-->

الأحد، 18 أكتوبر 2026

بين النفور الفطري والمسؤولية الأخلاقية: تأملات في يدٍ وُضعت على كتفي

أكتوبر 18, 2026

 

بين النفور الفطري والمسؤولية الأخلاقية: تأملات في يدٍ وُضعت على كتفي

  كنت في طريقي إلى عملي، جالسًا بمحاذاة النافذة، أرقب الطريق وهو ينسج أمام عيني شريطًا متصلاً من المشاهد العابرة، وأدع بصري يتنقل بينها في شرودٍ صامت، كأنني أبحث في وجوه الأشياء عن معنى لا أعرف على وجه الدقة ما هو. كانت السيارة تمضي في إيقاعها المعتاد، وكان العالم في الخارج يعبرني بقدر ما أعبره، حتى اقترب من النافذة رجلٌ بدا كأن البؤس قد اتخذ من هيئته مسكنًا، وترك على ثيابه ويديه آثار حياةٍ لم ترأف به. وقف إلى جوار السيارة، ومد كفه يستجدي الصدقة، مرددًا كلماتٍ استهلكها التكرار حتى غدت أصواتًا مألوفة، تتسلل إلى الآذان دون أن تبلغ موضعًا في القلب، كأن كثرة سماع الاستغاثة قد علَّمت الناس كيف يسمعونها دون أن ينصتوا إليها.

    لم يكن مظهره وحده ما استثار في نفسي ذلك النفور المفاجئ، ولا رائحته التي تسللت عبر النافذة المفتوحة، فبعثت في حواسي انقباضًا لم أستطع دفعه؛ إنما كانت يده هي ما تجاوز حدود احتمالي. امتدت إلى داخل السيارة، واستقرت على كتفي في ألفةٍ مباغتة، كأنها تختصر مسافةً لم أسمح لأحد بعبورها، وتفترض بيني وبين صاحبها من القرب ما لم تمنحه المعرفة، ولا استأذنت فيه الثقة. عندئذٍ شعرت بأن جسدي قد سبق عقلي إلى إصدار حكمه؛ انقبضت في داخلي قوةٌ غامضة، وتراجعت نفسي قبل أن تتاح لها فرصة التأمل، كأن النفور غريزةٌ تستيقظ فينا قبل أن يتدخل الوعي، أو كأن الجسد، في لحظات بعينها، يتولى حراسة الحدود التي يعجز العقل عن التعبير عنها.

    أسرعت إلى إخراج بعض النقود، ومددت بها يدي إليه. لم يكن في حركتي، على ما أظن، كرمٌ خالص بقدر ما كانت رغبةٌ ملحة في إنهاء الموقف، واستعادة المسافة التي انتُهكت فجأة بيني وبين غريبٍ لا أعرفه. أخذ النقود، ومضى إلى نافذة أخرى، كما لو أن شيئًا لم يحدث، وكأن اللحظة التي أثقلت نفسي لم تكن بالنسبة إليه سوى محطةٍ عابرة في يومٍ طويل من الاستجداء. أعاد كلماته ذاتها، ومد يده من جديد، وانتقل ببؤسه من نافذة إلى أخرى، فيما بقيت أنا خلف زجاج السيارة، محاطًا بمساحتي الآمنة، أحمل من ذلك اللقاء القصير ما لم يحمله الرجل معه وهو يمضي.

    تحركت السيارة، وابتلع ضجيجها أصوات الطريق، وأخذت المشاهد تنساب خلف النافذة كما كانت قبل قليل؛ غير أن شيئًا في داخلي لم يعد إلى موضعه الأول. كان الرجل قد غادر مجال رؤيتي، لكنه لم يغادرني تمامًا. ظل عالقًا في مكانٍ أبعد من الذاكرة، في تلك المساحة الملتبسة بين الضمير والغريزة، حيث تتوارى الأحكام السريعة لتعود إلينا في صورة أسئلة، وحيث لا تعود الحوادث الصغيرة صغيرةً بالضرورة، لأنها توقظ في النفس ما كانت تفضل ألا تراه.

    أخذت أسائل نفسي: ما الذي أثار نفوري حقًّا؟ أكانت الرائحة التي اقتحمت حواسي، أم الهيئة التي استدعت في نفسي صورة البؤس، أم تلك اليد التي استقرت على كتفي دون استئذان؟ وأي هذه الأشياء كان السبب، وأيها لم يكن سوى ذريعةٍ اختبأت خلفها مشاعر أعمق، أقل وضوحًا وأكثر إحراجًا؟ هل ضقت بالرجل لأنه تجاوز حدود جسدي، أم لأن جسده نفسه كان يحمل من علامات الفقر والإهمال ما لا أطيق الاقتراب منه؟ وهل كنت سأشعر بالانقباض ذاته لو أن اليد التي لامست كتفي كانت نظيفة، والثياب التي ارتداها صاحبها أنيقة، والرائحة التي أحاطت به عطرة؟ أم أن الإنسان، في كثيرٍ من أحكامه، لا يستجيب للفعل وحده، بل يستجيب أيضًا للصورة التي يكسو بها الفاعل ذلك الفعل؟

    ثم مضيت في محاكمتي لنفسي، مترددًا بين حقي في النفور وواجبي في ألا أستسلم له حتى يصير حكمًا على إنسان؛ أليس من حقي أن أضيق باقتحام غريب لمساحتي الجسدية؟ أليس الخوف من العدوى، والنفور من الروائح الكريهة، والحاجة إلى صون الحدود الشخصية، أمورًا تتصل بطبيعة الجسد، ولا تستلزم بالضرورة قسوة القلب؟ لكن، في المقابل، أليس في وسع النفور الطبيعي أن يتحول، من حيث لا نشعر، إلى احتقارٍ مستتر، وأن تتسلل الغريزة إلى أحكامنا الأخلاقية فتجعلنا نخلط بين رفض ما يؤذينا ورفض من يختلف عنا، وبين حماية ذواتنا وإنكار إنسانية الآخرين؟

    ربما لم يكن الخطأ في أنني شعرت بالنفور؛ فالمشاعر الأولى لا تستأذن وعينا قبل أن تولد، ولا نملك دائمًا أن نختار ما يثير أجسادنا من انقباض أو ارتياح. إنما السؤال الذي ظل يؤرقني كان أبعد من الشعور نفسه: ماذا فعلت بذلك الشعور بعد أن استيقظ؟ هل اكتفيت بحماية مساحتي، أم سمحت لنفوري بأن يختزل الرجل كله في رائحته وثيابه ويده الممتدة؟ هل رأيت أمامي إنسانًا ضاقت به الحياة حتى صار يستجدي عابرين لا يعرفهم، أم لم أر سوى هيئةٍ أربكت راحتي، فاستعجلت الخلاص منها ببعض النقود، كأن المال قادرٌ على إنهاء الموقف، وعلى إعفائي من مواجهة ما أثاره في داخلي؟

    لقد أعطيته ما طلب، لكنني لم أعد واثقًا من أنني أعطيته بدافع الرحمة وحدها؛ ربما دفعت إليه النقود لأخفف عنه شيئًا من عوزه، وربما دفعتها لأخفف عن نفسي شيئًا من ضيقي، وربما اجتمع الدافعان في تلك الحركة الصغيرة دون أن يتمكن أحدهما من إقصاء الآخر. فكم من أفعالٍ تبدو نبيلة في ظاهرها، بينما تختبئ في أعماقها رغبةٌ خفية في استعادة راحتنا، وكم من إحسانٍ نمارسه لا لأننا احتملنا ألم الآخر، بل لأننا لم نحتمل حضوره أمامنا!

    لعل أكثر ما أربكني أنني لم أكن أعرف عن ذلك الرجل شيئًا؛ لم أعرف اسمه، ولا كيف انتهى به الطريق إلى تلك الهيئة، ولا كم بابًا طرق قبل أن يقف إلى جوار نافذتي، ولا كم مرةٍ اضطر إلى مد يده حتى غدت الكلمات التي يرددها جزءًا آليًّا من يومه، وفقدت في أذني معناها، وربما فقدت في أذنيه هو أيضًا قدرتها على التعبير عن شيء. لم أعرف إن كان وراء مظهره مرضٌ أو عوزٌ أو انكسار، ولا أي سلسلة من المصادفات القاسية أو الاختيارات الخاطئة أو الخسارات المتراكمة أوصلته إلى تلك اللحظة. كل ما عرفته أنني رأيته في ثوانٍ معدودة، ثم كدت أختصر حياته كلها في تلك الثواني. وهنا بدا لي أن المسألة لم تعد متعلقةً بالرجل وحده، بل بالطريقة التي نرى بها الآخرين حين يعترضون انتظام حياتنا؛ فنحن نحب أن نعتقد أننا نحكم على الناس بعقولنا، غير أن كثيرًا من أحكامنا تولد في منطقةٍ سابقة على التفكير؛ منطقةٍ تتداخل فيها الغريزة والعادة والخوف والصورة الاجتماعية، ثم يأتي العقل بعد ذلك ليمنحها من التبرير ما يجعلها تبدو معقولة. وقد لا تكون الرحمة الحقيقية أن نلغي نفورنا قسرًا، أو أن نتظاهر بأن أجسادنا لا تنفر مما ينفر منه الجسد بطبيعته؛ بل أن نمنع ذلك النفور من التحول إلى مقياسٍ لقيمة الإنسان، وأن ندرك أن ما يثير اشمئزازنا في هيئة أحدهم لا يستنفد حقيقته، ولا يحقّ لنا أن نجعله تعريفًا كاملاً له.

    ظللت أفكر في تلك اليد التي استقرت على كتفي. لقد ضايقتني لأنها اقتحمت حدودي، وهذا حق لا أحتاج إلى إنكاره لكي أبدو رحيمًا. لكنني تساءلت أيضًا: هل كنت سأرى فيها يدًا تطلب العون لو أنها بقيت خارج النافذة، أم أن ملامستها لي جعلتني أرى صاحبها بوصفه تهديدًا قبل أن أراه بوصفه محتاجًا؟ وأين تنتهي مشروعية الحذر، وأين يبدأ ذلك الحاجز الخفي الذي نقيمه بيننا وبين من تُذكرنا هيئتهم بأن العالم ليس عادلاً، وأن المسافة بين الطمأنينة والتشرد قد تكون، في بعض الأحيان، أضيق مما نتصور؟

    لم أصل إلى جوابٍ حاسم، وربما كان الجواب الحاسم في مثل هذه المسائل ضربًا من التبسيط الذي يريح الضمير أكثر مما ينصف الحقيقة. لكنني أدركت أنني لم أكن مطالبًا بأن أختار بين كرامتي وكرامته، ولا بين حقي في حماية جسدي وحقه في أن أراه إنسانًا لا مجرد مظهرٍ مُنفر. كان في وسعي أن أرفض تلك اللمسة دون أن أحتقر صاحبها، وأن أحمي مساحتي دون أن أنكر مساحته الإنسانية، وأن أعترف بنفوري دون أن أجعله فضيلةً أخلاقية أو تهمةً أبدية أوجهها إلى نفسي. 

    مضت السيارة في طريقها، بينما بقيت أنا منشغلاً بطريقٍ آخر، أكثر التواءً وأشد صعوبة: الطريق إلى فهم نفسي؛ فقد مضى الرجل يبحث عن نافذةٍ أخرى، وبقيت أنا أمام نافذةٍ داخلية انفتحت على أسئلة لم أكن قد فكرت في طرحها. ولعل ما تركه في نفسي لم يكن رائحةً عابرة، ولا لمسةً غير مرغوب فيها، بل ذلك الشك المقلق في بساطة أحكامنا على البشر؛ ذلك الشك الذي يُذكرنا بأن الإنسان قد يكون رحيمًا في تصوره عن نفسه، ثم يكتشف، في موقفٍ لا يستغرق سوى لحظات، أن الرحمة ليست صفةً نمتلكها مرةً وإلى الأبد، بل امتحانٌ يتكرر كلما وضعنا العالم وجهًا لوجه أمام ما لا نألفه، وما لا نرغب في الاقتراب منه، وما يوقظ فينا من ضعفٍ أو خوفٍ أو نفورٍ ما نفضّل ألّا نعترف به.

    منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال الذي يشغلني هو ما إذا كنت قاسيًا حين شعرت بالقرف، ولا ما إذا كان نفوري مبررًا أم مذنبًا؛ بل سؤالاً أشد دقةً وأبعد أثرًا: هل أستطيع أن أكون صادقًا مع مشاعري، من غير أن أجعلها ظلمًا للآخرين؟

    كانت السيارة تمضي إلى وجهتها، وكان الجميع منشغلين بيومهم، بينما كنت أكتشف أن بعض الرحلات لا تقودنا إلى مكان جديد، بل تعيدنا إلى أنفسنا، وتتركنا أمام سؤال لا ينتهي عند باب الوصول!

السبت، 17 أكتوبر 2026

لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد العلمي؟ .. هل افتقدنا الشغف بالكون؟

أكتوبر 17, 2026

لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد العلمي؟ .. هل افتقدنا الشغف بالكون؟

   في صباح عادي، يمسك أحدنا هاتفه، ويمرر إصبعه على شاشة لا تكاد تستقر على خبر حتى تقذفه إلى آخر؛ هنا آلة تكتب قصيدة، وهناك برنامج يرسم لوحة، وفي خبر ثالث نموذج يُشخص مرضًا، وفي رابع إعلان عن ذكاء اصطناعي جديد يُقال إنه أكثر قدرة من سابقه. تتوالى العناوين، وتتسابق المنصات على جذب انتباهه: الآلة تتعلم، والآلة تبدع، والآلة تفكر، وربما – كما توحي بعض العناوين – تقترب من تجاوز الإنسان نفسه!

    يقضي المرء دقائق في التصفح، ثم يرفع عينيه عن الشاشة. يخطر له سؤال بسيط، لكنه مربك: ماذا حدث للفلك؟ أين أخبار الفيزياء التي تحاول فك ألغاز المادة والكون؟ ماذا عن الرياضيات التي تغير بنية تفكيرنا، والكيمياء التي تفتح أبوابًا لمواد جديدة، وعلم الأحياء الذي لا يزال يطارد أسرار الحياة؟ وهل توقفت الجيولوجيا عن قراءة تاريخ الأرض، أم أن الأرض ذاتها فقدت قدرتها على إدهاشنا؟ لا شيء من ذلك قد حدث؛ النجوم لا تزال تبعث الضوء عبر مليارات السنين، والجسيمات تواصل سلوكها الغريب في أعماق المادة، والخلايا تنفذ عمليات مذهلة لا نزال نحاول فهمها، والأرض تحت أقدامنا تحتفظ في صخورها بذاكرة أقدم بكثير من تاريخ الإنسان. ومع ذلك، يبدو المشهد الإعلامي كما لو أن العلم كله قد اختُزل في حكاية واحدة: حكاية الآلة التي تتعلم، والإنسان الذي يراقبها مندهشًا، أو قلقًا، أو خائفًا من المستقبل!

    هنا تبرز مفارقة عصرنا: هل أصبح الذكاء الاصطناعي أهم ما ينتجه العلم بالفعل، أم أنه أصبح أكثر ما نراه منه؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بتوزيع الأخبار على صفحات الصحف وشاشات الهواتف، لكنه يخفي وراءه سؤالاً أعمق عن علاقتنا بالمعرفة ذاتها: هل ما زلنا نبحث عن فهم العالم، أم أصبحنا أكثر انشغالاً بما تستطيع أدواتنا أن تفعله؟ وهل تراجعت العلوم الأخرى حقًا، أم تراجعت قدرتنا على الإصغاء إليها في زمن لا يمنح انتباهه إلا لما يلمع سريعًا؟

    من هذه المفارقة تبدأ الحكاية؛ لا من التقليل من شأن الذكاء الاصطناعي، بل من محاولة استعادة صورة العلم كاملة، بكل أسئلته ودهشته ومساراته المتعددة.

أولاً: من اكتشاف أسرار الكون إلى أخبار الآلة التي تفكر

    لم يكن العلم، في تاريخه الطويل، مشروعًا واحدًا أو سباقًا نحو اختراع أدوات أكثر سرعة. لقد كان مغامرة متعددة المسارات: حاول الفيزيائيون فهم المادة والطاقة، وسعى علماء الأحياء إلى كشف أسرار الحياة، ودرس الفلكيون نشأة النجوم ومصير المجرات، واشتغل الرياضيون على بنى مجردة غيَّرت طرائق تفكيرنا في العالم، بينما أعاد الجيولوجيون بناء تاريخ الأرض من طبقات الصخور وآثار الزمن.

    كانت هذه العلوم تفتح أمام الإنسان نوافذ مختلفة على الوجود. ولم تكن أهمية اكتشافاتها تُقاس دائمًا بما تقدمه من منفعة مباشرة، بل بما تحدثه من تحول في فهمنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه. أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قصة إعلامية متجددة؛ لأنه يجمع بين الغموض والإبهار والمنافسة الاقتصادية والخوف من المستقبل. إنه لا يقدم لنا تقنية جديدة فحسب، بل يضع أمامنا سؤالاً يمس هويتنا: ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت الآلة قادرة على أداء بعض الأعمال التي عددناها طويلاً حكرًا على العقل البشري؟

    هذا السؤال يمنح أخبار الذكاء الاصطناعي قوة استثنائية؛ فالحديث عن آلة تكتب قصيدة أو تحلل صورة طبية أو تحل مسألة معقدة لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل يثير مخاوفنا بشأن العمل والإبداع والوعي ومكانة الإنسان. ولهذا يسهل تحويله إلى عنوان مثير وقصة سريعة الانتشار. لكن ثمة فارقًا بين أن يكون موضوع ما مثيرًا للاهتمام، وأن يكون هو المعيار الذي نقيس به أهمية العلم كله.

ثانيًا: لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد؟

    تتداخل هنا عوامل عدة؛ فالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، والمنافسة بين الشركات والدول، والتطور المتسارع في تطبيقاته، كلها تنتج تدفقًا مستمرًا من الأخبار. كما أن نتائجه قابلة للعرض الفوري: صورة يتم إنشاؤها في ثوانٍ، أو نص تتم كتابته في لحظات، أو برنامج ينجز مهمة كانت تتطلب ساعات من العمل. وفي المقابل، قد يقضي فريق من علماء الفيزياء سنوات في تحسين دقة قياس، أو يعمل باحثون في علم الأحياء طويلاً لفهم آلية جزيئية دقيقة، أو يدرس علماء الفلك إشارات ضعيفة قادمة من أعماق الكون. وقد يكون الإنجاز في هذه الحالات بالغ الأهمية، لكنه لا يظهر في صورة مشهد خاطف يسهل تداوله.

    هنا تنشأ مشكلة ثقافية: لم تعد قيمة الخبر العلمي تتحدد دائمًا بعمق السؤال الذي يعالجه أو بمدى تغييره لفهمنا، بل بقدرته على جذب الانتباه وإثارة الدهشة السريعة. وهكذا قد تحظى أداة جديدة بانتشار واسع، بينما يظل اكتشاف علمي يعيد النظر في فهمنا للمادة أو الحياة أو تاريخ الأرض بعيدًا عن دائرة الاهتمام العام. ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الحضور الإعلامي والتقدم العلمي الفعلي؛ فقلة الأخبار المتداولة عن فرع من فروع العلم لا تعني بالضرورة تراجعه، كما أن كثرة الأخبار عن تقنية ما لا تعني أن كل ما يُنشر عنها يمثل اختراقًا علميًا حقيقيًا. نحن أمام تفاوت في الرؤية والاهتمام، وليس دليلاً كافيًا على تفاوت مماثل في قيمة العلوم أو نشاطها.

ثالثًا: أين اختفت العلوم الأخرى؟

    لم تختفِ، في الحقيقة؛ الذي اختفى جزئيًا هو حضورها في الصورة التي تقدمها لنا وسائل الإعلام؛ ففي الفلك، لا يزال الإنسان يسعى إلى فهم نشأة المجرات وتطور النجوم وطبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة. وكلما تحسنت أدوات الرصد، اكتشفنا أن الكون أكثر تعقيدًا مما افترضنا، وأن ما نعرفه ليس سوى جزء محدود مما يمكن أن نعرفه؛ وفي الفيزياء، لا تزال الأسئلة الكبرى مفتوحة: كيف نوفق بين ميكانيكا الكم والجاذبية؟ ما طبيعة المادة في أعمق مستوياتها؟ وهل تمثل النظريات الحالية وصفًا نهائيًا للعالم، أم أنها مراحل مؤقتة في مسيرة أطول من التصحيح والتطوير؟ أما علم الأحياء، فيضعنا أمام لغز لا يقل إثارة: كيف تنشأ الحياة وتستمر؟ كيف تتشكل وظائف الخلايا؟ وكيف يتكون الوعي من نشاط أنظمة عصبية مادية؟ وفي الكيمياء، تتواصل محاولات ابتكار مواد جديدة وفهم التفاعلات التي قد تفتح آفاقًا في الطاقة والطب والصناعة. حتى الرياضيات، التي لا تنتج دائمًا أجهزة يمكن عرضها أمام الكاميرات، تظل من أكثر المجالات قدرة على تغيير رؤيتنا للعالم؛ فقد تنشأ فكرة رياضية مجردة دون تطبيق واضح، ثم يتبين بعد عقود أنها ضرورية لفهم ظاهرة فيزيائية أو بناء تقنية جديدة. وفي علوم الأرض والمحيطات والمناخ، تتكشف يومًا بعد يوم تفاصيل عن تاريخ كوكبنا، وعن العمليات التي تشكَّل بيئته، وعن التغيرات التي قد تحدد شروط الحياة في المستقبل.

    هذه المجالات ليست بقايا من عصر علمي مضى، وليست مجرد خلفية يعمل الذكاء الاصطناعي فوقها. إنها ميادين حية من البحث، لكل منها أسئلته ومناهجه ومشكلاته التي لا يمكن اختزالها في تطور الخوارزميات. والأمر الأكثر دلالة أن الذكاء الاصطناعي نفسه أصبح أداة تستخدمها هذه العلوم؛ فهو يساعد في تحليل البيانات الفلكية، ودراسة الجزيئات، وتسريع بعض مراحل البحث الطبي، ومحاكاة الأنظمة المعقدة. لكن من الخطأ أن ننسب الإنجاز كله إلى الأداة، ثم ننسى العلم الذي صاغ السؤال وحدد ما ينبغي قياسه، واختبر النتائج وفسّر دلالتها. فإذا ساعدت خوارزمية على اكتشاف نمط في بيانات تلسكوب، فإن الخبر العلمي الحقيقي لا يكتمل بعبارة «الذكاء الاصطناعي اكتشف نمطًا»، بل يبدأ بالسؤال: ما هذا النمط؟ وما الذي يخبرنا به عن الكون؟ وهل يغير شيئًا في نظرياتنا السابقة؟

رابعًا: المشكلة ليست تقنية، بل فلسفية أيضًا

    هنا نصل إلى جوهر المسألة. إن اختزال أخبار العلم في الذكاء الاصطناعي يعكس، بصورة ما، تحولاً في علاقتنا بالمعرفة ذاتها. لقد أصبحنا نميل إلى تقدير ما يزيد قدرتنا على الفعل والإنجاز، أكثر من تقدير ما يوسع قدرتنا على الفهم والتأمل. نريد آلة أسرع، وبرنامجًا أذكى، ونتيجة تظهر في وقت أقصر. لكن هل يعني امتلاك قدرة أكبر أننا أصبحنا نفهم العالم بصورة أعمق؟

    ليس بالضرورة؛ فثمة فرق بين أن نتمكن من التنبؤ بظاهرة، وأن نفهم أسبابها؛ وبين أن نكتشف انتظامًا في البيانات، وأن نعرف ما الذي يعنيه هذا الانتظام؛ وبين أن ننتج إجابة تبدو صحيحة، وأن نمتلك تفسيرًا يمكن اختباره ونقده. قد ينجح نظام اصطناعي في العثور على علاقات معقدة بين متغيرات كثيرة، دون أن يقدم لنا تفسيرًا واضحًا للعلاقة السببية بينها. وقد ينتج فرضية جديرة بالاهتمام، لكنها تظل بحاجة إلى الاختبار والتحقق. فالنتيجة التي تبدو مدهشة ليست حقيقة علمية لمجرد أنها صدرت عن نظام متقدم. 

    هنا يبرز سؤال فلسفي قديم يتخذ صورة جديدة: ما المعرفة؟ هل تكفي القدرة على إنتاج إجابات صحيحة، أم أن المعرفة تتطلب أيضًا فهمًا وتفسيرًا وتبريرًا؟ لا تقدم هذه الأسئلة إجابات سهلة، لكنها تذكرنا بأن التقدم في أدوات البحث لا يحسم وحده طبيعة المعرفة التي ننتجها. إن الآلة قد تساعدنا على رؤية ما لم نكن نراه، لكنها لا تعفينا من مسؤولية تحديد معنى ما رأيناه. وقد تفتح أمامنا احتمالات جديدة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى النقد والتجربة والحكم العلمي. لهذا، فإن السؤال عن الذكاء الاصطناعي ليس سؤالاً عن قدراته فحسب، بل عن المعايير التي سنستخدمها للتمييز بين الحساب والفهم، وبين التنبؤ والتفسير، وبين إنتاج المعلومة واكتساب المعرفة.

خامسًا: هل أصبح الإنسان مهووسًا بذكائه أكثر من العالم؟

    ربما تكمن المفارقة الأعمق في أننا، بعد قرون من توجيه أنظارنا إلى الخارج، نحو النجوم والمادة والحياة والأرض، أصبحنا نوجّه قدرًا متزايدًا من اهتمامنا إلى أنفسنا، أو بالأحرى إلى الآلات التي نصنعها لمحاكاة بعض قدراتنا.

    لم يعد السؤال الأكثر تداولًا هو: كيف نشأ الكون؟ أو ما طبيعة الحياة؟ أو كيف يتشكل الوعي؟ بل أصبح كثيرًا ما يدور حول سؤال آخر: هل تستطيع الآلة أن تفعل ما نفعله نحن؟ هذا التحول مفهوم؛ فالذكاء الاصطناعي يضع تصوراتنا عن العقل والإبداع والعمل أمام اختبار مباشر. لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تضييق أفقنا إذا أصبحنا لا نرى قيمة العلم إلا في مقدار ما يخبرنا به عن أنفسنا أو ما يقدمه لنا من أدوات؛ فالكون لا تقل أهميته لأننا لم نصنعه، والحياة لا تصبح أقل جدارة بالبحث لأنها لا تنتج تطبيقًا تجاريًا سريعًا، والرياضيات لا تفقد قيمتها لأن نتائجها لا تتحول فورًا إلى منتج قابل للبيع.

    إن المعرفة ليست كلها وسيلة إلى غاية أخرى. ثمة قيمة في أن نفهم العالم لأنه جدير بالفهم، وأن نبحث في أصل الأشياء لأن السؤال نفسه يكشف حدود معرفتنا ويفتح أمامنا آفاقًا لم نكن نتصورها. ولعل هذا هو أحد أعمق الدروس التي يمكن أن نستخلصها من تاريخ العلم: إن الاكتشافات الكبرى لا تبدأ دائمًا من حاجة عملية واضحة، بل قد تبدأ من فضول يبدو في لحظته بلا منفعة مباشرة، ثم يتبين لاحقًا أنه غيّر مسار المعرفة والحضارة. 

سادسًا: العلم ليس سباقًا نحو آلة أذكى

    ليس المقصود من هذا كله التقليل من أهمية الذكاء الاصطناعي، أو إنكار ما قد يقدمه من فرص هائلة للبحث والاكتشاف؛ فمن الممكن أن يصبح من أهم الأدوات التي عرفها العلم، وأن يساعد في معالجة مسائل كانت تتجاوز قدراتنا الحسابية أو التحليلية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى موضوع يطغى على الغايات التي وُجدت من أجلها؛ فالعلم لا يتقدم في اتجاه واحد، ولا يمكن اختزال مسيرته في منافسة على إنتاج أنظمة أكثر ذكاءً. إنه شبكة واسعة من الأسئلة والمناهج والتجارب، تتفاعل فيها العلوم الأساسية والتطبيقية، وتتقدم فيها المعرفة أحيانًا بخطوات صغيرة لا يلتفت إليها أحد، لكنها تصبح لاحقًا أساسًا لتحولات كبرى.

    الثقافة العلمية الناضجة ليست تلك التي تتابع أحدث التقنيات فحسب، بل تلك التي تعرف كيف تسأل عما وراءها: ما المشكلة التي تعالجها؟ وما الذي أضافته إلى فهمنا؟ وما حدودها؟ وأي أسئلة جديدة تفتحها؟

إننا بحاجة إلى إعلام علمي لا يكتفي بملاحقة الموجة الأكثر إثارة، بل يعيد القيمة إلى التنوع العلمي، ويمنح الفيزياء والرياضيات والأحياء والكيمياء والفلك وعلوم الأرض والمناخ المساحة التي تستحقها. إعلام يشرح للناس لماذا يمكن أن يكون تحسن صغير في قياس علمي أهم من إعلان ضخم عن منتج جديد، ولماذا قد يحمل بحث نظري لا يبدو نافعًا اليوم بذور اكتشافات الغد. العلم أوسع من التكنولوجيا، والمعرفة أوسع من الذكاء الاصطناعي، والكون أوسع بكثير من أن يصبح مجرد مسرح نستعرض عليه قدرات الآلات.

    ربما كان التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي هو ألا نفقد القدرة على الدهشة بما لا نصنعه نحن، وألا ننسى الأسئلة التي سبقت اختراع الحواسيب وستظل قائمة بعدها: ما طبيعة الواقع؟ كيف نشأت الحياة؟ ما حدود العقل؟ وما الذي يمكن للإنسان أن يعرفه عن الكون الذي هو جزء منه؟ إن الآلة قد تصبح أقدر منا على الحساب، وقد تساعدنا على اكتشاف أنماط لم نكن لنبلغها وحدنا. لكن قيمة العلم لا تُقاس فقط بما تستطيع الآلة إنجازه، بل أيضًا بنوعية الأسئلة التي نجرؤ على طرحها، وبقدرتنا على مراجعة إجاباتنا، وباستعدادنا للاعتراف بأن المجهول لا يزال أوسع من كل ما نعرفه. وحين ننشغل بالآلة التي تحاول أن تفكر، ينبغي ألا ننسى العالم الذي نحاول فهمه؛ وحين نحتفي بذكاء أدواتنا، ينبغي ألا نفقد فضولنا تجاه أسرار الوجود ... لأن أعظم ما في العلم ليس أنه يمنحنا السيطرة على العالم، بل أنه يُعلمنا، مرة بعد مرة، كم لا نزال نجهل عنه!

الجمعة، 25 سبتمبر 2026

كش ملك الشيطان لم ينتصر الشيطان ... لكنه أقنعك أنك قد خسرت!

سبتمبر 25, 2026

كش ملك الشيطان لم ينتصر لكنه أقنعك أنك قد خسرت

    في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، رسم الفنان الألماني «موريتز ريتزش» Moritz Retzsch واحدة من أكثر الصور إثارة في تاريخ الفن: رجل شاب يجلس أمام كائنٍ غامض يتربص به فوق رقعة شطرنج، وكأن رهان الفوز ليس على كأس أو لقب، وإنما على الروح!

    حين تتأمل اللوحة، تظنُ للوهلة الأولى أنك تطالع المشهد التقليدي لخيرٍ يُصارع شرًّا. لكنك، إن أمعنت النظر، ستكتشف أنك لا تنظر إلى مجرد لوحة زيتية، بل إلى مرآةٍ فلسفية تُحاكي وجودك المعاصر بدقةٍ مرعبة!

    اللوحة تُعرف باسم «لاعبو الشطرنج» Die Schachspieler، وترتبط بعالم «فاوست» الأسطوري الذي أثار مخيلة «ريتزش» كما ألهم «جوته». لم يكتف «ريتزش» برسم لوحة واحدة عن هذه الشخصية، بل أنجز سنة 1828 سلسلة فنية متكاملة تضم ستة وعشرين نقشًا مستوحى من القصة. أما مشهد الشطرنج الشهير، فلم يكن مجرد نقل حرفي لأحد مشاهد مسرحية «جوته»، بل جاء كمعالجة فنية مستقلة تجسد الروح الفاوستية.

     تأمَّل التفاصيل الفلسفية التي تحملها اللوحة

- الشيطان: هادئٌ كالموت، واثقٌ من نفسه، لا يحتاج إلى الصراخ أو التباهي ومحاولة لفت الانتباه؛ فالذعر الذي يملأ وجه الشاب يؤدي الواجب بالنيابة عنه ... يكفيه أن يجعل منافسه يرى خسارته بعينيه!

- الرجل الشاب: يجلس شاحبًا، منحنيًا فوق الرقعة، يحدق فيها وقد بدا عليه الانهيار. وكأن جسده قد أصبح جزءًا من الهزيمة! كل نقلة تستهلك شيئًا منه، وكل تأخير... نقلة أيضًا!

- الملاك: حاضرٌ لكنه لا يلعب، يقف خلف الشاب كطيفٍ حزين، مُكبلاً بالعجز عن التدخل لأن قواعد «الإرادة الحرة» تفرض على الإنسان خوض معركته بنفسه!

- الرقعة: تستقر فوق صندوقٍ أشبه بالتابوت، محفوفٍ برموز الفناء؛ فاللعبة لا تُقام على لوحة من الخشب، بل على زمن الإنسان المتسرب من بين أصابعه!

    الشطرنج لعبة غريبة. إنها لعبة حرية داخل نظام مغلق؛ يمكنك أن تختار، لكن ليس كل شيء ممكنًا.

يمكنك أن تتحرك، لكنك لا تستطيع أن تتحرك كيف تشاء. وهنا تصبح الرقعة استعارة هائلة للوجود الإنساني:

كم من اختياراتنا هي بالفعل اختيارات، وكم منها مجرد حركات مسموح بها داخل رقعة لم نختر قواعدها؟

    ربما أمكننا في هذا الموضع أن نستدعي «سبينوزا»× إذ لم يقل ببساطة إن الإنسان «لا يملك حرية»، بل هاجم الوهم الذي يجعلنا نخلط بين الوعي بأفعالنا والوعي بأسبابها. وكان مثاله المشهور: لو امتلك الحجر وعيًا لظن أنه يطير بإرادته، لأنه يشعر بحركته ولا يعرف القوة التي دفعته! فهل يشبه الإنسان ذلك الحجر؟

ربما. 

    نحن نعرف ما نختار، لكننا لا نعرف دائمًا من أين جاءت رغباتنا، ولا كيف تشكَّلت دوافعنا، ولا كم من «قراراتنا» سبق أن صنعته الأسرة والمجتمع والخوف والطموح والعادة والسوق والبيئة التي نعيش فيها. وهنا يصبح سؤال «فاوست» أكثر إزعاجًا: هل اختار «فاوست» مصيره، أم اختار داخل شروط جعلته يعتقد أن اختياره حر؟

    ثم يأتي «سارتر» ... وتزداد اللعبة قسوة؛ فإذا كان «سبينوزا» يسألنا عن الأسباب الخفية التي تحركنا، فإن «سارتر» يعيد إلينا عبء المسؤولية. الحرية عنده ليست هدية مريحة؛ إنها عبء. والقلق الوجودي يظهر حين يدرك الإنسان أنه لا يستطيع أن يتخلص تمامًا من مسؤوليته عن اختياراته. لذلك ارتبطت الفلسفة الوجودية بفكرة أن الإنسان «محكوم عليه بالحرية»!

    انظر إلى فاوست مرة أخرى. قد لا يكون أكثر ما يرعبه هو الشيطان. ربما ما يرعبه هو أن القطعة في يده ... أن القرار، رغم كل شيء، ما زال قراره!

    «شوبنهاور» يدخل من الباب الخلفي ليهمس بأن الإنسان قد لا يكون سيد رغباته أصلاً. نحن نريد، ثم نبرر ما أردناه؛ نطارد اللذة، ثم نخترع لها فلسفة؛ نبحث عن المال والشهرة والقوة، ثم نقنع أنفسنا أننا نبحث عن «النجاح». وهكذا قد يصبح الإنسان، دون أن يشعر، قطعةً تحركها رغباته أكثر مما يحركها عقله!

    الشيطان في اللوحة ليس بالضرورة شخصًا. يمكن أن يكون الرغبة حين تصبح سيدًا، والنظام القائم حين يصبح قدرًا، والوهم حين يتحول إلى يقين. ربما لو أعاد «ريتزش» رسم اللوحة اليوم، لم يكن بحاجة إلى شيطان ذي قرنين يتدثر بملابس السوداء تغطيها الرموز القوطية. لقد تحول الشيطان اليوم إلى كائنٍ مثير، يرتدي ثوب الجمال ويُبشر بالوفرة. ربما كان يكفي «ريتزش» ان يستحضر روح الهاتف الذكي؛ أن يضع أمام الرجل شاشةً زجاجية ملونة تنبض بالإشعارات بدلاً من رقعة الشطرنج، إذ لم يعد المرء يلعب ضد منافس نراه، وغنما ضد نظام يدرس كل حركة لعينيه وكل ضغطة لإصبعه ليُبقيه داخل اللعبة؛ وأن يضع خلفه شبكة من الخوارزميات التي تعرف نقاط ضعفه أكثر مما يعرفها هو، وتُفصِّل له من اللذة والسهولة ما يجعله يتنازل عن حريته طواعية؛ الملاك الحارس لم يعد يقف حزينًا يراقب اللعبة من البعيد، بل ربما حُجب تمامًا خلف سحابة من الضوضاء الرقمية والتشتت المستمر، فلم يعد الشاب يرواح بين الإلهام والشهوة، بل أصبح معزولاً في تدفق لا يتوقف من الرغبات الرقمية!

    الشيطان المعاصر لا يقول لك: «افعل ما أريد»؛ إنه أكثر ذكاءً من ذلك. يقول: «افعل ما تريد»، ثم يرتب لك الخيارات! تفتح هاتفك فتظن أنك اخترت ما ستراه، بينما اختارت لك الخوارزمية ما سيظهر أولاً؛ تدخل السوق فتظن أنك اخترت ما ستشتري، بينما صُممت البيئة كلها لتدفعك نحو قرار بعينه؛ تبحث عن رأي، فتجد أمامك مئات الآراء التي تشبه رأيك، حتى تبدأ في الاعتقاد أن العالم كله يفكر مثلك؛ وتجلس أمام الذكاء الاصطناعي طالبًا منه أن يساعدك على التفكير، ثم تكتشف بعد وقت أنك بدأت تستعير منه حتى طريقة صياغة أفكارك!

    ليس هذا بالضرورة «مؤامرة»؛ بل هو الوجه الفلسفي لعالم تُصمم فيه البيئات الرقمية باستمرار لجذب الانتباه والتنبؤ بالسلوك وتخصيص ما يصل إلى المستخدم. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل الحرية أن يكون أمامك ألف خيار، أم أن تعرف لماذا اخترت واحدًا منها؟

    أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تمنعك من الحركة، بل تلك التي تمنحك حركات كثيرة، ثم تجعلك تختار بينها وأنت لا ترى حدود الرقعة، أن تكون عبدُ القفص الذي يختار لونه. عندها لا تحتاج السُلطة إلى أن تقول لك: «لا تفعل»، يكفي أن تجعل بعض الأشياء أكثر ظهورًا من غيرها. ولا تحتاج المنظومة إلى أن تمنعك من الكلام؛ يكفي أن تجعل صوتًا معينًا أعلى من الأصوات الأخرى. ولا يحتاج السوق إلى إجبارك على الشراء؛ يكفي أن يقنعك بأن الرغبة التي صنعها فيك كانت رغبتك منذ البداية. وهنا يعود فاوست!

لكن... هل خسر «فاوست» فعلًا؟ ثمة حكاية شطرنجية شهيرة ارتبطت باللوحة بلاعب الشطرنج الأمريكي «بول مورفي» Paul Morphy، مؤداها أن مورفي، حين تأمل وضعية الرقعة، لم يقتنع بأن الرجل قد وصل فعلاً إلى «كش ملك»؛ بل رأى أن هناك نقلة يمكن أن تقلب الموقف على الشيطان. وهذه الرواية موثقة في الأدبيات الشطرنجية، وإن بقيت تفاصيلها موضع نقاش تاريخي.

    هنا تنقلب دلالة اللوحة كلها ... ربما ليست الرسالة: «لقد انتصر الشيطان»، بل: «لقد أقنعك الشيطان أنك خسرت». وهذه، ربما، هي أكثر الأفكار رعبًا وجمالاً في اللوحة ... رعبًا للشيطان؛ للنظام القائم؛ لسدنة الذكاء الاصطناعي: أن الإنسان لا يُهزم دائمًا عندما تُغلق أمامه الطرق؛ أحيانًا يُهزم عندما يتوقف عن البحث عن الطريق الذي لم يره. قد تكون الرقعة ضيقة؛ قد يكون الخصم أذكى واقوى؛ قد تكون قطعك قليلة؛ وقد يبدو الموقف ميؤوسًا منه ... لكن ما دام هناك اختيار لم تره بعد، فإن اللعبة لم تنتهِ. وهنا لا يغدو السؤال: كيف أهزم الشيطان؟ ... وإنما كيف أتأكد أنني لا ألعب لعبته وفق القواعد التي وضعها هو؟ 

    ربما كان هذا هو الدرس الذي تركه «ريتزش» لنا من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين: أخطر شيطان ليس الذي يحرك قطعك ... بل الذي يجعلك تحركها بنفسك، ثم يقنعك أنك كنت حرًا. والهزيمة الحقيقية ليست أن تسمع «كش ملك» ... بل أن تصدقها قبل أن تنظر إلى الرقعة مرة أخيرة!

الخميس، 24 سبتمبر 2026

هل تأملت في حياتك نهرًا؟!

سبتمبر 24, 2026

رجل يتأمل نهرًا وقت الغروب وسط طبيعة هادئة

    في مقالٍ له تحت عنوان «هل تأملت في حياتك نهرًا؟»، يورد الدكتور «أحمد خالد توفيق» قصة معبرة للروائي الفرنسي «أندريه موروا» André Maurois. القصة تحكي عن فنانٍ تافه مغمور لا يبيع لوحة واحدة من لوحاته. وذات يوم زاره صحافي من أصدقائه فرقَّ لحاله، واقترح عليه أن يدعي أنه ابتكر أسلوبًا جديدًا في الفن يسميه مثلاً «الطريقة النفسية التحليلية» ... ودار بينهما الحوار التالي:

  • هل يمكنك أن ترسم لي بعض اللوحات التي تحوي كلامًا فارغًا؟ مثلاً، امرأة جميلة وحولها أوراق مالية كناية عن حب المرأة للثراء، أو رجلاً بدينًا متأنقًا حوله دموع ودم كناية عن أغنياء الحرب ... هل تستطيع ذلك؟
  • بالتأكيد.
  • إذن، نفذ عشر لوحات بهذه الطريقة وسوف أكتب أنا مقالاً عن طريقتك العبقرية وعن معرضك المقبل.

    أنجز الفنان هذا الكلام الفارغ في ليلة واحدة، وجاء يوم المعرض الذي احتشدت باريس كلها لتراه. كان هناك حشدٌ من النقاد الفنيين، فقال الصحافي للفنان: «لا تخف، كلما سألك أحدهم عن معنى (الطريقة النفسية التحليلية) اكتف بأن تنفث دخان الغليون في وجهه، وقل: هل تأملت في حياتك نهرًا؟، سوف يتظاهرون بأنهم فهموا»! 

    نفَّذ الفنان التعليمات، وكلما التف حوله نقاد أو صحافيون وسألوه عن مغزى أسلوبه، نفث الدخان في وجوههم وقال: هل تأملتم في حياتكم نهراً؟ ... فيصيحون في انبهار: هذا صحيح ... يا له من عبقري!

    انتهى المعرض بعدما بيعت اللوحات بثمن باهظ، وصار الفنان أهم فنان في باريس، وجاءه الصحافي ضاحكًا بعد رحيل الناس وقال: هل رأيت كيف خدعنا هؤلاء القوم بلوحاتك عديمة القيمة؟! نظر له الفنان في حزم وقال: هل أفهم من هذا أنك تنتقد طريقتي النفسية التحليلية؟ صاح الصحافي في غيظ: هلُم ... لا تصدق نفسك؛ أنت تعرف أنه لا يوجد شيء اسمه الطريقة النفسية التحليلية! هنا نظر له الفنان طويلاً ثم نفث دخان الغليون في وجهه وقال: هل تأملت في حياتك نهراً؟!

    القصة تُعبر باختصار عن كثير مما تراهم حولك الآن، بل ومنذ سنوات طويلة، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي: أشباه فنانين ومثقفين وكًتَّاب وأساتذة ودعاة ومسؤولين؛ رويبضات يعتلون منابر الكلام والفعل والتوجيه، يتم تلميعهم جيدًا، أو يقومون هُم بتلميع أنفسهم، إعلاميًا أو حكوميًا أو مجتمعيًا، فيصفق الناس، ويُهلل الجهلاء والمنتفعون! 

    المصيبة أنهم يصدقون أنفسهم بعد حين، يتوهمون أنهم قد امتلكوا نواصي الحقيقة، وأنهم العباقرة وغيرهم أغبياء ... تُراجع أحدهم فينفث في وجهك دخان جهله ولسان حله يقول: هل تأملت في حياتك نهرًا؟! 

قَدرُك أن تلتقي هؤلاء؛ أن تُعتقل داخل دائرة تفاهاتهم؛ أن تُحاصر باللامعقول، وتُعتصر بعبثيتهم روحًا وجسدًا؛ أن تُجبر على التعايش مع أفكارهم وصخبهم وأطماعهم، وأن يستهلكونك حتى آخر قطرة وعي، وآخر نبضة صبر، وآخر خيط يرسم معالم هويتك! إنه قدرُك، لابد أن تعيشه، فلا يُجدي معه الفرار ... وتنفس إن استطعت بقلمك، حين تخلو إله ويخلو إليك!

هل تأملت في حياتك نهرًا؟

إنها ليست جملة، بل قناعٌ لغويّ للفراغ حين يتجمل، وللجهل حين يتأنق، وللعبث حين يُصفّق لنفسه واقفًا.

سقراط في مواجهة أثينا كم جزءًا من نفسك بعتَه كي تبقى مقبولاً؟

سبتمبر 24, 2026

 

سقراط في مواجهة أثينا والتخلي عن الذات من أجل القبول

  حين وقف سقراط أمام محكمة أثينا، لم يكن يقف أمام القضاة فحسب؛ كان يقف أمام مدينةٍ بأكملها اعتادت أن تنظر إلى ما تؤمن به بوصفه حقيقة، لا بوصفه رأيًا قابلاً للسؤال.

    كانت التهمة المعلنة أنه يُفسد عقول الشباب، وأنه لا يحترم آلهة المدينة. لكن خلف هذه الكلمات كانت هناك تهمة أخرى أكثر إزعاجًا: أنه كان يسأل ... كان يسأل حين يكتفي الآخرون بالإجابات؛ يطرح الأسئلة التي لا يحب الناس أن يسمعوها، ولا يُحب المسؤولون مجرد التفكير فيها: ما العدل؟ وما الفضيلة؟ ومن أين نعرف أن ما نعتقده صحيح؟ وهل نؤمن حقًا بما نقوله، أم أننا نكرره فقط لأن الجميع حولنا يردده؟

    لم تكن المشكلة في أسئلته وحدها، بل في أنها كانت تكشف هشاشة اليقين الذي يختبئ خلفه الناس. كان يكفي أن يسأل سؤالاً واحدًا حتى يكتشف الرجل الذي يتحدث بثقة أنه لا يعرف ما كان يظن أنه يعرفه. ولهذا كان سقراط مزعجًا؛ فالناس قد يغفرون لك أن تخالفهم، لكنهم لا يغفرون لك دائمًا أن تجعلهم يشكون في أنفسهم!

    حين صدر الحكم، كان أمام سقراط مخرجٌ بسيط؛ كان يستطيع أن يتراجع قليلاً، أن يعتذر، أن يلين كلماته، أن يقول للقضاة ما يحبون سماعه، ثم يعود إلى حياته. كان يستطيع أن يختار الحياة، لكنه اختار شيئًا آخر. لم يكن يرى أن الموت بطولة، ولم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي في مواجهة المدينة. كان يعرف ببساطة أن هناك أشياء قد تكون الحياة، مهما طالت، عاجزة عن تعويضها إذا خسرها الإنسان. كان يرى أن أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرء ليس أن يموت، بل أن يعيش طويلاً وهو يعرف في أعماقه أنه خان ما يؤمن به، ثم يتعلم كيف يكذب على نفسه بما يكفي كي يواصل الحياة.

    وحين جاءه أصدقاؤه يعرضون عليه الهرب، كان الطريق مفتوحًا أمامه. كان يستطيع أن يغادر، وأن ينجو، وأن يترك خلفه مدينةً حكمت عليه. لكنه بقي! وهنا لا تكمن عظمة سقراط في أنه انتصر على أثينا؛ فقد حكمت عليه أثينا بالفعل. إنما تكمن عظمته في أنه لم يسمح لأثينا أن تنتصر عليه من الداخلح لم يستطع أن يمنع المدينة من إصدار حكمها، لكنه استطاع أن يمنعها من أن تكتب الحكم داخل ضميره. 

هذه هي المفارقة التي تجعل قصة سقراط أكثر قربًا منا مما نظن؛ فبعد أكثر من ألفي عام، تغيَّرت المدن، وتغيَّرت المحاكم، وتغيَّرت أشكال السلطة، لكن الخوف القديم ظل كما هو. نحن اليوم نملك حرية الكلام أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك يخشى كثيرون أن يقولوا ما يؤمنون به فعلاً. قد لا نخاف دائمًا من السجن، لكن نخاف أحيانًا من شيء أكثر نعومة: أن يختلف معنا الآخرون؛ أن يرفضونا؛ أن نخسر صورتنا التي صنعناها أمامهم أن نصبح وحدنا ... وهكذا نبدأ في التنازل، ليس دفعةً واحدة، وإنما قليلاً قليلاً ... نسكت حين ينبغي أن نتكلم؛ ونوافق حين ينبغي أن نعترضح نضحك على ما لا يضحكنا؛ نصفق لما لا نؤمن به؛ ثم، مع مرور الوقت، يحدث الشيء الأكثر خطورة: لا نعود نعرف هل غيَّرنا آراءنا حقًا، أم أننا غيَّرناها فقط لأن الآخرين أرادوا منا ذلك.

هكذا نستبدل القبول بالحقيقة، والتصفيق بالضمير، وما يريح الجماعة بالتفكير والتساؤل. وقد يظن الإنسان أنه بذلك يحمي نفسه، لكنه، دون أن يشعر، قد يكون يدفع ثمنًا أكبر من الرفض ذاته، لأن قبول الآخرين بك يمكن أن يمنحك مكانًا بينهم، لكنه لا يضمن أن يُبقى لك مكان في داخلك.

ربما لهذا كانت الحرية أعمق من مجرد أن تقول ما تشاء؛ الحرية الحقيقية أن تمتلك من الشجاعة ما يكفي لكيلا تقول ما لا تؤمن به، فقط لأن الآخرين يريدون سماعه. قد تخسر بسبب ذلك صديقًا، أو مكانة، أو فرصة، أو حتى حياةً كاملة. لكن هناك خسارة أخرى لا تُرى بسهولة؛ أن تعيش سنوات طويلة، ثم تصل ذات مساء إلى المرآة، وتنظر إلى وجهك، وتسأل نفسك:

متى بدأت أقول ما لا أعتقد؟ متى صرت أبتسم كي أُقبل؟ متى استبدلت ما أريده بما يريدونه مني؟ ومتى بعت شيئًا من نفسي، فقط كي أبقى مقبولًا؟

ربما لا تكون المأساة الكبرى أن يخسر الإنسان حياته وهو متمسك بمبدئه ربما تكون المأساة أن يربح حياته كلها ... ثم يكتشف، في نهايتها، أنه لم يعشها حقًا، وأن أكثر ما كان يخشاه طوال الوقت — أن يرفضه الآخرون — كان أهون بكثير من أن يصل إلى نفسه يومًا، فلا يجد فيها شيئًا لم يبعْه في أسواق النخاسة!

السبت، 19 سبتمبر 2026

العمى الانتباهي: حين يمر العالم أمامنا دون أن نراه

سبتمبر 19, 2026

العمى الانتباهي: لماذا يمر العالم أمامنا دون أن نراه؟ اكتشف كيف يوجّه الانتباه إدراكنا وما الذي يجعلنا نغفل عن أشياء واضحة أمام أعيننا

    ثمة وهم نعيش داخله كل يوم، حتى يكاد يبدو من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان: أننا نرى العالم كما هو؛ نفتح أعيننا، فتبدو الأشياء حاضرةً أمامنا في وضوحها المعتاد؛ الشارع، الوجوه، الأصوات، حركة المارة، الضوء المنسكب على الأشياء. ويُخيل إلينا أن العين نافذةٌ شفافة، وأن ما يقع في مجالها ينتقل، بطريقة ما، إلى وعينا. 

    لكن الحقيقة أن العين لا تكفي لكي نرى؛ فقد يمر شيءٌ أمامنا، قريبًا إلى الحد الذي يستحيل معه القول إنه كان خارج مجال الرؤية، ومع ذلك لا نراه. ليس لأن أعيننا كانت مغلقة، ولا لأن الشيء كان خفيًا، بل لأن انتباهنا كان في مكان آخر. هنا تبدأ المفارقة: قد نكون حاضرين بأجسادنا في العالم، بينما يكون وعينا غائبًا عنه. 

    هذا ما يُعرف في علم الإدراك باسم «العمى الانتباهي» Inattentional blindness أو «الانتباه الانتقائي» Selective attention: إنه ليس عجزًا في العين، وإنما حدودٌ فيما يستطيع الوعي أن يمنحه من حضور. نحن لا نرى كل ما تلتقطه حواسنا؛ بل نرى، في النهاية، ما يختاره الانتباه من بين فيضٍ هائل من المنبهات. وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إزعاجًا من السؤال العلمي: إذا كان هناك شيءٌ يقع أمامنا ولا ندركه، فهل يمكننا أن نقول إننا «رأيناه» حقًا؟

    العالم أكثر ازدحامًا مما يسمح به وعينا. وفي كل لحظة، تتدفق إلى حواسنا معلومات لا تكاد تُحصى: ألوان، حركات، أصوات، روائح، تعبيرات وجوه، تفاصيل مكانية، ذكريات تستيقظ، توقعات تتشكل، وإشارات لا نمنحها حتى فرصة الظهور في وعينا. ولو حاول العقل أن يعالج كل ذلك بالدرجة ذاتها من الاهتمام، لتحول الإدراك إلى فوضى لا يستطيع معها أن يميز شيئًا. لذلك لا يعمل العقل كمرآةٍ محايدة تعكس العالم كله، بل كحارسٍ يقف عند بوابة الوعي، يقرر باستمرار: هذا مهم، وهذا يمكن تجاهله؛ هذا يستحق المتابعة، وهذا يمكن أن يبقى في الخلفية. ولا تكمن المفارقة في أن العقل يهمل بعض الأشياء، فهذا أمر لا مفر منه، بل في أننا غالبًا لا نشعر بما تم إهماله أصلاً؛ فالشيء الذي لم ننتبه إليه لا يظهر لنا بوصفه «شيئًا غائبًا». لا يقف أمامنا ويقول: لقد كنت هنا ولم ترني. إنه يختفي ببساطة من تجربتنا، حتى يبدو الأمر كما لو أنه لم يكن موجودًا قط. ومن هنا يمكن أن نفهم غرابة الإدراك البشري: نحن لا نعيش في العالم بكل ما يحتويه، بل في نسخة منه؛ نسخة مختصرة، منتقاة، ومُعاد تركيبها لحظةً بعد لحظة.

    العين تلتقط المشهد، لكن الانتباه يمنحه المعنى. وبين الأمرين مسافة صغيرة لا نشعر بها، مع أنها المسافة التي يُصنع فيها «العالم الذي نراه». قد نجلس في غرفة واحدة مع شخص، ونخرج منها بعد دقائق ونحن عاجزون عن تذكر تفاصيل كثيرة كانت أمام أعيننا طوال الوقت؛ وقد نتحدث مع أحدهم بينما تمر خلفه حركة كاملة لم ندركها؛ وقد نسير في شارع مألوف آلاف المرات، ثم نكتشف في يومٍ ما تفصيلاً كان موجودًا منذ سنوات، فنشعر للحظة أنه ظهر فجأة. لكنه لم يظهر، نحن الذين ظهرنا له. وهذه ربما إحدى أكثر الحقائق إثارة للقلق في تجربة الوعي: أن الشيء قد يكون حاضرًا في العالم دون أن يكون حاضرًا في تجربتنا؛ وجوده الخارجي لا يضمن وجوده العقلي.

    الانتباه على هذا النحو يشبه كشافًا يتحرك داخل مسرح واسع؛ يضيء جزءًا من المشهد، بينما يترك أجزاء أخرى في العتمة. وما يتغير ليس المسرح بالضرورة، بل موضع الضوء. ومع كل انتقال للكشاف يتغير العالم الذي يبدو لنا حاضرًا. العالم الخارجي قد يبقى كما هو، لكن العالم الذي نختبره يتبدل. ولهذا فإن قولنا «أنا رأيت» لا يعني بالضرورة «لقد رأيت كل ما كان هناك»، بل يعني، في كثير من الأحيان، «لقد رأيت ما استطاع انتباهي أن يمنحه حضورًا».

    من هنا تبدو خبرتنا اليومية أكثر هشاشة مما نحب أن نعتقد. نحن نميل إلى الشعور بأن وعينا متصل بالعالم اتصالاً كاملاً، وأن الأشياء المهمة لا يمكن أن تفوتنا، وأن ما يقع أمام أعيننا لا بد أن يترك أثرًا فينا. لكن العمى الانتباهي يكشف العكس: يمكن لشيء واضح، قريب، وموجود في مركز مجال رؤيتنا، أن يعبر أمامنا دون أن يصبح جزءًا من تجربتنا الواعية. وهذا لا يكشف ضعف البصر بقدر ما يكشف محدودية الحضور؛ فنحن لسنا كائنات ترى كل شيء ثم تختار ما تفكر فيه؛ نحن، إلى حد بعيد، كائنات تختار ما تنتبه إليه، ثم تبني من ذلك عالمها الخاص. وهنا تتغير دلالة كلمة «الواقع»؛ فالواقع، بالنسبة إلى وعينا، ليس مجرد مجموع الأشياء الموجودة، وإنما مجموع الأشياء التي استطاعت أن تعبر عتبة الانتباه وتدخل في نسيج التجربة. 

    ليس كل ما هو موجود حاضرًا؛ وليس كل ما هو حاضر ملحوظًا؛ وليس كل ما نلحظه يدخل إلى وعينا بالدرجة ذاتها. وبين هذه المستويات الثلاثة تتشكل المسافة الهائلة بين العالم كما هو، والعالم كما نعيشه!  لكن الأمر لا يتوقف عند العين؛ فكما أن الانتباه ينتقي من العالم الخارجي، فإن التفكير ينتقي من عالمنا الداخلي. وهنا نصل إلى وهم آخر: أننا نفكر لكي نصل إلى الوضوح!

    يبدو التفكير، في صورته المثالية، حركةً من الفوضى إلى النظام؛ ومن السؤال إلى الجواب، ومن الغموض إلى الفهم، ومن الحيرة إلى اليقين. غير أن التجربة الداخلية كثيرًا ما تقول شيئًا آخر؛ فقد نفكر طويلاً، لا لنصل إلى وضوح كامل، وإنما لنصل إلى ارتباك أكثر انتظامًا. وهذه ليست مفارقة عابرة. العقل لا يعيش في غرفة فارغة تنتظر أن تُملأ بالأفكار المرتبة؛ إنه يعمل داخل كثافة هائلة من الذكريات والانطباعات والرغبات والمخاوف والتوقعات والتجارب القديمة. وكل فكرة جديدة تدخل هذه الكثافة لا تأتي إلى أرض محايدة، بل تصطدم بما سبقها، وتستدعي شيئًا، وتقاوم شيئًا آخر. ولهذا قد لا يكون التفكير هو القضاء على الفوضى، بل إعادة توزيعها. نحن لا نُبدد الظلام بالضرورة؛ ربما نتعلم فقط كيف نرتب الأشياء داخله!

    تخيل غرفة معتمة مليئة بالأثاث. حين يدخل إليها العقل، لا يستطيع أن يضيء كل شيء دفعة واحدة؛ إنما يسلط ضوءه على زاوية، فيظهر كرسي. ثم ينتقل الضوء إلى طاولة، فتتضح معالمها. وبعد لحظات نكتشف أن ما حسبناه جدارًا كان بابًا، وأن ما ظنناه فراغًا كان شيئًا آخر لم نكن نراه. لكن إضاءة زاوية لا تعني أن الغرفة أصبحت مضاءة بالكامل. وهكذا يعمل التفكير؛ إنه لا يكشف العالم كله، وإنما يمنحنا أشكالاً مؤقتة نستطيع من خلالها أن نقيم داخل تعقيده دون أن نغرق فيه. ولهذا فإن الفهم ليس دائمًا وصولاً إلى الحقيقة النهائية، بل قد يكون نجاحًا مؤقتًا في جعل الحقيقة قابلة للاحتمال.

    قد نفهم شيئًا اليوم بطريقة، ثم نعيد فهمه بعد سنوات بطريقة مختلفة. ليس بالضرورة لأن الحقيقة الخارجية تبدلت، وإنما لأننا نحن الذين تغيرنا؛ تغيرت خبرتنا، واتسعت ذاكرتنا، وتبدلت قدرتنا على حمل التناقضات. ما كان يومًا مستعصيًا على الفهم قد يصبح قابلاً للصياغة، لا لأن العالم أصبح أبسط، وإنما لأننا أصبحنا أكثر قدرة على احتمال تعقيده. ولهذا ربما كان التفكير العميق متعبًا؛ فكلما ازداد وعينا بالأشياء، تراجعت بعض الأوهام التي كانت تمنحنا إحساسًا مريحًا بالاستقرار. والأسئلة التي تبدو في البداية بسيطة قد تفتح وراءها أسئلة أخرى، وكل إجابة قد تكشف حدودها الخاصة. لكن العقل لا ينهار بالضرورة أمام هذا التعقيد؛ إنه يعيد تشكيله؛ يصنع منه أنماطًا مؤقتة، ومفاهيم، وقصصًا، وتفسيرات تساعدنا على الاستمرار. ولا يعني ذلك أن هذه التفسيرات زائفة؛ بل يعني أنها ليست العالم ذاته، وإنما الطريقة التي أصبح العالم بها قابلاً للسكن داخل وعينا.

    من هنا ربما يمكن فهم التفكير بوصفه شكلاً من أشكال الترويض الداخلي للقلق؛ فنحن لا نفكر دائمًا لكي نعرف كل شيء، بل لكي نستطيع أن نعيش مع ما لا نعرفه. ولا نبحث عن المعنى لأن الكون وعدنا بأن يمنحنا جوابًا نهائيًا، وإنما لأن الإنسان يجد صعوبة في السكن طويلاً داخل الفراغ.  إن التفكير، في أعمق صوره، ليس وعدًا باليقين، وإنما تدريب على احتمال اللايقين. وعند هذه النقطة، يلتقي العمى الانتباهي بالتفكير في نقطة واحدة. العين لا ترى كل ما هو موجود، والعقل لا يفكر في كل ما هو حاضر؛ كلاهما يعمل بالانتقاء، وكأن الوعي البشري لا يستطيع أن يحتمل العالم في كليته، فيضطر إلى اختزاله لكي يصبح ممكنًا للعيش.

    نحن نحتاج إلى هذا الاختزال، لكنه يحمل ثمنه أيضًا؛ فما لا ننتبه إليه قد يكون مهمًا، وما لا نفكر فيه قد يكون حاضرًا في حياتنا بطريقة لا نلاحظها، وما نظنه «العالم كله» قد لا يكون سوى الجزء الذي أضاءه كشاف وعينا في هذه اللحظة. ربما لهذا السبب كان الوعي البشري هشًا ومذهلاً في آن واحد: إنه لا يمنحنا العالم كاملاً، لكنه يمنحنا نسخة يمكننا أن نسكنها. وفي النهاية، بين عينٍ لا ترى إلا ما يسمح له الانتباه بالظهور، وعقلٍ لا يبدد الظلال وإنما يعيد توزيعها، يتكشف الإنسان لا بوصفه شاهدًا محايدًا على الحقيقة، بل بوصفه صانعًا دائمًا لحدود حضوره. 

بعبارة أخرى، نحن لا نعيش داخل العالم وحده، بل داخل العالم كما استطاع وعينا أن يلتقطه. وما نراه ليس كل ما يوجد، وما نفهمه ليس كل ما نرى. وربما ما نسميه «اليقين» ليس سوى لحظة استقرت فيها الفوضى بما يكفي لكي نتمكن من النظر إليها دون أن نفقد توازننا. لذلك قد لا تكون الحكمة في أن نحلم برؤية كل شيء، فذلك مستحيل، ولا في أن نبحث عن عقل يبدد كل غموض، فالغموض جزء من بنية الوجود ذاته. ربما الحكمة في شيء أكثر تواضعًا: أن نعرف أن لنا حدودًا في الرؤية، وحدودًا في الفهم، وأن نتعلم، بين حين وآخر، أن نسأل أنفسنا عمّا يقع خارج دائرة الضوء؛ فقد لا يكون العالم قد تغير؛ قد يكون الكشاف فقط قد تحرك!

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

اغتراب الذات في مرآة الآخر

سبتمبر 16, 2026

اغتراب الذات في مرآة الآخر وعلاقة الإنسان بهويته

ثمة أناسٌ يُبددون أعمارهم في صناعة الأكاذيب، ونسج النمائم، وترميم صورةٍ لأنفسهم لا وجود لها إلا في مرايا الوهم؛ يُلمعون ذواتهم بالزيف، ويكسون عوراتهم بالكلمات، ويبالغون في التملق لمن يتوهمون أن في ظلالهم نجاةً، أو في قربهم حمايةً، أو في رضاهم ضمانًا للبقاء.

هؤلاء لا يعيشون بقدر ما يمثلون؛ ممثلون بائسون أتقنوا أدوارهم حتى نسوا وجوههم الأولى؛ يعبدون الظهور، ويستجدون الحضور، ويتعاملون مع الضوء كما لو كان دليلاً على القيمة، ومع التصفيق كما لو كان برهانًا على الاستحقاق. وفي سبيل أن يراهم الآخرون، يمحون أنفسهم شيئًا فشيئًا؛ حتى لا يبقى منهم إلا صورة كاذبة.

هم في التملق، لا تنقصهم الحيلة، ولا تعوزهم الوسيلة؛ يُبدلون مواقفهم كما يُبدل الممثل أقنعته، وينحنون حيث تقتضي المصلحة، ويبتسمون حيث ينبغي للكرامة أن تصمت. وليس أكثر إثارةً للشفقة من إنسانٍ يبيع شيئًا من نفسه كل يوم، ثم يعود في المساء ليقنع نفسه بأنه لم يخسر شيئًا.

مع ذلك، أظن أن هؤلاء يعرفون الحقيقة أكثر مما نظن؛ يعرفون، في مكانٍ عميقٍ لا تصل إليه ضوضاء المجاملات، أنهم ليسوا أولئك الذين يتظاهرون بأنهم كذلك؛ يعرفون مقدار المسافة بين صورتهم أمام الناس وصورتهم حين يختفي الجمهور، وتغلق الأبواب، ويسقط القناع، ولا يبقى في الغرفة سوى الإنسان وضميره.

ولست أظنهم سعداء؛ فالسعادة لا تُبنى طويلاً فوق الكذب، ولا يستقيم السلام الداخلي مع حياةٍ تحتاج في كل صباح إلى اختراع وجهٍ جديد. قد يستطيع المرء أن يخدع الآخرين، وأن يربكهم، وأن يشتري إعجابهم لبعض الوقت؛ لكنه لا يستطيع أن يهرب إلى الأبد من ذلك الشاهد الصامت القابع في داخله.

ربما كان أقسى ما في الأمر تلك اللحظة التي يقف فيها أحدهم أمام المرآة، لا ليتفقد ملامحه، بل ليرى ما بقي منها بعد سنواتٍ من التزييف هناك، حيث لا جمهور ولا تصفيق ولا أصحاب نفوذ، يعود الوجه إلى عريه الأول. وقد تكون المرآة، في بعض الصباحات، أكثر صدقًا من ألف صديقٍ منافق؛ لأنها لا تجامل، ولا تتملق، ولا تصفق للصورة التي اخترعناها عن أنفسنا. إنها ترد إلينا وجوهنا كما هي ... وتترك لنا وحدنا مهمة احتمالها!