لقد دخل العلم مرحلة غير مسبوقة، لم يعد فيها الاكتشاف نتيجة مسار بطيء من الفرضيات والتجارب، بل ثمرة تفاعل فوري بين البيانات الضخمة Big Data، والحوسبة فائقة الأداء High-Performance Computing، والخوارزميات القادرة على التعلم والاستنتاج والمحاكاة. وفي هذا المشهد، يصبح السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا: هل ما نشهده هو تسريع للمعرفة فقط، أم إعادة كتابة لقواعد إنتاجها؟ وهل من يتحكم في أدوات الذكاء الاصطناعي يتحكم، بالضرورة، في مستقبل الحقيقة ذاتها؟
في قلب هذا التحول، ظهرت ما عُرفت باسم «مهمة التكوين» The Genesis Mission، كمبادرة وطنية أطلقتها الحكومة الأمريكية بقيادة وزارة الطاقة الأمريكية، وهي مبادرة لا يمكن قراءتها بوصفها مشروعًا علميًا محضًا، وإنما بوصفها إعلانًا رمزيًا عن بداية عصر جديد في علاقة الدولة بالعلم، والعلم بالسلطة.
تم الإعلان عن مهمة التكوين رسميًا في نوفمبر 2025 عبر أمر تنفيذي وقَّعه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الطموحات العلمية مع رهانات التفوق الجيوسياسي. ولم يكن اختيار الاسم «جينيسيس» Genesis، أي «الأصل» أو «البداية» اعتباطيًا؛ حيث يحيل إلى فكرة الخلق الأولى، وإلى طموح تأسيسي يرمي إلى إعادة ولادة العلم ذاته، ولكن هذه المرة بوساطة الذكاء الاصطناعي.
تهدف مهمة التكوين إلى إنشاء منصة وطنية مُوحَّدة للذكاء الاصطناعي، قادرة على دمج الثروات المعرفية التي تمتلكها الأمة الأمريكية، من قواعد بيانات علمية هائلة، إلى موارد حوسبة عملاقة، وصولاً إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لا تكتفي بتحليل النتائج، بل تشارك في تصميم التجارب العلمية. وبهذا المعنى، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى شريك معرفي، ومن وسيط تقني إلى فاعل في إنتاج العلم.
في النموذج التقليدي للعلم، كان الاكتشاف أشبه برحلة طويلة محفوفة بالاحتمالات، تتطلب سنوات من التجريب والتكرار. أما في نموذج مهمة التكوين، فإن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة آلاف السيناريوهات في وقت واحد، واختبار الفرضيات افتراضيًا، وتسريع الوصول إلى النتائج عبر تقنيات مثل المحاكاة Simulation والنمذجة Modeling، مما يعيد تعريف زمن الاكتشاف العلمي وطرائقه. وهكذا، لا يغدو السؤال الأهم: ماذا نكتشف؟ بل: من يحدد ما يستحق الاكتشاف؟ وتستند هذه المهمة إلى تحالف واسع يجمع وزارة الطاقة الأمريكية Department of Energy – DOE، وشبكة مختبراتها الوطنية، والجامعات، وشركات التكنولوجيا العملاقة، في نموذج تعاوني يذيب الحدود التقليدية بين القطاعات: العام والخاص والأكاديمي. ولا شك أن هذا النموذج يعكس تحولاً عميقًا في دور الدولة، من ممول أو منظم للبحث العلمي إلى شريك مباشر في صناعته، عبر بنية ذكاء اصطناعي مركزية.
غير أن البعد العلمي ليس سوى وجه واحد من وجوه مهمة التكوين؛ فخلف هذا المشروع، يلوح بوضوح هاجس المنافسة الدولية، ولا سيما مع الصين، في سباق الهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدم. وقد شُبهت المبادرة، في خطابها السياسي، بأكبر تعبئة علمية منذ برنامج أبولو Apollo Program، في استدعاء واعٍ لذاكرة تاريخية ربطت التفوق العلمي بالقوة الوطنية. لكن حيثما تُعاد صياغة المعرفة، تُعاد معها صياغة السلطة؛ فتركيز البيانات، والحوسبة، والخوارزميات في منصات محددة، يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية حول الحوكمة الخوارزمية Algorithmic Governance (إدارة أو تنظيم القرارات والعمليات العامة أو المؤسسية عبر أنظمة وخوارزميات حاسوبية بدلاً من الاعتماد الكامل على البشر)، وحول من يمتلك القرار في عالم بات يُدار بشكلٍ متزايد بواسطة أنظمة لا تفكر على الطريقة الإنسانية، لكنها تؤثر في مصائر البشر. كما تبرز تحديات حماية البيانات الحساسة، وحدود الاعتماد على الشركات التكنولوجية الكبرى Big Tech، ومخاطر اختزال التعدد العلمي في منطق خوارزمي واحد.
من هنا، لا تُعد مهمة التكوين مشروعًا أمريكيًا داخليًا فحسب، وإنما علامة على تحول كوني في بنية المعرفة ذاتها. إنها لحظة تتقاطع فيها الفلسفة مع السياسة، والعلم مع القوة، والذكاء الاصطناعي مع سؤال قديم متجدد: من يملك المستقبل حين تُصبح المعرفة آلية، والسلطة خوارزمية؟ قد تبدو مهمة التكوين، عند النظرة الأولى، مجرد مشروع تقني طموح يهدف إلى تسريع الاكتشاف العلمي عبر تسخير الذكاء الاصطناعي، غير أن جوهرها الحقيقي لا يقيم في بنيتها الخوارزمية ولا في قدرتها الحاسوبية، بل فيما تفترضه – صمتًا – عن معنى المعرفة، وعن موقع الإنسان داخل فعل الاكتشاف، وعن الحدود التي ينبغي أن يقف عندها القرار العلمي؛ فهي لا تضيف أداة جديدة إلى ترسانة العلم، بل تعيد صياغة النموذج الذي يتم إنتاج العلم به، وتعلن انتقالاً هادئًا ولكن عميقًا من علمٍ يُفهم إلى علمٍ يُصنَّع.
أولاً: مهمة التكوين بين مانهاتن وأبولو
وفقًا لمؤرخ وفيلسوف العلم الأمريكي «توماس كون» Thomas Kuhn (1922 – 1996)، لا يتقدم الفهم العلمي تراكمًا متدرجًا، بل عبر تحولاتٍ نموذجية حادة تُغير الإطار الذي يُفهم العالم من خلاله؛ لحظات لا تتميز بإنجازاتها التقنية فحسب، بل بإعادة تعريف ما يُعد علمًا، وما يُحسب دليلاً، وما يمكن أن نُعده أصلاً معرفة. ولو أخذنا بهذه الرؤية، فإن ثمة ثلاث لحظات تقف كعلاماتٍ فاصلة في هذا المسار: لحظة مانهاتن، حين اكتشف العلم كيف يُدمر ويُفني؛ ولحظة أبولو، حين تجرأ العلم على أن يحلم علنًا؛ ولحظة التكوين، حيث بدأ العلم يُفكر في الاستغناء عن الإنسان! وبالتالي، فالسؤال الذي يطل من بين هذه اللحظات ليس تقنيًا، بل هو سؤالٌ ميتافيزيقي: كيف تغير موقع الإنسان داخل مشروع المعرفة؟ ومتى تحول العلم من بحثٍ عن المعنى إلى نظامٍ يعمل بذاته؟
1) مانهاتن: العلم كذراعٍ للعدم
لم يكن مشروع مانهاتن مجرد برنامجٍ علمي، بل كان التقاءً كثيفًا بين العقل، والقرار، والقوة المطلقة. هناك، للمرة الأولى، لم يُسأل العلم عما يفهمه، بل عما يستطيع تدميره. تحولت المعرفة إلى فعل، والفعل إلى تهديد كوني. إنه تجسيدٌ حي لما أطلق عليه عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني «ماكس فيبر» Max Weber (1864 – 1920) اسم «العقل الأداتي»: عقلٌ لا يرى في العالم إلا ما يمكن إخضاعه. في مانهاتن، انكسرت الصلة بين الاكتشاف والمسؤولية، ولم يعد العالِم شاهدًا على الحقيقة، بل ترسًا في ماكينة سيادية، وأصبح العلم – وقد أُفرغ من تأمله – شريكًا في إنتاج الخطر وتسهيل الدمار!
2) أبولو: عودة الحلم إلى المعادلة
على النقيض، جاء برنامج أبولو كاستعادةٍ نادرة لوجهٍ آخر للعلم. لم يكن سؤال أبولو: ماذا نستطيع أن نفعل؟ بل: إلى أي أفق يمكن للإنسان أن يمد وعيه؟ هنا، لم تُلغِ التقنية المعنى، بل حملته. صار الصاروخ استعارة، والقمر مرآةً لطموحٍ إنساني يتجاوز الأرض دون أن يتنكر لها. ظل الإنسان في المركز: العالِم مُبدع، والرائد رمز، والجمهور شاهدٌ على سردية مشتركة. كان أبولو محاولة للتوفيق بين القدرة والمعنى، وبين السيطرة والتجاوز، وبين الحساب والحلم.
3) مهمة التكوين: العلم يعمل وحده
مع مهمة التكوين، ندخل طورًا آخر، أكثر غموضًا وأقل شاعرية. هنا لا يُطلب من العلم أن يفهم، بل أن يتنبأ؛ ولا من الإنسان أن يكتشف، بل أن يُشرف. الذكاء الاصطناعي لا يُنتج معرفة بالمعنى الكلاسيكي، بل يُنتج نتائج: نماذج بلا حدس، وتنبؤات بلا تجربة، واكتشافات لا تمر بالوعي. ومن ثم، ينشأ سؤالٌ مقلق: هل تظل المعرفة معرفةً إذا انفصلت عن الفهم؟ ومن يُسأل أخلاقيًا عن نتائج لا أحد «يعرف» كيف وُلدت؟
في مهمة التكوين، لا يقف العالِم أمام الظاهرة، بل أمام شاشة، وأمام خوارزمية، وأمام تدفقٍ لا متناهي من البيانا؛. ويتحول من مكتشفٍ إلى قيَّم، ومن فاعلٍ إلى مُراجع. والأخطر: أن منطق الخوارزمية لا يسأل عما ينبغي اكتشافه، بل عما يمكن تسريع، حيث يتم تقديم المنفعة على المعنى، والسرعة على العمق، والقابلية للحوسبة على الأسئلة الوجودية. وهكذا تتكدس المعرفة حيث توجد السلطة الحاسوبية، وتنغلق الدائرة بين الدولة، والتقنية، ورأس المال.
لم يكن توقيع الرئيس «ترامب» على مهمة التكوين فعلًا إداريًا، بل إيماءة رمزية: العلم لم يعد أفقًا كونيًا، بل موردًا استراتيجيًا. لم يعد مساحة تعاون، بل ساحة سباق. الذكاء الاصطناعي لا يُحيد السياسة، بل يُسرعها. والعلم، وقد دخل هذا المدار، يفقد حياده البنيوي إلى الأبد!
مشروع مانهاتن علَّمنا كيف نخاف، أما برنامج أبولو فقد علَّمنا كيف نأمل، وأما مهمة التكوين فتُعلمنا كيف نُدير. ووفقًا للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر Martin Heidegger (1889 – 1976)، فإن الخطر الحقيقي للتقنية ليس فيما تفعل، بل في كيفية كشفها للعالم. في مانهاتن: انكشف الوجود بعنف، وفي أبولو: توهمنا سيطرة نبيلة، وفي التكوين: يُختزل العالم إلى مخزون بيانات، والإنسان إلى هامشٍ إشرافي. أما عن سؤال المعنى، فيمكن القول أن مشروع مانهاتن أفسد البراءة، وبرنامج أبولو أنقذ الحلم، بينما وضعت مهمة التكوين المعنى ذاته على المحك. لم يعد السؤال: كم نعرف؟ ولا حتى: ماذا نستطيع؟ بل: هل نريد علمًا أسرع، أم علمًا أعمق؟ فالعلم الذي يتجاوز قدرتنا على الفهم، ويفوق قدرتنا على المساءلة، قد يكون أخطر إنجازٍ للعقل ذاته.
ثانيًا: تحليل إبستمولوجي (كيف تعيد مهمة التكوين تعريف معنى «العلم»؟)
لطالما كان العلم، في صورته الكلاسيكية، فعلًا بطيئًا بطبيعته؛ يتقدم بالتراكم، ويُبنى عبر الجدل، ويزدهر بالخطأ بقدر ما يزدهر بالتصحيح. كان التفسير فيه قيمة مركزية، وكان السؤال «لماذا؟» يسبق دومًا السؤال «كيف؟». أما في أفق مهمة التكوين، فإن افتراضًا مختلفًا يطفو إلى السطح: المعرفة لم تعد تُقاس بعمق الفهم، بل بقدرة النظام على التنبؤ السريع والدقيق. وهكذا، تُعاد صياغة العلم بوصفه آلة إنتاج للنتائج، وليس مجرد مسارٍ للتأمل والفهم.
هذا التحول لا يخلو من خطورة إبستمولوجية؛ إذ يُستبدل الكفاءة بالفهم، ويختزل التفسير في نموذج تنبؤي Predictive Model قادر على الإجابة عن سؤال «ماذا سيحدث؟» دون أن يقترب من سؤال «لماذا يحدث؟». فلسفيًا، نحن أمام انتقال مقلق من العلم التفسيري إلى العلم الخوارزمي الذي يكتفي بالتنبؤ دون الفهم، وهو التحول الذي حذّر منه عدد من فلاسفة العلم المعاصرين، حين نبهوا إلى خطر معرفة المستقبل دون امتلاك مفاتيح معناه!
في النموذج الذي تقترحه مهمة التكوين، لا يعود العالِم في تماس مباشر مع الظاهرة التي يدرسها، بل يغدو مشرفًا على منظومات معقدة من الخوارزميات، والنماذج الحسابية، وتدفقات البيانات. يتراجع الاحتكاك المعرفي المباشر، ويحلّ محله إشراف تقني على عمليات لا تُرى ولا تُلمس. وبهذا، تتبدل هوية العالِم ذاتها: من مكتشف يجادل الطبيعة، إلى مدير أنظمة معرفية؛ ومن فاعل إبستمولوجي، إلى مُقيِّم لمخرجات أنتجتها الآلة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يُنتَج في هذا السياق معرفة بالمعنى الفلسفي للكلمة، أم مجرد نتائج نافعة قابلة للاستخدام؟ سؤال يعيدنا، بالضرورة، إلى «كانط»، حين ميَّز بين المعرفة بوصفها تكديسًا للمعطيات، والمعرفة بوصفها تركيبًا ذهنيًا يجمع بين معطى حسي وبنية عقلية إنسانية. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته الحسابية، يفتقد هذا التركيب؛ إذ لا يملك تجربة، ولا قصدية، ولا وعيًا يمنح المعطى معنى. وهكذا تكشف مهمة التكوين عن مفارقة عميقة: فكلما ازدادت الآلة قدرة على إنتاج النتائج، تراجع دور الإنسان بوصفه منتجًا للمعنى. وفي هذا التوتر الصامت بين السرعة والفهم، وبين التنبؤ والتفسير، يتحدد السؤال الإبستمولوجي الأكبر الذي يرافق الذكاء الاصطناعي في عصرنا: هل نربح معرفة أسرع … أم نفقد المعرفة ذاتها؟
ثالثًا: تحليل أخلاقي (من يقرّر ما الذي يُكتشف؟ ولماذا؟)
لا تطرح مهمة التكوين سؤال الاكتشاف بوصفه مسألة تقنية فحسب، بل تُضمِر سؤالًا أعمق وأخطر: ماذا ينبغي أن نكتشف أولاً؟ وأي الأسئلة تستحق أن تُمنح الموارد، والبيانات، والزمن الحاسوبي؟ هنا، يغادر العلم حيزه المحايد ليدخل مجال الحكم القيمي، حيث تصبح الأولويات العلمية قرارات أخلاقية مقنعة بلغة الخوارزميات. بعبارة أخرى، حين تُدرَّب الأنظمة الذكية على تفضيل المشاريع ذات العائد السريع، أو تلك المرتبطة بالتطبيقات العسكرية والاقتصادية، فإننا نكون قد أعدنا تعريف الحقيقة وفق منطق المنفعة، وبالتالي لا يعود السؤال: ما الذي يُوسع فهمنا للعالم؟ بل: ما الذي يُنتج نتائج أسرع وأكثر قابلية للاستثمار؟ وهكذا، يُعاد ترتيب سُلم القيم العلمية دون نقاش علني، وبلا مساءلة فلسفية.
في هذا الأفق، تُهمَّش بحوثٌ بعينها لأنها غير مربحة، وتُؤجَّل تساؤلات أساسية لأنها لا تتلاءم مع منطق «الفعالية الحاسوبية» Computational Efficiency، حيث يصبح التأمل عبئًا، والبطء العلمي خطيئة، وتغدو المعرفة ذاتها خاضعة لإيقاع السوق والاستراتيجية. هنا، يتجسد خطر تسييس العلم عبر خوارزميات تبدو محايدة، بينما هي تعكس، في العمق، منظومة قيم محددة سلفًا. ولو أردنا الدقة لقلنا أن مهمة التكوين تقوم على بنية شديدة التركيز، تتقاطع فيها سلطة الدولة، وقوة الحوسبة العملاقة، ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى. وهذا التقاطع لا يُنتج مجرد كفاءة علمية أعلى، بل يؤسس لنمطٍ جديد من المركزية المعرفية، حيث تُحتكر أدوات الاكتشاف قبل أن تُحتكر نتائجه.
تنشأ، في هذا السياق، فجوة أخلاقية متسعة بين من يملك البنية التحتية – البيانات، الحواسيب، الخوارزميات – ومن لا يملك سوى الفضول العلمي والأسئلة المفتوحة. وهكذا، لا تعود المعرفة فضاءً إنسانيًا مشتركًا، بل تتحول تدريجيًا إلى امتياز سيادي – تقني، تُمنح شروط الوصول إليه بقدر ما تُمنح شروط المواطنة أو القوة الاقتصادية. ولا شك أن هذا الوضع يعيد إلى الأذهان ما أشار إليه «ميشيل فوكو» حين ربط المعرفة بالسلطة، غير أن الربط اليوم لا يمر عبر الخطاب أو المؤسسة وحدهما، بل عبر الخوارزمية، بوصفها بنية غير مرئية تُقرر ما يُرى، وما يُحسب علمًا، وما يُستبعد بصمت؛ فالسلطة لم تعد تفرض ما يجب أن نعرفه، بل باتت تحدد ما يمكن أن نعرفه أصلاً. وبقدر ما تعد مهمة التكوين بتسريع الاكتشافات، فإنها تُعيد رسم خرائط السلطة المعرفية، وتطرح سؤالاً لا مفر منه: هل لا يزال العلم مشروعًا إنسانيًا جماعيًا، أم أنه بصدد التحول إلى مجال سيادي تحكمه الخوارزميات، وتديره قلة تملك مفاتيح المستقبل؟
رابعًا: البعد السياسي – الفلسفي لمهمة التكوين
لم يكن توقيع الرئيس «دونالد ترامب» على مهمة التكوين إجراءً إداريًا عابرًا، ولا قرارًا تقنيًا محضًا، بل فعلاً رمزيًا بالغ الدلالة، يكشف عن تحول عميق في نظرة الدولة إلى العلم، وفي موقع المعرفة داخل معادلات السيادة والقوة؛ ففي الأفق الذي تفتحه مهمة التكوين، لا يكون اكتساب المعرفة نشاطًا إنسانيًا كونيًا تتم ممارسته باسم الفضول العقلي أو السعي إلى الفهم، بل مجرد نشاط سياسي يُدار بمنطق الأمن القومي والتفوق الدولي. فالاكتشاف العلمي، في هذا السياق، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة في صراع عالمي على النفوذ التكنولوجي. وعلى هذا النحو، تمثل مهمة التكوين، في جوهرها، لحظة يتم فيها تحويل العلم إلى أداة سيادة، حيث تُعاد صياغة الاكتشاف بوصفه عنصرًا من عناصر القوة، لا يقل أهمية عن السلاح أو الاقتصاد. وبهذا، تتغير أخلاق العلم ذاتها: ينتقل من منطق التعاون إلى منطق السباق، ومن الانفتاح المعرفي إلى التحكم الاستراتيجي، ومن تبادل المعرفة إلى احتكارها أو تسريعها في اتجاه يخدم مصالح بعينها.
لطالما افترضت الفلسفة الحديثة – ولو على نحو إشكالي – أن العلم قادر على قدر من الحياد، وأنه يمكن فصله، نظريًا على الأقل، عن الصراعات السياسية والأيديولوجية. غير أن مهمة التكوين تكشف هشاشة هذا الافتراض، إذ تُظهر أن العلم في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مُسيَّسًا بشكلٍ عرضي، بل بشكلٍ بنيوي؛ فالذكاء الاصطناعي لا يحرر العلم من السياسة، بل يُكثف ويُسرع تداخله معها؛ لأنه يعيد تنظيم المعرفة وفق منطق الموارد، والأولويات، والبنى التحتية التي لا يمكن فصلها عن السلطة. وهكذا، لم يعد التسييس يأتي من الخارج، بل صار مدمجًا في الخوارزمية ذاتها، في طريقة جمع البيانات، وفيما يُعد سؤالًا علميًا مشروعًا، وفي ما يُقصى بصمت!
خامسًا: السؤال الفلسفي الجذري الذي تطرحه مهمة التكوين
إذا كان بوسعنا تسريع الاكتشاف العلمي إلى ما لا نهاية، فهل نُسرع الفهم أم نلغيه؟ هذا السؤال لا يخص مهمة التكوين وحدها، بل يمس جوهر علاقتنا بالتقنية والمعرفة في العصر الحديث. هنا، يعود صدى «مارتن هيدجر» ليذكرنا بأن خطر التقنية لا يكمن في ما تفعله بنا، بل في الكيفية التي تجعلنا نرى بها العالم؛ فالتقنية، في جوهرها، ليست أداة، بل نمط كشف Mode of Revealing، طريقة يُقدَّم بها الوجود إلينا. وفي أفق مهمة التكوين، يُعاد تقديم العالم بوصفه مخزونًا من الأنماط، قابلاً للاستخراج، والمعالجة، وإعادة التركيب.
في هذا المنظور، يصبح العالم مادة خام للمعالجة الخوارزمية، وتغدو الظواهر مجرد بيانات تنتظر التصنيف، وليست أسئلة تنتظر الفهم. وهكذا، لا يُختزل الاكتشاف في السرعة فحسب، بل يُختزل المعنى ذاته في قابلية الحساب. ومن ثم تتكشف المفارقة الكبرى: أن نفقد علاقتنا التأملية بالعالم؛ فحين يتحول الوجود إلى مورد، والمعرفة إلى إنتاج، والعلم إلى سباق، يظل السؤال مفتوحًا، وربما أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل نصنع مستقبلًا أكثر معرفة، أم عالمًا أسرع… وأقل فهمًا؟
أخيرًا، تقف مهمة التكوين عند مفترق دقيق في تاريخ العلم؛ مفترق لا يُقاس بما تعد به المهمة من سرعة أو بما تتيحه من قدرة حسابية، بل بما تطرحه من أسئلة صامتة عن معنى المعرفة وحدودها؛ فهي، من جهة، تحمل وعدًا علميًا حقيقيًا: وعدًا بتسريع الاكتشاف، وتفكيك المشكلات الكبرى التي استعصت طويلاً على العقل البشري، وتوسيع أدوات التفكير إلى آفاق لم تكن ممكنة من قبل. ومن جهة أخرى، تلوح بخطرٍ فلسفي لا يقل عمقًا، خطر أن تتحول المعرفة إلى مجرد مُنتج، والفهم إلى عبء، والعلم إلى بنية خوارزمية تتم إدراتها فحسب! وفي ضوء المقارنة مع مشروع مانهاتن وبرنامج أبولو، يتضح أن كل لحظة علمية كبرى حملت معها ثمنًا وجوديًا؛ مشروع مانهاتن كشف قدرة العلم على التدمير، وأفقد المعرفة براءتها إلى الأبد؛ وبرنامج أبولو أعاد للعلم شيئًا من الحلم، وربطه بالرمز والمعنى، وجعل الإنسان يرى نفسه ككائن قادر على تجاوز حدوده؛ أما مهمة التكوين، فإنها تفتح طورًا ثالثًا أكثر غموضًا: طور العلم الذي لا يحتاج إلى الإنسان بوصفه مركزًا، بل يكتفي به بوصفه مراقبًا ومُقيِّمًا لما تنتجه الآلة.
الخطر هنا ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الرؤية التي يفرضها على العالم؛ فحين يُعاد تقديم الوجود بوصفه مخزونًا من الأنماط القابلة للاستخراج، وحين يصبح الزمن قيمة قائمة بذاتها، وحين يُختزل السؤال العلمي إلى ما هو أسرع وأكثر فاعلية، يتراجع المعنى لصالح القدرة، ويتوارى الفهم خلف الكفاءة. عندها، لا نفقد السيطرة على التقنية بقدر ما نفقد علاقتنا التأملية بالعالم. إن المستقبل الأخلاقي للعلم لن يُحسم داخل الخوارزميات، ولا في مراكز الحوسبة العملاقة، بل في قرار إنساني سابق عليها جميعًا: قرار يتعلق بما نريد أن نكونه ونحن ننتج المعرفة.
قد تمنحنا مهمة التكوين علمًا أعظم، لكنها لا تضمن علمًا أعمق. وبين وعد التوسع وخطر الاختزال، يقف الإنسان مرة أخرى أمام اختبار قديم متجدد: كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع عقله، لا ليحل محله!
.webp)