لم يدخل الفيلسوف البريطاني «آلان دو بوتون» Alain de Botton (من مواليد سنة 1969) إلى ساحة التفلسف من بوابة المعابد الأكاديمية، ولا من بين رفوف المخطوطات الثقيلة، بل ولجها من شقٍ إنسانيٍ بالغ البساطة والمرارة معًا؛ من سؤال بسيط كان يطارده كلما رأى الناس يهرولون في الشوارع بوجوه مرهقة، كأنهم يطاردون شيئًا لا يُرى: لماذا يبدو الجميع متعبًا إلى هذا الحد؟
لقد أحس، مبكرًا، بأن الإنسان المعاصر يعيش حياةً تزداد ازدحامًا كل يوم، فيما روحه تتقلص مثل ورقة تتعرض للشمس بلا ماء. أراد أن يفهم هذا الاضطراب الذي يتحرك خلف وجوه الناس، ذلك القلق الصامت الذي يشبه ارتجافًا دائمًا في القلب. وكانت الفلسفة بالنسبة له ليست درعًا ضد العالم، بل نافذة عليه.
لم يكتب «دو بوتون» بأسلوب الفلاسفة الذين يحتمون في حصون التنظير؛ كتب كما لو أنه يضع يدًا على كتف القارئ ويقول له: هيا نفكر معًا، ببطء، مثل أصدقاء في مقهى. فلسفته ليست صوامع ولا أبراجًا عالية، بل جسورًا صغيرة تمتد بين الحياة اليومية وأسئلة المعنى: كيف نحب دون أن نفقد أنفسنا؟ كيف نعمل دون أن نستنزف أرواحنا؟ لماذا نفشل؟ ولماذا نخاف؟ وكيف يمكن لحكمة الرواقيين، أو لتأملات «ميشيل دي مونتين» Michel de Montaigne المترددة، أن تُخفف وطأة يومٍ مثقل بالخيبات، أو تواسي قلبًا منكسرًا بالإخفاقات؟
كان «دو بوتون» مشغولًا دائمًا لا بالفلاسفة أنفسهم، بل بالجراح التي تجعلنا نذهب إليهم ونطلب حكمتهم. ولأنه يؤمن بأن الحكمة لا تنتمي إلى المتاحف والمعابد والمؤسسات التعليمية بل إلى الشوارع، أسس «مدرسة الحياة»؛ مؤسسة تُعيد الفلسفة إلى موضعها الأصلي، حيث بدأت أول مرة: بين الناس، في الأسواق، في البيوت، في الأسئلة الصغيرة التي نخجل من مواجهتها. لقد أراد للفلسفة أن تكون شيئًا نستطيع أن نلمسه، أن نطبخه، أن نجربه، لا أن نقرأه فقط؛ أن تتحول من فكرة إلى ممارسة، ومن حكمة إلى عادة.
والحق أن أبهى ما يميّز حكاية «دو بوتون» أنها خالية من ادعاء البطولة الفكرية؛ لم يتقدم بوصفه حامل مفاتيح الحقيقة، ولا أحاط نفسه بتلك الهالة المصطنعة التي يتدثر بها بعض الأكاديميين، ولا استعان بقداسةٍ رخوة كما يفعل نفرٌ من رجال الدين حين يخلطون اليقين بالسلطة. كان – على العكس – شديد الوعي بحقيقة صارخة: أن الإنسان المعاصر لا يعاني من نقصٍ في العبقرية، بل من فقرٍ في الدفء؛ لا يحتاج إلى مزيد من العقول المتعالية، بل إلى أصواتٍ لا تخجل من الاعتراف بضعفها، فلاسفة يعترفون بأنهم بشر، يُحبون ويخطئون، يفشلون ويسقطون ثم ينهضون مثل سائر الناس.
يكتب دو بوتون الفلسفة كما لو كان يرسم خريطةً للنجاة اليومية؛ لا للخلاص العظيم؛ دليلاً متواضعًا لعبور الأيام بأقل قدرٍ من القسوة ... يكتب وكأنه يهمس في أذن القارئ بأن الحكمة ليست كنزًا بعيدًا يُحتكر في الأعالي، ولا فكرة مجردة تُعلَّق خارج الحياة، بل شيء صغير، هش، ينمو في تفاصيل اللحظة العابرة؛ في الانتباه، في الفهم، وفي القدرة على التصالح الهادئ مع نقصنا الإنساني حين نجرؤ على رؤيته. وفي عالم يزداد ضجيجًا، يبدو صوت دو بوتون، الهادئ، المتأمل، المفعم بالحنو، كأنّه دعوة خفيفة للعودة إلى أنفسنا ... إلى ذلك المكان الداخلي الذي نسيناه طويلاً، وظنناه لم يعد موجودًا!
