-->

الثلاثاء، 20 يناير 2026

حين يصبح الحب امتحانًا

 

رجل مسن ينظر بتأمل وحزن من نافذة خشبية قديمة، يعبر عن الوحدة والانتظار في سياق اختبارات الحب والمشاعر

   كان أبًا من طينةٍ لا تُرى بالعين، بل تُحس بالقلب؛ من أولئك الذين لا يملكون أبناءهم، بل يسكنون فيهم. كان له بنتان وولدان، أربعة قلوبٍ خرجت من قلبه، لكنه لم يشعر يومًا أنهم خرجوا فعلاً؛ كانوا امتداد أنفاسه، وذاكرة أيامه، والمعنى الأخير الذي يجعل للحياة قابلية الاحتمال.

   أحبهم جميعًا حبًّا متساويًا في ميزان العقل، غير متساوٍ في رجفة القلب؛ فالقلب لا يعرف الحساب، بل يعرف الخوف. وكان خوفه عليهم هو اسمه الآخر. وحين كبروا، لم يكبر خوفه، بل ازداد حكمةً وألمًا!

    قالوا له إن الحياة في الوطن لم تعد تُحتمل، وإن المستقبل هناك، خلف البحار، حيث الفرص أوسع والسماء أقل ضيقًا، وحيث المال أوفر والإنسان أرقى والحياة أيسر. قالوا ذلك بهدوءٍ منطقي، كأنهم يشرحون مسألةً حسابية، ولم ينتبهوا أن المسائل التي تخص القلب لا تُحل، بل تُعاش. أنصت إليهم، وهز رأسه، وأخفى ارتعاشة روحه خلف ابتسامةٍ متعبة. كان يفهمهم، أو هكذا أقنع نفسه؛ فالأب الحقيقي لا يعارض أحلام أبنائه، حتى لو كانت تلك الأحلام تمضي به إلى الوحدة.

    سافر اثنان: ولدٌ حمل اسمه معه، وبنتٌ حملت صوته في ذاكرتها. صعدا الطائرة، وبقي هو على الأرض، يلوّح بيدٍ ويُمسك بقلبه باليد الأخرى. لم يبكِ في المطار؛ البكاء أمام الرحيل يشبه الاعتراف بالهزيمة، وهو لم يكن يريد أن يبدو مهزومًا في أعينهم. لكنه حين عاد إلى البيت، وجد الصمت قد سبقَه، وجلس على المقاعد التي كانت تمتلئ بالضحك والصياح، فاكتشف أن الفراغ كائنٌ حي، يتنفس ويؤلم!

    أما البنت الثالثة، فلم تسافر بعيدًا في الجغرافيا، لكنها ابتعدت في الحياة. تزوجت في محافظةٍ أخرى، وصار لها بيتٌ جديد، وواجباتٌ جديدة، واسمٌ تُنادى به غير اسمه. لم يكن الزواج فراقًا في نظره، لكنه كان تحولاً، والتحولات تُخيف من اعتاد الثبات.

    بقي معه الولد الصغير، في الجامعة، وزوجته. بيتٌ لم يخلُ تمامًا، لكنه لم يعد مكتملاً. كان يرى الابن، فلا يراه؛ يرى فيه الطفل الذي كان يمسك يده، لا الشاب الذي صار له عالمه الخاص، الطفل الذي كان متعلقًا به، لا الشاب المتعلق بأصدقائه وزملائه وطموحات عُمره. ويرى زوجته، فيشكر الله على وجودها، ثم يشعر بالذنب لأنه يُحملها عبء فراغٍ لم تصنعه، وعبء حياة أرادت هي أن تكون أفضل وأوسع وأشمل وأكثر دفئًا، ولم تستطع!

    كان معذبًا بين نارين: نار اللوعة، ونار الرضا. يعرف أن مصلحتهم فيما اختاروا، ويعرف في الوقت نفسه أن قلبه لم يُستشر في القرار. يسأل نفسه ليلاً: هل الأنانية أن أشتاق؟ وهل التضحية أن أصمت؟ وهل الأبوة أن تُربي أبناءك جيدًا، ثم تُكافأ بالوحدة؟

    لم يكن يلومهم، ولا يلوم البلد، ولا يلوم الزمن؛ كان يلوم الحب حين يكون عميقًا إلى هذا الحد؛ فالحب، حين يبلغ ذروته، يتحول من نعمةٍ خالصة إلى امتحانٍ قاسٍ: امتحان أن تحب دون أن تملك، وأن تفرح لنجاحهم وأنت تنزف، وأن تقول: «اذهبوا» بينما كل ما فيك يصرخ: «ابقوا»!

    وهكذا عاش، لا منكسرًا تمامًا ولا سالمًا تمامًا؛ أبًا تعلَّم متأخرًا أن الأبناء لا يُخلقون ليبقوا، بل ليغادروا … وأن دور الأب لا ينتهي عند الرحيل، بل يبدأ فيه، حين يصبح الحب صامتًا، والاشتياق صلاةً يومية، والبيت شاهدًا على أن السعادة، أحيانًا، تكون في مصلحة من نحب، لا في بقائهم معنا. 

    وبعد سفرهم، لم يعد الزمن يسير كما كان؛ صار بطيئًا، ثقيل الخطى، كأن الساعات نفسها تشيخ معه. كانت الأيام تمر متشابهة، بلا ملامح، ويغدو الصباح امتدادًا باهتًا لما قبله، كأن الغياب ألقى بثقله على الوقت، ففقد قدرته على الجري، واكتفى بالزحف بصبرٍ موجع.

    تجاوز عامه الستين، فوجد أن الشيخوخة لا تبدأ في الجسد، بل في اللحظة التي تدرك فيها أن أحلامك القديمة لم تمت، بل تُركت بلا تحقيق. كان قد حلم، في شبابه الصابر، بأسرةٍ كبيرة تلتف حوله مع الكِبر، بأصواتٍ تملأ البيت، وبأحفادٍ يركضون بين الغرف، وبكرسيٍ في صدر المجلس لا يشيخ لأن من حوله يتجددون. لكن الحلم، حين اصطدم بالواقع، تحطم لا بضربةٍ واحدة، بل بتآكلٍ صامت، كالجدار الذي تهدمه الرطوبة لا المعاول!

    كان يعود إلى البيت كلما خرج، فيشعر أن الجدران أطول من اللازم، وأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل. يتجول بين الغرف كمن يزور متحفًا لذكرياته: هنا ضحكةٌ معلقة في الهواء، وهناك أثرُ شجارٍ قديم انتهى بالتصالح. لم يكن يشتاق إلى أشخاصٍ فقط، بل إلى نسخه السابقة من نفسه؛ إلى الأب الذي كان يصرخ ويضحك ويغضب ويصلح، لا إلى الرجل الذي صار يتحدث مع الصور، ويحسب الأيام بين مكالمةٍ وأخرى. وكان يؤلمه أن يعترف، ولو في سره، بأن الشيخوخة مع الأبناء أقل قسوة، وأن الوحدة لا تصبح حكيمة مع العمر، بل أكثر فتكًا!

    ومع ذلك، لم يتحول إلى أبٍ ساخط، بل إلى رجلٍ يحمل خيباته بصمتٍ نبيل. كان يقول لنفسه إن الحلم لا يُقاس بتحققه، بل بصدق من حلم به. صحيح أن الأسرة الكبيرة لم تكتمل حول مائدته، لكنهم اكتملوا في العالم، وهو من دفعهم إلى ذلك بيديه. وبين هذا الإدراك وذاك الألم، عاش معلقًا: قلبه معلقٌ بهم حيث هم، وجسده هنا، في بيتٍ لم يخنه لكنه لم يعد يكفيه. هكذا صار أبًا تجاوز الستين، لا يطلب من الحياة أكثر مما بقي منها، سوى أن تمنحه القدرة على الاحتمال … وأن تترك له حلمه القديم حيًّا، لا كواقع، بل كذكرىٍ تؤلمه بقدر ما تشهد أنه أحب بعمق.

    كان في احتياجه إليهم ما يشبه الحاجة إلى الهواء؛ لا تُرى، لكنها إن غابت اختنق القلب. لم يكن يحتاجهم عونًا ماديًا ولا سندًا ظاهريًا، بل حضورًا يطمئن روحه، صوتًا يوقظه من وحدته، نظرةً تقول له إن ما أفناه من عمره لم يذهب بعيدًا عنه. كان في أشد لحظات ضعفه يبدو صلبًا، لأن الآباء لا يتقنون الشكوى، ولأن الحزن حين يسكن رجلاً في مثل عمره لا يصرخ، بل يتآكل بصمت. كان يتمزق من الداخل، قطعةً قطعة، دون أن ينطق؛ يبتلع ألمه كما ابتلع من قبل تعبه، ويؤجل نفسه إلى أجلٍ غير مسمى.

    وفي وحدته الطويلة، كان السؤال يُلح عليه كجُرحٍ لا يندمل: لماذا لا يحبون كما يحب هو؟ هل أخطأ حين أحبهم أكثر مما ينبغي؟ أم أن الحب، مثل العمر، يختلف وزنه من جيلٍ إلى جيل؟ كان يتساءل دون اتهام، ودون غضب، فقط بدهشةٍ موجعة: كيف استطاعوا أن يمضوا، بينما لا يزال هو واقفًا عند اللحظة ذاتها؟ كيف صار الحب عندهم مساحةً في الحياة، بينما صاروا هم عنده الحياة كلها؟ 

    لم يكن يريد أن يعيدهم، ولا أن يُقيد أحلامهم، بل كان يريد أن يفهم؛ أن يجد تفسيرًا لهذا الخلل العاطفي، لهذا الميزان المائل، حيث يعطي القلب أكثر مما يستطيع أن يسترد. وهكذا عاش بسؤالٍ لا جواب له، وحبٍ لم يندم عليه، لكنه دفع ثمنه وحده! ... عاش ينتظر الموت في صمت!