انظر خلفك بغضب (Look back in anger)!
لم تكن المسرحية التي كتبها الروائي المسرحي البريطاني «جون أوزبورن» John Osborne (1929 – 1994) بعد الحرب العالمية الثانية تحت عنوان «انظر خلفك بغضب» Look back in anger مجرد عمل فني، بل كانت صرخة وجودية خرجت من تحت ركام عالم لم يشف بعد من جراحه؛ فقد حملت في طياتها غضب جيلٍ كامل لم يشارك في الحرب، لكنه وُلد في ظل نتائجها، ووجد نفسه محاصرًا بواقع لا يشبه وعود النصر، ولا يليق بما قيل عن العدالة، ولا يفتح بابًا لأمل حقيقي في مستقبل أكثر إنصافًا.
في ذلك العالم الذي أعقب الحرب، لم تكن الهزيمة دائمًا عسكرية، بل كانت أخلاقية وثقافية في جوهرها؛ إذ تسلل إلى مفاصل المجتمع البريطاني، كما إلى غيره من المجتمعات التي خرجت من الحرب مثخنة، نمط جديد من السلطة الناعمة: سلطة التافهين حين يتقدمون، وسلطة الأدعياء حين يُصدقون، وسلطة اللصوص والبلطجية حين يُمنحون الشرعية، وسلطة العقول المتحجرة حين تُقدَّم بوصفها حارسًا للثبات والاستقرار. وهكذا، لم تعد المنابر مرآة للحقيقة، بل أصبحت أدوات لإعادة إنتاج الزيف، ولم يعد الإعلام فضاءً للوعي، بل ساحة لتكريس الضجيج والتفاهة.
كان «جون أوزبورن» يكتب من موقع الغضب لا من موقع الترف الفكري؛ غضب لا يستهدف فردًا بعينه، بل بنية كاملة أعادت توزيع القيم على نحو مقلوب؛ ففي هذا العالم، لا يتقدم الشرفاء لأنهم شرفاء، بل يتم إقصاؤهم لأنهم كذلك؛ ولا يُهمَّش المفكرون لأنهم عاجزون، بل لأنهم مزعجون؛ بينما يُرفع شأن من يتقن لعبة الادعاء، ويجيد التكيف مع سطحية اللحظة، ويستثمر في انحدار الذوق العام. لقد بدا وكأن الحضارة قد استُؤجرت، ثم استُبيحت، ثم أُعيد تعريفها بما يخدم مصالح من لا علاقة لهم بروحها!
من هنا ارتفعت صرخة بطل المسرحية، «جيمي بورتر»، ليس فقط بوصفه شخصية درامية محصورة داخل حدود النص، بل بوصفه أيضًا استعارة كبرى لإنسان العصر الذي وجد نفسه منفيًا داخل وطنه، وغريبًا في زمنه، ومقصيًا عن التاريخ وهو لا يزال حيًا يشهد انكساراته. لم يكن «بورتر» يصرخ احتجاجًا على مصيره الفردي، وإنما كان يطلق صوت جيل كامل، جيل ولد في كنف الخراب، وحمل على كتفيه إرثًا من الهزائم لم يشارك في صنعها، ثم طُلب منه أن يتكيف معها وكأنها قدر طبيعي لا يجوز الاعتراض عليه! إنه جيل يقف في منطقة رمادية بين ماضٍ لم يختره، لكنه يدفع ثمن أخطائه، ومستقبل لا يستطيع الوثوق بوعوده، لأنه يرى ملامحه تُرسم بأيدي من فقدوا الكفاءة والخيال والنزاهة الأخلاقية، وحاضر تتآكل فيه المعايير حتى يغدو الزيف هو القاعدة، والاستثناء هو الصدق. لذلك لم يكن غضب «بورتر» انفعالًا عابرًا، بل كان موقفًا وجوديًا من عالم فقد توازنه، وانقطعت فيه الصلة بين الجدارة والاستحقاق، وبين العمل والكرامة، وبين الحقيقة والسلطة.
في هذا السياق، تتحول المسرحية إلى مرثية لإنسان لم يعد يشعر بأنه ينتمي إلى العالم الذي يعيش فيه؛ فهو يرى المؤسسات التي يفترض أن تمنحه الأمان وقد تحولت إلى أدواتٍ للإقصاء، ويرى اللغة التي يفترض أن تكون وعاءً للحقيقة وقد أصبحت غطاءً للتمويه، ويرى القيم التي تربى على احترامها وقد أفرغت من مضمونها، ولم تعد تُمارس إلا بوصفها شعارات براقة تخفي وراءها مصالح ضيقة ونفاقًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا. ولهذا جاءت صرخته المشهورة: «اللعنة عليكم جميعًا، لقد دمرتم حياتنا، ودمرتم الوطن الذي تناثر أجزاء». إنها ليست جملة مسرحية تُقال على خشبة المسرح ثم تنتهي بانتهاء المشهد، بل هي تكثيف فلسفي لحالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان عندما يكتشف أن العالم الذي وعده بالعدل قد تأسس على الامتيازات، وأن المجتمع الذي بشَّره بالمساواة يعيد إنتاج الفوارق ذاتها بأسماء جديدة، وأن الوطن الذي حلم به فضاءً للانتماء قد تحول إلى شظايا متنافرة، لا يجمعها سوى خيط متصل من الخيبات المشتركة!
إن مأساة «بورتر» لا تكمن في أنه غاضب، بل في أنه يرى بوضوح ما يرفض الآخرون رؤيته؛ إنه يدرك أن انهيار الحضارات لا يبدأ بانهيار الأبنية، بل بانهيار الثقة؛ الثقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخر، وبين الإنسان والعالم. وعندما تتآكل هذه الثقة، يصبح الوجود ذاته سؤالًا مفتوحًا بلا جواب، ويغدو البحث عن المعنى أشبه بمحاولة الإمساك بالضوء في مدينة يغمرها الضباب. ومن هنا تتحول المسرحية من حكاية عن شاب ساخط إلى تأمل فلسفي عميق في أزمة الإنسان الحديث، ذلك الإنسان الذي لم يفقد موطنه الجغرافي فحسب، بل فقد موطنه الرمزي أيضًا؛ فقد اللغة التي يطمئن إليها، والقيم التي يستند إليها، والمؤسسات التي يثق بها، حتى أصبح يعيش في عالم تتكاثر فيه الأقنعة بقدر ما تتراجع فيه الوجوه الحقيقية.
ولعل سر خلود «انظر خلفك بغضب» يكمن في أنها لم تؤرخ لغضب مرحلة تاريخية بعينها، بل كشفت عن البنية العميقة لغضب الإنسان كلما شعر أنه أصبح زائدًا عن حاجة العالم، وأن صوته لا يُسمع إلا إذا تحول إلى صرخة، وأن الحقيقة لم تعد تنتصر بقوتها، بل بقدرة أصحابها على الاحتمال. ولهذا لم يكن غضب «بورتر» دعوة إلى التدمير، بل كان محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية تتآكل بصمت تحت ركام الشعارات والأوهام والوعود المؤجلة. إن خطورة هذا النوع من الانهيار لا تكمن في الفوضى وحدها، بل في اعتياد الفوضى حتى تصبح نظامًا. حينها لا يعود الزيف استثناءً، بل قاعدة، ولا يصبح التردي انحرافًا، بل معيارًا. وهنا تحديدًا تتجلى مأساة المجتمعات التي تفقد حساسيتها تجاه التناقض، فتتعامل مع التافه بوصفه طبيعيًا، ومع الزائف بوصفه مألوفًا، ومع الفاسد بوصفه ضرورة إدارية أو سياسية.
وإذا كانت مسرحية «أوزبورن» قد انبثقت من رماد بريطانيا التي خرجت من الحرب مثقلة بانتصارٍ فقد معناه، فإن أفقها التأويلي يتجاوز سياقها التاريخي ليغدو مرآةً لسؤال إنساني يتكرر كلما ورث جيلٌ خرابًا لم يكن شريكًا في صنعه: ماذا يبقى للإنسان حين يجد نفسه محكومًا بنتائج تاريخ لم يكتبه، ومطالبًا بسداد ديون أخطاء لم يرتكبها؟ هنا تبلغ المأساة ذروتها، لأن الإنسان لا يعاني من الذنب، بل من الإرث؛ إرثٍ ثقيل يفرض عليه أن يعيش داخل أنقاض رؤى الآخرين، وأن يحمل على كتفيه تصدعات عالمٍ تشكَّل قبل أن يولد. إنه يقف في مواجهة ماضٍ يستحيل تغييره، وحاضرٍ يعيد إنتاج علله كل يوم، ومستقبلٍ يبدو امتدادًا لخيبات الأمس أكثر مما يبدو وعدًا بالخلاص. في مثل هذا الوضع، لا يعود الغضب مجرد انفعال نفسي، بل يتحول إلى وعي مأساوي بالوجود، وإلى إدراك حاد للفجوة بين ما كان ينبغي أن يكون، وما آل إليه العالم بالفعل.
لهذا تبقى صرخة «بورتر»، داخل المسرحية وخارجها، سؤالًا فلسفيًا معلقًا في وجه كل مجتمع يفرط في صدقه الداخلي: كيف يمكن لأمة أن تستعيد روحها بعدما اعتادت ارتداء الأقنعة حتى نسيت ملامح وجهها الحقيقي؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يعثر على ذاته في عالمٍ طال فيه التمثيل حتى أصبح الزيف هو الواقع، وأصبح البحث عن الحقيقة فعل مقاومة لا يقل شجاعة عن صناعة التاريخ نفسه؟
!%20(1).webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)