منذ أن وُلدت الجامعة في فضاءات الحضارة الإسلامية، من جامعة القرويين في فاس إلى الأزهر الشريف في القاهرة، ثم انتقلت الفكرة إلى أوروبا الوسيطة مع جامعة بولونيا وجامعة باريس، لم تكن الجامعة في أصلها مؤسسة اقتصادية بقدر ما كانت مقامًا للروح العاقلة، ومجالاً مفتوحًا لطلب الحقيقة. لم يتم تدشيسن الجامعات لكي تُغذي السوق بالخبرات فحسب، بل لتُغذي العقول بالتساؤلات؛ في قاعاتها كان الطلاب يدرسون الفلسفة واللاهوت والبلاغة والطب والقانون؛ تلك المعارف التي اصطلح على تسميتها «الفنون الحرة»، لأنها تُحرر الإنسان قبل أن تُؤهله. وكان المبدأ الضمني الذي يحكم هذا العالم المعرفي بسيطًا في عبارته، عميقًا في دلالته: المعرفة تسبق المنفعة.
غير أن الزمن لا يظل وفيًّا دائمًا لأفكاره الأولى؛ فمع التحولات الكبرى التي أحدثتها الثورة الصناعية، ثم الثورة الرقمية لاحقًا، بدأ سؤال جديد يتسلل إلى صُلب التفكير التربوي: ما قيمة المعرفة إذا لم تتحول إلى قوة إنتاج؟ وما جدوى الحكمة إن لم تجد طريقها إلى المصنع والسوق؟ ومن هنا بدأ التحول البطيء؛ إذ أخذت الجامعة، شيئًا فشيئًا، تنتقل من كونها مدرسة للحكمة إلى مؤسسة لإنتاج المهارات.
لكن بعض المجتمعات أدركت أن هذا التحول لا ينبغي أن يكون قطيعة مع روح الجامعة الأولى؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، سعت ألمانيا إلى إعادة بناء مجتمعها على أسس تعليمية متوازنة؛ فلم تُضح بالفلسفة والتاريخ، ولم تُغلق أبواب العلوم الإنسانية بحجة أنها لا تُطعم خبزًا، بل أنشأت إلى جانب الجامعات البحثية نظامًا تعليميًا جديدًا عُرف باسم التعليم المهني المزدوج؛ نظام يجمع بين قاعة الدرس وورشة العمل، بين النظرية والتجربة، بين العقل واليد. وهكذا أصبح الطالب يتعلم في المدرسة المهنية، ويقضي في الوقت ذاته جزءًا من حياته داخل المصانع والشركات، في تجربة تعليمية تُزاوج بين الفكر والصناعة دون أن تُقصي أحدهما.
وفي أقصى الشرق، كانت قصة أخرى تتشكل؛ ففي ستينيات القرن العشرين كانت كوريا الجنوبية بلدًا فقيرًا يعتمد على الزراعة. لكنها اتخذت قرارًا استراتيجيًا بأن تجعل التعليم قلب مشروعها التنموي. لم تُلغِ الفلسفة أو العلوم الإنسانية، لكنها استثمرت بقوة في الهندسة والتكنولوجيا، وربطت الجامعات بالشركات الصناعية الكبرى مثل سامسونغ وهيونداي. وهكذا لم يعد الطالب الكوري يدرس في فراغ نظري، بل وهو يدرك أن وراء المعرفة اقتصادًا حيًا ينتظر أن تتحول الأفكار فيه إلى ابتكارات.
أما في مصر، فالمسألة ليست في وجود الكليات النظرية مثل الآداب أو الحقوق أو التجارة؛ فالمجتمعات، كالكائنات الحية، تحتاج إلى ذاكرة فكرية بقدر حاجتها إلى العضلات الإنتاجية. تحتاج إلى المؤرخ كما تحتاج إلى المهندس، وإلى الفيلسوف كما تحتاج إلى الطبيب. لكن المشكلة تظهر حين يتحول التعليم إلى ظاهرة كمية لا نوعية؛ حين تصبح بعض الكليات أشبه بمدن مكتظة بعشرات الآلاف من الطلاب. عندئذ يفقد التعليم جوهره الحواري؛ فالعلم، كما يذكر الفيلسوف الألماني «كارل ياسبرز»، لا ينمو في الحشود بقدر ما يزدهر في الحوار الحي بين العقول. وثمة مشكلة أخرى لا تقل أهمية: أن سوق العمل ذاته يحتاج إلى تطوير بقدر ما يحتاج التعليم إلى إصلاح؛ فالتعليم لا يمكن أن يزدهر في اقتصاد راكد، كما أن الاقتصاد لا يمكن أن يتجدد بعقول لم تُمنح فرصة الإبداع.
في المجتمعات التي توسع فيها التعليم الجامعي بسرعة، نشأ وهم اجتماعي خطير: أن الشهادة الجامعية هي المسار الطبيعي الوحيد للحياة. لكن الواقع الاقتصادي يقول غير ذلك؛ فمعظم الاقتصادات الحديثة تقوم على شبكة واسعة من المهارات التقنية والمهنية، لا على خريجي الجامعات وحدهم. ففي ألمانيا مثلاً، لا يلتحق قسم كبير من الشباب بالجامعة أصلاً، بينما يُعد التعليم المهني في سويسرا مسارًا محترمًا لا يقل مكانة عن المسار الجامعي. أما في كثير من المجتمعات العربية فقد تحولت الجامعة، في المخيال الاجتماعي، إلى بوابة للوجاهة أكثر منها بوابة للمعرفة.
من هنا نقف أمام خطأين متقابلين: الأول أن تتحول الجامعة إلى مصنع لإنتاج الموظفين والتقنيين، فتفقد روحها الفكرية؛ والثاني أن تتحول إلى برج عاجي معزول عن المجتمع، فتفقد صلتها بالحياة. والحكمة ليست في أحد الطرفين، بل في المعادلة الدقيقة التي تجمع بينهما: أن تبقى الجامعة بيتًا للمعرفة الحرة، وفي الوقت ذاته جزءًا حيًا من نسيج الاقتصاد والمجتمع، فالإنسان، كما تقول الحكمة القديمة، لا يعيش بالخبز وحده؛ لكنه كذلك لا يستطيع أن يعيش بالفلسفة وحدها.
السؤال الحقيقي إذن ليس: أي الكليات ينبغي أن نغلقها أو نبقي عليها؟ ولا: أي التخصصات نافعة وأيها غير نافعة؟ بل السؤال الأعمق هو: أي مجتمع نريد أن نبني؟ هل نريد مجتمعًا من التقنيين وحدهم؟ أم مجتمعًا من المفكرين وحدهم؟ أم مجتمعًا قادرًا على الجمع بين الاثنين: بين المهندس الذي يبني الجسر، والطبيب الذي يداوي الجسد، والمبرمج الذي يُسير الآلة، والفيلسوف الذي يسأل: لماذا نبني الجسور أصلاً؟ وما معنى المرض؟ وما حدود العلاقة بين الإنسان وآلته الذكية؟
لعل المشكلة في نهاية المطاف ليست في الكليات ولا في التخصصات، بل في تصورنا نحن لمعنى التعليم ذاته. في إجابتنا عن السؤال الحضاري القديم الذي لم يفقد راهنيته قط: لماذا نتعلم؟ هل نتعلم لنكسب قوت يومنا؟ أم نتعلم لنفهم العالم؟ أم أن غاية التعليم الحقيقية هي أن نجمع – في توازن صعب وجميل – بين عالم الحكمة وعالم السوق؟
.webp)