-->

السبت، 27 ديسمبر 2025

ما بعد النص: الذكاء الاصطناعي وأزمة البحث العلمي!

 

صورة نهاية البحث العلمي على يد الذكاء الاصطناعي وأزمة البحث العلمي

   حين وطأ الذكاء الاصطناعي عتبة الحقل الأكاديمي، لم يحضر كأداة تقنية إضافية تُراكم ما قبلها، بل جاء بوصفه واقعة معرفية صامتة؛ تسلل كما يتسرب الماء إلى أعماق الأساسات، لا ليُحدث الشقوق، بل ليكشف ما كان قائمًا فيها من تصدع مؤجَّل. فجأة، لم يعد السؤال هو: هل يمكن للآلة أن تكتب؟ بل: ماذا كنا نُقدم نحن حين كنا نكتب؟ وهل كان ما ننتجه تفكيرًا حقًا، أم ضربًا من الحرفية اللغوية التي تغذت طويلاً على بطء الإنسان وعلى قداسة الشكل؟ وهل ما زال للعمل البحثي، وبصفة خاصة الإنتاج الفلسفي، بما هو أطروحات جامعية وبحوث وترجمات، معنى في زمنٍ غدت فيه الكتابة وفيرة إلى حد الابتذال، وسهلة إلى حد الاشتباه، ورخيصة إلى حد فقدان الوزن، بفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ سؤالٌ يبدو، للوهلة الأولى، كأنه ينعى عصرًا بكامله. غير أن الجواب، إذا أُخذ بجديته الفلسفية، لا يأتي نفيًا ولا رثاءً، بل تمييزًا دقيقًا: نعم، ما تزال هناك جدوى، ولكنها جدوى لم تعد تسكن المعنى القديم للإنتاج، ولا تتجسد في الأشكال التي اعتادت الجامعة أن تكرسها وتكافئها. إنها جدوى مشروطة بانقلاب في الفهم، لا باستمرار في العادة.

الذكاء الاصطناعي وأزمة البحث العلمي

    ليس من الحكمة أن تتم الإجابة عن هذه التساؤلات بالصراخ أو بالتزيين الخطابي؛ فهي تساؤلات تتطلب هدوءًا فكريًا، لأن ما هو مُعرَّض للمساءلة ليس الذكاء الاصطناعي، بل تصورنا ذاته لما كنا نعده عملاً بحثيًا. فما الذي فقدته الرسائل الجامعية حقًا حين دخلت الآلة إلى ميدان الكتابة؟ لقد تلقت رسائل الماجستير والدكتوراه ضربة في صميم وظيفتها الشكلية، تلك الوظيفة التي ظلت، زمنًا طويلاً، تُخلط بالمعنى وتُحسب عليه؛ فتلخيص الأدبيات، الذي كان يُقدَّم بوصفه جهدًا بحثيًا، بات اليوم إجراءً آليًا يُنجز في لحظاتٍ وبسعةٍ لا يضاهيها العقل الفردي. وإعادة عرض النظريات، التي كانت تُعد دليل إتقانٍ، صارت مهمة تتولاها الآلة بلا تعب ولا ملل ولا ادعاء فهم. أما الصياغة الأكاديمية المحكمة، فقد فقدت هالتها تمامًا، إذ لم تعد مهارة نادرة، بل نمطًا يمكن توليده بدقة متناهية. وحتى الترجمة، التي طالما عددناها فعلاً علميًا قائمًا بذاته، لم تعد، حين تُفهم بوصفها نقلاً لغويًا صرفًا، مجالاً للتفوّق البشري؛ فالآلة أسرع وأدق وأوسع!

    بهذا المعنى الصريح، يصبح من الضروري الاعتراف بأن كل رسالة أو بحث أو ترجمة تقوم، في جوهرها، على الجمع والترتيب والشرح وإعادة الصياغة، قد فقدت مُبررها المعرفي. وهنا تكمن الصدمة التي لم تستوعبها المؤسسات التعليمية والثقافية في بلداننا العربية بعد: ليس لأن الذكاء الاصطناعي ألغى هذه الأعمال، بل لأنه أداها بكفاءةٍ كشفت هشاشتها، فما كان يُعدّ جهدًا بحثيًا انكشف بوصفه إجراءً آليًا، وما كان يُنظر إليه كتميز صار قابلاً للتكرار، بلا تعب، وبلا مخاطرة، وبلا روح. وحين يُمكن إنتاج القسم الأعظم من هذه النصوص بلا فرق يُذكر، يُصبح السؤال عن قيمتها سؤالاً لا يمكن تأجيله.

    تغدو الأطروحات والبحوث والترجمات بلا جدوى حين تُكتب بوصفها وسائل لعبور إداري نحو ألقابٍ أو شهادات، لا بوصفها أفعال تفكير؛ حين لا تُضيف مفهومًا، ولا تُثير تساؤلاً، ولا تحلّ إشكالاً؛ حين تكون منزوعة الصلة بالواقع أو بالإشكال النظري الحي؛ وحين يمكن للآلة أن تنتج معظمها دون أن نُلاحظ غياب صاحبها. وهنا ينبغي قول الحقيقة بلا مواربة: إن قدرًا كبيرًا من الرسائل الجامعية العربية، بل ومن الإنتاج الأكاديمي عالميًا، كان قد فقد معناه قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بوقتٍ طويل؛ غير أن الآلة لم تفعل أكثر من أن كشفت العُري الذي كان مستورًا بزمن الإنجاز وبمشقة الكتابة وضخامة الألقاب الزائفة!

    لهذا، لم يعد للرسالة الجامعية اليوم أن تحتفظ بموقعها إلا بشرط واحد حاسم: أن تكون فعل تفكير أصيل في عالمٍ تغير جذريًا، وليس إعادة ترتيب لما قيل في عالمٍ لم يعد قائمًا. وإلا فإنها لا تكون سوى وثيقة بلا روح، في زمن لم يعد يحتمل الورق الميت فوق أرفف المكتبات. من هنا، يصبح السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي تسجيل للماجسنير أو الدكتوراه، وأي شروعٍ في بحث أو مقال،  سؤالاً فلسفيًا بامتياز، لا إجرائيًا ولا تقنيًا: هل أملك ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقوله نيابةً عني؟ فإن لم يكن الجواب نعم، فالصمت، في هذه الحالة، أصدق من الكتابة!

    لم يكن الذكاء الاصطناعي صانع الأزمة المعرفية أو البحثية، ولا مهندس هذا الخراب الذي يلوح اليوم في الأفق الأكاديمي، بل كان أشبه بقوة تعجيلٍ عمياء، ضاعفت سرعة إنتاج ما هو زائد عن الحاجة، وما كان قائمًا أصلاً بلا ضرورة. إنه مرآة أكثر منه فاعلاً أصليًا؛ مرآة لا تُضيف قبحًا جديدًا، لكنها تُجرد القبح القديم من أقنعته البطيئة؛ فالرداءة البحثية لم تُولد معه، بل كانت تعيش في ظلال الزمن، تتغذى على طول المدة، وعلى وهم الجُهد، وعلى الخلط المريح بين المشقة والمعنى. وما فعله الذكاء الاصطناعي أنه قام بتسريع ما كان يحدث على مهل، وكشف ما كان يستتر خلف البطء. وبعبارة أخرى، لم ينتقص الذكاء الاصطناعي من قيمة البحث الأكاديمي، بل نزع عنه أقنعته المطمئنة؛ لقد أزاح الوهم الذي طالما خلط بين العناء والدلالة، وبين امتداد الزمن وعمق الفكرة، كاشفًا أن كثيرًا من الرسائل الجامعية لم تكن تعيش إلا على هذا الالتباس المريح؛ فالمدة الطويلة التي كانت تُستنزف في إنجازها لم تكن شاهدًا على غوص أو عُمق معرفي، بقدر ما كانت ستارًا كثيفًا يُخفي خواء العقول وضعف الإمكانات. فالنص الذي لا يلد مفهومًا، ولا يُشرع إشكالاً، ولا يُدخل صاحبه في مجابهة فكرية صريحة مع العالم، هو نصٌّ كان مفتقدًا للحياة قبل أن تمسه الآلة؛ غير أن الذكاء الاصطناعي، ببرود حياده، هو الذي جعل موته ظاهرًا للعيان.

    قبل حضوره، كانت الرسائل الجامعية تُكتب بلا سؤال حقيقي، وتُستكمل لا بوصفها مغامرة فكرية، بل إجراءً ضروريًا لإغلاق ملفٍ إداري. وكانت الأبحاث تُنشر لا لأنها تُضيف، بل لأنها تُستكمل، وتُرص في سجلات تُكافئ الكم – وليس الأثر – بالترقي والاحتفاء. كذلك كانت الترجمات تُنجز بلا مشروع فكري، بلا رؤية لغوية أو تاريخ مفهومي، وكأنها أعمال نقل محايد في فراغ. لم يكن الفرق بين الأمس واليوم فرقًا في الجوهر، بل في الإيقاع: ما كان يستغرق عامًا من الجهد المتثاقل صار يُنجز في أسبوع، وما كان يتطلّب استنزاف طاقة بشرية صار إجراءً آليًا لا يشعر بالتعب. ولهذا، بدأ كثير من الباحثين يعجزون عن رؤية الفارق بين ما تنتجه الآلة، وما كان يُفترض أن يُقدموه هم، وهنا تتشكل لحظة فلسفية خطيرة، لحظة يختلط فيها التفكير بالصياغة، ويُمحى الحد الفاصل بين من يُنتج معنى، ومن يُتقن ترتيب العبارات.

    الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا معرفيًا، لا لأنه يتبنى موقفًا، بل لأنه يعيد إنتاج السائد، ويعمل داخل الممكن لغويًا، لا خارجه. وهو، من هذه الجهة، ليس ثوريًا ولا متمردًا، لأنه لا يقترح قطيعة ولا يتحمل مخاطرة. لكنه، في الوقت ذاته، ليس بديلاً عن الفكر، لأنه بلا موقف، وبلا تجربة، وبلا كلفة وجودية. إنه لا يهدد المعرفة ذاتها، بل يهدد وهم المعرفة؛ ذلك الوهم الذي نعيش في كنفه سعداء بجهلنا وبما نضعه من مساحيق لتجميل المظهر القبيح!

    هنا يتزحزح موضع الذكاء الاصطناعي في قلب النقاش: لا كعدوٍ للفكر، بل كمرآةٍ صلبة لا ترحم؛ صحيح أنه لا يُفكر، غير أنه يكتب كما لو كان يفكر؛ وحين يعجز النظام الأكاديمي عن التمييز بين التفكير ومحض محاكاته، تنكشف الأزمة في جذرها العاري: ليس الخطر أن تُنتج الآلة نصوصًا متماسكة ومقنعة، بل أن تكون المعايير المهيمنة قد اعتادت الاكتفاء بهذا الإقناع الشكلي، وأن تكون المؤسسات التعليمية والثقافية قد دربت ذائقتها على مكافأة الصياغة بدل الموقف، وعلى تمام العبارة بدل مجازفة المفهوم. ويمتد هذا الانكشاف ليشمل الترجمة، تلك التي طالما أُحيطت تاريخيًا بهالة العمل العلمي المستقل؛ فالذكاء الاصطناعي يترجم بسرعة لافتة ودقّة عالية، لكنه يقف عاجزًا أمام ما هو أبعد من المطابقة: عاجز عن تأسيس لغة فكر، وعن اتخاذ القرار المفهومي الذي يصنع تقليدًا معرفيًا وليس مجرد مكافئ لغوي. من هنا يغدو الفرق بين الترجمة البشرية والترجمة الآلية فرقًا في المشروع لا في الأداء؛ فرقًا بين من يفتح أفقًا، ومن يكتفي بملء فراغ!

    من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي قد أسهم بالفعل في تسريع السرقة الفكرية، وفي توسيع دائرة الوهم الأكاديمي، وفي تعميم الخداع، ليس كجريمة علينا إدانتها ومواجهتها، وإنما كممارسة ذكية. غير أن الحقيقة، حين تُؤخذ في عمقها، أكثر إزعاجًا من مجرد إدانة مُطوري الذكاء الاصطناعي التوليدي: نعم، لقد تم تسريع السرقة، لكن الذكاء الاصطناعي لم يخلق الرغبة في الانتحال، ولا الميل إلى الغش، ولا الادّعاء المعرفي. لقد كانت هذه كلها جزءًا من بنية قائمة، بنية تُنتج شهادات بلا تفكير، ونشرًا بلا إضافة، ومؤسسات تكافئ الشكل لأنها تخشى مواجهة الجوهر!

    ما فعله الذكاء الاصطناعي هو أنه جعل الخداع أسرع، وأرخص، وأوسع انتشارًا. وهذا خطر لا شك فيه، لكنه في الوقت ذاته بمثابة ضوء كاشف؛ فالوهم لم يبدأ معه، بل انفضح به. قبل ظهور الذكاء الاصطناعي كان الانتحال موجودًا، وكانت الرداءة مُموهة بزمن الإنجاز وبثقل الجهد، وكان كثير من الإنتاج العلمي يعيش على بطء البشر، وليس على عمق ما يطرحه ويناقشه الأفكار. أما اليوم، فقد صار بالإمكان إنتاج وهم معرفي كامل في ساعات، هنا يتغير السؤال جذريًا: لم يعد السؤال من يسرق، بل لماذا كان هذا الوهم مقبولاً أصلاً، ولماذا كان النظام قادرًا على التعايش معه؟

    الخداع لا ينجح إلا حين يكون النظام متواطئًا؛ فالذكاء الاصطناعي لا يخدع أحدًا بمفرده؛ هو ينجح فقط حين لا تُطرح الأسئلة الصحيحة، وحين لا يُمتحن الفهم، وحين لا يُطلب موقف فكري يمكن الدفاع عنه. ولو كانت الجامعات وغيرها من مؤسساتنا البحثية والثقافية تطلب دفاعًا حيًا صارمًا، ومساءلة مفهومية حقيقية، وقدرة على الارتجال النقدي، لانكشف معظم هذا الإنتاج فورًا، سواء كُتب بالآلة أو باليد. والحقيقة الأكثر إزعاجًا أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم كما يُراد له أن يُستخدم. فهو أداة لا أكثر، وهو في يد الباحث الضعيف، يتحول إلى وسيلة خداع؛ وفي يد الباحث الكسول، إلى أداة اختصار؛ أما في يد الباحث الحُر، فيمكن أن يكون معينًا على التفكير وليس بديلاً عنه. المشكلة، إذن، ليست في السرعة، بل في غياب الضمير المعرفي الذي يضبط الغاية قبل الوسيلة.

    هل يتحمل مطورو الذكاء الاصطناعي أية مسؤولية؟ نعم، ولكن ليس وحدهم؛ هم يتحملون مسؤولية تسهيل إنتاج نصوص مقنعة بلا ضمان أخلاقي، ومسؤولية غياب معيار ذاتي يرفض الاستخدام الرديء تلقائيًا. لكن المسؤولية الأثقل تقع على مؤسسات تعرف وتغض الطرف، وعلى أساتذة يميزون الشكل ولا يجرؤون أو يقدرون على المواجهة، وعلى باحثين يريدون اللقب بأي ثمن. الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، ليس سبب الانهيار الجذري، بل مُسرعه. وهنا تتجلى المفارقة الفلسفية المؤلمة: الذكاء الاصطناعي لم يُدمر القيم الأكاديمية، بل أجبرها على مواجهة سؤال لم تكن تريد سماعه: ما الفرق بين من يُفكر، ومن يبدو كأنه يفكر؟ وحين يعجز النظام عن التمييز، ينهار من الداخل، لا بفعل آلة بلا موقف، بل بفعل بشر تنازلوا عن معنى التفكير.

    الخلاصة، بلا تلطيف: نعم، لقد تم بالذكاء الاصطناعي توسيع دائرة الوهم، تسريع الخداع، تسهيل السرقة (وربما سُرق هذا المقال كغيره، بمجرد نشره، من قبل باحث يكتب عن الذكاء الاصطناعي!)، لكن الحقيقة الأشد قسوة هي أن هذا الوهم كان قائمًا، مزدهرًا، ومكافَأً قبل وصول الذكاء الاصطناعي. لم يكسر القناع، بل نزع عنه الزمن. وما نراه اليوم ليس فسادًا جديدًا، بل هو فسادٌ لم يعد يملك صبرًا على التخفي. ومن ثم، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المعرفة ليس ما إذا كان ينبغي منع الذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كنا نملك الشجاعة لإعادة تعريف ما نعنيه بالتفكير، وبالاستحقاق، وبالمعرفة ذاتها. فإن لم نفعل، فلن يكون الذكاء الاصطناعي آخر من يفضح هذا الوهم.