-->

السبت، 7 فبراير 2026

ظِلّ إبستين: في المرآة المكسورة للحداثة

صورة رمزية تعكس ظل إبستين في مرآة مكسورة، تظهر مدينة حديثة مضيئة، رجل غامض في المنتصف، وطفلة حزينة تبكي، في إشارة إلى انكسار القيم والسلطة في الحداثة

    ليس «جيفري إبستين» Jeffrey Epstein (1953 – 2019) مجرد اسمٍ لرجل أعمال أمريكي مات منتحرًا – أو مقتولاً – في زنزانته؛ إنه، في المعنى الفلسفي، اسمٌ لجرحٍ مفتوح في ضمير العصر؛ نقطة التقاء حيث تتقاطع القوة مع الرغبة، والمال مع الحصانة، والحقيقة مع التواطؤ الصامت. حين نذكره، لا نستحضر سيرة فرد، بل نواجه مرآةً مكسورة تعكس وجوهًا متعددة للحداثة ذاتها!

    في ظاهر الأمر، يمكن القول أن «إبستين» كان رجلاً منحرفًا، حالة شاذة، عطبًا فرديًا في آلة اجتماعية ربما كانت سليمة. هذا هو الصوت المطمئن الذي يريده كثيرٌ من أبناء الحداثة: صوتٌ يحمي صورة العالم الذي شيدوه، ويُحول الفضيحة إلى استثناءٍ لا قاعدة. لكن الفلسفة لا ترتاح لهذا الاطمئنان المُريح؛ فهي تسأل دائمًا: ما الشروط التي تجعل الاستثناء ممكنًا؟ وأي عالمٍ هذا الذي يسمح لرجل واحد أن يجمع المال والنفوذ والجسد والاسرار، ويقيم شبكةً من الصمت حول أفعاله؟ وكيف يمكن لنظامٍ يدعي الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية أن يسمح ببناء عوالم موازية، تُدار في الظل، حيث تختفي الحدود الأخلاقية كما تختفي النجوم عند الفجر، وتتجلى هشاشة القيم أمام وهج الثروة، ويتوارى الضمير خلف بريق السلطة؟

    هنا يظهر وجهٌ آخر للحداثة: وجهٌ لا يتحدث عن العقل والحرية والحقوق، بل عن سلطةٍ تتخفى خلف اللغة النبيلة. في هذا الوجه، يصبح المال جواز مرورٍ أخلاقيًا، وتتحول العلاقات إلى دروع، ويغدو القانون أحيانًا أداةً مرنةً لمن يملك القدرة على شد خيوطه. ليست القضية أن الحداثة شريرة في جوهرها، بل أنها – كما كل حضارة – تحمل في داخلها إمكانات النور والظلام معًا.

    من منظورٍ كانطي، بدا ما نُسب إلى «إبستين» أشبه بجُرحٍ مفتوح في فكرة الإنسان ذاتها: خيانةٌ للإنسانية في الإنسان، حيث يُنزع عن الآخر وجهه وكرامته ليغدو وسيلةً صماء، جسدًا بلا قصة، وموردًا قابلاً للاستنزاف في اقتصادٍ بارد للرغبة. غير أن هذه الخيانة لم تكن حدثًا معزولاً في فراغٍ أخلاقي مُعقم، بل ثمرةً مُرة لفضاءٍ ثقافي حديث يرفع الفردانية إلى مقامٍ شبه مقدس، فتغدو الحدود بين الحرية والتحرر، وبين الاختيار والافتراس، رقيقةً كخيط العنكبوت. في هذا الفضاء، تتضخم القدرة على الفعل بينما تخبو المسؤولية، فتتحول الحرية من التزامٍ تجاه الآخر إلى تقنيةٍ للإفلات منه، ومن فضيلةٍ أخلاقية إلى امتيازٍ يُحصن صاحبه من المحاسبة، ويجعل الاستغلال يبدو – ولو لحظة –  كأنه حقٌّ شخصي وليس جريمة أخلاقية.

    على الضفة الأخرى، يقف المُعارض للحداثة أو لهيمنة القيم الغربية، من منظور ديني أو ثقافي محلي، ليقول: «ها هو الغرب قد فضح نفسه؛ هذه هي أخلاقه الحقيقية». صحيح أن في كلمته صدى من غضبٍ أخلاقي مفهوم، ورغبة في رؤية الفضيحة كبرهانٍ نهائي على فساد الحداثة، لكن الفلسفة لا تسمح بالانتصار السهل كما أسلفنا؛ فاختزال حضارة كاملة في رجلٍ واحدٍ يشبه اختزال محيطٍ في موجةٍ عابرة. الغرب ليس كتلةً واحدة؛ فيه قضاةٌ شجعان، وصحافةٌ استقصائية، وناجون رفعوا أصواتهم، وفلاسفةٌ ينتقدون الرأسمالية من الداخل.

    ومع ذلك، لا يمكننا رد كلام المعارضين للحداثة الغربية بكُليته؛ فهم يضغطون بأصابعهم – ولو بخشونة – على جُرحٍ حقيقي: العلاقة الخطرة بين رأس المال والأخلاق (حتى داخل المجتمعات الشرقية أو العربية أو المسلمة)؛ فحين تصبح القوة الاقتصادية حصانةً اجتماعية، فإن العدالة تتشقق من الداخل. هنا يلتقي نقدهم مع نقد فلاسفة من داخل الغرب ذاته، من الاسكتلندي «ألاسدير ماكنتاير» Alasdair MacIntyre (1929 – 2025) إلى الكندي «تشارلز تايلور» Charles Taylor (مواليد 1931) ، الذين رأوا أن الحداثة فقدت «معجمها الأخلاقي المشترك»، وتركت الأفراد في بحرٍ من الخيارات بلا بوصلةٍ قيمية!

    لكن المقارنة بين «فضيحة إبيستين» و«العنف في بعض المجتمعات» تكشف بدورها عن مرآة أخرى: مرآة المقارنات غير المتكافئة؛ فمن غير العادل أن نُدين ثقافةً كاملة بسبب أفعال بعض أبنائها، ثم نُبرئ ثقافةً أخرى لأنها تمتلك خطابًا حقوقيًا لامعًا. العدالة الفكرية تقتضي معيارًا واحدًا: أن نسأل في كل مكان وزمان عن الشروط التي تسمح بالاستغلال، وليس عن الهويات التي يرتديها المستغلون. ومن هذا المنظور، فإن «ظاهرة إبيستين» ليست قصةً عن الغرب وحده، ولا عن الشرق وحده، بل عن الإنسان حين يتم إطلاق يده بلا رقيبٍ أخلاقي، وحين تُحاط قوته بجدران الصمت. إنها درسٌ في فلسفة السلطة: السلطة حين لا تُحاسب تتحول إلى هاوية، وحين لا تُراقب تُغري أصحابها بالاعتقاد أنهم فوق الخير والشر.

    ربما كان السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الفضيحة هو: هل يمكن للحداثة أن تنقذ نفسها أخلاقيًا دون أن تعود إلى جذورٍ روحية أو قيمية أعمق؟ وهل يمكن للتقاليد الدينية أن تنتقد الغرب دون أن تواجه ظلالها الخاصة في الداخل؟

    في النهاية، يقف «إبيستين» كطيفٍ فلسفي أكثر منه كشخص: طيفٌ يُذكرنا بأن التقدم التكنولوجي لا يساوي التقدم الأخلاقي، وأن القانون بلا فضيلة يصبح إدارةً للجرائم وليس منعًا لها، وأن الحقيقة – مهما حُجبت – تظل تبحث عن شقٍ في الجدار لتتسلل منه. إن قراءة هذه الظاهرة فلسفيًا لا تهدف إلى إدانة حضارة أو تبرئة أخرى، بل إلى تعميق وعينا الأخلاقي: أن ندرك أن كل مجتمع، مهما بلغت إنجازاته، يمكن أن يُنجب وحوشًا إذا تُركت القوة بلا ضابط، والرغبة بلا حدود، والمال بلا مساءلة. وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا، كما ينبغي للفلسفة دائمًا أن تفعل: أي عالم نريد أن نبنيه، على الأقل للأجيال القادمة، بعد أن رأينا ما يمكن أن يولده عالمنا الحالي؟