سألني، وفي نبرته شيء من الدهشة الممزوجة بالريبة: هل يحتاج العالم العربي إلى الفلسفة؟ أجبته، ليس بدافع الاعتراض بل على سبيل تفكيك الفكرة: لعل السؤال الأجدر أن يُطرح هو: هل نحن مستعدون لدفع ثمن الفلسفة بوصفها مغامرة وجودية كاملة: ثمن القلق الدائم، وثمن زعزعة البداهات، وثمن الشك في ما اعتدنا أن نُعده يقينًا نهائيًا من أطروحات العقل، وثمن التفكير بلا أوصياء ولا كهنة؟ الفلسفة لا تمنح وعودًا بالخلاص، ولا تبيع أوهام الطمأنينة، لكنها تهب ما هو أثمن وأخطر معًا: الوعي بالذات، والحرية المسؤولة، والشجاعة الأخلاقية في مواجهة الأسئلة الكبرى. ومن دونها، قد نمتلك كل شيء: السلطة، والثروة، واللغة، والتاريخ … إلا أنفسنا!
في السياق العربي، يبدو الفيلسوف – إن قُدر له أن يوجد – كائنًا منفصلاً عن نسيجه الاجتماعي، يتكلم لغة لا يسمعها أحد، أو يُساء فهمها عمدًا؛ التعليم، بدل أن يكون مصنعًا للعقول النقدية، يتحول إلى آلة لإعادة إنتاج الطاعة والامتثال؛ والمجال العام، بدل أن يكون فضاءً للنقاش العقلاني، يغدو ساحةً صاخبة تُعادي التفكير الناقد وتُفضل الشعارات السهلة والأجوبة الجاهزة. وهكذا تتشكل المفارقة القاتلة: واقعٌ بلا أفكار تُنيره، وأفكارٌ بلا جمهور يحتضنها، ونقدٌ حاد في لغته، عاجزٌ في أثره، غير قادر على التحول إلى قوة اجتماعية فاعلة.
لم تكن نهضات الأمم، في أي زمان أو مكان، ثمرةً للفلسفة وحدها، بل حصيلة تحالفات عميقة: فلسفة تتشابك مع العلم فتؤسس لعقلانية جديدة، وفلسفة تتقاطع مع السياسة فتُعيد تعريف السلطة والشرعية، وفلسفة تتحالف مع الاقتصاد فتمنح التنمية معناها الإنساني والأخلاقي. أما في الواقع العربي، فالفلسفة تعيش في عزلة مضاعفة: منفصلة عن القرار السياسي، مقطوعة الصلة بالبحث العلمي، غريبة عن التخطيط الاقتصادي. وبهذا الانفصال، تتحول من قوة تغيير محتملة إلى خطاب ثقافي أنيق، جميل الصياغة، فقير الأثر، بلا وزن مادي في حركة المجتمع والتاريخ.
ليست أزمة العالم العربي، إذن، نقصًا في الفلسفة بقدر ما هي وفرة في المفارقات: فلسفة بلا مخاطر، تُدرَّس دون أن تُقلق؛ أساتذة بلا فلسفة، ينقلون النصوص دون أن يسكنهم سؤالها وقلقها؛ فلاسفة بلا جمهور، يكتبون في الفراغ؛ فكر بلا مؤسسات تحمله، ومؤسسات بلا فكر يُوجهها؛ نقد بلا قوة اجتماعية تحميه، وقوة اجتماعية بلا رؤية أو أفق مستقبلي؛ ومعرفة تُكدس في العقول، لكنها محرومة من الحرية التي تمنحها الحياة.
الفلسفة، في نهاية المطاف، لا تغير العالم تلقائيًا، ولا تفعل ذلك بمجرد وجودها في الكتب أو القاعات الجامعية؛ إنها تُغيره فقط حين تتجذَّر في التعليم منذ الطفولة، وحين تجرؤ على الاصطدام بالسلطة بدل التواطؤ معها، وحين تتحالف مع العلم بدل أن تنغلق في أبراجها، وحين تجد مجتمعًا مستعدًا لتحمّل كلفتها الوجودية والسياسية والأخلاقية. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل المشهد كما هو: كلامٌ كثير، وضجيجٌ هائل، وحركة فكرية بلا تحول حقيقي في الواقع … لا لأن الفلسفة عاجزة في ذاتها، بل لأن الواقع، حتى الآن، لم يسمح لها بأن تكون خطِرة كما ينبغي!
.webp)