لم يكن تاريخ الفكر، منذ أن وعى الإنسان ذاته، سجلاً نقيًّا للإنصاف، ولا محكمةً تُوزن فيها المعاني بميزان العدل الخالص؛ فالأفكار – تلك الكائنات الهشة المتعالية – لا تجد دائمًا مأواها الطبيعي في أسماء من أنجبوها، ولا تُنسب بالضرورة إلى العقول التي كابدتها في صمت الليالي، بل كثيرًا ما تُختطف من سياقها، أو تُنتزع من جذورها، أو يُعاد تشكيلها في قوالب أكثر بريقًا، ثم تُقدَّم للعالم ممهورة بتواقيع لا تشبهها!
الأشد مفارقة أن هذه الجرائم لا تُرتكب دومًا في العتمة، ولا تُدار خلف ستائر الخجل؛ بل تُمارس أحيانًا في وضح النهار، تحت أضواء المنصات، وبألسنة مُنمقة، وبألقاب ضخمة، وبين جدران مؤسسات تدَّعي حراسة الحقيقة. هناك، حيث يُفترض أن تُصان الأمانة الفكرية، تُمارس الخيانة في أرقى صورها. وليس هؤلاء لصوصًا بالمعنى المبتذل للكلمة؛ فهم لم يمدوا أيديهم إلى خزائن المال، بل إلى خزائن المعنى؛ لم يختلسوا جهدًا ماديًا، بل اغتصبوا المجد الرمزي، وسلبوا الاعتراف، وهو أندر العملات وأقساها أثرًا. إنهم لصوص النبل الزائف، الذين يعرفون أن التاريخ لا يُحاسب دائمًا، وأن الذاكرة الجمعية كثيرًا ما تنحاز لمن يملك الصوت الأعلى وليس الفكرة الأعمق! وفي جوهر هذه المأساة الأخلاقية، لا تُظلم الفكرة وحدها، بل يُظلَم الإنسان ذاته؛ إذ يُختزل الإبداع إلى سلعة قابلة للتداول، ويُفصل الفكر عن مسؤوليته، وتتحول المعرفة من فعل أخلاقي إلى وسيلة للهيمنة. وهكذا يُكافأ السارق لا لأنه أبدع، بل لأنه أتقن فن الظهور، بينما يُترك صاحب الفكرة في هامش النسيان، شاهداً صامتًا على اغتيال ما كان يومًا امتدادًا لروحه!
إنها المفارقة العميقة في مسار الفكر الإنساني: أن تولد الحقيقة واهنةً، عاريةً من السلطان، فلا يقوى عودها إلا حين تتبناها ألسنةٌ لم تذق عناء مخاضها، ولم تنزف في سبيلها تعب السؤال ولا قلق الاكتشاف. ومع ذلك، تظل الفكرة – مهما امتدت إليها أيدي السطو – كائنًا عصيًا على الإعدام؛ فقد يُمحى الاسم من الهامش، ويُقصى صاحبه إلى عتمة النسيان، غير أن الأثر يواصل سيره الصامت في ضمير الزمن، متخففًا من الألقاب، متحصنًا بالمعنى، مترقبًا لحظة إنصافٍ قد تطول، لكنها لا تُجهض أبدًا. ومن هذا الأفق الأخلاقي الملتبس، يتقدم هذا المقال لا ليقيم محكمةً للتاريخ، ولا ليستدعي ثأرًا متأخرًا، بل ليتأمل في بعض تلك السرقات الرمزية التي ازدحم بها تاريخ العلم والفلسفة؛ سرقات كان أبطالها أسماءً لامعة، وعقولاً مُبجلة، وفلاسفة وعلماء يُشار إليهم بالبنان، بينما توارت في الظل عقول أخرى صاغت البذرة الأولى ثم غابت بلا شاهد ولا اعتراف. وهكذا، قد لا تحفظ سجلات التاريخ – في كثير من الأحيان – سوى المآثر المنسوبة زورًا، تاركة الحقيقة تتخفى في الشقوق، تنتظر قارئًا يقيم لها وزنًا، ويعيد إليها ما سُلب منها: شرف النسبة، وكرامة المعنى.
أولاً: من اكتشف الأكسجين؟ سؤال بسيط … وإجابة مثقلة بالانحياز
يبدو السؤال، للوهلة الأولى، بريئًا في بساطته: من اكتشف الأكسجين؟ غير أن بساطته خادعة؛ إذ ما إن نقترب منه حتى ينفتح على طبقات من الظلم المعرفي، ويكشف عن الطريقة التي يكتب بها التاريخ العلمي انتصاراته وفق ميزان السلطة والتأويل، وليس على أساس الأحقية أو الأسبقية.
تُلقننا الكتب المدرسية أن عالم الكيمياء الفرنسي «أنطوان لافوازييه» Antoine Lavoisier (1743 – 1794) هو مكتشف الأكسجين، وأحيانًا تُضاف إلى الهامش إشارة عابرة إلى اسم الكيميائي الإنجليزي «جوزيف بريستلي» Joseph Priestley (1733 – 1804)، كأنما الأمر تفصيل ثانوي لا يستحق الوقوف عنده. غير أن الحقيقة – كما في أغلب تواريخ الاكتشاف – أكثر تعقيدًا، وأكثر قسوة.
تبدأ الحكاية في مختبر متواضع، لا يُضاهي تلك المختبرات المُجهزة في الأكاديميات الفخمة، مع رجل إنجليزي يُدعى «جوزيف بريستلي»؛ ففي سنة 1774، تمكن «بريستلي» من عزل غاز جديد، رآه لأول مرة منفصلاً، لاحظ خصائصه، ودوَّن نتائجه، ونشرها بوضوح علمي لا لبس فيه. لقد لمس الاكتشاف بيديه، وشهده بعينيه، وكان أول من أخرج الأكسجين من عتمة التفاعل إلى ضوء التجربة. غير أنه، بحكم انتمائه الفكري، ظل وفيًّا لنظرية سائدة آنذاك: نظرية الفلوجستون، فسمى ما اكتشفه «الهواء منزوع الفلوجستون» Dephlogisticated Air، دون أن يدرك تمامًا الزلزال المفهومي الذي أحدثه.
لم يكن قصور «بريستلي» تجريبيًا، بل فلسفيًا؛ إذ امتلك الظاهرة، لكنه لم يمتلك اللغة الجديدة التي تفسرها. وهنا دخل «لافوازييه» المشهد، ليس بوصفه مكتشفًا بالمعنى التجريبي الأول، بل بوصفه مؤولاً ومُنظمًا. أخذ نتائج «بريستلي»، وأعاد قراءتها في ضوء إطار نظري مختلف، ومنح الغاز اسمًا جديدًا، وضمه إلى نسق كيميائي متماسك، وأعلن – بحقٍ من جهة، وبسطوةٍ من جهة أخرى – ميلاد الكيمياء الحديثة.
أعلن «بريستلي» عن مولد اكتشافه لا في صيغة بيانٍ صارخ، بل في هيئة رسالةٍ هادئة بعث بها إلى الطبيب الإسكتلندي «السير جون برينجل» Sir John Pringle (1707 – 1782)، مؤرخة في الخامس عشر من مارس عام 1775، قبل أن تُتلى كلماته على مسامع الجمعية الملكية في الخامس والعشرين من مايو. وكأن الحقيقة، منذ لحظتها الأولى، اختارت أن تدخل العالم همسًا لا صخبًا، مكتفية بشهادة العلم لا بضجيج الادّعاء.
غير أن رواية «بريستلي» في هذا الصدد تُعيد فتح المشهد على نحو أكثر التباسًا؛ إذ يُقر بأنه كان قد تحدث، قبل ذلك بأشهر، عن تجاربه المنجزة وتلك التي كانت لا تزال في طور التشكل، أثناء إقامته في باريس في أكتوبر من سنة 1774. هناك، وفي سياق لقاءات العلماء وتبادل الأفكار، كشف لزميله «لافوازييه» عن كل ما يتعلق بالغاز الجديد، كما لو أن المعرفة آنذاك كانت فعل ثقةٍ متبادلة، لا عقدًا قانونيًا محكومًا بالختم والتوثيق. ومن هنا تنبثق إشكالية أخلاقية عنيدة، لا تتعلق بالاكتشاف وحده، بل بطبيعة البحث العلمي ذاته: أين تنتهي حدود التعاون، وأين يبدأ التعدي؟ هل يُعد الإفصاح عن النتائج قبل اكتمال بنائها ضربًا من السذاجة العلمية، أم أنه تعبير عن روح البحث في أنقى صورها، حين كان العلم يُمارس بوصفه ملكًا مشتركًا للعقل الإنساني لا غنيمة فردية؟ في هذا المفصل الدقيق، لا يبدو «بريستلي» مخطئًا بقدر ما يبدو وفيًّا لأخلاقيات زمنٍ لم يكن قد أدرك بعد أن الأفكار، متى خرجت من أفواه أصحابها، قد لا تعود إليهم أبدًا بالاسم، وإن ظلت تحمل بصمتهم في جوهرها.
فمن هو صاحب الاكتشاف حقًّا؟ أهو من رأى الظاهرة أولاً، وعزلها من صمت المادة؟ أم من فهمها لاحقًا، ومنحها معنى، وأدرجها في خطاب علمي قادر على البقاء؟ يبدو أن التاريخ قد حسم أمره لصالح الثاني، لا لأن العدالة اقتضت ذلك، بل لأن العلم – في سيرته المؤسسية – لا يكافئ السبق وحده، بل يكافئ من يمتلك سلطة التسمية، ونفوذ التأويل، والقدرة على كتابة الرواية التي يعتمدها اللاحقون. وهكذا، لم يُمح اسم «بريستلي» تمامًا، لكنه حُشر في الهامش، بينما اعتلى «لافوازييه» المتن. إنها ليست قصة «أكسجين» فحسب، بل قصة المعرفة ذاتها: كيف تُنتزع الاكتشافات من سياقها، وكيف يُعاد توزيع الفضل، وكيف يُكافأ الفهم المتأخر أحيانًا أكثر من الرؤية الأولى. وفي هذا، يتجلى أحد أكثر وجوه التاريخ العلمي التباسًا … وأقلها عدلاً!
.webp)