لصوص لكن نبلاء الحلقة الخامسة: (نساءٌ سُرقت أفكارهن مرتين)
خامسًا: حين لا يُغتال العقل، بل يُمحى اسمه
لم يُقص حضور المرأة من تاريخ الفكر دائمًا بقبضةٍ غليظة أو بمحارق علنية؛ ربما مُنعت أحيانًا من التفكير بالعُرف أو العادة أو القانون، وربما أُسكتت بالقوة الصريحة. لكن الإقصاء، في أغلب تجلياته، كان أكثر هدوءًا … وأكثر فتكًا: أن تُنتج الفكرة، ثم يُسحب منها الاسم؛ أن يُولد المعنى من عقلها، ثم يُترك يتيمًا في سجل التاريخ. هكذا لم تُسرق أفكار النساء دفعةً واحدة، بل نُهبت على مرحلتين: مرة حين استُعملت بلا اعتراف، ومرة حين أُعيدت كتابة الذاكرة الفكرية كما لو أن صاحباتها لم يكنَّ يومًا.
* هيباتيا: اغتيال الجسد، وطمس معالم العقل
لم تكن «هيباتيا» Hypatia الإسكندرانية (حوالي 355 – 415) مجرد اسمٍ يُستدعى بوصفه شاهدًا على عنف عصرٍ مضطرب، ولا حادثةً دموية طواها زمن الاضطهاد الديني والسياسي في أواخر العصور القديمة، بل كانت حضورًا عقليًا استثنائيًا، تشكَّل في قلب الإسكندرية بوصفها مدينةً تتنازعها العقائد، وتتجاذبها السلطات، وتختبر على نحوٍ عنيف حدود التعايش بين العقل والإيمان، وبين المعرفة والسلطة. لقد مثَّلت «هيباتيا»، في زمنٍ يميل إلى الانغلاق، إمكانًا حيًّا لاستمرار العقل النقدي، وشاهدًا على أن الفلسفة لا تزدهر إلا في المساحات الهشة التي تسبق الانكسار!
كانت «هيباتيا» عالمة رياضيات وفلك، وفيلسوفة تنتمي إلى التقليد الأفلاطوني المحدث، تمارس التعليم بوصفه فعلاً تحريريًا يوقظ القدرة على التفكير. وقد جلس إلى دروسها رجالٌ سيغدون لاحقًا من أعمدة الفكر والسياسة في عالمهم، فشكَّلت عقولهم في زمنٍ كان فيه تعليم النساء استثناءً، وتصدرهن مشهد الحكمة ضربًا من التمرد الهادئ على أعراف راسخة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الأثر العميق، لم يصلنا كتاب واحد يحمل توقيعها، ولا نصٌّ مكتمل يمكن نسبته إليها بيقين. كأن الفكر الذي نطق به لسانها كُتب عليه أن يبقى شفهيًا، هشًا، مُعرضًا للاندثار بمجرد غياب الجسد الذي حمله.
إن معرفتنا بـ «هيباتيا» تأتي عبر الشقوق: رسالة تلميذٍ ممتن، أو شهادة خصمٍ متحفظ، أو إشارة عابرة في هامش نصٍ لا يقصدها أصلاً؛ شذرات متناثرة، لا تصنع أرشيفًا، بل تُذكر بغياب الأرشيف ذاته. وهذا الغياب ليس بريئًا؛ إذ لا يبدو وكأنه محض صدفة تاريخية، بل نتيجة منطقية لآليات محوٍ اشتغلت بهدوء، ونجحت حيث يفشل العنف الصريح. فالقتل، على بشاعته، يظل حدثًا مكشوفًا، أما المحو المعرفي فهو قتلٌ مؤجَّل، لا يُرى أثره إلا حين نبحث فلا نجد!
لقد قُتلت «هيباتيا» جسديًا على أيدي غوغاء مُسيَّسين، في واقعة باتت رمزًا لانتصار التعصب على العقل، غير أن الجريمة الأعمق لم تكن في سفك الدم وحده، بل في طمس الأثر، وتجفيف الامتداد، وقطع السلسلة التي كان يمكن أن تربط فكرها بأجيال لاحقة. فالجسد يمكن اغتياله في لحظة، أما العقل فلا يُغتال إلا حين يُحرم من الذاكرة، ويُجتث من سياقه. وهكذا، تصبح «هيباتيا» مثالاً صارخًا على شكلٍ من أشكال العنف الثقافي الذي لا يكتفي بإسكات الصوت، بل يعمل على محو صداه. فالمعرفة التي لا تُدوَّن، أو لا يُسمح لها أن تُدوَّن، تظل عُرضة للنسيان، وكأنها لم تكن. ومن هنا، يمكن القول إن «هيباتيا» لم تُقتل مرةً واحدة، بل قُتلت مرتين: مرة حين سُحقت جسديًا في شوارع الإسكندرية، ومرة حين أُعدم فكرها بصمت، عبر إقصائه من المتن، وتركه يتلاشى في الهوامش.
إن مأساة «هيباتيا»، في جوهرها، ليست مأساة فردٍ فحسب، بل مأساة العقل حين يُستهدف لا لأنه أخطأ، بل لأنه فكَّر. وهي تذكيرٌ قاسٍ بأن المحو، حين يُحسن تدبيره، قد يكون أبلغ أثرًا من القتل؛ لأنه لا يترك ضحيةً واحدة، بل يخلّف فراغًا معرفيًا يمتد عبر القرون.
* ماري أنينغ: الاكتشاف الذي عاش بلا اسم
في القرن التاسع عشر، حين كان العلم يخطو خطواته الأولى نحو فهمٍ عميقٍ لأزمنة الأرض السحيقة، كانت عالمة الحفريات البريطانية «ماري أنينغ» Mary Anning (1799 – 1847) تمشي وحيدةً على حوافّ العالم؛ بعيدًا عن قاعات الجامعات، على الشواطئ الباردة لجنوب إنجلترا، حيث تتكسر الأمواج كما تتكسر الأوهام القديمة. هناك، بين صمت الصخور وذاكرة الطبقات الجيولوجية، كانت تلتقط شظايا الزمن، وتستخرج من جسد الأرض بقايا كائناتٍ سبقت الإنسان بآلاف القرون، كأنها تستنطق الماضي ليعترف بما كان.
لم تكن «ماري» مجرد ملتقطة أحافير، بل كانت قارئةً نادرةً للعلامات الخفية، تفهم ما ترى، وتربط بين الأجزاء، وتعيد بناء الحكاية الكبرى للحياة قبل أن يكون لذلك علمٌ مكتمل الاسم أو المنهج. اكتشفت ما لم يره غيرها، وصنَّفت ما عجز كثيرون عن فهمه، وكانت معرفتها، كما شهد معاصروها، أعمق من معرفة معظم أولئك الذين جلسوا على مقاعد الاعتراف الأكاديمي. لكن المأساة لم تكن في الجهل، بل في نظامٍ كان يرى العلم امتيازًا اجتماعيًا، وليس ثمرة إعمالٍ للعقل. لم تكن «ماري» رجلاً، ولم تكن من طبقةٍ تملك حق الدخول إلى النوادي العلمية المغلقة؛ ولذلك، ظل علمها يعبر الأبواب دونها. كانت الاكتشافات تُحمل إلى القاعات المضيئة، تُناقش بأسماءٍ أخرى، وتُسجَّل في دفاتر التاريخ بأقلامٍ لم تبتل بملح البحر ولا بعرق الشقاء، بينما بقيت هي على الهامش، شاهدةً على ما يُصنع من ثمار جهدها دون أن يُذكر اسمها!
قال أحد معاصريها بحق: «كانت تعرف أكثر مما يعرف معظمهم»، غير أن المعرفة، حين تصدر عن امرأةٍ فقيرة، لا تُعد كافية لتمنح الخلود. فالعلم، في تلك الحقبة، لم يكن يبحث فقط عن الحقيقة، بل عن صاحبٍ «مناسب» للحقيقة؛ اسمٍ يتوافق مع السلطة، ونسبٍ يرضي العرف، وصوتٍ يُسمح له بأن يُسمع. وهكذا، لم تُسرق اكتشافات «ماري» في لحظاتٍ فجة، بل جُردت منها ببطءٍ أشد قسوة: اقتُطعت منها اسمًا بعد اسم، وحُذفت حتى من الهوامش، حتى غدا ما أنجزته كأنه وُلد بلا أم. اكتشافاتٌ عظيمةٌ عاشت، لكنها عاشت يتيمة، بلا وجهٍ يشبهها، وبلا اسمٍ يعترف بأن امرأةً وقفت يومًا على الشاطئ، وغيرت، بصمتها العنيد، فهم البشرية لتاريخ الحياة على الأرض!
* روزاليند فرانكلين: الصورة التي غيّرت العالم ولم تُوقَّع
حين ركزت عالمة الفيزياء الحيوية «روزاليند فرانكلين» Rosalind Franklin (1920 – 1958) عدسة العلم على البنية الخفية للحياة، لم تكن تلتقط صورةً عابرة، بل كانت تُجمد لحظةً كونيةً نادرة: لحظة انكشاف السر الذي يكتب به الوجود ذاته شيفرته. في مختبرٍ بارد، وتحت شروطٍ صارمة من الدقة والصبر، وُلدت تلك الصورة التي ستُعرف لاحقًا بوصفها المفتاح الصامت لفهم اللولب المزدوج للحمض النووي. لم يكن في نيتها أن تُحدث ضجيجًا، فالعلم عندها كان فعل أمانة وليس عرضًا للبطولة، واكتشاف الحقيقة كان غايةً وليس وسيلةً إلى المجد.
لكن الصورة، ما إن خرجت من إطارها الأخلاقي، حتى بدأت حياةً أخرى لا تشبه صاحبتها؛ استُخدمت دون إذن، وتناقلتها الأيدي كما لو كانت فكرةً سائبة بلا أصل، وبُني عليها النموذج الذي سيُعلن لاحقًا بوصفه أعظم إنجازات علم الأحياء في القرن العشرين. نُشرت النظرية، وتحول الاكتشاف إلى خطابٍ عالمي، بينما ظل الاسم الذي منح الصورة معناها الحقيقي مطويًّا في الظل، كأن العدسة التقطت الحقيقة، لكنها أخفت صاحبة النظر. وحين جاء زمن الاحتفاء، زمن الجوائز والتكريمات والكلمات الرنانة عن «العبقرية الإنسانية»، كان مقعد «روزاليند» فارغًا. لم يكن غيابها نتيجة سهوٍ بريء أو نسيانٍ عابر، بل ثمرة فعلٍ مكتمل الأركان: استحواذ مباشر، جرى بهدوء العلماء وبرودة المختبرات، ثم أُلبس لاحقًا ثوب الضرورة التاريخية. ولم يكن التاريخ يومها قاسيًا فحسب، بل كان صبورًا على الظلم، يؤجل تصحيحه حتى يفقد التصحيح معناه؛ فالاعتراف الذي جاء لاحقًا، بعد رحيلها المبكر، لم يكن إنصافًا بقدر ما كان تسجيلاً متأخرًا للذنب. بعض الاعترافات لا تعيد الحق إلى صاحبه، لأنها تأتي حين لا يعود صاحب الحق موجودًا ليسمعها. إنها اعترافات تُكتب لتبرئة الذاكرة الجماعية، وليس لإنقاذ العدالة. وهكذا بقيت صورة «روزاليند» شاهدةً على مفارقة موجعة: أن تغير امرأةٌ وجه العالم، ثم تُمحى من صورته، وأن يُخلَّد الاكتشاف، بينما يُترك من صنعه خارج التاريخ … موقَّعًا بالصمت!
* إيمي نوثر: العبقرية التي عملت في الظل
في صميم الفيزياء الحديثة، حيث تُبنى القوانين بوصفها لغة الكون الخفية، تقف «مبرهنة نوثر» Noether's theorem كعمودٍ لا يُرى، لكنه يحمل السقف كله؛ فلا يمكننا فهم قانون حفظٍ للطاقة Conservation Law، ولا الزخم، ولا الشحنة، إلا إذا أُصغينا إلى تلك العلاقة العميقة التي كشفتها عالمة الرياضيات الألمانية «إيمي نوثر» Emmy Noether (1882 – 1935) بين تناظرات الطبيعة وثبات قوانينها. لقد أعادت «نوثر» ترتيب الفهم ذاته: لم تعد القوانين أوامر مفروضة على الكون، بل نتائج حتمية لانسجامه الداخلي.
مع ذلك، كانت صاحبة هذا الانقلاب المفهومي تعمل في الهامش، لا لأن عقلها قاصر، بل لأن المكان لم يكن معدًّا لاستقبال امرأةٍ تحمل هذا القدر من الجذرية الفكرية. كانت «نوثر» يمارس التدريس في الجامعات الألمانية بلا أجر، كأن المعرفة التي تمنحها لا تستحق مقابلًا، وكأن حضورها ذاته فعلٌ زائد عن الحاجة. نُشرت أفكارها أحيانًا تحت أسماء زملائها، لا على سبيل التصحيح الشكلي للاسم الذي ينبغي أن يتصدرها؛ فالعقل مقبول، ما دام لا يطالب بجسدٍ مؤسسي، ولا باسمٍ مُعلَّق على باب التاريخ!
قال «آينشتين» عنها إنها «أعظم عبقرية رياضية منذ بدء تعليم النساء»، لكن حتى هذه الشهادة، الصادرة عن أكثر العقول حضورًا في القرن العشرين، لم تكن كافية لفتح الأبواب المغلقة. فالمشكلة لم تكن في التقدير الفردي، بل في بنيةٍ كاملةٍ كانت توزع الشرعية كما تُوزع الامتيازات: بحسابات النوع الاجتماعي، لا بحسابات العبقرية. وهنا، لم تقع السرقة في مستوى الفكرة ذاتها؛ فمبرهنة «نوثر» بقيت باسمها، عصية على المحو. السرقة وقعت في مستوى أدق وأقسى: الحق في الوجود الأكاديمي. في المنبر الذي تُلقى عليه الأفكار، في المنصب الذي يُحول العقل إلى مؤسسة، في الاعتراف الذي يجعل العبقرية حدثًا تاريخيًا. لقد سُمح لـ «نوثر» بأن تفكر، لكن لم يُسمح للفكر أن يستقر فيها بوصفها مرجعه الشرعي.
من هنا تتضح الصورة الكبرى: إن إقصاء النساء من تاريخ الفكر لم يكن دائمًا صاخبًا أو عنيفًا، بل كان في الغالب إجرائيًا، باردًا، ومنظمًا. لم تُكمَّم الأفواه، بل أُعيد توجيه الأسماء. لم يُمنعن من التفكير، بل مُنع الفكر من أن يُنسب إليهن. وبين الفكرة واسمها، تاهت عقولٌ كثيرة، وبقي التاريخ –كما كُتب – سجلاً ناقصًا، يحتاج دومًا إلى من يعيد قراءته بإنصاتٍ مختلف!
** الحضور الغائب: عبقرية المرأة في التاريخ العربي
في صفحات التاريخ العربي، نجد أن النساء كُن حاضرات بفعلهن وعملهن: علَّمن الحديث، مارسن الطب، نسخن المخطوطات، وأدرن مدارس العلم والتعليم. لكن ثمة فجوة عظيمة بين حضورهن العملي وبين ما وصل إلينا من أثرهن المكتوب. ماذا كتبن؟ كيف فكرن؟ وأين ذهبت أفكارهن؟ كثيرٌ منها نُقل شفهيًا، أو نُسب إلى الرجال، أو تلاشى مع الزمن، كما لو أن الذاكرة التاريخية قررت أن تبتلع صوتهن.
لم يكن الإقصاء دائمًا صارخًا، ولا منعًا مباشرًا بالورقة والقلم. كان إقصاءً بنيويًا دقيقًا: أن تكون المرأة موجودة في الفعل، حاضرة في الإبداع، غائبة في السجل؛ أن تعمل، وأن لا يُعترف باسمها، كأن الوجود ذاته لم يكن كافيًا ليمنحها حق الظهور الرمزي. لقد صيغ التاريخ وفق آليات السلطة، والسلطة كانت ذكورية، مركزية، وانتقائية في من يُسمح له بأن يحجز مكانه في ذاكرة الفكر. لم تُقص المرأة لأنها أقل عقلاً، بل لأنها لم تُمنح حقًا أساسيًا: الحق في التمثيل، الحق في أن يُسجَّل اسمها، الحق في أن يُقال يومًا: كانت هنا، وفكرت، وأبدعت، وأضافت!
اليوم، الاعتراف ليس ترفًا أكاديميًا، ولا مجرد تصحيح لسجلات مضت. إنه إعادة إنسانية للفكر نفسه، استعادة للضمير المعرفي، وإعادة صياغة التاريخ بما يليق بالعدالة الفكرية. حين نعيد أسماء النساء إلى أفكارهن، لا نغير الماضي كما حدث، لكننا نغير الطريقة التي نفهم بها الإبداع، ونستعيد حق الفكر في أن يُذكر صاحبه.
إن أخطر سرقة في تاريخ الفكر لم تكن سرقة الأفكار، بل سرقة الاسم. فحين يُسرق الاسم، يُسلب الإنسان حقه في الذاكرة، ويُمحى أثره الرمزي من دائرة التأريخ، فيصير مجهولاً في معادلة الفكر، وكأن فكرة عظيمة خرجت من فراغ، لا من عقلٍ حي.
الحلقات السابقة
لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الأولى: (لافوازييه وبريستلي)
لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الثانية: (نيوتن وليبنتز)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)