-->

الجمعة، 23 يناير 2026

لصوص لكن نبلاء: حين تُغتال الفكرة ويُتوَّج الجاني! الحلقة الثانية: (نيوتن وليبنتز)

لوحة فنية تخيلية تجمع بين العالم إسحاق نيوتن والعالم جوتفريد لايبنتز في معمل قديم، يدرسان المخططات الرياضية لحساب التفاضل والتكامل وسط أدوات علمية كلاسيكية

ثانيًا: نيوتن وليبنتز (العبقرية ومنصة القضاء)

    لم ينبثق علم التفاضل والتكامل من ومضة عبقرية عابرة، ولا من لحظة إلهام خاطفة كما تميل الأساطير إلى أن تُصور نشأة الاكتشافات الكبرى، بل تشكَّل ببطءٍ وصبر داخل عقلين استثنائيين، كان كلٌّ منهما يعمل في عزلة عميقة، أشبه بعزلة الرهبان المنقطعين للتأمل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الفكرة.

    «إسحاق نيوتن» Isaac Newton (1642 – 1727) كان شابًا منفيًّا قسرًا إلى ريف إنجلترا، بعد أن أغلقت الأوبئة أبواب الجامعات وفر الناس من المدن خوفًا من الطاعون. في ذلك الصمت الثقيل، وبين الخوف من الموت وتأمل قوانين الطبيعة، انصرف «نيوتن» إلى تساؤلات تتجاوز طقوس الزمن اليومي: كيف تتغير الأشياء؟ كيف تتحرك الأجسام؟ وكيف يمكن للعقل أن يفهم «اللاتناهي» Infinity ويمسك باللانهاية دون أن يفلت منها؟ كان يُنقب في أعماق الرياضيات كما يُنقب الإنسان عن معنى الخلاص، مدفوعًا بإحساسٍ داخلي بأن الكون يخضع لنظام صارم يمكن كشفه، شرط الصبر والانكفاء.

    وفي مكان آخر من أوروبا (ألمانيا)، بعيدًا عن تلك الحقول المعزولة، كان «جوتفريد فيلهلم ليبنتز» Gottfried Wilhelm Leibniz (1646 – 1716) يسلك طريقًا مختلفًا إلى النتيجة ذاتها. لم يكن منغلقًا على مسألة واحدة، بل كان يجوب ميادين الفكر الواسعة: الفلسفة، والمنطق، واللغة، والتاريخ، والسياسة. ومن هذا الاتساع الذهني، بدأ يصوغ أدوات رياضية جديدة، كلغة رمزية قادرة على التعبير عن التغير والحركة. كان يبتكر الرموز كما لو أنه يمنح العقل البشري أبجدية جديدة لفهم الكون، تجعل الأفكار المعقدة قابلة للرؤية والتداول.

    هكذا، وعلى الرغم من اختلاف السياقين، والمسارين، وطبائع التفكير، التقى العقلان عند الحقيقة ذاتها: البنية الرياضية التي تصف التغير المستمر. غير أن هذا اللقاء كان لقاء أفكار لا لقاء أقدار؛ فقد اجتمعا عند الاكتشاف، لكنهما افترقا عند المصير والضمير، إذ قاد الاكتشاف كلاً منهما إلى طريق مختلف في التاريخ، لا تحكمه العبقرية وحدها، بل تحكمه أيضًا ظروف النشر، والسلطة، والاعتراف!

   ربما كان «نيوتن» هو الأسبق إلى تخوم الاكتشاف، لكنه تعامل مع فكرته كما يتعامل الناس مع الكنوز النادرة: يُخفيها في أدراج العقل، بعيدًا عن الأعين، خوفًا من أن تُساء قراءتها أو تُنتزع من سياقها قبل أن تكتمل. كان يؤمن أن الفكرة التي لم تتخمر طويلاً في صمتٍ قاسٍ لا يحق لها أن تخرج إلى العالم، وأن النقد المبكر ليس نقاشًا بقدر ما هو تهديد لصورة العبقري عن نفسه. لذلك آثر العزلة، وترك اكتشافه حبيس المخطوطات، مؤجلاً لحظة المواجهة مع الآخرين.

    أما «ليبنتز»، فكان نقيضه في المزاج والرؤية. لم يرَ في الفكر ملكية خاصة، بل مشروعًا جماعيًا لا يكتمل إلا بالتداول. كان يؤمن أن الفكرة لا تولد ولادةً كاملة إلا حين تُقال، وتُكتب، وتُعرَض على عقول أخرى، فتُختبر في سجالها مع النقد والاختلاف. وحين نشر سنة 1684 مقاله «منهج جديدة لإيجاد القيم العظمى والصغرى، وكذلك المماسات، لا تعيقها الكسور ولا الكميات» Nova Methodus، والذي قدَّم فيه لأول مرة حساب التفاضل برموزه المعروفة التي ستصير لاحقًا لغة الرياضيات الحديثة، لم يكن يتخيل أنه لا يفتح باب علم جديد فحسب، بل يفتح أيضًا باب خصومة تاريخية!

    في تلك اللحظة، لم يتوقف العالم ليسأل السؤال الفلسفي الأعمق: كيف يمكن لعقلين، يعمل كلٌّ منهما بمعزل واستقلال عن الآخر، أن يصلا إلى البنية ذاتها لفهم التغير واللاتناهي؟ لم يُطرح سؤال تلاقي العقول، بل طُرح سؤال الاتهام؛ سؤال أقرب إلى الغريزة البدائية منه إلى روح المعرفة: من أخذ مِن مَن؟ مَن سبق مَن؟ من يملك الحق الحصري في الفكرة؟ هكذا هبطت العبقرية من سمائها التأملية إلى أرضٍ أكثر خشونة: قاعة محكمة علمية. دخل الاتهام متدثرًا بدثار البحث العلمي، لكنه كان مُشبعًا بروائح أخرى لا تخطئها الحاسة: قومية إنجليزية متحفزة للدفاع عن رمزها الأكبر، وغيرة فكرية غير مُعلنة، وصراع خفي على من يملك سلطة التسمية، ومن يحق له أن يُدوَّن التاريخ باسمه.

    طالب «ليبنتز» بتحقيقٍ رسمي، معتقدًا أن وضوح المسار العلمي واستقلال الاكتشاف كفيلان بحمايته. كان ما يزال يؤمن بأن العقل إذا عُرضت عليه الوقائع عارية، اختار العدل. لكنه لم يكن يُدرك بعد أن العدالة، حين تمر عبر مؤسسات السلطة، لا تظل دائمًا وفية لقواعد المنطق؛ فهي، مثل الهندسة إذا أُعيد رسمها بيدٍ غير محايدة، تُغير زواياها دون أن تعلن ذلك صراحة.

    في سنة 1712 تشكَّلت لجنة تحقيق من الجمعية الملكية البريطانية للفصل في النزاع. قد يبدو الأمر، في ظاهره، إجراءً علميًا معتادًا، لكن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الكوارث الكبرى. فقد كان رئيس الجمعية الملكية آنذاك «إسحاق نيوتن» نفسه. هكذا انقلب ميزان العدالة منذ اللحظة الأولى: الخصم جلس على مقعد القاضي، والقاضي أمسك بالقلم الذي سيكتب الرواية الرسمية.

    أما التقرير الذي صدر لإدانة «ليبنتز»، والمعروف بعنوان «تبادل الرسائل» Commercium Epistolicum، فقد تم تقديمه بوصفه وثيقة موضوعية، مكتوبة بيدٍ محايدة. غير أن الحياد هنا كان اسمًا بلا مضمون؛ إذ تشير الشهادات التاريخية إلى أن التقرير كُتب بقلم «نيوتن» مباشرة، أو على الأقل تحت إشرافه اللصيق. لم يكن «ليبنتز» حاضرًا حضور الخصم المكافئ: لم يُستدعَ كما ينبغي، لم يُمنح فرصة الدفاع الكامل عن نفسه، ولم يُتح له الاطلاع على كل الوثائق التي استُخدمت ضده. وهكذا صدر الحكم لا باسم الحقيقة المجردة، بل باسم الهيبة العلمية، وباسم السلطة التي تملك حق إعلان المنتصر: «نيوتن هو المكتشف الأول لحساب التفاضل، وليبنتز توصل إلى الاكتشاف لاحقًا، واطلع – بشكلٍ مباشر أو غير مباشر – على أفكار نيوتن»!

    كانت النتيجة قاسية وسريعة. خسر «ليبنتز» إنجلترا دفعة واحدة: سمعته، وقُرَّاءه، ومكانته في التاريخ العلمي الإنجليزي؛ قوطعت مؤلفاته، وسُحبت الثقة من اسمه، وأُغلقت أمامه المنابر التي كانت تتيح للأفكار أن تعيش. وانقسمت أوروبا انقسامًا يشبه انقسام الخرائط بعد الحروب الكبرى: إنجلترا اصطفت خلف «نيوتن»، بينما وقفت القارة الأوروبية مع «ليبنتز». والمفارقة التي لا تخلو من سخرية التاريخ أن القارة التي لم تنتصر له سياسيًا هي التي ورثت إرثه العلمي الحقيقي؛ فقد انتصرت لغته الرياضية حيث خسر هو معركته الرمزية؛ رموزه البسيطة والعميقة في آنٍ واحد (مثل dx, dy؛ أو تفاضل x، وتفاضل y) صارت النبض اليومي لكل معادلة حديثة، بينما تآكل ترميز «نيوتن» تدريجيًا، حتى لم يبقَ منه إلا أثر محفوظ في كتب التاريخ.

    وتبلغ المأساة ذروتها في مشهد جنازة «ليبنتز» سنة 1716؛ فيلسوف أوروبا، وصاحب العقل الموسوعي الذي جاب ميادين المعرفة، يُوارى الثرى في صمت شبه كامل: بلا موكب رسمي، بلا علماء، بلا أصوات وداع. تُروى القصة كما لو كانت مشهدًا رمزيًا، قيل إن المطر كان شاهد العزاء الوحيد. في الجهة الأخرى من الصورة، كان «نيوتن» يعيش ذروة مجده: رئيسًا للمؤسسات العلمية، مُكرمًا بلقبٍ ملكي، وصورةً متجذرة في الوعي العام بوصفه «أب العلم الحديث»! ولم يكن الفارق، في جوهره، فارق عمقٍ عقلي أو قيمةٍ معرفية، بل فارق موقع. فارق بين من يملك المنبر، ومن يُمسك بالختم، وبين من تُسمع أفكاره، ومن يُكتب اسمه في الهامش، مهما كان اتساع عقله.

    حين خمدت الضوضاء، وسكن غبار الخصومة، وابتعد الزمن بما يكفي ليُضعف سلطان الأسماء، صار في مقدور مؤرخي العلم أن يقولوا ما كان محرَّمًا قوله يوم كان النزاع حيًّا: لم يكن «ليبنتز» سارقًا، كما لم يكن «نيوتن» كاذبًا. لقد بلغ الاثنان، كلٌّ من طريقه، إلى الاكتشاف ذاته، كأن العقل الإنساني – حين يبلغ تخومه القصوى – يُفضي بأكثر من صوت إلى الحقيقة ذاتها.

    غير أن التاريخ لا يُصاغ دائمًا من معدن الحقيقة الخالص، بل يُسكب في قوالب تصنعها القوة، ويُلمَّع بميزان النفوذ؛ فما يُدوَّن في السجلات لا يكون، في الغالب، ما وقع كما وقع، بل ما سُمح له أن يُروى، وما وجد سندًا يحميه، وما انسجم مع موازين السلطة في زمانه. وهكذا، لم تكن قصة التفاضل والتكامل مجرد فصل في تطور الأفكار الرياضية، بل كانت امتحانًا للمعرفة حين تغادر مختبراتها الصامتة لتدخل دهاليز السياسة، واختبارًا للعبقرية حين تُعرض على محكمة لا تقيس الأفكار بعمقها، بل بأصوات من ينطق بها، وبالمنابر التي تُقال منها. ففي تلك اللحظة، لا يعود السؤال: من كان أصدق برهانًا؟ بل: من كان أعلى نفوذًا؟

    لقد كان العلم، في نتائجه، منضبطًا لا يحابي، صارمًا لا يلين؛ فالرموز واحدة، والقوانين واحدة، والحقيقة – حين تُجرَّد من أسمائها – لا تميل إلى هذا أو ذاك. لكن تاريخ العلم شأن آخر؛ إنه تاريخ بشري، والبشر لا يُكتبون دائمًا بما يعرفون، بل بما يقدرون عليه. والإنسان، كما نعلم، كثيرًا ما ينحاز إلى من يملك الصوت الأعلى، لا إلى من يحمل الفكرة الأعمق. ومن هنا، لا يبدو النزاع بين «نيوتن» و«ليبنتز» استثناءً، بل مثالًا مُكثفًا لحالٍ تتكرر: عبقريتان تتقاطعان عند الفكرة ذاتها، غير أن إحداهما تقف في ظل مؤسسة قوية، والأخرى وحيدة في فضاء أقل صخبًا. وحين اختل ميزان القوّة، اختل معه ميزان الرواية. ولعل أصدق ما قيل في خلاصة هذه القصة، ما همس به أحد مؤرخي العلم بعد أن استوت المسافة، وتساوت الأسماء أمام الزمن: لو أن «نيوتن» أخرج أفكاره إلى العلن مبكرًا، لما وُلد النزاع أصلاً؛ ولو أن «نيوتن» لم يكن بتلك القوة، لما خرج «ليبنتز» من المعركة خاسرًا؛ فبين التأخر في النشر، وفائض النفوذ، تشكل فصلٌ من تاريخ العلم لا يُعلمنا الحساب وحده، بل يعلمنا – وهو الأهم – كيف تُعامَل الحقيقة حين لا تكون عارية من البشر!