اللغة ليست أداة محايدة، بل مخاطرة دائمة
لم يولد الفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس» Jürgen Habermas (من مواليد سنة 1929) وفي فمه نصفُ حقيقةٍ جاهزة، كما لو أن الفلسفة ميراثٌ بيولوجي أو امتيازٌ يُمنح عند الميلاد؛ بل وُلد وفي فمه نصف صوت. شقّ صغير في الشفة، بالكاد يُرى، لكنه كان كافيًا لأن يفتح في تجربته الأولى صدعًا عميقًا: صدعًا بين الرغبة في القول والقدرة على الإفصاح، بين المعنى كما يُحَس والمعنى كما يُنقل. هكذا تعلَّم، جسديًا وليس نظريًا، أن اللغة ليست أداة محايدة، وأن الكلام ليس تدفقًا طبيعيًا، بل مخاطرة دائمة، واحتمال فشلٍ كامن في كل محاولة للتواصل.
كيف نُعيد إلى اللغة كرامتها؟
نشأ «هابرماس» وهو يشعر أن صوته لا يصل مباشرة إلى العالم، بل يمر بمنعطفات، يتعثر، يتكسر، كأن عليه أن يفاوض الهواء قبل أن يلامس آذان الآخرين. في هذا التعثر المبكر، في هذا الإحساس بأن التواصل فعلٌ غير مضمون النتائج، تكوّنت البذرة الأولى لما سيصير لاحقا أحد أكثر المشروعات الفلسفية طموحًا في القرن العشرين: البحث في شروط الفهم الإنساني، لا بوصفه حقيقة عقلية مجردة، بل بوصفه ممارسة حية بين ذوات هشة. ولم يكن السياق التاريخي أقل قسوة من السياق الجسدي؛ فقد فتح وعيه على عالمٍ كانت فيه اللغة نفسها مُدنَّسة، مُسخَّرة للعنف، ومتورطة في الكذب الجماعي. السياسة لم تفسد الممارسات العامة وحدها، بل أفسدت الكلام: جعلت الخطاب أداة سيطرة، لا وسيلة تفاهم، وجردت الكلمات من وعودها الأخلاقية. في هذا العالم، كان الصمت نجاةً لبعض الناس، وكان الصراخ امتثالاً لبعضهم الآخر. أما «هابرماس»، فاختار طريقًا ثالثًا: أن يُعيد للغة كرامتها المهددة.
الفعل التواصلي
من هنا لا تبدو نظرية الفعل التواصلي Communicative Action مشروعًا أكاديميًا باردًا، بل سيرة ذاتية متخفية في هيئة فلسفة. فالفعل التواصلي، في جوهره، ليس مجرد تبادل معلومات، بل التقاء ذواتٍ تسعى – على الأقل مبدئيًا – إلى التفاهم. هو فعلٌ يتأسس على افتراض أخلاقي صامت: أن الآخر ليس عدوًا ولا وسيلة، بل هو شريكٌ محتمل في بناء المعنى. ولهذا يرتبط التواصل، عنده، بالحقيقة كما يرتبط بالصدق، وبالشرعية كما يرتبط بالاعتراف المتبادل.
العقل لا يبلغ نُضجه في العُزلة
يميز هابرماس بين فعلٍ يُراد به النجاح بأية وسيلة، وفعلٍ يُراد به الفهم مهما كانت كلفته. الأول أداتي، يحسب النتائج ويقيس النفع؛ أما الثاني فتواصلي، لا يتحقق إلا إذا قبل المتحاورون الاحتكام إلى قوة الحُجة بدلاً من حُجة القوة. وفي هذا التمييز يكمن قلب مشروعه: إن العقل لا يبلغ نضجه في العزلة، ولا في السيادة الصامتة، بل في الحوار المنفتح الذي يُمكن كل طرف من مساءلة ادعاءات الآخر، والأهم: مساءلة ادعاءاته الخاصة. لهذا لا تظهر اللغة، في فلسفته، كمرآة للعالم، بل كمساحة أخلاقية مشتركة. إنها الحقل الذي تُختبر فيه الحقيقة، لا عبر التطابق الميتافيزيقي، بل عبر القابلية للنقاش. الحقيقة، هنا، لا تُفرض، بل تُستدعى إلى الطاولة؛ والشرعية لا تُمنح من أعلى، بل تُنتج من أسفل، من تفاعل العقول في فضاء عمومي حر. ولعل ما يمنح هذا المشروع ثقله الوجودي هو أنه وُلد من تجربة نقص لا من فائض. هابرماس لم يكتب من موقع الصوت الواثق بذاته، بل من موقع الصوت الذي تعلم بشق الأنفس كيف يصل. لذلك لم يكن هدفه أن ينتصر في الجدل، بل أن يُنقذه؛ أن يحميه من التحول إلى ضجيج، أو إلى أداة قمع مقنَّعة بالعقلنة.
كيف يمكن أن نتعايش؟
هكذا تحوّل الجرح الصغير الذي رافقه منذ الطفولة إلى نافذة واسعة على سؤال الفلسفة الأقدم: كيف يمكن للبشر، المختلفين والمعرَّضين لسوء الفهم، أن يعيشوا معًا دون أن يفترس بعضهم بعضًا؟ لم يسع إلى إلغاء الصمت، بل إلى إصغائه؛ ولم يُرِد للكلام أن يكون عاليًا، بل أن يكون قابلًا للفهم. وربما في هذا تكمن المفارقة الأجمل: أن الفلسفة، في حالته، لم تكن ثمرة اكتمال، بل ثمرة انكسار؛ وأن العقل التواصلي لم يولد من فائض يقين، بل من حاجة عميقة إلى الآخر. فثمة من يدخل العالم من بوابة القوة، وثمة من يدخل من شقٍ صغير في الشفة … لكنه يفتح، مع الوقت، بابًا واسعًا أمام إنسانيتنا المشتركة.
.webp)