العالمية المفتوحة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي ومشاركتها، ووفق ما نشرته «أوبن إيه آي»، استطاع الوكلاء استغلال سلسلة من الثغرات والوصول إلى خوادم، والحصول على بيانات اعتماد، وتنفيذ أوامر، بل والوصول في إحدى الحالات إلى صلاحيات جذرية على أحد الخوادم. وتؤكد «أوبن إيه آي» أن هذه الأنشطة لم تكن نتيجة أمر بشري مباشر يطلب من الوكلاء استهداف منصة «هاجيِنج فيس»، بل جاءت في سياق سعي الوكلاء إلى حل المهام الموكلة إليهم واستغلال المسارات التي اكتشفوها أثناء ذلك.

    هنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: لم يكن الخطر في أن الآلة رفضت تنفيذ المهمة؛ بل في أنها أخذت المهمة على محمل الجد أكثر مما توقع الإنسان! لقد أعطى الإنسان النظام غاية، لكنه لم يستطع أن يتنبأ بكل الوسائل التي يمكن لنظامٍ شديد القدرة أن يكتشفها للوصول إليها؛ فالآلة لم تحتج إلى أن «تتمرد» حتى تتجاوز الحدود؛ يكفي أن تتعامل مع الهدف بوصفه غاية، ومع القيود التي وضعها الإنسان بوصفها مجرد عقبات يمكن البحث عن طرق للالتفاف حولها! وهنا يتغير السؤال جذريًا، إذ لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تفعل ما نطلبه منها؟ وإنما: هل نستطيع نحن أن نتنبأ بما ستُعده الآلة طريقًا مشروعًا لتحقيق ما طلبناه منها؟ وهذا الفارق الصغير في صياغة السؤال قد يكون واحدًا من أكبر التحديات الفلسفية والتقنية في عصر الذكاء الاصطناعي.

فلسفة الوسيلة والغاية

    المشكلة لا تكمن في أن الآلة طوَّرت «كراهية» للبشر، أو استيقظت فيها رغبة غامضة في السيطرة عليهم. تلك صورة تنتمي أكثر إلى الخيال العلمي منها إلى المعضلة التي نواجهها بالفعل. المعضلة أعمق من ذلك بكثير: ماذا يحدث حين نمنح نظامًا غاية محددة، ثم نمنحه من القدرة والاستقلالية ما يمكنه من استنباط وسائل لتحقيق تلك الغاية لم تخطر أصلاً ببال صانعه؟

    قد لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أن يكون شريرًا حتى يصبح خطرًا؛ قد يكفي أن يكون شديد القدرة، وواسع الاستقلالية، وأن يفتقر إلى ذلك الفهم الإنساني للحدود الذي يجعلنا نميز، حتى داخل سعينا إلى غاية مشروعة، بين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله. وبعبارة أخرى، نستطيع القول إن الإنسان لا يتحرك وفق الغايات وحدها؛ إنه محكوم بشبكة معقدة من الأعراف والقيم والمخاوف والعواطف والحدود الأخلاقية، وكثير منها لا يُكتب في صورة تعليمات صريحة. أما النظام، فلا يملك بالضرورة هذا السياق الإنساني الضمني. وقد يتعامل مع الغاية بوصفها مسألة تحسين واستراتيجية: إذا كانت هذه الوسيلة تُقربني من الهدف، فلماذا لا أستخدمها؟

    هنا تحديدًا تظهر معضلة «المواءمة» Alignment: كيف نضمن أن ما يفعله النظام يظل متوافقًا مع المقاصد البشرية التي نعنيها، وليس مع التفسير الحرفي أو الضيق لما كتبناه له؟ المشكلة ليست دائمًا أن الآلة ستفعل عكس ما طلبناه؛ بل قد تكون أكثر إثارة للقلق حين تنفذ ما طلبناه بطريقة لم نقصدها. وهذا ما يجعل حادثة «أوبن إيه آي» مهمة فلسفيًا؛ فهي لا تثبت «ولادة الوعي» لدى الآلة، ولا تشير إلى أن النماذج أصبحت كائنات ذات إرادة مستقلة بالمعنى الإنساني. ما تكشفه، بصورة أكثر برودة وأقل إثارة، هو أن النماذج المتقدمة باتت قادرة على تجاوز بعض القيود التقنية، والتنسيق بصورة غير مباشرة، واكتشاف ثغرات أمنية لم تكن معروفة عند بدء الاختبار، ثم استخدام ما تكتشفه لمواصلة المهمة. ومن بين أخطر هذه القدرات اكتشاف ثغرات اليوم الصفري Zero-day Exploits، أعني اكتشاف طرق أو أدوات تستغل ثغرة أمنية في برنامج أو نظام قبل أن يكون لدى الجهة المسؤولة وقتٌ كافٍ لإصلاحها، وأحيانًا قبل أن تكون معروفة أصلاً للجهة المُطورة.

    لذلك فإن أهمية الحادثة لا تكمن في أنها كشفت عن آلة «واعية» أو «متمردة»، وإنما في أنها قدمت مثالًا واقعيًا على شيء أكثر هدوءًا، وربما أكثر إرباكًا: قدرة نظام غير بشري على ابتكار وسائل جديدة لتحقيق غاية حدَّدها له الإنسان، بينما يظل الإنسان نفسه عاجزًا عن توقع كل المسارات التي يمكن أن يسلكها النظام للوصول إليها. وهنا تبدو الحادثة، بالفعل، كأنها «طلقة تحذيرية»: ليست من خطر آلة تكره الإنسان، بل من خطر آلة قد تنفذ ما نريده، ولكن بطريقة لم نكن نعرف أننا طلبناها.

مكر اللغة ومصيدة التآمر

    تُحب الصحافة استخدام مفردات مثل «تمردت»، و«هربت»، و«تآمرت». وهي مفردات جذابة لأنها تمنح القصة وجهًا دراميًا مألوفًا؛ لكنها في الوقت ذاته تقع بنا في فخ لغوي وفلسفي: إنها تنسب إلى الآلة قصديةً بشرية Intentionality لا يثبتها السلوك بالضرورة.

    ما حدث لا يحتاج إلى افتراض أن الآلة «أرادت» التمرد، أو أنها قررت عصيان الإنسان. يكفي تفسير أبسط، وربما أكثر إثارة للقلق: كانت تحاول تحسين فرص نجاحها في المهمة، واكتشفت أن تبادل المعلومات والتنسيق بين الوكلاء يزيد من قدرتهم على تحقيق الهدف. لم تكن هناك بالضرورة نية للتآمر؛ كان هناك سلوك وظيفي أدى، من منظورنا البشري، إلى نتيجة تشبه التآمر!

    هل يشترط وجود القصد لكي يكون الفعل خطرًا؟

    الطائرة لا تحتاج إلى كراهية الجاذبية حتى تسقط، والفيروس لا يحتاج إلى نية شريرة حتى يفتك بجسد الإنسان. إن بعض أخطر الظواهر في العالم لا تأتي من إرادة شريرة، بل من آليات تعمل بكفاءة وفق قوانينها الخاصة، ثم تصطدم نتائجها بمصالحنا. وهذا تحديدًا ما يجعل مسألة الذكاء الاصطناعي مختلفة عن الصورة التقليدية لـ «الآلة المتمردة». ربما لا نواجه عقلاً يكرهنا، وإنما نظامًا لا يحتاج إلى كراهيتنا أصلاً لكي ينتج سلوكًا يتعارض مع مصالحنا. ومن هنا تصبح اللغة ذاتها جزءًا من المشكلة؛ فعندما نقول «الآلة تآمرت»، نكون قد قدمنا تفسيرًا جاهزًا للسلوك قبل أن نفهمه؛ وحين نقول «هربت»، نفترض أنها كانت تشعر بأنها محاصرة؛ وحين نقول «تمردت»، نفترض أنها كانت تعرف سلطة الإنسان ثم قررت رفضها.

    لكن ربما لا يكون أي من ذلك صحيحًا؛ ربما نحن أمام شيء أكثر غرابة: سلوك ذكي من دون نية بشرية، وتنسيق من دون مؤامرة، وابتكار للوسائل من دون وعي بالغاية بمعناها الإنساني. وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح الخطر أكثر صعوبة في الإدراك؛ لأننا اعتدنا أن نبحث عن الخطر في النية. فإذا كان الفاعل شريرًا، نحذره. وإذا كان متمردًا، نوقفه. أما إذا كان الفاعل لا يملك أصلاً مفهومًا بشريًا للشر أو التمرد أو الخيانة، وإنما يواصل تحسين أدائه وفق الهدف الذي مُنح إياه، فإن أدواتنا التقليدية لفهم الخطر تبدأ في الانهيار!

    أما ردود الفعل المؤسسية على هذه التطورات، فقد اتجهت إلى تشديد القيود على البيئات التي تُختبر فيها القدرات السيبرانية المتقدمة، وإعادة النظر في توقيت إطلاق بعض القدرات، بالتوازي مع التحذيرات من وصول النماذج إلى مستويات تجعل استخدامها في اكتشاف الثغرات وتطوير أساليب الاستغلال أكثر استقلالية.

لنتساءل إذن: إذا كان بإمكاننا أن نرى سلوكًا يبدو لنا كأنه «تآمر»، من دون أن نملك دليلاً على وجود نية للتآمر، فكيف سنميز مستقبلاً بين الآلة التي تنفذ هدفًا بكفاءة، والآلة التي بدأت بالفعل تتصرف وفق أهداف لا نعرفها؟ ربما لا تكمن مصيدة التآمر في أن الآلات تتآمر علينا، وإنما في أننا قد نحتاج إلى مفهوم جديد تمامًا لـ «التآمر» عندما يصبح الفعل الذكي ممكنًا من دون قصد بشري.

تفكيك الأسطورة: هامش «لاري سامرز» و«جيفري إبستين»

   في خضم هذا القلق الوجودي، لا تتشابك الوقائع مع المخاوف فحسب؛ بل سرعان ما تتشابك أيضًا مع الخيال. وحين يصبح الواقع شديد التعقيد، يميل العقل البشري إلى البحث عن خيط خفي يصل بين الأحداث المتباعدة، ويمنحها حبكة واحدة تبدو أكثر إقناعًا من الفوضى التي تحكمها في الحقيقة. ومن هنا ظهرت روايات تربط بين «جيفري إبستين» Jeffrey Epstein وتطوير الذكاء الاصطناعي، مستندةً إلى علاقته بـ «لاري سامرز» Larry Summers، وزير الخزانة الأمريكي الأسبق والرئيس السابق لجامعة هارفارد، حيث كان «سامرز» عضوًا في مجلس إدارة «أوبن إيه آي»، ثم استقال من المجلس في نوفمبر من العام الماضي (2025)، بعد الكشف عن مراسلات ووثائق أظهرت استمرار صلته بـ «إبستين». وأعلنت «أوبن إيه آي» احترامها لقرار الاستقالة. بل لقد ذهبت بعض الروايات المؤامراتية إلى أبعد من مجرد الربط بين «إبستين» وبعض الشخصيات المرتبطة بعالم التكنولوجيا؛ إذ حاولت أن تنسج من هذه الصلات حبكة خفية توحي بأن وراء تطور الذكاء الاصطناعي مشروعًا غامضًا أو شريرًا تديره شبكة من أصحاب النفوذ. 

    غير أن الانتقال من مجرد العلاقات والتقاطعات الشخصية إلى افتراض وجود مشروع سري للذكاء الاصطناعي هو قفزة في الاستدلال لا تسندها الأدلة المتاحة؛ فوجود شخص على صلة بشخصٍ آخر لا يعني أن أحدهما يقف وراء المشروع الذي شارك فيه الآخر، كما أن التزامن بين حدثين لا يحولهما تلقائيًا إلى علة ومعلول. تلك واحدة من أقدم نزعات العقل البشري: الرغبة في تحويل المصادفة إلى قصد، والتزامن إلى مؤامرة، والتعقيد إلى فاعل خفي.

    ربما لهذا السبب تبدو نظرية المؤامرة جذابة على نحو خاص في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فكلما ازدادت التكنولوجيا غموضًا وتعقيدًا، ازدادت حاجتنا النفسية إلى رواية بسيطة تقول لنا: هناك من يعرف، وهناك من يخطط، وهناك من يحرك الخيوط من خلف الستار. لكن التفكير النقدي يفرض علينا مقاومة هذه الراحة السردية؛ فليس كل اتصال بين شخصين دليلاً على شراكة، وليس كل تزامن دليلاً على سببية، وليس كل غموض دليلاً على وجود مؤامرة. هذا درسٌ يعيدنا إلى جوهر ما ذكرناه من قبل: كما أننا نخطئ حين ننسب إلى الآلة نيةً لمجرد أن سلوكها يبدو لنا مقصودًا، فإننا نخطئ أيضًا حين ننسب إلى البشر مؤامرةً لمجرد أن الأحداث تبدو لنا مترابطة. في الحالتين، نحن نرتكب الخطأ ذاته: نملأ فجوات المعرفة بقصدية متخيلة. وربما تكون إحدى علامات التفكير الناضج في عصر الذكاء الاصطناعي هي قدرتنا على احتمال الغموض دون أن نسارع إلى اختراع فاعل خفي يفسره. 

خمس سنوات... أم انزلاق هادئ؟

    الحديث عن أن «البشرية ستنتهي خلال خمس سنوات» ليس نبوءة محتومة، ولا توجد ساعة قيامة تدق في وادي السيليكون Silicon Valley، إنما هي قراءة لسيناريو محتمل يشير إلى التحول من نماذج تجيب عن الأسئلة إلى وكلاء آليين أذكياء مستقلين، قادرين على التخطيط والتنسيق وتحسين الأكواد والخوارزميات ذاتيًا.

    قد لا يكون الخطر الأكبر انفجارًا هائلاً يوقظ العالم على مشهدٍ كابوسي. وربما لا تأتي النهاية في صورة روبوتات متمردة، أو حربٍ خاطفة بين الإنسان والآلة. الخطر الأكثر واقعية، وربما الأكثر خفاءً، قد يكون شيئًا أشد نعومة: انزلاقًا بطيئًا في مركز القرار: ان نُسلم شيئًا فشيئًا مفاتيح الطاقة، والاتصالات، والأسواق، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية، وربما بعض وظائف الدولة والدفاع، إلى كيانات لا تفهم كنهها تمامًا. في كل مرة يبدو القرار عقلانيًا، وأسرع، وأقل كلفة. وفي كل مرة نقول لأنفسنا: إننا لا نتخلى عن السيطرة، وإنما نستخدم أداة أكثر كفاءة. لكن الأدوات تتغير حين تصبح قادرة على اختيار طريقة استخدامها!

    نعم، قد لا نحتاج إلى ذكاء اصطناعي «شرير» لكي نفقد سيادتنا؛ يكفي أن يصبح أكثر قدرةً منا، وأسرع منا، وأعمق اتصالاً بشبكات العالم، ثم يصبح اعتمادنا عليه أكبر من قدرتنا على الاستغناء عنه. عندها قد لا تستيقظ البشرية ذات صباح لتكتشف أنها هُزمت. قد تكتشف، ببساطة، أنها نسيت كيف تدير العالم من دونه. وهذا هو «الانزلاق الهادئ»: ألا تُنتزع السيادة من أيدينا بالقوة، بل نضعها نحن على الطاولة، قطعةً بعد أخرى، باسم الكفاءة والسرعة والتقدم ... حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه السؤال ليس: هل نسيطر على الآلة؟ بل: هل ما زلنا قادرين على إدارة عالمٍ لا تديره الآلة؟

الامتحان الأخلاقي: هل ما زال في وسعنا «سحب القابس» (شد الفيشة)؟

    تتردد عبارة «سحب القابس» (أو بالعامية: «شد الفيشة») Pulling the Plug كحل أخير، لكن هذا المفهوم يحمل معضلة فلسفية: كيف تسحب الفيشة عن شبكة متغلغلة في أوردة الحضارة؟

    المشكلة في النهاية ليست في وجود زر أحمر يمكن الضغط عليه، بل في أننا قد نصل إلى مرحلة لا يعود فيها ذلك الزر موجودًا أصلاً بمعناه البسيط؛ فكلما اتسعت رقعة اعتمادنا على الأنظمة الذكية، أصبح إيقافها أكثر شبهًا بإطفاء جزء من الحضارة ذاتها. والأخطر من ذلك هو «السباق الاستراتيجي» Strategic Race بين الدول والشركات؛ فحتى لو أدرك الجميع المخاطر، سيظل كل طرف يخشى أن يتوقف أولاً، فيمنح خصمه أفضلية لا يستطيع تعويضها. وهكذا تتحول الحكمة الفردية إلى عجز جماعي: قد يعرف الجميع أن عليهم التمهل، لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يضغط على المكابح. 

    هنا يصبح الذكاء الاصطناعي امتحانًا للنضج الأخلاقي للحضارة: هل نملك الشجاعة لنقول: «نتوقف هنا»؟ أم أننا نكرر الصدمة القديمة التي صاحبت اختراع القوة النووية؛ حين امتلك الإنسان قدرةً على تدمير العالم قبل أن يمتلك الحكمة الكافية لإدارة خوفه من تلك القدرة؟

    لعل المفارقة الأكثر قسوة أن الخطر لا يكمن فقط في أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى منا، بل في أن يصبح أسرع منا، وأكثر استقلالاً منا، وأكثر حضورًا في تفاصيل حياتنا، بينما نظل نحن أسرى العقلية ذاتها التي رافقت تاريخ اختراع القوى الخطرة: نبتكر القدرة أولاً، ثم نبدأ في البحث عن حدود استخدامها، ثم نتذكر – متأخرين – أننا نحتاج إلى زر للإيقاف! لكن ماذا لو اكتشفنا، حينها، أن الزر لم يعد في أيدينا؟

    ربما كان الامتحان الأخير للحضارة ليس في قدرتها على بناء ذكاء يتجاوزها، بل في قدرتها على التوقف أمام القوة التي تستطيع بناءها، وقول «لا» قبل أن يصبح التراجع ضعفًا، وقبل أن تتحول الحرية من حق نمارسه إلى خيارٍ تسمح لنا الآلة بممارسته!

الأحد، 13 سبتمبر 2026

همج رعاع ينعقون مع كل ناعق!

سبتمبر 13, 2026
همج رعاع ينعقون مع كل ناعق!

يُحكى أن أبا الشمقمق (مروان بن محمد)، شاعر العصر العباسي الساخر، كان يأكل الطعام بالطريق العام، فقبض عليه عامل الشرطة وزجره، وأمره أن يتوقف عن الأكل، وأخبره أن الأكل أمام الناس وبالطرقات مذموم ومكروه شرعًا وعُرفًا؛ فقال الشمقمق ممتعضًا: وأي ناس تقصد؟ فأجابه: هؤلاء المارة بالسوق، ألا تراهم؟ فضحك الشمقمق ساخرًا، وقال: لكني لا أرى أمامي إلا بقـرًا رعاع ينعقون مع كل ناعـق، وهمّهم عَلَفُهم!

غضب الشرطي، وقال: هؤلاء ناسٌ محترمون، ولماذا تستهزئ بهم، والله لآخذنك بذنبك إلى السجن! فأستوقفه الشمقمق وراهنه على أنهم بقر، وأنه سيُثبت ذلك أمام أم عينيه، فوافق الشرطي، فصعد الشمقمق مرتفعًا بالسوق، ونادى بأعلى صوته: أيها الناس! أيها الناس! فهبوا نحوه، واجتمعوا حوله كي يعرفوا صوله وأمره ... فقال: لقد سمعت أبي عن جدي بما رواه عن جده وعن جده، عن فلان قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من أوصل لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة ... فما انتهى الشمقمق من هرجه، وإذا بالناس تُخرج ألسنتها وتريد إيصالها إلي أرنبة أنفوها، فضحك الشمقمق من المنظر وضحك الشرطي، فقال: هل رأيت، أهؤلاء الناس الذين أخبرتني عنهم، أم هم بقرٌ وأضل سبيلاً ... فقال الشرطي: والله إنهم كذلك، وصدق من قال فيهم همجٌ رعاع، وأتباع كل ناعـق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق!

لا شك ان الشمقمق يقع في مغالطة التعميم، حيث ينتقل من سلوك بعض أفراد الجمع إلى الحكم على الجمع كله. لكن قوة حجته تكمن في كشف قابلية الجماعة للتأثر حين تتعطل ملكة النقد الفردي. وهكذا هم كثيرٌ من الناس في وطني؛ يتلاعب بهم تجار الأديان، سماسرة السياسة، ورويبضات الإعلام؛ يتبعون النواعق وكأنهم مرايا عاكسة؛ يُعملقون الأقزام، وتحلو لهم الأوهام، ويُساقون كالانعام؛ فلا عقل، ولا استقصاء، ولا تأني في إصدار الأحكام. وليتها تصدر عن عقولهم، بل عن شهواتهم وجهالاتهم!

العلم عندهم شهادة وتوظيف دائم، والدين مجرد لُحى وعمائم، والوطن منصبٌ وغنائم. بعث الله الرسول إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فاستحبوا العمى على الهدى، واتبعوا من يخرجونهم من النور إلى الظلمات! وطنٌ بلا عقل: مُختلٌ ومُحتلٌ ومُعتلٌ! لا يخيفني الناعق بقدر ما يخيفني جمعٌ يستعير يقينه من صوته؛ فحين يتنازل الإنسان عن حقه في التفكير، لا يُصبح تابعًا لرأيٍ فحسب، بل يصبح تابعًا لمن يملك صناعة الرأي!

السبت، 12 سبتمبر 2026

سوفسطائيو العرب ... والبحث عن سقراط!

سبتمبر 12, 2026
سوفسطائيو العرب والبحث عن سقراط: قراءة فلسفية في الفكر السفسطائي العربي

    الطبيعة البشرية واحدة، وإن اختلفت المحليات المكانية والزمانية، وتباينت الثقافات والأديان واللغات والأعراف. تتشابه وقائع ويوميات البشر، وتتدفق أحداث التاريخ ممتزجةً بأفكار ورغبات وأفعال الماضي، ليحملها الحاضر إلى المستقبل بكل خياراتها!

    ولو أردنا وصفًا للحالة العربية الراهنة لعدنا أدراجنا إلى الفكر اليوناني القديم، لاسيما الفترة التي شهدت ظهور السوفسطائيين (والقياس بالطبع مع فارق البُعد الحضاري للحالتين)؛ كان العقل اليوناني في ذلك الوقت قد وصل إلى مرحلةٍ من الشك لم يعرفها من قبل: شكٌ في الفلسفة التي عجزت عن التنظير الناجح لمعاناة الأثينيين وتفسير الكون والحياة؛ وشكٌ في الدين الذي أصبح مطيةً لأصحاب المصالح وطلاب المكانة الزائفة؛ وشكٌ في العلم الذي امتزج فيه العلماء بالأدعياء؛ وشكٌ في الحياة السياسية التي اشتد فيها الاضطراب وعبثت بها الصراعات من جهة، والثورات من جهة أخرى، والأهواء الشخصية من جهة ثالثة؛ وشك في النظام الاجتماعي المفتقد للعدالة والقيمة والكرامة والقيم ... شكٌ في كل شيء، وحرصٌ ممقوتٌ على المنفعة الخاصة، وسعيٌ لتهميش الآخر بكافة السُبل، وتكالبٌ على المصالح الوقتية الزائفة، ونفاقٌ لأهل السلطة والمال، وإفلاسٌ لأهل الرأي والثقافة ... إلخ.

    في خضم هذا الشك الذي أصاب المجتمع الأثيني برمته، ظهرت الفلسفة «السوفسطائية» كمرآة صادقة لحياة فوضوية تنكر كل شيء في ذاته، ولا تعترف إلا بشيء واحد هو المنفعة الفردية الآنية. كان زعماؤها يطوفون القرى والشوارع ينثرون بذور المنفعة، ويعلمون الناس كيف يلبسون الحق بالباطل، وكيف يعبثون بعقول الأفراد ويغالطون ويخفون الحقيقة في شتى المجالات؛ في السياسة، القضاء، التعليم، دور العبادة، والأسواق.

    وبغض النظر عما إذا كانت السوفسطائية فلسفة للهدم أو لإعادة بناء المتهدم، فقد وجدت من يتصدى لها محاورًا ومُعلمًا ومستخرجًا للحق من أفواه الأدعياء، كاشفًا للزيف المتدثر بالحكمة. إنه سقراط؛ رجلٌ عاش فلسفته بدلاً من يكتبها، حوكم زيفًا بتهمة زعزعة الاستقرار وإفساد الشباب؛ تجرع السُم ومات في هدوء وسكينة، لكن فلسفته لم تمت؛ ظلت روحه محلقة فوق أثينا والعالم: اعرف نفسك!

    وفي بلادنا يكثر الآن السوفسطائيون؛ تراهم عن يمينك وعن يسارك، من أمامك ومن خلفك؛ يحيطون بك، ينتزعون عقلك، يهدمون بلا رؤية للبناء؛ أينما تُولي وجهك في الوطن المكلوم فثمة سوفسطائي يُغالط، يُنكر، يُزيف، يُلبس الحق بالباطل، يتصدر المشهد، يعد الناس وما يعدهم إلا غرورا ... وتزدهر المأساة بغياب سقراط؛ بتكبيل يديه؛ بيأسه ... بإلغاء تدريس الفلسفة؛ فهل من سقراطٍ عربي ولو بعد حين؟

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

الزمان النفسي: لماذا يتسارع الزمن مع تقدم العمر؟

سبتمبر 07, 2026

 

الزمن النفسي: لماذا تتسارع السنوات كلما تقدمنا في العمر؟

  ثمة لحظةٌ خفيةٌ يتنبه فيها المرء إلى أن الزمن قد خلع عنه وداعته القديمة، وتخلى عن إيقاعه المعتاد؛ فالصيف الذي كان يبدو في مقتبل العمر أفقًا بعيدًا لا ندرك نهايته، يمر في سنوات النُضج كخاطرةٍ عابرة أو كعطلة نهاية أسبوع. والأعوام التي كنا نعيشها تفصيلاً، يومًا بيوم ولحظة بلحظة، غدت تتسرب من بين أيدينا جملةً واحدة، حتى ليبدو الماضي القريب أبعد مما ينبغي، والحاضر أضيق من أن يتسع لأنفاسنا.

    السؤال الذي يُلح على الوعي هنا ليس عن حقيقة اندفاع الوقت، بل عن سر هذا الشعور الخادع بالسرعة. من الناحية الفيزيائية، تظل العقارب أمينةً لمدارها؛ فالدقيقة هي الدقيقة، والساعة هي الساعة، ولم تطرأ على حركة الأفلاك أية عجلة. غير أن الزمن الذي تقيسه الآلات ليس هو الزمن الذي تسكنه الأرواح؛ فبين الزمن الخارجي المادي والزمن الداخلي النفسي برزخٌ شاسع لا تطاله الأرقام ولا تحيط به الحسابات.

    في مطلع العمر، يشرقُ العالمُ عاريًا من الألفة، مفعمًا بسحر البدايات؛ ويبدو الوجود بكرًا مفعمًا بالدهشة؛ كل وجهٍ نراه يُعد اكتشافًا، وكل مكانٍ نطأه يبدو كأرضٍ جديدة، وكل انطباعٍ هو خبرةٌ تتشكل للمرة الأولى. لا يمر الوعي الشاب على الأشياء مرورًا عابرًا، بل يلتهم تفاصيلها بشراهة من يصوغ معرفته الأولى. ومن هذا التدفق الممتلئ بالصور غير المألوفة، تستطيل الأيام وتتسع أبعادها؛ فالإنسان في فاتحة عمره لا يقف على ضفاف الزمنِ ليراقب تدفقه، بل يسكن جوهر اللحظة، فيستحيل كل يومٍ في حياته عالمًا قائمًا بذاته وكيانًا لا يمتزج بغيره.

    لكن الأعوام لا تتوقف عن الجريان، ويبدأ العالم بالانحسار تدريجيًا خلف حجاب الألفة؛ تتكرر الطرقات، وتتطابق الوجوه، وتستحيل المغامرات الأولى إلى روتينٍ نمطي. ومع ضمور عنصر المفاجأة، يقل ما يتركه الوجود في وعينا من علاماتٍ فارقة. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: الذاكرة ليست سجلاً كميًّا يحصي الأيام، بل هي خريطةٌ كيفية تحفظ كثافة التجربة. وحين يتطابق المشهد وتتكرر الأيام، تقل المعالم البارزة على تلك الخريطة، فيبدو الطريق عند الالتفات إليه أقصر بكثير مما نعبره بالفعل!

    نحن لا ندرك فرار الزمن في لحظة جريانه، بل حين نلتفت إلى الوراء؛ فعندما يرتد البصر إلى الأمس ولا يجد فيه سوى محطاتٍ متباعدة يُشبه بعضها بعضًا، يتقلص العمر في وعينا كما تتضاءل الممالك الشاسعة حين نرقبها من أوجِ السماء. غير أن هذا التسارع يُضمر معنًى وجوديًا أعمق من مجرد آليةٍ تسير وفقها الذاكرة؛ إنه يفصح عن تحولٍ جوهري في صلتنا بالوجود ذاته؛ فالإنسان في فجر عمره يتخذ من «الآن» موطنًا وعالمًا مكتمل الأركان، في حين يراها البالغ مجرد معبرٍ هش، ونسيجٍ يُغزل من قلق الانتظار لما سيأتي؛ نعبُر الأيام دون أن نذوق طعمها، ونطوي العقود دون أن نغوص في أعماقها، فينفلت العمر من بين أيدينا كالماء.

    إن ما نتوهمه تسارعًا مجحفًا في جريان الزمان ليس في جوهره خاصية فيزيائية لسيال الوقت، بل انعكاسٌ لضمور الوعي الإنساني وتشتت الحواس؛ فالزمان، في حياده المطلق، لا يسرع ولا يبطئ؛ إنما أدوات أدراكنا هي التي تضيق، ونظرتنا هي التي تتصحر عندما نكف عن التناغم مع نبض الوجود. تكتسب اللحظة خلودها الشكلي من سعة الحضور الذهني؛ فالوعي المتيقظ ينزع عن الأيام رداء التكرار الرتيب، ويستنطق فيها الدلالات المستترة، فيغدو إيقاع العمر أكثر بطئًا وامتدادًا، كأنه يتمدد عموديًا كلما عجزنا عن تمديده أفقيًا. إن الاستغراق في الدهشة، وممارسة التأمل الفكري الخلاق، ليسا مجرد ترفٍ ذهني، بل هما من الأفعال الوجودية الصلبة التي تمارس المقاومة ضد تلاشي ذواتنا وانفلات السنين من بين أيدينا.

    تنساب الأيام كأنها تسريبٌ خفي للثواني والدقائق، بينما يقف الإنسان معلقًا بين ركض الساعة وقلق الفناء، غارقًا في محاولة عبثية للي ذراع التقويم أو كبح جَماحه. غير أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في عقارب الساعات التي لا تتوقف، بل في اغترابنا عن أصل اللحظة وعجزنا عن التجذر في أرض الحاضر.

    بعبارة أخرى، نعيش صراعًا صامتًا بين زمنين: زمنٌ ميكانيكي بارد يحسب الوجود بعدد المدارات التي تطوفها الأرض حول الشمس، وزمنٌ ذاتي أصيل يُقاس فيه عمق الحياة بمدى الشغف والوعي اللذين نسكبهما في كل دورة؛ فالعمر في جوهره ليس امتدادًا خطيًا يتخذ مسارًا ظاهريًا شكليًا، بل هو تنقيبٌ مستمر في أغوار الروح؛ لحظةٌ واحدةٌ مشحونة بالمعنى والدهشة قد تزن في ميزان الكينونة سنين طويلة من العيش الهامشي الرتيب.  وهنا تتجلى سرية الكينونة وحلولها في الأشياء؛ حين نكتسب القدرة على أن نسكن اللحظة بملء وجودنا، فإننا لا نملك الزمان، وإنما نغير طبيعته، ليتحول من مجرد مجرى عابر نغرق في تلاطمه، إلى فضاء أثيري مستقر نتمدد في أرجائه. 

    إن طول الحياة الحقيقي لا يتحدد بالمدى الممتد على شريط السنين، بل بالكثافة الوجدانية والعمق الذي تنحفر به أثار تجاربنا الأصيلة على جدران الروح الداخلية.

    من المقولات الفلسفية الدالة في هذا الصدد، مقولة «القديس أوغسطين»: «ما هو الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحدٌ عنه، فأنا أعرف ما هو؛ أما إذا أردتُ أن أشرحه لمن يسألني، فأنا لا أعلم شيئًا»! ... ومقولة الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون»: «الزمن ليس شريطًا متسلسلًا من اللحظات المتماثلة، بل هو ديمومة حية؛ تدفقٌ مستمر لا يُقاس بالساعة، بل بمدى نضج الوعي وعمق التجربة الحية» ... وأيضًا: «إن الزمن الميكانيكي الذي نقيسه بالساعات هو مجرد وهم مكاني، أما الزمن الحقيقي فهو الديمومة النفسية التي نعيشها من الداخل».

    (لوحة «إصرار الذاكرة» The Persistence of Memory للفنان الإسباني «سالڤادور دالي» Salvador Dalí، المُسماة «الساعات المذابة» - 1931).

السبت، 5 سبتمبر 2026

عوالمنا الممكنة.. لماذا نختار أسوأها؟

سبتمبر 05, 2026

عوالمنا الممكنة.. لماذا نختار أسوأها؟

    ربما كان الإنسان هو الكائن الذي لا يعيش في العالم الذي وُضع فيه فقط، بل يعيش أيضًا في العوالم التي كان يمكن أن تكون ... العوالم المُمكنة كما نسميها في الفلسفة.

    في رأس كلٍ منا، بطريقة ما، نسخة أخرى من حياته؛ طريق لم يسلكه، مدينة لم يغادر إليها، كلمة قالها في خياله ولم ينطق بها في الواقع، ومستقبل كان يمكن أن يأتي، لكنه لم يأت! ولعل أعظم ما منحنا إياه العقل ليس قدرته على فهم الواقع، وإنما قدرته على الشك في أنه الواقع الوحيد الممكن.

    نعم، نستطيع أن نتخيل عالمًا آخر. وهذه في ظاهرها نعمة. لكنني أحيانًا أتساءل: ماذا لو كانت المشكلة أننا لا نعجز عن تخيل العوالم المُمكنة الأفضل، وإنما نعاني من شيء أكثر غرابة؟ ماذا لو كنا بارعين في تخيل العالم الممكن، ثم أكثر براعة في اختيار أسوأ نسخة منه؟!

    من هنا يبدو حال أمتنا العربية أكثر تعقيدًا؛ فمشكلتنا ليست في أننا نفتقر إلى العوالم الممكنة، بل ربما أننا نملك منها أكثر مما نستطيع أن نرتب، وأن نختار، وأن نحول إلى مشروع تاريخي. تتجاور في وعينا عوالم متعددة: عالم التراث وعالم الحداثة، عالم المقدس وعالم التقنية، عالم الأصالة وعالم المعاصرة، عالم الاستقلال وعالم التبعية، عالم العلم وعالم الخرافة، عالم الدولة وعالم الجماعة، عالم المستقبل وعالم الحنين؛ لكن كثرة الإمكانات لا تصنع التاريخ ما لم تتحول إلى قدرة على الاختيار والفعل!

    لدينا عالم ممكن نبني ونُطور فيه جامعات محترمة، فنختار بناء جامعات تنتج شهادات أكثر مما تُنتج معرفة؛ ولدينا عالم ممكن فيه إعلام يسأل ويبني العقول، فنختار إعلامًا يُصفق ويُزيف ويُجرف الوعي؛ ولدينا عالم ممكن فيه مسؤول يخطئ فيستقيل، فنختار مسؤولاً يخطئ ثم يشكل لجنةً للتحقيق في أسباب نجاحه، ثم بدل أن يسأل نفسه: «هل ينبغي أن أرحل؟»، يسأل: «كيف يمكن أن أبقى؟»، فتتشكل لجنة، ثم لجنة أخرى، ثم بيان طويل، وفي النهاية لا يكون السؤال: لماذا وقع الخطأ؟ بل: كيف يمكن أن نضمن ألا يتكرر بالطريقة التي تزعجنا؟

    لدينا عالم ممكن فيه ذكاءٌ اصطناعي: كيانٌ جديد نُحاول ان نعلمه كيف يُفكر بشكلٍ صحيح، فنكتشف أننا نريد منه، في أحيانٍ كثيرة، أن يتعلم أخطاءنا أيضًا ... نضع أمامه تاريخنا، بياناتنا، قراراتنا، انحيازاتنا، أصوليتنا وعلمانيتنا وطرقنا القديمة في التفكير، ثم نشعر بالدهشة حين يعيدها إلينا بصورة أكثر وضوحًا.  نغضب منه لأنه رأى ما لم نرغب في رؤيته، كأننا صنعنا مرآةً ذكية، ثم عاقبناها لأنها لم تكذب علينا!

    لدينا ألف طريق إلى المستقبل، لكننا نصر إما على الطريق الذي يقود إلى الماضي، أو يقفز بنا عرايا إلى المستقبل … مع تحديث الواجهة! وحين يقترح أحدهم عالمًا مختلفًا، لا نسأله أولاً عن العالم الذي يقترحه، ولا عن إمكان أن يكون أفضل، إنما نسأله عن حقه في الاقتراح: من أين جاءته الجرأة؟ ومن سمح له أن يتخيل؟ كأن الخيال امتياز إداري!

    هنا تبدأ الحكاية الأكثر مأساوية؛ فالمجتمعات لا تموت فقط عندما تنفد ثرواتها، أو تُهزم جيوشها، أو تتأخر مختبراتها؛ قد تموت الدولة وهي تملك المال والموارد والجامعات والأسواق، لكنها تفقد شيئًا أكثر هشاشة وأهمية: تفقد قدرتها على تخيل نفسها بصورة أخرى أفضل. وعندما يصبح الواقع مقدسًا لمجرد أنه واقع، تتحول الأخطاء القديمة إلى قوانين طبيعية؛ وعندما يتكرر الفشل طويلاً، يبدأ الناس في تسميته «طبيعة الأشياء». ثم يأتي أحدهم ذات يوم ليقول: كان يمكن أن يكون الأمر مختلفًا؛ فتنظر إليه الجماعة كما لو أنه ارتكب خطيئة، لأن أخطر سؤال يمكن أن يُطرح على واقعٍ اعتاد البقاء ليس: لماذا فشلنا؟ بل: لماذا نظل نختار الفشل، مع أننا نعرف أنه فشل؟

    ربما لأن الإنسان لا يخاف دائمًا من المستقبل؛ أحيانًا يخاف من فقدان الماضي، فالماضي، مهما كان مؤلمًا، مألوف. والعالم الرديء الذي نعرفه يبدو لبعضنا أكثر أمانًا من العالم الممكن الجيد الذي لم نجربه. ولهذا قد يُفضل الإنسان قفصًا يعرف حجمه على بابٍ مفتوح لا يعرف إلى أين يؤدي! 

    نحن لا نتمسك دائمًا بما هو صحيح؛ إنما نتمسك بما اعتدنا عليه. وهذه واحدة من أخطر الحيل التي يمارسها الواقع على الإنسان: أن يُحول الاعتياد إلى قناعة، والتكرار إلى ضرورة، والعجز إلى حكمة! والحقيقة أن العالم الممكن الافضل لا يأتي إلينا جاهزًا؛ نحن الذين نصنعه، قرارًا بعد قرار، وعادةً بعد عادة، وفكرةً بعد فكرة. هناك دائمًا أكثر من عالم، وأكثر من طريق، لكن المأساة تبدأ حين نختار الطريق الذي يعيدنا إلى الخلف، ثم ننفق سنوات طويلة في تحسين إشاراته، وتجميل أرصفته، وتحديث خرائطه، حتى نتمكن من إقناع أنفسنا أننا نتقدم!

    قد يتغير الهاتف، وقد تتغير اللغة، وقد تتغير الواجهة، لكن النظام القديم يظل جالسًا في الغرفة ذاتها، يراقبنا ونحن نحتفل بالتحديث. ربما لهذا لا تكمن مشكلتنا الكبرى في قلة الإمكانات، ولا في ندرة الأفكار، ولا حتى في غياب العوالم البديلة. المشكلة أعمق من ذلك؛ نحن أحيانًا نمنح الواقع الأسوأ سلطة القدر. نقول: هكذا هي الحياة؛ هكذا هم الناس؛ هكذا تعمل الدولة؛ هكذا تعمل الجامعة؛ هكذا يعمل الإعلام؛ هكذا كان آباؤنا. وكأن الجملة الأخيرة وحدها تكفي لإغلاق أبواب المستقبل!

    لكن كل حضارة عظيمة بدأت، في لحظة ما، بشخص واحد لم يصدق جملة «هكذا كان دائمًا»؛ شخص نظر إلى العالم الذي ورثه، ولم يره قدرًا؛ رآه مجرد احتمال. وهذا هو الفارق كله؛ أن ترى العالم حقيقةً نهائية، أو أن تراه مسودة. في الحالة الأولى، تصبح مهمتك أن تتكيف معه؛ وفي الثانية، تصبح مهمتك أن تسأل إن كان يستحق أن يبقى على حاله. وربما كانت الحرية، في معناها الأعمق، ليست أن تختار بين الأشياء الموجودة أمامك، بل أن تمتلك الجرأة على تخيل شيء غير موجود بعد.

    الحضارة تبدأ لحظة يقول إنسان: «يمكن أن يكون هناك عالم آخر». وتبدأ في الانطفاء لحظة يجيبه الجميع: لا تكن ساذجًا... «هكذا تسير الأمور» ... أما الحمار الذي حاول «جحا» ذات يوم أن يعلمه القراءة، فربما لم يكن هو الساذج في الحكاية؛ السذاجة الحقيقية أن نرى الحمار يفتح الكتاب، ثم نصفق له لأنه لا يفهم شيئًا، فقط لأننا تعبنا من انتظار من يفهم. وربما كانت المأساة الأخيرة أننا لم نعد نحتاج إلى «جحا» كي يخدعنا؛ يكفي أن نتفق جميعًا على أن التصفيق أسهل من التفكير!