في هذا السياق، لا يشير مفهوم الصهيونية العربية إلى حركة مُنظمة زمكانيًا، أو إلى تيار جماهيري بعينه، وإنما يظهر في الأدبيات الثقافية كتوصيفٍ نقدي لظاهرة فكرية – سياسية شاذة تغشى عالمنا العربي، وتشمل جُملة من المواقف والخطابات التي تتبنى، أو تُبرر، أو تُطبع منطق الصهيونية، سواء باسم الحداثة، أو الواقعية السياسية، أو نقد الذات العربية، مع إغفال البعد الاستعماري للصهيونية، وتفكيك السردية الفلسطينية، أو تحميل الضحية مسؤولية عنف الجلاد! ولا تنبع خطورة هذا الخطاب من انتشاره الواسع، بل من موقعه النخبوي وقدرته على التأثير في الوعي الجمعي عبر اللغة، والمفاهيم، وإعادة تعريف القيم؛ ولعل أخطر أشكال الهيمنة – كما نبَّه «المسيري» – ليست تلك التي تُفرض بالقوة الغاشمة، بل تلك التي تُقدَّم بوصفها عقلانية، أو أخلاقية، أو حتمية تاريخية. ومن هنا، تصبح الصهيونية العربية امتدادًا ناعمًا للمشروع الصهيوني، يعمل في مستوى الرموز والمعاني، بما يتجاوز مستوى العتاد العسكري والحدود.
بهذا المعنى، لا تغدو دراسة الصهيونية العربية بحثًا في النوايا أو الاتهامات، بل تحليلاً لبنية الوعي حين ينفصل النقد عن العدالة، وحين تتحول الحداثة من أداة تحرر إلى أداة تبرير، وحين تحل لغة التكيف والقبول محل السؤال الأخلاقي. ومن ثم، فإن تفكيك هذا المفهوم يظل ضرورة معرفية لفهم تحولات الخطاب العربي المعاصر، وحدود النقد، ومسؤولية المثقف في زمن التباس المفاهيم.
أولاً: التماهي مع الخطاب الصهيوني
حين نتأمل نشأة ما يُسمى بالصهيونية العربية، لا يصح أن نبحث عنها بوصفها انحرافًا مفاجئًا أو خيانة معزولة، وإنما بوصفها عرضًا مُركبًا لمرحلة تاريخية مضطربة، ونتاجًا لهشاشة الوعي العربي في لحظة انتقال كبرى شديدة الغرابة والتأثير؛ فقد وُلدت هذه الظاهرة في زمن كانت فيه الدول العربية تخرج مترنحة من تحت أنقاض الإمبراطوريات العثمانية، تبحث عن هوية جديدة لذاتها، وعن شكلٍ حديث للدولة، فيما كانت القوى الاستعمارية تُعيد رسم خرائط العالم وفقًا لمصالحها، مع التوسع والتنوع في أسلحتها لتشمل إعادة بناء الأفكار والثقافات والهويات، وإعادة تعريف معنى التقدم والشرعية والحداثة، إلى جانب القوة العسكرية المتطورة والتحالفات الإقليمية.
في ذلك المنعطف، لم يكن الصراع مجرد صراع على الأرض، بل على المعنى: من يملك حق تعريف الحضارة؟ ومن يُحدد من هو «المتخلف» ومن هو «المتحضر»؟ هنا بالضبط، بدأت بعض العقول العربية تتجاوز – او بالأحرى تتراجع عن – أفق التحرر كمضمون لفكرة الحداثة، وتنظر إليها كـ «تذكرة عبور» إلى عالم القوة، حتى لو كان ثمنها التخلي التدريجي عن سردية الهوية الذاتية. وكما يُقلد الضعيف لغة القوي طلبًا للحماية، قلَّد بعض المثقفين العرب (وأشباه المثقفين) خطاب الغرب، ثم وجدوا أنفسهم – عن وعي وقصد أو عن غير وعي وقصد – يُرددون سرديات المشروع الصهيوني بوصفه امتدادًا طبيعيًا للحداثة والتقدم!
لم تنشأ الصهيونية العربية إذن من فراغ، بل من تزاوجٍ مريب بين التحديث والمصلحة، وبين الإعجاب بالتقدم والانبهار بالقوة؛ فبعض المثقفين، ممن ضاقت بهم أوطانهم أو اصطدمت طموحاتهم بجدران الواقع، وجدوا في التماهي مع الخطاب الصهيوني – أو في تبريره وتطبيعه – وسيلة للتمايز، أو درعًا أخلاقيًا زائفًا يضمن القبول في دوائر النفوذ العالمية. لم يكن الأمر حبًا في إسرائيل، بقدر ما كان نفورًا من الذات، أو شكًا عميقًا في قدرة المجتمع العربي على النهوض دون وصاية. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: أن الفكر، الذي يُفترض به أن يكون أداة تحرر (في الجامعات والإعلام والخطاب الثقافي العام)، تحول إلى أداة تبرير؛ لا ينتقد القوة الغاشمة ويُفند منطقها، وإنما يقوم يتجميلها؛ ولا ينحاز إلى جانب العدالة، وإنما يختبئ خلف لغة «الواقعية» و«البراجماتية» و«الحداثة» و«الرفاهية». وكما برَّر بعض مثقفي أوروبا الاستعمار باسم «رسالة التمدين»، برَّر بعض العرب الصهيونية باسم «حقائق التاريخ» أو «ضرورة التعايش»، متناسين أن التاريخ ذاته يُكتب من موقع القوة، وليس من موقع الحق!
كذلك لم تكن الصهيونية العربية حركةً جماهيرية، ولا تيارًا فكريًا معلنًا، بل شبكة رمزية من المواقف والاصطفافات: ندوةٌ هنا، ومؤتمرٌ هناك؛ مقالٌ هنا، وتصريحٌ هناك؛ إعادة تأويل للتاريخ والهوية، وتشكيكٌ دائم في الضحية، وتفهمٌ مفرط للجلاد. كانت أشبه بتيار تحت السطح، يعمل بصمت، ويكتسب شرعيته من اللغة لا من الفعل، ومن النبرة التي تبدو عقلانية لا من البرهان الأخلاقي. ولذا فإن فهم هذه الظاهرة لا يكون بتعداد الأسماء أو ملاحقة أشخاصٍ بعينهم، بل بفهم آلية الازدواج التي تحكمها: ازدواج بين خطاب حداثي وسلوك تبعي؛ بين دفاع معلن عن القيم الإنسانية، وتبرير خفي لانتهاكها حين يكون الفاعل «حليفًا» أو «نموذجًا ناجحًا». الفلسفة هنا تعلمنا درسًا قاسيًا: أن الفكرة التي تُخفي نواياها أخطر من الفكرة العنيفة؛ لأنها تتسلل إلى الوعي باسم العقل، وتُربك البوصلة الأخلاقية دون أن تُطلق رصاصة واحدة!
بعبارة أخرى، ليست الصهيونية العربية – ولم تكن – مجرد اتجاه سياسي عاطفي، وإنما كانت – وما زالت – مشروعًا فكريًا مزدوج الوجه: وجهٌ يتزين بلغة التقدم والعالمية، ووجهٌ آخر يهادن الهيمنة ويقايض العدالة بالمصلحة. والأخطر أن هذا المشروع لا يحتاج إلى مؤامرة كي يستمر؛ يكفيه غياب النقد، وضعف ثقافة الاختلاف، واستسهال المواقف الجاهزة، ودعم الأنظمة الحاكمة، حتى يتحول إلى «رأي محترم» لا يجوز المساس به بدعوى اللياقة أو الواقعية. ومن هنا، فإن دراسة نشأة الصهيونية العربية ليست بحثًا في الماضي فحسب، بل هي تشريحٌ لوعينا الحاضر: كيف نفكر؟ ولماذا ننحاز؟ ومتى يتحول التسامح إلى تواطؤ؟ وهي دعوة مفتوحة لاستعادة شجاعة السؤال، قبل أن يتحول الصمت إلى موقفٍ ثابتٍ ممتد، وقبل أن يصبح النقد جريمة، وقبل أن نؤجل الحقيقة إلى ما بعد الموت، كأنها لا تستحق أن تُقال في حياة أصحابها!
ثانيًا: مصطلح بلا شهادة ميلاد
لا نعثر في الأرشيف التاريخي الحديث، ولا في المتون السياسية الكلاسيكية الحديثة، على مرجعيةٌ موثوقةٌ تُسعف الباحث في تعيين شخصٍ بعينه بوصفه أول من نطق بعبارة «الصهيونية العربية» بصيغتها اللفظية المتداولة اليوم؛ فالمصطلح، في هذا التركيب تحديدًا، لا يظهر بوصفه مفهومًا تأسيسيًا في تاريخ الأفكار، بقدر ما يتبدى كأداةٍ نقدية وتأويلية تبلورت لاحقًا داخل الخطاب العربي المعاصر، في سياق توصيف ظواهر فكرية وسياسية مخصوصة، أكثر مما هي إحالة إلى مدرسة فكرية أو حركة منظمة.
أما مصطلح «الصهيونية» Zionism ذاته، فله نسبٌ تاريخيٌّ أكثر وضوحًا؛ إذ يُجمع الباحثون على أن أول استعمال مُوثق له يعود إلى المفكر اليهودي النمساوي «ناثان بيرنباوم» Nathan Birnbaum (1864 – 1937) في أواخر القرن التاسع عشر، حيث ورد المصطلح كتابيًا للمرة الأولى في مقالٍ له نشره سنة 1890 تحت عنوان «من أجل شرف شعبنا وسلامه» For the Honor and Peace of Our People، للإشارة إلى أنشطة حركة جماهيرية عُرفت باسم «هوفيفي صهيون» Hovevei Zion (حرفيًا: «محبو صهيون» Lovers of Zion)، وتشير كلمة «صهيون» إلى «جبل صهيون» Mount Zion، وهو تل في القدس المحتلة ومصطلح مستخدم في الكتاب المقدس العبري كرمز ديني – توراتي مرتبط بالقدس أو «أرض الميعاد». وفي سنة 1893، نشر «بيرنباوم» كتاب «النهضة القومية للشعب اليهودي في أرضه» The National Rebirth of The Jewish People in its Own Land، الذي دعا فيه إلى هجرة اليهود إلى فلسطين. وفي العام ذاته، أسَّس منظمة «صهيون: اتحاد الجمعيات النمساوية لاستعمار فلسطين وسوريا» Zion: Union of Austrian Societies for the Colonization of Palestine and Syria لتنفيذ مقترحاته.
وكان الزعيم الصهيوني الأبرز، الصحافي والمحامي النمساوي «تيودور هرتزل» Theodor Herzl (1860 – 1904) غير مدرك لاستخدام «بيرنباوم» الأصلي للمصطلح قبل أن يقوم هو نفسه بتعميم مصطلح «الصهيونية». ففي يوميات «هرتزل« (1895 – 1896)، استخدم في البداية مصطلح «صهيوني» لوصف الآخرين وليس نفسه. كما استخدم المصطلح لوصف أعضاء «محبي صهيون»، الذين رآهم قوميين يهودًا مثله، مع افتقادهم لخطة ملموسة. وعندما نشر «هرتزل» كتاب «دولة اليهود» Der Judenstaat سنة 1896، استخدم مصطلح «صهيوني» في النص، غالبًا بنبرة نقدية، لوصف دعاة الهجرة مثل «محبي صهيون». ودعا في الكتاب إلى إنشاء دولة يهودية، وهي فكرة قال إنها «قديمة» وليست من بنات أفكاره. وبعد صدور «دولة اليهود»، كتب «بيرنباوم» مراجعة للكتاب، عزا فيها نجاحه إلى تبني المؤلف للصهيونية بفخر، لكنه انتقد أيضًا مقترحات «هرتزل» الثقافية. وسرعان ما قام «بيرنباوم» بمراسلة هرتزل، وقدَّم له نسخة من كتاب «النهضة القومية للشعب اليهودي في أرضه» بوصفها نوعًا من التثقيف الصهيوني. ولم يبدأ هرتسل في تعريف نفسه بوصفه «صهيونيًا» إلا بعد أشهر من نشر «دولة اليهود». ثم شاع استخدامه لمصطلح «الصهيونية» لاحقًا مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول The First Zionist Congress سنة 1897 وتأسيس المنظمة الصهيونية العالمية The World Zionist Organization، لينتقل بذلك الرمز «صهيون» من حيزه اللاهوتي إلى برنامج سياسي عملي، يقوم على إنشاء كيان استيطاني في فلسطين، مدعوم بشبكات مالية ودبلوماسية وإعلامية عابرة للحدود.
مع هذا التحول العملي، تجاوزت أهداف الصهيونية العالمية بُعدها الرمزي لتتجسد في المبادئ العملية التالية:
1. إقامة دولة يهودية ذات طابع قومي حصري على أرض فلسطين التاريخية؛
2. تشجيع الهجرة اليهودية المنظمة وإعادة تشكيل الجغرافيا الديموغرافية بالقوة؛
3. نفي الوجود التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني أو تقليصه إلى مسألة إنسانية لا سياسية؛
4. توظيف الدعم الدولي، ولا سيما الغربي، لضمان تفوّق عسكري وسياسي دائم؛
5. إنتاج سردية تاريخية وإعلامية تُضفي شرعية أخلاقية على مشروع استيطاني ذي طبيعة استعمارية.
في المقابل، تبقى «الصهيونية العربية» مصطلحًا بلا شهادة ميلاد أكاديمية دقيقة؛ إذ لم يتشكل المصطلح في رحم الدراسات الصارمة، وإنما وُلد في فضاء النقد السياسي والثقافي، وتداولته المقالات والتحليلات كتوصيفٍ لحالات من الانزياح الأيديولوجي، أو كشكلٍ من أشكال من التواطؤ أو التماهي مع المشروع الصهيوني داخل دوائر بعض النخب أو البُنى العربية. ولهذا، يغلب حضوره في السجالات المعاصرة أكثر من حضوره في التاريخ الفكري المؤسس. وقد ناقش عدد من الكُتاب والمحللين العرب هذه الظاهرة المصطلحية، وسعوا إلى تفكيك بنيتها الدلالية، غير أن هذا التداول ظل دون أن يرقى إلى إجماع أكاديمي يُحدد أول استعمال رسمي مُوثق للمصطلح في نصٍ بعينه أو لحظة تاريخية محددة.
ثالثًا: ملامح الصهيونية العربية وتعريفها
من مجمل ما تتيحه المصادر، يمكن استخلاص الملامح التالية للصهيونية العربية:
أ. مصطلح نقدي حديث
يُستخدم مصطلح «الصهيونية العربية» اليوم في التحليل السياسي والإعلامي العربي بوصفه أداةً نقدية لوصف ظاهرة اجتماعية – سياسية يُنظر فيها إلى بعض النخب العربية على أنها تتبنى مواقف، أو تبني علاقات مع إسرائيل، تتجاوز الموقف الشعبي التقليدي الرافض للصهيونية. وقد تزايد تداول هذا الوصف منذ أواخر التسعينيات، في ظل مؤتمرات سياسية ولقاءات علنية بين شخصيات عربية وإسرائيلية، ليُفهم بوصفه ظاهرة أو تيارًا، وليس مصطلحًا تاريخيًا راسخًا.
ب. غياب التوثيق الأولي
على الرغم من شيوع استعمال تعبيرات مثل «الصهيونية العربية» و«المتصهينون العرب» في الخطاب النقدي الحديث، لا نعثر في الدراسات الموثوقة على نصٍ مؤرَّخٍ بدقة يُحدد قائل أو مُستخدم المصطلح الأول أو زمن ظهوره، بخلاف مصطلح «الصهيونية» الذي تعود جذوره بوضوح إلى نهاية القرن التاسع عشر.
ج. السياق المعاصر
يَرِد المصطلح غالبًا في سياق نقد سياسي وثقافي معاصر، خصوصًا في أعقاب اتفاقيات التطبيع بين بعض الحكومات العربية وإسرائيل، وفي تحليل أدوار نخب يُنظر إليها على أنها تسهم في تمييع الصراع التاريخي مع المشروع الصهيوني، أو إعادة تسويقه أخلاقيًا ومعرفيًا داخل الوطن العربي.
د. الصهيونية والتطبيع
تقتضي المقاربة الدقيقة التمييز بين الصهيونية بوصفها أيديولوجيا استعمارية إحلالية شاملة، تتأسس على سردية الحق التاريخي ونفي الآخر، وتستهدف إقامة دولة يهودية في فلسطين، مع ما يرافق ذلك من تسويغ أخلاقي للعنف والإقصاء، وتقديم الذات الصهيونية كامتداد حضاري للغرب في الشرق، وبين التطبيع بوصفه مسارًا سياسيًا أو ثقافيًا إجرائيًا يهدف إلى جعل العلاقة مع إسرائيل «طبيعية» ونزع الصفة الاستثنائية عن الاحتلال ودمج الكيان في المحيط العربي. ومن هنا لا يغدو المفهومان مترادفين نظريًا، إذ يمكن للتطبيع أن يُمارَس بدوافع الإكراه أو موازين القوة دون تبنٍ صريحٍ للصهيونية، كما يمكن تبني الصهيونية فكريًا دون الانخراط في مسار تطبيعي رسمي؛ غير أن هذا الفصل المفهومي يذوب عمليًا في السياق العربي المعاصر، حيث يعمل التطبيع غالبًا على تحقيق الغاية الصهيونية المركزية: تحويل إسرائيل من كيان استعماري استثنائي إلى دولة عادية، عبر إعادة إنتاج سرديتها، وتحويل الاحتلال إلى «نزاع»، واختزال فلسطين في ملف تفاوضي، وإدانة المقاومة باسم السلام، فتنتقل الصهيونية من الهامش إلى الوعي لا كعقيدة معلنة بل كمنطق ولغة وأفق تفكير. وعند هذه النقطة، حين يُبرَّر الاحتلال أخلاقيًا، وتُدان الضحية، ويُعاد تأهيل الجلاد، ويُجرَّم الرفض، ويُقدَّم الكيان كنموذج حضاري، لا يعود التطبيع سياسة ظرفية، بل انخراطًا فعليًا في المنظومة الصهيونية وإن غاب الاسم!
على هذا النحو، نستطيع أن نضع تعريفًا جامعًا للصهيونية العربية فنقول إنها: «خطابٌ فكري أو ممارسة سياسية – ثقافية تصدر عن فاعلين عرب (أفرادًا أو نخبًا أو مؤسسات أو حكومات) تتبنى، صراحةً أو مواربة، سرديات المشروع الصهيوني، أو تُبرر منطلقاته، أو تعيد إنتاج منطقه الاستعماري، أو تُسهم في تطبيعه أخلاقيًا ومعرفيًا، ولو تحت شعارات الواقعية السياسية، أو السلام، أو العقلانية، أو الحداثة، أو نقد الذات العربية، مع إقصاء السردية الفلسطينية التي هي في الأصل سردية حقٍ وعدالة».
رابعًا: الصهيونية موقف وليست هوية دينية
الصهيونية، في جوهرها (في مفهومها العام وفي إطارها العربي) ليست انتماءً دينيًا، بل هي كما ذكرنا موقفٌ سياسي – أيديولوجي –وظيفي؛ وقد وُجدت وتوجد بين يهود ومسيحيين ومسلمين، وبين سنّةً وشيعة، وبين عرب وغير عرب. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري الفصل الصارم بين الصهيونية والديانة اليهودية؛ فالصهيونية ليست مرادفًا لليهودية، ولا تمثّلها تمثيلاً دينيًا أو أخلاقيًا. اليهودية ديانة توحيدية ضاربة في التاريخ، ذات تنوعات روحية وثقافية واسعة، وقد عُرفت عبر قرون طويلة مواقف لاهوتية وأخلاقية رافضة للصهيونية، سواء لأنها تؤجل «العودة» إلى مشيئة إلهية، أو لأنها ترفض العنف والاستعمار باسم الدين. كما أن أعدادًا كبيرة من اليهود عارضوا الصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا قوميًا لا يُعبر عن إيمانهم ومعتقدهم الديني.
من هذا المنطلق أيضًا، لا يستهدف استخدام مصطلح «الصهيونية العربية» دينًا ولا جماعة دينية، بل يندرج ضمن خطاب نقدي يسعى إلى شكلٍ من أشكال من التطبيع الفكري والسياسي، أو إعادة إنتاج السردية الصهيونية داخل المجال العربي، سواء عبر تبرير الاحتلال، أو تحييد القضية الفلسطينية، أو إعادة تعريف الصراع بوصفه قدرًا تاريخيًا وليس فعلاً استعماريًا قابلًا للمساءلة. وهكذا، يغدو المصطلح أداة تحليل للخطاب والسلطة والوعي، لا حكمًا هوياتيًا ولا توصيفًا إثنيًا. وبعبارة أوضح، تُعد الصهيونية العربية موقفًا فكريًا مُنحازًا إلى المشروع الصهيوني أو متماهيًا مع منظومته السردية. وهو موقف لا ينبع من العقيدة الدينية بقدر ما ينشأ عن مصالح سياسية، أو مواقع سلطوية، أو حسابات أيديولوجية، أو تبعية ثقافية أو استعمارية، أو توظيف إعلامي ومعرفي. وتجدر الإشارة في هذا الصدد غلى أن ثمة مسيحيين عرب كانوا في طليعة مناهضي الصهيونية (مثل «جورج حبش»، و«إدوارد سعيد»، و«قسطنطين زريق»)، وفي المقابل، وُجد مسلمون عرب مارسوا التطبيع والدفاع عن إسرائيل فكريًا أو سياسيًا، ما يعني أن الديانة أو الطائفة لم تكن يومًا مؤشرًا حاسمًا للموقف من الصهيونية، وان المُحدد الحقيقي للتصهين العربي هو الموقع وليس العقيدة، حيث تظهر تظهر الصهينة غالبًا لدى: نخب قريبة من السلطة، أو مثقفين مرتبطين بالمراكز الغربية، أو إعلاميين يسعون إلى القبول الدولي، أو فاعلين يرون في إسرائيل «حليفًا وظيفيًا» ضد خصوم داخليين أو إقليميين، أو أشباه مثقفين يطلبون الشهرة والمال والمناصب التي يمكن أن تُغدقها عليهم السُلطة وفق توجهاتها.
خامسًا: محطات تاريخية وفكرية متداخلة
أخيرًا، وبشكلٍ مُجمل، نستطيع القول أن الصهيونية قد تخلقت في الوعي العربي، لا بوصفها فكرة وافدة فحسب، بل كأثرٍ تراكمي لانكسارات متتابعة، تشابكت فيها اللحظة التاريخية بالتحول الفكري، وتواطأت السياسة مع الثقافة، حتى غدت بعض مقولاتها مألوفة في خطاب نخبٍ كانت، يومًا، في طليعة الرفض والمقاومة. ويمكن رد هذا التشكل التدريجي إلى محطات مفصلية، من أبرزها:
1. هزيمة يونيو 1967
كانت النكسة أكثر من خسارة عسكرية؛ كانت زلزالاً أصاب بنية الوعي القومي في الصميم، فتهشمت السرديات الكبرى، وانكسرت الثقة بالذات الجمعية. في هذا الفراغ الوجودي، تسلل خطاب «الواقعية» بوصفه خلاصًا عقلانيًا، فإذا به يتحول لدى بعض النخب إلى إعادة تبرير للآخر، بل إلى مصالحة فكرية مع المشروع الصهيوني، تحت ستار الضرورة التاريخية.
2. الإخفاق السياسي الداخلي
مع أفول أحلام الوحدة، وتعثر مشاريع العدالة الاجتماعية، وصعود أنظمة ونخب مأزومة بالشرعية، جرى استدعاء منطقٍ براجماتي مستعار، يُدار به الصراع لا بوصفه قضية وجود، بل كملفٍ سياسيٍ قابلٍ للتسوية. وهكذا تسربت الرؤية الغربية – الصهيونية إلى مراكز القرار والخطاب، متدثرة بثوب العقلانية السياسية.
3. الانفتاح الإعلامي والثقافي
بعد اتفاقيات السلام الأولى، ولا سيما كامب ديفيد سنة 1978، انكسرت المحرمات الرمزية، وانفتحت الفضاءات الإعلامية والثقافية على خطابٍ جديد، يُعيد سرد التاريخ بلغة مخفّفة من الصراع. وفي هذا المناخ، بدأت بعض النخب الثقافية تتماهى مع روايات أقرب إلى المنظور الصهيوني، لا عن قناعة صريحة دائمًا، بل بفعل التراكم والتعوّد وإعادة التأويل.
4. العولمة والتحولات الاقتصادية
مع اندماج أغلب الدول العربية في منظومات السوق العالمية، وتنامي الارتباط البنيوي بالغرب، تشكلت أرضية فكرية ترى في إسرائيل نموذجًا ناجحًا أو شريكًا محتملاً في معادلات البقاء والنفوذ. وهكذا لم تعد الصهيونية تُواجَه بوصفها استعمارًا استيطانيًا، بل أُعيد تقديمها كخيارٍ واقعي في عالم تحكمه المصالح، بغض النظر عن المبادئ.
بهذا المعنى، لم يكن التحوّل وليد لحظة واحدة، بل حصيلة مسار طويل من الانكسار وإعادة التكيّف، حيث تراجعت الساؤلات الأخلاقية الكبرى أمام إغراء «الواقعي» وضرورات النجاة في زمنٍ مضطرب.
.webp)