ليس الحبّ واحدًا حين يعبر الثقافات، ولا الألم واحدًا حين يُسمَح له بالكلام في مكان، ويُطالَب بالصمت في آخر!
لم يكن ابن سينا ناسكًا متقوقعًا في محراب الفكر، ولا كائنًا آليًا تُسيّره معادلات المعرفة كما رسمته كتب التراجم؛ بل كان إنسانًا يضيق به مجال العاطفة بقدر ما تتسع أمامه أنظمة القوانين. عاش قلق التنقل بين بلاطات الحكم، مُطاردًا تارةً، ومُستدعًى أخرى، تحفه السلطة وتراقبه العيون. وفي عالمٍ كهذا، يغدو الحب فكرةً بلا مأوى، أو رفاهًا لا يُؤمن له مقام.
في «القانون في الطب»، يتبدى صوت الطبيب صارمًا، إذ يُنزِل العشق منزلة «المناخوليا»، فيغدو العاشق أسير هوسٍ بشخصٍ لا يهدأ إلا برؤيته والدنو منه؛ وكأن الحب علة، والعاشق مريض يُلتمس له الشفاء. غير أن نصوصه الفلسفية تكشف عن نبرةٍ أخرى، خفية ولكنها أعمق: نبرة لا ترى في الحب اضطرابًا أو شهوة، بل توقًا نحو الكمال، وحركةً باطنية تنزع بالنفس إلى ما يواطئ جوهرها. وليس هذا الوصف جافًّا كما قد يُظن، بل مُثقل بحرارة تجربةٍ مكتومة، كأنما وراءه سرٌّ يلوذ بالصمت، ويأبى أن يُقال صراحةً!
تُلمِح بعض الروايات إلى أن ابن سينا قد مسّه طيفُ امرأةٍ أحبها، أو لامس تجربة عشقٍ لم يُكتب لها الاكتمال. غير أن الاسم غائب، والحكاية مبتورة! وليس هذا النقص خللاً في السرد، بل هو عين دلالته؛ إذ في الثقافة التي أحاطت به، لم يكن الحب يُؤذَن له أن يُدوَّن إلا إذا استحال استعارة، أو تسرب خفيًّا في مسارب الحكمة. كانت المرأة تُقصى عن ظاهر القول، لكنها تترسب في أثره؛ غائبةً في النص، حاضرةً في صداه. فبدل أن يكتب إليها، انصرف إلى الكتابة عن النفس؛ وبدل أن يبوح بالشوق، عمد إلى تفكيكه وتحليله؛ وبدل أن يقول: «أحبك»، قال في لغة الفلاسفة: إن العشق ميلٌ فطريٌّ إلى الجمال المطلق. وهكذا لم يُلغَ الحب، بل تبدل مجراه؛ فغدا فكرةً بعد أن كان خفقة، وصار نظريةً بعد أن كان اعترافًا. لم يعد العشق عائقًا أمام المعرفة، بل قوّةً خفية تدفعها من باطنها، وكأن التفكير أصبح السبيل المشروع لما لم يكن مباحًا أن يُعاش. ولم يكن في ذلك خيانةٌ للحب، بل محاولةٌ لإنقاذه من الزوال؛ فالعاطفة حين تُمنع من القول، تتكثف في فكرة، وحين تُحرم من العيش، تتسامى إلى تأملٍ في النفس والوجود. ومن هنا يتجلى الحنين الأنثوي في بلاغة الغياب، وليس في حضور الصوت؛ في تلك الفجوة المؤلمة بين التجربة واللغة، حيث يتحول حبٌّ حُجِب عن يوميته إلى مطالبةٍ أخرى: أن يُخلَّد في الفكر، بعد أن تعذر أن يُعاش في الحياة.
لم يخط ابن سينا قصائد غزلٍ تُذاع، ولم يُعرف بين الناس بعاشقٍ ولهان؛ غير أنه كتب عن العشق بمداد من خبر اقترابه ومرارة انفلاته. كانت عباراته، وإن تجلت في صورة تحليلٍ رصين، تنطوي على رجفة تجربةٍ مضمرة، كأنها شهادةٌ مؤجَّلة لا تصريح! وفي هذا، بدا شبيهًا بكثيرٍ من أعلام حضارتنا العربية؛ أولئك الذين لم يُؤت لهم ترفُ البوح، فاستحال وجدانهم معرفة، وتحول حنينهم نظامًا، وتسرب ألمهم إلى بطون الكتب. لم تكن مؤلفاتهم مجرد بناءٍ عقليٍ محض، بل كانت، في وجهٍ خفي، سيرة عاطفةٍ كُتِب لها أن تعيش متخفّية في هيئة فكر!
في أفقٍ آخر من الوجود، وعلى تخوم روحٍ لا تعرف السكون، عاش فريدريك نيتشه. كان الحب عنده الحب عنده صاخبًا، فاضحًا، لا يعرف كيف يختبئ؛ عاصفةً لا تُروَّض، ونارًا تأبى أن تُخفى تحت رماد العقل. لم يكن العشق لديه همسًا خفيضًا كما في تجاربٍ أخرى، بل كان صراخًا كونيًا، كأن الفكر حين يضيق بنفسه يلقي بجسده في لهيب التجربة. وحين التقى بـ «لو سالومي» (أو لويزة سالومي)، لم يكن ذلك لقاء قلبٍ بامرأة فحسب، بل اصطدام فكرةٍ بجسد، أو انكشاف عقلٍ على هاوية الرغبة!
أحبها كما يُحب المفكر حين يُحاصر بأسئلته: بعنفٍ لا يعرف التدرج، وباندفاعٍ لا يعترف بالحذر، وبحاجةٍ جارفة إلى أن يُقال ويُسمع ويُجاب. طلب منها الزواج، لا بوصفه طقسًا اجتماعيًا، بل كأنه محاولة لإنقاذ المعنى من التشظي؛ انتظر جوابها كما ينتظر الفيلسوف برهانًا أخيرًا يثبت يقينه، لكن الجواب جاء رفضًا، قاطعًا كحد الحقيقة حين تنكر صاحبها. ومن هناك، لم يُغلق جرحه، بل وسَّعه؛ لم يداوه، بل تركه ينزف حبرًا. صار الورق امتدادًا لألمه، وصارت الكتابة ساحةً يُصارع فيها خيبته. كتب، وهاجم، وتمرد، لا على العالم فحسب، بل على هشاشته التي انكشفت له فجأة. وكأن الفلسفة ذاتها لم تعد بحثًا عن الحقيقة، بل ميدانًا لتصفية حسابٍ مع قلبٍ لم يُجَب، مع وعدٍ لم يكتمل، ومع ذاتٍ لم تعد كما كانت!
كان نيتشه ابن ثقافةٍ تفسح للألم أن يتكلم بصوته العاري؛ أن يقول بلا مواربة: أنا موجوع، أن يصرخ: لقد خُذلت، وأن يحول انكساره إلى موقف، بل إلى مصير. لم يسع إلى ستر ضعفه، بل أعاد تسميته، وأعطاه مقامًا جديدًا: قوة. وكأن الاعتراف نفسه صار فعل سيادة، وكأن الجرح – حين يُعلَن – يتحول من عارٍ يُخفى إلى معنى يُبنى عليه. هكذا لم يكن الحب عنده حادثةً عابرة، بل زلزالاً أعاد تشكيل رؤيته للعالم؛ ومن رماده، نهض فكرٌ أكثر حدة، وأكثر صدقًا، وأشد وحدة!
على الضدّ من تلك العاصفة، كان ابن سينا يقيم في عالمٍ آخر؛ عالمٍ يضيق بالبوح كما تضيق الصدور بالأنفاس الأخيرة، ولا يُسامح الاعتراف حين يخرج عاريًا من لغته. في ذلك النسق، لم تكن العاطفة تُحتمل إذا ظهرت، بل تُهذَّب حتى التلاشي، أو تُوارى حتى التجريد. لم يكن الحب رسالةً تُكتب، بل شفرةً تُضمر؛ لا يُعاش على السطح، بل يُدفع إلى الأعماق، حيث لا عين ترصد، ولا سلطة تُحاسب؛ فإن أحب – وقد يكون أحب – لم يكن له أن يقول؛ وإن اشتاق، لم يكن له أن يشكو؛ وإن انكسر، تعلَّم أن يُحكم إغلاق الشقوق في ظاهره، حتى لا يتسرب منها ما يفضح إنسانيته. كان الصمت لديه ليس غيابًا، بل نظامًا؛ لا عجزًا، بل اختيارًا تُمليه شروط العالم. وهنا يتدخل العقل، لا بوصفه نقيض القلب، بل حارسًا عليه: حين يُمنع القلب من الكلام، يتكفل الفكر بإعادة صياغة نبضه.
هكذا، لم يُلغِ ابن سينا الحب، بل أعاد خلقه على صورةٍ أخرى؛ نزع عنه ملامحه الفردية، وجرَّده من اسمه وصوته ووجهه، وألبسه ثوب الكُلي والمطلق. لم يقل: امرأةٌ بعينها أخذتني من نفسي، بل قال: إن الجمال المطلق يجذب النفس إلى كمالها. لم يعد العشق حادثةً بين اثنين، بل قانونًا يسري في الوجود؛ لا تجربةً تُروى، بل مبدأً يُفسَّر. وهنا يكمن الفارق الجارح: بين حبٍ يُقال فينجرح، وحبٍ يتم التفكير فيه فينجو؛ بين قلبٍ ينكسر في الضوء، وآخر يتكسر في الخفاء ثم يعيد ترتيب شظاياه في هيئة فكرة. كأن ابن سينا لم يفقد الحب، بل فقد حقه في أن يكون بشريًا، فأنقذه، على طريقته، بأن جعله خالدًا!
عاش فريدريك نيتشه تجربة الحب كزلزالٍ شخصي اجتاح كيانه، هدده بالانهيار ثم أعاد تشكيله من أنقاضه؛ تجربةٌ قصوى تُفجر الذات حتى وهي تُحطمها. أما ابن سينا، فاختبره على نحوٍ مغاير: لا كواقعةٍ تندلع، بل كاحتمالٍ ممكن، كقوةٍ ينبغي ترويضها قبل أن تستبد. أنقذه لأنه لم يسمح له أن يبلغ حد التدمير؛ احتواه داخل نسقٍ من العقل، فصار المعنى درعًا، وصارت الفكرة ملاذًا.
في الأفق الغربي، بدا الحب امتحانًا للذات، مغامرةً وجودية تُلقى فيها النفس إلى أقصى توترها، ولو انتهت إلى التمزق؛ أما في الأفق الشرقي، فكان خطرًا دقيقًا، ينبغي تهذيبه، أو تحويل مساره، أو استبداله بما هو أرسخ وأبقى: المعرفة. هناك، ينفجر القلب ليقول نفسه؛ وهنا، يُعاد تأويله حتى يصمت دون أن يختفي!
والمرأة؟
عند فريدريك نيتشه، كانت حضورًا كثيفًا: ذاتًا تقول «لا»، تتكلم، ترفض، تترك أثرها كجرحٍ حي ثم تمضي. أما عند ابن سينا، فكانت غيابًا مُثقلاً بالدلالة: غائبةً لا لأنها لم تكن، بل لأن السرد لم يتسع لاسمها. غيابها ليس فراغًا، بل امتلاءٌ من نوعٍ آخر؛ حضورٌ يتسرب في ما لم يُقَل، ويتكثف في ما كُتِب دون أن يُنسَب إليها. حنينٌ صامت، لا يطلب جوابًا، ولا ينتظر اعترافًا؛ حنينُ امرأةٍ لم تُدوَّن، لكن أثرها كتب نفسه في كل فكرةٍ عنها.
لو قُدر لـ فريدريك نيتشه وابن سينا أن يلتقيا في برزخ الفكر، لقال الأول: الحبّ امتحانٌ للقوة، يُقاس به مدى احتمالنا لأنفسنا حين تنكشف. ولأجابه الثاني: بل هو خطرٌ إن لم يُهذَّب بالعقل، إذ قد يجر النفس إلى ما لا تُحسن تدبيره. كلاهما أحب، غير أن أحدهما صرخ حتى صار صوته فلسفة، والآخر صمت حتى صار صمته ميتافيزيقا! وبين الصراخ والصمت، تقف المرأة اليوم، لا بوصفها موضوعًا للحب، بل شاهدةً على تحولاته؛ تدرك أن كثيرًا من المعرفة لم يُولد من غياب العاطفة، بل من كبتها، وأن ما يبدو بناءً عقليًا خالصًا قد يكون، في عمقه، أثر قلبٍ مُنِع من أن يتكلم، فاختار أن يفكر!
.webp)