نصٌ قصير في حجمه، عميقٌ في أثره، يلتقط لحظةً إنسانيةً تبدو عابرة، لكنه يُحملها ثقل الوجود كله؛ حيث يتحول القلق من مجرد شعورٍ إلى مصير.
***
في مساءٍ عابر، لا يحمل في طياته وعدًا ولا يشي بإمكانية، جلس رجلٌ ضئيل الحضور في مقعده داخل أحد المسارح؛ رجلٌ لا يلتفت إليه أحد، ولا يشتهي هو أن يلتفت إليه أحد. كان اسمه «تشيرفياكوف»، اسمٌ عادي كأن الحياة منحته له بلا اهتمام يُذكر؛ «موظف»، وكأن هذه الكلمة وحدها تكفي لتكون خلاصة وجوده، وتعريفه الأخير.
لم يكن شقيًّا بما يكفي ليتمرد، ولا سعيدًا بما يكفي ليحتفل، بل كان كائنًا «ملائمًا»، منسجمًا على نحوٍ تام مع عالمٍ كعالمنا، لا يطلب من الإنسان أكثر من أن يؤدي دوره بصمت، ثم ينصرف! ثم وقع الحدث … ذلك الحدث الذي لا يُحسب من الأحداث: عطسة ... انقباضٌ جسديٌ عابرٌ، بلا قصد، بلا معنى، بلا تاريخ. غير أنها – بانزلاقٍ ضئيل – استقرت على رأس جنرالٍ يجلس أمامه. وهنا، في هذا الهامش من الخطأ، وُلدت المأساة!
اعتذر، ببساطة الإنسان الذي ما زال يؤمن بأن الاعتذار يعيد التوازن إلى الأشياء. لكن الاعتذار، في هذا العالم، لم يكن كافيًا. نظر إليه الجنرال ببرودٍ مقتضب، نطق بعبارةٍ قصيرة، ثم أعاد وجهه إلى الأمام، كما لو أن شيئًا لم يكن. ظاهريًا، انتهى كل شيء، أما في داخله، فقد ابتدأ كل شيء! عاد إلى منزله، لكنه لم يعد حقًا. ظل شيءٌ ما معلقًا في وعيه، كشوكةٍ لا يراها لكنها تُؤلمه. أخذت الأسئلة تتكاثر، لا بوصفها بحثًا عن إجابة، بل كنوعٍ من التآكل البطيء: ماذا لو غضب؟ ماذا لو تذكر؟ ماذا لو …؟ أسئلة صغيرة، لكنها حين تجد عقلًا مشدودًا بالخوف، تتسع حتى تبتلع مساحته كلها.
في اليوم التالي، عاد ليعتذر. ثم عاد مرة أخرى، ثم ثالثة، فرابعة. لم يعد الاعتذار فعلاً أخلاقيًا، بل تحول إلى طقسٍ قَلِق، محاولة يائسة لإعادة ترميم صورة العالم، ولطمأنة السُلطة بأنها لم تُمس، ولو بنَفَسٍ عابر. لكن الجنرال – ككل سُلطة – لم يكن يفكر فيه أصلاً. لم يُزعجه الفعل، بل إلحاح الوجود نفسه. وحين ضاق به، أطلق جملةً حادّة، قصيرة، كحد السكين: «اتركني وشأني»! جملةٌ عابرة في ظاهرها، لكنها في نفسٍ مثقلة بالهشاشة، كانت أشبه بحكمٍ نهائي، لا يقبل الاستئناف!
عاد الرجل إلى منزله ... لم يحتج، لم يصرخ، لم يسع حتى إلى الفهم. استلقى … كما لو أنه وجد في النهاية شكله الأخير ... ثم مات!
***
ما الذي أودى بهذا الرجل إلى نهايته؟
لم يكن عطبًا في الجسد، ولا خصاصةً في القوت، ولا حتى صفعةً صريحة من الإهانة. كان شيئًا أشد خفاءً، وأعمق تغلغلاً: الصورة التي صاغ بها نفسه داخل العالم. لم يعش ذاته بوصفها مركزًا، بل انعكاسًا؛ كان يرى وجوده كما يراه الناس، لا كما يكون؛ عينه مرآةٌ لعيون الآخرين، وخاصة أولئك الذين يعلونه مكانةً وسُلطة. لم يمتلك «أنا» تقف بذاتها، بل ظل معلقًا في نسخةٍ مرتجفة، تنتظر دومًا أن تتم المصادقة عليها من الخارج، ولا تثبت إلا إذا أقرها الآخرون وحين خُيل إليه – ولو على سبيل الوهم – أن هذا الإقرار قد تلاشى، انهار البناء كله، كما ينهار ظلٌّ إذا انطفأ الضوء!
الخوف هنا لا يظهر كاستجابةٍ طارئة، بل كجوهرٍ وجودي. ليس خوفًا من عقوبةٍ تقع، بل من احتمال أن يكون، في نظر السُلطة، غير لائق. وهنا تكمن حداثة الحكاية ومرارتها: كم من إنسانٍ اليوم لا يحيا وفق ما يؤمن، بل وفق ما يُنتظر منه أن يكون؟ كم من قرارٍ يتخذه المرء، لا لأن الرغبة تدعو إليه، بل لأن الرفض يلوح في الأفق كتهديدٍ صامت؟
السلطة، في هذا المشهد، لا تتجلى كوحشٍ صارخ، بل كفراغٍ بارد. الجنرال ليس شريرًا؛ وهذه هي المفارقة المقلقة. إنه ببساطة … لا يرى هذا الرجل! لم يسحقه عن قصد، بل لأن وجوده لم يكن، في وعيه، ذا شأن. وهكذا، يتبدى وجهٌ آخر للقمع ... القمع ليس دائمًا فعل قسوة، بل أحيانًا مجرد غيابٍ للاكتراث! ليست الحكاية عن عطسةٍ عابرة، ولا عن جنرالٍ عابر، ولا حتى عن موظفٍ ضئيل. إنها عن إنسانٍ اختزل نفسه حتى صار وجوده معلقًا بإيماءةٍ من غيره؛ وحين اضطربت تلك الإيماءة، لم يجد أرضًا يسقط عليها!
غير أن هذا الإنسان – وأعني به نحن – لم يغادر العالم. لقد غيَّر ملامحه فقط؛ لم يعد يجلس في مسرحٍ قديم، بل يتنقل بين فضاءاتٍ أشد لمعانًا وأشد خفاءً. لم تعد «العطسة» حادثةً جسدية، بل صارت كلمةً غير محسوبة، تعليقًا عابرًا في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، نظرةً لم تُفهم، أو صمتًا في موضعٍ كان يُفترض فيه الكلام. تفاصيل ضئيلة، في ظاهرها، لكنها تقع في نفسٍ تعلمت أن ترى ذاتها من خلال الآخرين!
في عالم اليوم، لم تعد السلطة وجهًا محددًا؛ لم تعد جنرالاً يجلس في الصف الأمامي، بل تحولت إلى فضاءٍ كامل: نظرات الزملاء، تقييم المدير أو المسؤول الأعلى، تعليقات الغرباء، وأحيانًا … أرقامٌ من علامات الإعجاب والحب والمشاركة تتلألأ على شاشة!
كل ذلك يصير مرآة، لا تعكس من نكون، بل ما ينبغي أن نكونه ولو كذبًا! وهكذا يتدرب الإنسان على الاعتذار قبل أن يخطئ، وعلى أن يتجمل ولو بمساحيق رخيصة أو مسروقة أمام الناس. يُهذب كلماته، يقيس حضوره بعددهم ونظراتهم وكاميرات هواتفهم، يقتطع من ذاته أجزاءً صغيرة، في كل مرة، حتى يغدو «ملائمًا» على خلاف الحقيقة؛ ملائمًا لذوقٍ لا يعرفه، ولمعايير لم يخترها، لا يمكن إرضاؤها بشكل كامل!
الخوف هنا لم يعد صرخة، بل همسًا لا ينقطع: هل قلت ما لا ينبغي؟ هل بدوت على غير ما يُنتظر؟ هل كان عليَّ أن أكون أفضل؟ أسئلة بريئة في ظاهرها، لكنها، مع التكرار، تتحول إلى هوية، فيصير الإنسان كائنًا لا يعيش ليكون، بل ليتجنب أن يُرفض.
المفارقة – كما لمحها «أنطون تشيخوف» منذ زمن – أن «الجنرال» غالبًا ليس منشغلاً بنا أصلاً. العالم يمضي، والآخرون ينسون، والوقائع تتلاشى. لكن داخلنا، تستمر الحادثة. نستعيدها، نضخمها، ونعيد تشكيل ذواتنا حولها، كما لو أنها كانت مركز الوجود.
ليست المعضلة في أن الإنسان يتأثر، بل في أنه يفتقر إلى موضعٍ يعود إليه حين يتأثر؛ نقطةٍ داخلية يقول منها: «هذا أنا، سواء اعترف بي الآخرون أم لم يعترفوا ... وسواء رأوني كما يريدون ويتوقعون أم لم يروني»! وحين تغيب هذه النقطة، يصبح كل احتكاك بالعالم تهديدًا، وكل نظرة احتمال سقوط.
على هذا النحو، لا يحدث الموت دفعةً واحدة، بل يتسلل ببطء: تنازلٌ عن رأي، ثم عن آخر، ثم عن نبرة الصوت، ثم – دون أن يُلحظ – عن الذات. حتى إذا التفت الإنسان إلى داخله يومًا، لم يجد سوى صدى لما أراده الآخرون له. لم تعد الحكاية تنتهي بالموت، وهذا ما يجعلها أشد قسوة، إذ يمكن للإنسان أن يستمر طويلاً – يعمل، ينجح، يربح، يبتسم – بينما في أعماقه،شيءٌ جوهري لم يُتح له أن يحيا!
لعل السؤال الذي يظل معلقًا ليس: كيف نتخلص من الخوف؟ بل: كيف نكف عن رهن وجودنا لنظرةٍ لا تثبت؟ كيف نستعيد تلك المسافة الدقيقة بين ما نحن عليه، وما يُراد لنا أن نكونه؟ مسافة لا تعزلنا عن العالم،
بل تمنحنا القدرة على أن نبقى أنفسنا ... حتى حين يعجز العالم عن أن يرانا!
.webp)