ثالثًا: داروين ووالاس: حين تبتلع الفكرة أحد أبنائها
في تاريخ الفكر الإنساني، لا تُرتكب المظالم دائمًا بيدٍ غليظة، ولا تُقترف السرقات تحت ضوء الفضيحة؛ كثيرًا ما يتشكَّل الظلم في صمتٍ مُهذَّب ومهيب، ويُمارس بأختامٍ رسمية، ويُغلَّف بخطابٍ عقلانيٍ يزعم النزاهة وحُسن النية. هناك، حيث تتوارى النوايا الشريرة الصريحة، ويحل محلها منطق الإجراء والسلطة، تُرتكب أفدح الانحرافات، لا لأنها صادمة، بل لأنها تبدو طبيعية، بل ومبرَّرة.
من بين أكثر هذه الوقائع دلالة، ما انكشف لاحقًا في قصة نشوء نظرية التطور؛ تلك اللحظة الدقيقة التي تلامست فيها العبقرية مع المصادفة، وتداخل فيها الإبداع الخالص مع حسابات النفوذ، فاختلط الإنصاف بما يتيحه الموقع، وليس بما يستوجبه الحق.
لم يكن عالم الطبيعة والأحياء والمستكشف والجغرافي والأنثروبولوجي البريطاني «ألفرد رسل والاس» Alfred Russel Wallace (1823 – 1913) ظلاً لأحد، ولا تلميذًا يُردد ما قيل قبله، ولا ناسخًا لفكرة سبقت إلى التداول؛ بل كان عقلاً مكتمل الاستقلال، شق طريقه وحيدًا في قلب الغابات الاستوائية، حيث لا أكاديميات ولا منابر، حتى بلغ – عبر التأمل والتجربة – إلى الجوهر ذاته الذي كان ابن موطنه «تشارلز داروين» Charles Darwin (1809 – 1882) يعمل على بلورته في عزلةٍ أخرى، أقل قسوةً وأكثر اتصالاً بالمؤسسة العلمية: فكرة الانتخاب الطبيعي Natural Selection. وحين خط «والاس» رسالته إلى «داروين» سنة 1858، لم يكن في ذهنه طلب اعتراف، ولا توقٌ إلى مجد، ولا رغبة في منافسة. كتب ببراءة العالم الذي يرى في الحقيقة ملكًا مشتركًا، وليس غنيمةً تُحتكر. شارك فكرته بثقةٍ كاملة في نزاهة زميله، وباطمئنان من لم يتعلم بعد أن المعرفة، متى لامست مراكز النفوذ، لا تُقاس بصفائها وحده، بل بقدرتها على الصمود داخل ميزان القوة.
هنا، عند هذه النقطة بالذات، يبدأ التحول من تاريخ الأفكار إلى سياسة الأفكار؛ من سؤال: من فكَّر أولاً؟ إلى سؤالٍ أكثر خطورة: من يملك حق الإعلان؟ ففي هذا الانتقال الصامت، لا تُكذَّب الفكرة، ولا تُمحى، لكنها تُعاد نسبتها، ويُعاد ترتيب المشهد بحيث يبدو كل شيء عادلاً، من دون أن يكون منصفًا تمامًا.
ما جرى بعد ذلك لا يندرج في باب السرقة الفجة، ولا يستقيم أن يُوصَف بالعدل الخالص. لقد كان، على نحو أدق، صورةً رمادية لتاريخ المعرفة حين لا تُدار بمنطق الحق وحده، بل بمنطق العرض والتمثيل؛ فقد عُرضت أفكار الرجلين معًا أمام الجمعية اللينية في لندن The Linnean Society، في إجراء بدا، ظاهريًا، منصفًا ومتوازنًا؛ غير أن التاريخ – كما اعتاد – لا يحتفظ بجميع الأصوات، بل يختار منها صوتًا واحدًا، ثم يعيد بناء الحكاية من حوله.
في تلك الجلسة، قُرئت رسالة «ألفرد رسل والاس» التي كتبها من أرخبيل الملايو، والتي لخص فيها تصوره لآلية الانتقاء الطبيعي بوصفها القوة التي تُبقي الأصلح وتُقصي ما لا يتكيف. لم تكن الرسالة عابرة ولا غامضة؛ فقد عرض «والاس» فيها، بوضوح لافت، فكرة الصراع من أجل البقاء Struggle for Existence، وكيف يؤدي التفاوت الطفيف بين الأفراد، عبر الزمن، إلى نشوء الأنواع الجديدة. ولم يكن ذلك حدسًا شاعريًا، بل بناءً تصوريًا متماسكًا، سبق في دقته كثيرًا من الصياغات اللاحقة. ثم أُرفقَت الرسالة ببحث «والاس» المعنون: في ميل الأصناف إلى الابتعاد اللامحدود عن النمط الأصلي On the Tendency of Varieties to Depart Indefinitely from the Original Type، وهو عنوان لا يخفى ما فيه من جرأة فلسفية، إذ يُصرح منذ سطوره الأولى بأن الثبات وهم، وأن الطبيعة لا تعرف السكون، بل التحول المستمر.
مع ذلك، خرج «داروين» من هذا العرض المشترك بوصفه «صاحب النظرية»، لا لأن فكرته كانت أوضح، ولا لأن تصوره كان أعمق بالضرورة، بل لأنه كان الأقدر على تحويل الفكرة إلى سردية كبرى: كتاب، وحجج متراكمة، وشبكة علاقات، وموقع اجتماعي يُضفي على الفكرة سلطةً إضافية. أما «والاس»، فقد انزاح تدريجيًا إلى الهامش، لا لأن منطقه كان أضعف، بل لأن صوته كان أخفت، ولأن سيرته – حياة الترحال، والعزلة، والبعد عن المركز – لم تكن قابلة للصياغة في صورة الأسطورة التي يعشقها التاريخ. وهكذا، لم تُقص فكرة «والاس»، لكنها ذابت في ظل اسمٍ آخر. ولم يُكذَّب، لكنه لم يُوضع في ذاكرة البيولوجيا كما ينبغي. فالتاريخ، في نهاية الأمر، لا يكتب فقط ما قيل، بل يكتب – وبقسوة صامتة – من الذي امتلك حق القول العلني، ومن استطاع أن يجعل فكرته حدثًا، وليس مجرد حقيقة!
لسنا هنا أمام لص صريح أو سارق متعمد، بل أمام مفارقة أخلاقية أعقد وأعمق: فكرة واحدة، وعبقريتان متوازيتان، لكن الذاكرة الجمعية، كالتاريخ ذاته، لا تتسع إلا لاسمٍ واحد. وكأن الزمن، مرة أخرى، لا يكافئ من يكتشف الحقيقة فحسب، بل من يمتلك القدرة على حملها على كتفيه طويلاً، وصوغها بلغة تتجاوز الموت، لتصبح قابلة للخلود.
مأساة «ألفرد رسل والاس» لا تكمن في أن فكرته سُرقت، بل في أنها ذابت داخل إطار أكبر صاغه تاريخ المعرفة، ونُسب إلى غيره. وهنا يتجلى أحد وجوه الظلم المعرفي الأكثر خبثًا: ليس في محو الاكتشاف بحد ذاته، بل في محو من اكتشفه، وتحويل الشريك في الحقيقة إلى هامش في السرد، إلى حضور خافت يُذكر بالكاد، بينما تُرفع راية المؤلف الأكثر قدرة على صياغة السردية الكبرى. وهكذا تتكرر الحلقة، ويُعاد الدرس ذاته على امتداد تاريخ الفكر: الأفكار لا تُظلم لأنها خاطئة، بل لأنها وُلدت في الأيدي الخطأ، أو في الزمان الخطأ، أو بلا الحماية اللازمة التي يحتاجها العقل حين يخرج إلى العالم؛ فالمعرفة، وإن كانت صارمة في قوانينها، لا تزال تُحاكم في أروقة البشر، حيث تتحكّم النفوذ، والشبكات الاجتماعية، والقدرة على سرد الحكاية، أكثر مما تتحكم الحقائق المجردة.
في هذا الضوء، يبدو التاريخ ليس مجرد سجل للأفكار، بل محكمة رمزية تختار من يُسمع ومن يُنسى، ومن يصبح أسطورة ومن يظل ظلاً. وهنا تكمن المأساة الكبرى للعلم: ليس في خطأ الفكر، ولا في فشل الاستنتاج، بل في الظرف البشري المحيط بالفكرة حين تخرج إلى العالم.
رابعًا: هيدجر وهوسرل: سرقة بلا اعتراف
في الفلسفة، لا تكون السرقة دائمًا اقتباسًا حرفيًا أو نقلًا فجًّا للأفكار، بل قد تقع في مستوى أعمق: مستوى المنهج، وطريقة السؤال، وشكل النظر إلى الظاهرة. وهذا هو المستوى الذي يجب أن يُفهم منه الخلاف – والاتهام – بين الفيلسوف الألماني «إدموند هوسرل» Edmund Husserl (1859 – 1938) وتلميذه الأشهر «مارتن هيدجر» Martin Heidegger (1889 – 1976).
كان «هوسرل» مؤسس «الظاهراتية» Phenomenology بوصفها منهجًا صارمًا يقوم على ثلاث ركائز أساسية:
1. العودة إلى التجربة المباشرة كما تُعاش، لا كما تُفسَّر ميتافيزيقيًا؛
2. تعليق الأحكام المسبقة (الإبوخيه Epoche) لفحص الظواهر كما تظهر للوعي؛
3. تحليل بنية القصدية: أي أن كل وعي هو وعيٌ بشيء، وأن المعنى لا يُفهم إلا من خلال هذا التوجه القصدي.
هذه الركائز هي ما تلقاه «هيدجر» كاملاً، حيث أخذ من هوسرل المنهج الظاهراتي بأكمله: طريقة الوصف، أسلوب التفكيك، رفض التفسيرات الخارجية، والتركيز على المعنى كما يتكشف من داخل التجربة. لم يكن كتابه الرئيس «الوجود والزمن» Being and Time (1927) ممكنًا من حيث المنهج دون هذه الأدوات الهوسرلية.
لكن هنا يحدث التحول الحاسم: «هيدجر» لم يستخدم الظاهراتية لتحليل الوعي – كما فعل «هوسرل» – بل نقلها نقلة جذرية إلى سؤال الوجود؛ استبدل «الوجود هنا» («الدازاين» Dasein) بالوعي، واستبدل تحليل الانكشاف الوجودي للعالم بتحليل القصدية. غير أن هذا التحويل لم يكن قطيعة منهجية، بل تغييرًا في وجهة الاستخدام مع الحفاظ على الأداة ذاتها.
المشكلة الأخلاقية لا تكمن في هذا التحويل – فالتحويل مشروع فلسفيًا – بل في ما تلاه؛ ففي «الوجود والزمن»، وهو العمل الذي دشّن به «هيدجر» شهرته الفلسفية الكبرى، غاب اسم «هوسرل» تقريبًا، فلا نجده كمحاور، أو حتى كأصلٍ منهجي. وكأن المنهج الظاهراتي ظهر فجأة بوصفه أداة هيدجرية خالصة، وليس ميراثًا فلسفيًا تلقاه وتشكل داخله.
ما أخذه «هيدجر» إذن ليس «أفكارًا» جاهزة، بل الحق في السؤال ذاته: أخذ طريقة فتح الظاهرة، أسلوب تحليل المعنى من الداخل، ومبدأ أن الفلسفة لا تبدأ من نظريات عن العالم، بل من كيفية حضوره لنا. هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي الهيكل العميق الذي يقوم عليه «الوجود والزمن». وعندما يُمحى هذا الأصل، لا تُسرق الفكرة، بل تُسرق شرعية التأسيس. يصبح «هيدجر»، في عين القارئ، منشئ المنهج لا وارثه؛ مبتكر الأداة لا مستثمرها؛ بينما الحقيقة التاريخية تقول إن هذا البناء، مهما بلغ من الجدة، قائم على أرض مهدها «هوسرل».
من هنا، فإن المسألة ليست تاريخ تأثيرات، بل مسألة عدالة فلسفية؛ فالعبقرية لا تُدان لأنها تجاوزت أستاذها، بل تتم مساءلتها حين تتجاوز دون اعتراف. لأن الاعتراف لا ينتقص من الإبداع، بل يمنحه نسبه، ويمنع الفكر من أن يتحول إلى أسطورة فردية زائفة. ومرة أخرى، ما أخذه «هيدجر» من هوسرل هو المنهج، أسلوب السؤال، وبنية التحليل الظاهراتي ذاتها؛ وما أضافه هو الاتجاه الأنطولوجي واللغة الوجودية الخاصة به. أما الصمت عن هذا الأصل، فليس مسألة أسلوبية، بل موقفٌ أخلاقي ترك أثره في ذاكرة الفلسفة حتى اليوم.
خامسًا: نيتشه وشوبنهاور — التأثر الذي اعترف بنفسه
يبدو السؤال عن سرقة الفيلسوف الألماني «نيتشه» Friedrich Nietzsche (1844 – 1900) من سلفه «آرثر شوبنهاور» Arthur Schopenhauer (1788 – 1860)، للوهلة الأولى، مشروعًا؛ فالتشابه بين «نيتشه» المبكر وأستاذه الفلسفي واضح لا يحتاج إلى عناء كبير لإثباته. إن فكرة الإرادة بوصفها جوهر العالم، والنظرة المتشائمة إلى الوجود، والشك العميق في الأخلاق السائدة: كلها عناصر تحمل بصمة «شوبنهاور» الثقيلة. غير أن التشابه، في الفلسفة، لا يعني بالضرورة الاستيلاء، كما أن التأثر لا يرقى تلقائيًا إلى السرقة.
الفرق الجوهري هنا يكمن في الوعي بالتأثر وفي طريقة الخروج منه. «نيتشه» لم يُخفِ يومًا إعجابه العميق بـ «شوبنهاور»، بل أعلن ذلك صراحة، وعده في مرحلة من حياته «مربيه الأكبر». لم يتسّل إلى أفكاره في صمت، ولم يمحُ اسمه من ذاكرته النصية، بل بدأ من الاعتراف، ثم انتقل إلى الصدام. وهذا الصدام هو ما يجعل العلاقة بينهما علاقة قتل رمزي للأب لا سطوًا خفيًا عليه!
لقد أخذ «نيتشه» من «شوبنهاور» مفهوم الإرادة، لكنه قلب معناها رأسًا على عقب؛ فعند «شوبنهاور»، الإرادة عمياء، لا عقلانية، وهي مصدر الألم والعبث، وما الخلاص إلا في نفيها، في الزهد، في الانسحاب من الحياة. أما عند «نيتشه»، فالإرادة تتحول إلى إرادة قوة، لا تُنفى بل تُحتضن، لا تُكبح بل تُؤكَّد. وكبديل لأخلاق الشفقة الشوبنهاورية، يطرح« نيتشه» أخلاق الخلق والتجاوز. وكبديل للهروب من العالم، يدعو إلى قول «نعم» للحياة، حتى في أقسى وجوهها.
هنا لا نجد تكرارًا، بل تحويلاً جذريًا؛ «نيتشه» لم يسرق فكرة أستاذه، بل دخل معها في صراع وجودي، وأعاد تشكيلها بحيث لم يعد «شوبنهاور» قادرًا على التعرف على نفسه فيها. وهذا ما يميز التلميذ الذي يريد هوية خاصة، لا مجرد موقع في ظل معلمه. ولهذا ينجو «نيتشه» من تهمة «اللص الفلسفي»؛ ليس لأنه لم يأخذ، بل لأنه أخذ واعترف، ثم تمرد علنًا. الفلسفة لا تُدين الاقتباس، بل تُدين الإخفاء. ولا تحاكم من يبدأ من غيره، بل من يدعي البدء من العدم. ومع ذلك، تبقى المسألة أوسع من «نيتشه» وحده؛ فالتاريخ الفلسفي لا يكافئ دائمًا الأكثر أمانة، بل الأكثر قدرة على تحويل الفكرة إلى حدث. كثير من الأفكار وُلدت في الهامش، ثم انتقلت إلى المركز حين وجدت من يملك الجرأة واللغة والصوت العالي. هناك، تُقدَّم كأنها قدر فكري، لا ثمرة قلق طويل وتجارب غير مرئية.
التاريخ يميل إلى الواثقين، لا إلى المترددين؛ إلى من يروي الفكرة بوصفها مصيرًا، لا بوصفها احتمالًا هشًّا. أما الاعتراف المتأخر بفضل المنسيين، فغالبًا ما يأتي بعد فوات الأوان: يعيد الأسماء إلى الهوامش الأكاديمية، لكنه لا يعيد المجد، ولا يداوي عزلة من عاشوا وماتوا خارج الضوء. ومن هنا يظل السؤال موجعًا: كم فكرة عظيمة لم تُكتب لها الحياة لأنها لم تجد من يحملها بلا خوف؟ وكم عقل لامع اندثر لأن غيره كان أبرع في سرد القصة لا في اكتشافها؟ لعل الأفكار، في النهاية، لا تملك أصحابًا ثابتين. لعلها كائنات حرة، تبحث عمن يمنحها شكلاً، وصوتًا، وقدرًا تاريخيًا. وما نعرفه يقينًا أن تاريخ الفلسفة ليس سجلاً خالصًا للأمانة، بل هو سجل للانتصار الرمزي. لذلك، حين نقرأ أسماء العظماء، يجدر بنا أن نصغي أيضًا إلى الهمس الذي خلفهم: أصوات من رأوا أولاً، لكنهم لم يكونوا الأقوى في حكي الحكاية.
.webp)