بهذه النبرة النقدية اللاذعة عبَّر الفيلسوف السلوفيني «سلافوي جيجك» عن التوتر البنيوي بين الفلسفة والسُّلطة؛ لا السُّلطة بوصفها بنية سياسية، بل بوصفها كلّ شكلٍ من أشكال الهيمنة التي يمارسها الإنسان في أي زمانٍ ومكان، حين يُحول العادة إلى قانون، والامتثال إلى فضيلة، والسكوت إلى علامة على الحكمة؛ ففي هذا المعنى، تصبح الفلسفة فعل مقاومة، لا لأنّها تَعِد بالخلاص، بل لأنها ترفض المصالحة السهلة مع واقعٍ يُطالَب فيه الفكر بأن يكف عن الإزعاج!
في إحدى مدن أوروبا الشرقية، وفي ظل شتاء يوغوسلافي رتيب، كان هناك شاب نحيل بملامح خجلى وذهن يفيض بضجيج لا يهدأ. كان اسمه: «سلافوي جيجك» Slavoj Žižek (من مواليد سنة 1949). شابٌ لم يحمل لافتة ثورية ولا انخرط في حركة معارضة، لكنه ارتكب في نظر السلطة خطيئة أشد خطرًا: كان يفكر! كان «جيجك»، في زمنٍ تُقدَّم فيه الأيديولوجيا كسماء مكتملة لا ثقب فيها، يقف على حافة تلك السماء ويتساءل: وماذا لو كانت النجوم ثقوبًا؟ وماذا لو أن الضوء ليس برهانًا على الحقيقة، بل على غيابها؟
لم تكن السُلطة في يوغوسلافيا تطيق هذا النوع من الأسئلة؛ فالسُلطة – أية سُلطة في أي موقع، وسواء أكانت كبيرةً أم صغيرة – قد تحتمل معارضًا يعرف كيف تتفاوض معه وتجتذبه، لكنها لا تحتمل فيلسوفًا يجردها من المسلمات التي تقوم عليها. فالمعارض يطالب بتغيير المسؤول، أما الفيلسوف فيسأل عن معنى وجود المسؤول أصلاً!
لم يكن «جيجك» ثائرًا صاخبًا، بل كان يكتب جملاً تبدو للوهلة الأولى بريئة، لكنها كانت في حقيقتها تعمل كمعاول صغيرة تنخر في جدار الخطاب الرسمي. كان يكتب عن الأيديولوجيا كما لو كانت روحًا خفية تتسلل إلى اللغة، إلى القوانين، إلى الشعارات، ثم تجعل الجميع يظنون أنهم أحرار وهم يعيشون داخل قفص مدهون بلون الحرية. ولذا وجد بعضهم أن صمت «جيجك» أخطر من صياح الآخرين. الصياح يراه الناس، أما الفلسفة فتنفذ كالدخان تحت الأبواب، وهكذا مُنع من المناصب الجامعية، وتعثر حصوله على الدكتوراه، ووُضِع دائمًا في دائرة الريبة، كمن يحمل شيئًا غير مسموح به رغم أن يده فارغة!
ثم حدث ما لم تُرد السُلطة الاعتراف بأنه كان قادمًا: تشققت السماء؛ انفجرت يوغوسلافيا جنوبية وشمالية ووسطى، وتحولت مقولات الإعلام الرسمي إلى قصاصاتٍ من ورق. كل ما كان يبدو صلبًا، صار فجأة قابلاً للتفتت تحت أصابع الناس. وفي تلك اللحظة التي كان الجميع يبحثون فيها عن تفسير، عاد «جيجك»، الشبح الذي حاولت السُلطة تجاهله، إلى الساحة. عاد ليس بوصفه معارضًا منتصرًا، بل بوصفه الشاهد الذي كان يراقب التشققات بينما كان الآخرون يحتفلون بصلابة الجدار!
قال يومًا. إن السُلطة لا تسقط حين تواجه المعارضة؛ بل حين تعجز عن مواجهة أسئلتها الخاصة. اندفع الناس يقرأون «جيجك» لفهم ما حدث: كيف تتحول الأيديولوجيا إلى دينٍ دنيوي؟ كيف ينهار النظام حين يفقد قدرة إنتاج الخيال الذي يبرر وجوده؟ المفارقة المؤلمة أن تحليلات الرجل الذي ضيَّقت السلطة عليه أصبحت اليوم تُدرَّس في جامعات العالم لفهم سقوط تلك السلطة ذاتها!
لماذا تخشى السُلطة الفلسفة؟ لماذا تُقلصها؟ لماذا لا تُحب قُراءها والمشتغلين فيها بُعمق؟ لما لا تُحب تدريسها؟ لأن الفيلسوف ليس موظفًا في الحقيقة، بل هو زائرٌ دائم الفضول؛ لا يسكن المسلمات، بل يسكن حدودها. وكل ما يريده هو أن يرى: أن يرى ما لا يُراد له أن يرى!
يدخل المسؤولون إلى السلطة عبر أبواب صلبة، أما الفلاسفة فيدخلون عبر الشقوق. والأنظمة تعلم أن الشقوق، حتى الصغيرة منها – هي بداية التغيير. ولذلك يخيفها الفيلسوف؛ فالفيلسوف لا يثور على الجدران؛ بل يكشف هشاشتها.
حين نروي قصة «جيجك»، فإننا لا نروي قصة أفكارٍ مُنعت، ولا وظيفة أُجهضت، ولا شابًّا سلوفينيًا غريب الأطوار. نحن نحكي عن قانون كوني قديم: من سقراط في أثينا، إلى ابن رشد في الأندلس، إلى سبينوزا في أمستردام، إلى جيجك في ليوبليانا: السُلطة تطرد الفيلسوف، ثم حين تتعثر أو تسقط تستدعيه ليفسر تعثرها أو سقوطها! السُلطة – أية سُلطة، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية – لا تُدرك أن الفيلسوف ليس عدو السلطة، بل مرآتها. والسلطة التي تخاف المرآة، تُعد نفسها دائمًا لانهيار لا تفهمه!
لا يمكن لأية سُلطة أن تصمد طويلاً إن منعت التفكير؛ والفيلسوف الذي يُطارد اليوم، يصبح غدًا المؤرخ الحقيقي للعصر. لأن الفلسفة لا تسعى إلى السيطرة، بل إلى الفهم؛ ومن يفهم يبدأ من حيث انتهى الآخرون ... السُلطة قصيرة العمر مهما امتد بها الزمن، أما الفلسفة فخالدة. و«جيجك»، بكل صخبه وعبثه ونكاته السوداء، مجرد شاهد آخر على حقيقة قديمة: يمكن للسلطة أن تمنع الفيلسوف من أي شيء سوى أن يُفكر وأن يرى. وما يراه الفيلسوف اليوم سيصبح غدًا مادة تفسير العالم بعد انهيار كل ما نعرفه!
.webp)