اغتراب الذات في مرآة الآخر
هؤلاء لا يعيشون بقدر ما يمثلون؛ ممثلون بائسون أتقنوا أدوارهم حتى نسوا وجوههم الأولى؛ يعبدون الظهور، ويستجدون الحضور، ويتعاملون مع الضوء كما لو كان دليلاً على القيمة، ومع التصفيق كما لو كان برهانًا على الاستحقاق. وفي سبيل أن يراهم الآخرون، يمحون أنفسهم شيئًا فشيئًا؛ حتى لا يبقى منهم إلا صورة كاذبة.
هم في التملق، لا تنقصهم الحيلة، ولا تعوزهم الوسيلة؛ يُبدلون مواقفهم كما يُبدل الممثل أقنعته، وينحنون حيث تقتضي المصلحة، ويبتسمون حيث ينبغي للكرامة أن تصمت. وليس أكثر إثارةً للشفقة من إنسانٍ يبيع شيئًا من نفسه كل يوم، ثم يعود في المساء ليقنع نفسه بأنه لم يخسر شيئًا.
مع ذلك، أظن أن هؤلاء يعرفون الحقيقة أكثر مما نظن؛ يعرفون، في مكانٍ عميقٍ لا تصل إليه ضوضاء المجاملات، أنهم ليسوا أولئك الذين يتظاهرون بأنهم كذلك؛ يعرفون مقدار المسافة بين صورتهم أمام الناس وصورتهم حين يختفي الجمهور، وتغلق الأبواب، ويسقط القناع، ولا يبقى في الغرفة سوى الإنسان وضميره.
ولست أظنهم سعداء؛ فالسعادة لا تُبنى طويلاً فوق الكذب، ولا يستقيم السلام الداخلي مع حياةٍ تحتاج في كل صباح إلى اختراع وجهٍ جديد. قد يستطيع المرء أن يخدع الآخرين، وأن يربكهم، وأن يشتري إعجابهم لبعض الوقت؛ لكنه لا يستطيع أن يهرب إلى الأبد من ذلك الشاهد الصامت القابع في داخله.
ربما كان أقسى ما في الأمر تلك اللحظة التي يقف فيها أحدهم أمام المرآة، لا ليتفقد ملامحه، بل ليرى ما بقي منها بعد سنواتٍ من التزييف هناك، حيث لا جمهور ولا تصفيق ولا أصحاب نفوذ، يعود الوجه إلى عريه الأول. وقد تكون المرآة، في بعض الصباحات، أكثر صدقًا من ألف صديقٍ منافق؛ لأنها لا تجامل، ولا تتملق، ولا تصفق للصورة التي اخترعناها عن أنفسنا. إنها ترد إلينا وجوهنا كما هي ... وتترك لنا وحدنا مهمة احتمالها!
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)