في باكورة أعمالي: «الاتصال واللاتناهي بين العلم والفلسفة»، الصادر عام 1998، انشغلتُ بسؤالٍ قديمٍ متجدد: سؤال الوجود الغامض للكائنات الرياضية المجردة. هناك تبنيت بوضوح موقف الواقعية الأفلاطونية، القائل بأن للمعاني والكليات – وفي مقدمتها الكائنات الرياضية – وجودًا مستقلاً، لا يستمد كيانه من عالم الخبرة الحسية ولا من الذهن الذي يدركه، بل يسبقهما معًا. وهو الموقف ذاته الذي ظل يُوجه مساري الفلسفي في كتبي اللاحقة: «النموذج العلمي بين الخيال والواقع»، و«المنطق متعدد القيم»، و«الداروينية والإنسان»، و«الواقعية اللونية»، و«نحو فلسفة للكيمياء»، و«وهم العالم الخارجي»، و«البحث عن معنى»، وغيرها من المحاولات التي دارت جميعها حول سؤال واحد في جوهره: ما الذي يعنيه أن يكون للعالم بنية قابلة للفهم؟ وربما بدا هذا الاتجاه – حتى الآن – الأكثر تماسكًا في مواجهة الدهشة التي تثيرها الرياضيات بقدرتها الاستثنائية على وصف الواقع بدقة تكاد تكون غير معقولة، وهي دهشة ازدادت عمقًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تعود الرياضيات مرة أخرى لتفرض حضورها بوصفها لغة خفية للفهم، وهو ما أتطرق إليه بإيجاز في هذا المقال.
حكاية الأرقام التي تعكس أسرار العالم
في ليلةٍ شتوية ساكنة، جلس عالمُ فيزياء شاب في مختبره، مأخوذًا بسبورةٍ سوداء ازدحمت برموز لا تشبه شيئًا مما تلتقطه الحواس: خطوط منحنية، إشارات غامضة، حروف يونانية صامتة. لم يكن هناك حجر ولا نجم ولا ذرة، ومع ذلك كان يشعر – بيقينٍ يكاد يكون حدسيًا – أن هذه العلامات الصامتة تعرف عن الكون أكثر مما يعرفه هو. مسح الطباشير عن يديه وتساءل في صمت: كيف لشيءٍ لم يُخلق ليُحاكي العالم، ولم يُستمد من تجربته المباشرة، أن ينجح في وصفه بهذا الإتقان المذهل؟ عند هذه اللحظة، لا يبدأ سؤال علمي فحسب، بل تنفتح حكاية أعمق … حكاية الأرقام التي بدت وكأنها سبقت العالم إلى معرفة ذاته!
لم يكن هذا المتأمل سوى الفيزيائي المجري – الأمريكي «يوجين بول فيغنر» Eugene Paul Wigner (1902 – 1995)، أحد العقول التي أدركت مبكرًا أن نجاح الرياضيات في الفيزياء ليس مسألة تقنية، بل لغزًا فلسفيًا من الطراز الأول. وقد عبَّر عن هذا اللغز بعبارة ستصير لاحقًا من أشهر العبارات في فلسفة العلم، حين قال «إن ثمة نجاحًا غير مفهوم للرياضيات في العلوم الطبيعية». فالسؤال، في نظره، لم يكن يومًا: هل تنجح الرياضيات؟ فهذا واقع لا جدال فيه، بل السؤال الأعمق والأكثر إرباكًا: لماذا تنجح أصلاً؟ وكيف أمكن لها أن تكون فعَّالة إلى هذا الحد؟ صاغ «فيغنر» هذا التساؤل في عنوان مقاله المشهور: «الفعالية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية» The Unreasonable Effectiveness of Mathematics in the Natural Sciences، الذي نشره سنة 1960 في مجلة «التواصل في الرياضيات البحتة والتطبيقية» Communication in Pure and Applied Mathematics. ولم يكن المقال محاولة للإجابة بقدر ما كان اعترافًا صريحًا بالدهشة، وبأن العقل العلمي، وهو في ذروة نجاحه، يقف هنا عند حدٍ لا يستطيع تجاوزه إلا بالتأمل الفلسفي؛ فحين تنجح الرياضيات إلى هذا الحد، لا يعود السؤال تقنيًا، بل وجوديًا: أي عالمٍ هذا الذي يسمح بأن يُفهم بلغةٍ لم تُكتب له خصيصًا، وكأن الأرقام كانت تنتظره، صامتة، حتى يكشف هو عن ذاته؟
أرقام تسبق الواقع
قبل نحو قرنٍ من الزمن، كان الرياضيون، في عزلتهم التجريدية، يمارسون لعبة ذهنية خالصة، لا تُغريها الطبيعة ولا تستدعيها التجربة. هناك، في فضاء العقل المحض، وُلد كائن غريب الأطوار: العدد التخيلي، جذر عددٍ سالب، شيء لا يُرى ولا يُلمس، ولا يمكن رسمه في عالم الحس ولا استحضاره في صورة مألوفة. كان أشبه بشبحٍ رياضي، نزوةٍ عقلية، مجرد تمرين في التجريد الخالص، لا وظيفة له سوى اختبار حدود المنطق واتساق البنية الصورية. لم يكن أحدٌ يتوقع له مستقبلاً خارج دفاتر الرياضيين، ولا قدرًا يتجاوز لذة اللعب الرمزي.
ثم مرت العقود، وحدث ما يشبه الانقلاب الصامت؛ وقف الفيزيائيون فجأة أمام حقيقة أربكت حدسهم: هذه الأعداد التي وُصِفت يومًا بأنها وهمية، والتي لم يكن لها أي نسبٍ واضح إلى العالم المحسوس، تحولت إلى اللغة العميقة لميكانيكا الكوانتم. من دونها، لم يعد ممكنًا وصف سلوك الإلكترون، ولا فهم اهتزاز الضوء، ولا القبض على بنية الظواهر الدقيقة التي تقوم عليها المادة ذاتها. دخل العدد التخيلي إلى قلب الطبيعة بلا استئذان، كأنه لم يُخلق في معزلٍ عنها، بل كان يعرفها منذ البداية، ينتظر فقط اللحظة التي يُسمح له فيها بالكلام!
هنا يتكشف وجه المفارقة: فالرياضيات تُطوَّر من الداخل، وفق منطقها الخاص وتجريدها الذاتي، دون الرجوع إلى التجربة أو مراعاة لما قد تصادفه في العالم الخارجي. أما الطبيعة، فهي لا «تعرف» الرياضيات، ولا تقصد الامتثال لقوانينها، ولا تتعمد أن تتكلم لغتها. ومع ذلك، يحدث ما لا ينبغي أن يحدث: بنى رياضية محضة – كالأعداد المركبة، وفضاءات هيلبرت، والهندسات غير الإقليدية – يُكتشف لاحقًا أنها تصف الواقع الفيزيائي بدقة تنبؤية مدهشة، لا تقف عند حد التقريب، بل تبلغ مستويات من الضبط الكمي يصعب على الخيال استيعابها، حتى تصل أحيانًا إلى جزءٍ واحد من تريليون. وليس الأمر هنا مجرد نجاحٍ عملي أو توفيقٍ عابر، بل تطابق صارم، يكاد يبدو مبالغًا فيه؛ التوافق هنا أعمق من أن يُعزى إلى المصادفة، وأغرب من أن يُرد إلى ضرورةٍ مفهومة. ولتقريب فداحة هذا التطابق، تخيل أنك أطلقت سهمًا من سطح الأرض، فأصاب هدفًا على سطح القمر، لا بشكلٍ تقريبي، بل بدقة يقل انحرافها عن الهدف عن سُمك شعرة. ثم تكتشف، بدهشة مضاعفة، أنك لم تر الهدف أصلاً، ولم تُجرب الرمي من قبل، ولم تفعل سوى أن حسبت المسار على ورقة، باستخدام رموز لا تشبه شيئًا في الواقع. هذه، على وجه التقريب، هي غرابة دقة التطابق!
من هنا، لم يكن تعجب «يوجين فيجنر» ترفًا بلاغيًا، بل اعترافًا فلسفيًا صريحًا بالعجز عن الفهم، حين قال «إن هذا النجاح ليس مفيدًا فحسب، بل غير مفهوم»؛ فالمعادلات لا تنجح لأنها خُلقت من أجل الطبيعة، ولا الطبيعة تطيعها لأنها مضطرة إلى ذلك، ومع ذلك، يلتقي الطرفان في نقطة واحدة مقلقة ومهيبة: أن الواقع، على نحوٍ ما، يسمح بأن يُفهم بلغةٍ لم تُكتب له خصيصًا، وكأن الأرقام كانت تعرف أسراره … قبل أن يكشفها العالم عن نفسه!
الهندسة التي انتظرت الكون
في القرن التاسع عشر، وفي لحظةٍ بدت آنذاك أقرب إلى التمرد العقلي منها إلى الاكتشاف العلمي، تجرأ بعض الرياضيين العصاة على فحص ما كان يُعد بديهيًا منذ ألفي عام: مصادرات إقليدس. تساءلوا بشغف التجريد الخالص (وليس بدافع الحاجة التجريبية): ماذا لو لم تكن الخطوط المتوازية متوازية إلى الأبد؟ ماذا لو كان الفضاء، بدل أن يكون مسرحًا مستويًا صامتًا، قابلاً للانحناء؟ كانت هذه التساؤلات تُطرح في فراغٍ كامل من أي سندٍ فيزيائي، وكأنها لعبٌ ذهني أو مغامرة رمزية لا تطمح إلى أكثر من اختبار اتساق المنطق مع ذاته! ولسنواتٍ طويلة، بدت الهندسات اللاإقليدية مجرد ترفٍ فكري، جمالاً صوريًا بلا وظيفة، بنى رياضية أنيقة لا يُنتظر لها أن تلامس العالم. لم يكن أحد يرى في هذه الأنساق الغريبة أكثر من احتمالات منطقية بديلة، تصلح لملء كتب الرياضيات، لا لفهم الكون. كان الواقع، في نظر الفيزيائيين، أكثر تواضعًا وأقل استعدادًا لمجاراة هذا الخيال الهندسي الجامح.
ثم جاء أينشتاين. ولم يأت ليُخضع الكون للرياضيات، بل ليصغي إلى ما كانت تقوله منذ زمنٍ بعيد. اكتشف أن الزمكان – ذلك النسيج العميق الذي تتداخل فيه المسافة والزمن – لا يمكن فهمه إلا بلغة تلك الهندسات التي وُصفت يومًا بغير الواقعية؛ فإذا بالفضاء لا يكون مسرحًا ثابتًا للأحداث، بل كيانًا ديناميكيًا ينحني تحت وطأة الكتلة والطاقة؛ وإذا بالضوء، الذي كان رمز الاستقامة، ينحرف في مساره؛ وإذا بالزمن يتمدد وينكمش، وتسقط النجوم في حضن الثقوب السوداء كما لو كانت تتبع خطوطًا لم يرسمها الحس، بل رسمتها المعادلات سلفًا.
هكذا، لم تُخلق الهندسة اللاإقليدية من أجل الكون، ولم تُستخرج من تجربته، لكنها كانت هناك، مكتملة في منطقها، تنتظر لحظة الاعتراف. والكون، في هدوئه العميق، لم يفعل أكثر من أن تأخر قليلاً في الإقرار بها.
هنا تولد المفارقة
الرياضيات لا تُجرَّب كما تُجرَّب الأشياء، ولا تُشاهد كما تُشاهد الظواهر، ولا تُستخرج من الطبيعة استخراجًا مباشرًا كما تُستخرج القوانين التجريبية. إنها تُبنى في صمت العقل، وفق منطقها الخاص، وبعيدًا عن ضجيج العالم المحسوس. ومع ذلك، يحدث ما لا ينبغي أن يحدث: معادلاتها تتنبأ بجسيمات لم تُكتشف بعد، وتسبق التجربة إلى أرقامها، وتحسب الكتل والأزمنة والطاقات بدقةٍ مذهلة، حتى لتكاد تصيب أكثر مما نجرب، وتعرف قبل أن نرصد. وكأن العالم، في عمقه السحيق، قد كُتب بلغةٍ لم نخترها، ولم نخترعها من أجل وصفه، بل وجدناها جاهزة، تنتظر فقط أن نتعلم قراءتها.
من هنا تكتسب هذه المفارقة أهميتها القصوى؛ فهي، أولًا، تمس طبيعة الواقع ذاته: أهو واقعٌ رياضي في جوهره، تحكمه بنية صورية سابقة على التجربة، أم أن الرياضيات ليست إلا إسقاطًا بشريًا بالغ النجاح، مرآةً ذكية نرى فيها انتظام العالم دون أن تكون جزءًا من نسيجه الحقيقي؟ وهي، ثانيًا، تمس حدود العلم ذاته: فإذا كنا لا نفهم لماذا تنجح الرياضيات بهذا العمق والانتظام، فهل نفهم حقًا لماذا ينجح العلم أصلاً، أم أننا نكتفي باستثمار نجاحه دون مساءلة شروطه؟ وهي، ثالثًا، تؤثر مباشرة في الحُلم القديم بالعثور على «نظرية كل شيء»: فإذا كانت الرياضيات مجرد أداة وصفية نافعة، فقد يكون البحث عن نظرية نهائية وهمًا أنيقًا؛ أما إذا كانت بنية الواقع ذاتها رياضية، فإن هذا الحلم – على الأقل من حيث المبدأ – يظل ممكنًا، وإن ظل بعيد المنال. وهي، أخيرًا، مفارقة تجمع في قلبها خيوط الفلسفة والفيزياء ونظرية المعرفة وفلسفة اللغة والتجريد، كأنها نقطة التقاء تتكثف فيها أسئلة الوجود والفهم والمعنى، حيث لا يعود السؤال تقنيًا، بل يصبح سؤالاً عن سبب قابلية العالم لأن يُفهم أصلاً.
تفسيرات… أم اعترافات؟
حين واجه الفلاسفة هذا اللغز، لم يقدموا إجابات بقدر ما قدموا اعترافاتٍ متفاوتة بحدود الفهم. قال بعضهم: إن الرياضيات موجودة قبلنا، في عالمٍ مستقل، والعالم الفيزيائي ليس سوى تجلٍ ناقصٍ لها، ظلٍ باهتٍ لبنية أزلية كاملة. وقال آخرون، بنبرة أكثر تواضعًا: نحن لا نكشف سرًّا كونيًا، بل ننتقي فقط ما ينجح؛ نحتفظ بالبنى الرياضية التي تصيب، ونهمل آلاف الأنساق التي لا تقول شيئًا عن العالم. وذهب فريق ثالث إلى أبعد من ذلك، فقال: العالم ليس موصوفًا بالرياضيات، بل هو ذاته بنية رياضية متنكرة في هيئة مادة. غير أن كل واحد من هذه التفسيرات بدا، عند التأمل، وكأنه لا يزيل الغموض بقدر ما يدفعه خطوة إلى الخلف، كمن يطفئ ضوءًا ليكتشف ظلالاً أعمق. فإذا كانت الرياضيات اختراعًا بشريًا محضًا، فكيف تخبرنا بما لم نعرفه بعد، وبما لم يخطر على بالنا أصلاً؟ وإن كانت اكتشافًا، فأين كانت هذه الكيانات قبل أن تظهر العقول التي اكتشفتها؟
هكذا تتقدم الواقعية الرياضية، في صيغتها الأفلاطونية، لتقول إن الكيانات الرياضية موجودة وجودًا موضوعيًا مستقلاً، وإن العالم الفيزيائي لا يفعل سوى أن يُجسدها. نحن، بحسب هذا المنظور، لا نخترع الرياضيات، بل نكتشفها كما يكتشف الجغرافي أرضًا كانت موجودة قبله. وتكمن قوة هذا الموقف في قدرته على تفسير الدقة المذهلة والتطابق العميق بين المعادلات والواقع، بالإضافة إلى انسجامه مع التجربة الحدسية لكثيرٍ من الفيزيائيين الذين يشعرون أنهم يعثرون على القوانين ولا يصنعونها. غير أن هذا التفسير يتركنا أمام غموض أنطولوجي عسير: أين «توجد» هذه الكيانات المجردة؟ وفي أي مقامٍ من الوجود تقيم؟ وكيف يمكن لما هو مجرد وخارج الزمان والمكان أن يتفاعل مع عالم مادي خاضع للسببية؟
ثم يأتي الفيلسوف السويدي – الأمريكي «ماكس تيجمارك» Max Tegmark (مواليد 1967)، ليقترح انقلابًا أشد جرأة: أن الكون ليس موصوفًا بالرياضيات، بل هو الرياضيات ذاتها. كل بنية رياضية متسقة، في رأيه، موجودة فيزيائيًا بشكلٍ ما. هنا تُلغى المفارقة من جذورها، إذ يصبح نجاح الرياضيات ضرورة وليس لغزًا، انعكاسًا مباشرًا لهوية الكون ذاته. غير أن ثمن هذا الحل باهظ؛ فهو عسير الاختبار تجريبيًا، ويفتح الباب أمام توسع أنطولوجي هائل، حيث يتكاثر الوجود إلى عدد لا يُحصى من الأكوان الرياضية، حتى يكاد الواقع يغرق في فائضٍ من الإمكان.
على الضفة الأخرى، تقف النزعة الأداتية Instrumentalism بنبرة أقل طموحًا وأكثر حذرًا؛ فليس ثمة سر عميق؛ كل ما في الأمر أننا نحتفظ ببساطة بالرياضيات التي تنجح، ونهمل ما عداها. الرياضيات لا «تنجح» هكذا بمفردها، بل نحن من نمنحها صفة النجاح بالانتقاء والاستبقاء. وتكمن قوة هذا الموقف في بساطته الميتافيزيقية وانسجامه مع التاريخ الفعلي للعلم. لكنه يتعثر عند سؤالين حاسمين: كيف نُفسر التنبؤ قبل الرصد؟ وكيف نفهم هذا النجاح المفرط الذي يبدو أوسع بكثير مما تقتضيه الحاجة العملية؟
ثمة تفسير رابع تُقدمه النزعة البنائية الإدراكية Cognitive Constructivism، التي ترى أن الرياضيات منبثقة من بنية الذهن البشري ذاته، وأن العلم لا يعكس الواقع في ذاته، بل طريقة تنظيمنا للتجربة. هنا تبدو العلاقة بين العقل والعلم أوضح، ويجد هذا المنظور دعمًا في بحوث علم الإدراك المعاصر. غير أنه يظل قاصرًا عن تفسير لماذا تنجح النظريات في التنبؤ بأشياء لم تُدرَك بعد، ولم تدخل أفق التجربة أصلاً، كما أنه يفتح الباب أمام خطر النسبية المعرفية Epistemic Relativism، حيث يصبح الواقع تابعًا لبنية الذهن وليس العكس.
أخيرًا، تظهر نزعة الضرورة الفيزيائية الضعيفة Weak Physical Necessitarianism، لتقول إن أي كونٍ مستقر وقابل للرصد لا بد أن يمتلك بنية رياضية بسيطة نسبيًا؛ فالتعقيد غير القابل للصياغة الرياضية لا يسمح بظهور علماء يسألون عنه. يستمد هذا التفسير قوته من ارتباطه بالمبدأ الأنثروبي Anthropic Principle (القائل إن الكون كما نرصده لا بد أن تكون خصائصه وقوانينه متوافقة مع وجود الإنسان أو الكائنات العاقلة، لأننا لو لم نكن موجودين لما استطعنا ملاحظته أصلاً). كذلك يخفف التفسير من غرابة المفارقة، لكنه يظل تفسيرًا جزئيًا، عاجزًا عن الإحاطة بالتفاصيل الدقيقة والنجاح العددي المذهل الذي يتجاوز مجرد شرط القابلية للرصد.
هكذا، تتعدد التفسيرات، لكن السؤال يظل قائمًا، عاريًا من الحسم: هل نحن أمام حلول حقيقية، أم أمام اعترافات متباينة بأن سرّ هذا النجاح – نجاح الرياضيات في وصف العالم – لا يزال يقيم في منطقةٍ تتجاوز حدود التفسير الجاهز؟
اللحظة التي يصمت فيها العالم
عاد الفيزيائي الشاب إلى سبورته كمن يعود إلى حافة هاوية. محا أثر معادلاتٍ استُهلكت، وأقام مكانها بنيةً جديدة من الرموز. كان يدرك أن هذه العلامات الصامتة قد تفتح له بابًا لم يُفتح من قبل. لكنه توقّف فجأة. شيءٌ من الرهبة تسلل إليه، رهبة لا يفسرها الحساب. لعلنا – فيما خطر له – لا نفهم العالم بالرياضيات، بل العالم هو الذي يتسامح مع محاولاتنا للفهم؛ لعل اللغز الأعظم لا يُقيم في الذرة ولا في المجرة، بل في هذه الحقيقة البسيطة والمقلقة: أن الواقع، على نحوٍ ما، قابلٌ لأن يُعقَّل.
ليس ما يُسمى «النجاح غير المفهوم للرياضيات» لغزًا تقنيًا يخص الفيزيائيين وحدهم، بل هو سؤال وجودي متنكر في هيئة معادلات. سؤالٌ يهمس: ما الصلة بين العقل والعالم؟ ولماذا يستجيب الكون للمنطق كما لو كان يعرفه؟ أَنحن قرَّاء كتابٍ كُتب قبل وعينا، أم شركاء في تأليفه؟ لذلك، كلما أصابت معادلة هدفها، لم يكن الأمر مجرد انتصارٍ للعلم، بل تجددًا للدهشة الأولى: دهشة أن الأرقام – الباردة، العمياء – تحمل مفاتيح الوجود، وتفصح بها فقط لمن يتقن الإصغاء إلى صمتها. وحين نُوسع دائرة النظر، ونضع هذا النجاح الغامض للرياضيات في وصف الطبيعة إلى جانب النجاح غير المتوقع للذكاء الاصطناعي في محاكاة أفعال العقل، يتبدد وهم المصادفة. لسنا أمام حادثتين منفصلتين، بل أمام إشارة واحدة تتكرر في مستويين مختلفين من الوجود؛ فكما استطاعت رموزٌ مجردة، وُلدت في عزلة الذهن الرياضي، أن تلامس قوانين الكون بدقة تكاد تكون فوق إنسانية، استطاعت اليوم هياكل رياضية صمّاء (مصفوفات، فضاءات عالية الأبعاد، وخوارزميات لا تعرف المعنى) أن تُنتج سلوكًا يشبه الفهم، وأن تتعلم وتُعمم وتكتشف أنماطًا لم يُلقنها أحد.
في الحالتين، لا يبدو النجاح ثمرة قصدٍ واعٍ أو ذكاءٍ ذاتي، بل نتيجة انسجامٍ خفي بين البنية الرياضية والنسيج العميق للواقع؛ واقعٍ يكون ماديًا حين نصف الطبيعة، ومعرفيًا حين نحاكي العقل. كأن العالم، في مادته وتجربته معًا، قابلٌ لأن يُكثَّف في صيغ، وأن يُختزل إلى علاقات، وأن يُروَّض بلغة لا تنتمي إلى الحس ولا إلى الحياة اليومية. وهنا لا ينحل اللغز، بل يتضاعف: فإذا كانت الرياضيات قد نجحت لأنها تمس بنية الكون، فهل ينجح الذكاء الاصطناعي لأنه يلامس البنية ذاتها، ليس بوصفه عقلاً يفهم، بل كمرآةٍ رياضية تعكس انتظامًا أعمق من الفهم ذاته؟ هكذا، لا ينتهي بنا الأمر إلى سؤالٍ عن المعادلات ولا عن الآلة، بل إلى سؤالٍ عن هذا العالم الغريب، الذي يقف صامتًا، ويسمح لنا – بلا وعي ولا نية – أن نفهمه، وأن نحاكيه، وأن نكشف أسراره بأدواتٍ لا يدري أحدٌ لماذا تصيب!
الرياضيات والعقل
تصف الرياضيات العالم بدقة تكاد تكون غير معقولة، ونحن لسنا غرباء عن هذا العالم، بل نبتٌ من نسيجه ذاته؛ عقلنا ظاهرة فيزيائية: دماغ، عمليات، تفاعلات، انتظامات دقيقة تجري في صمت المادة. ومن هنا يلوح احتمال مقلق وجذاب في آن: إذا كانت الرياضيات قادرة على وصف بنية العالم، أفلا تكون – من حيث المبدأ – قادرة على وصف وعينا أيضًا؟
لكن ما إن يلوح هذا الاحتمال حتى تنفتح مفارقة ملفتة؛ فالعقل الذي نرجو أن نصفه بالرياضيات هو ذاته العقل الذي يصوغ هذه الرياضيات أو يكتشفها؛ فهل يمكن للأداة أن تحتوي صانعها؟ وهل تستطيع الآلة التي نبنيها – وهي العقل ذاته – أن تفسر ذاتها تفسيرًا كاملاً، من دون بقايا أو ظلال؟ لا شك أن للرياضيات قدرة هائلة: فهي تصف البنى، وتتنبأ بالسلوك، وتحاكي العلاقات، وتستخرج النتائج من المقدمات بصرامة لا تعرف التردد. لكنها، عند تخوم معينة، تصطدم بجدارٍ صامت: جدار التجربة؛ فالشعور الذاتي، والحضور من الداخل، والمنظور الأولي الذي به نكون نحن، لا ينقاد بسهولة إلى معادلة ولا يذوب طوعًا في رمز. هناك فرق خفي وعميق بين أن نَصِف الألم وأن نَشعر به، بين أن نُمثل الوعي وأن نَحيا فيه.
هنا يعود اللغز القديم في ثوبٍ جديد: العقل يحاول أن يكون في آنٍ واحد موضوعًا للبحث، وأداةً للبحث، وشرطًا لإمكان البحث؛ محاولةٌ تشبه عينًا تسعى لأن ترى نفسها مباشرة، أو نظامًا يسعى لأن يحيط بكل حقائقه من داخله. وليس عبثًا أن تُذكرنا مفارقات «كورت جودل» بأن أي نسقٍ رياضي غني بما يكفي لا يستطيع أن يكتمل بذاته، ولا أن يضمن اتساقه من داخله وحده. من هنا تتشعب المسارات: مسارٌ يرى أن العقل قابل للرد الكامل إلى صيغ رياضية، وأن الوعي ليس سوى ظاهرة ناشئة من تعقيدٍ كافٍ؛ ومسارٌ أكثر حذرًا يُقر بقدرة الرياضيات على تفسير الوظائف والسلوك، دون أن تمس جوهر المعنى والتجربة؛ ثم مسارٌ ثالث، أقلّ يقينًا وأكثر تواضعًا، يرى العقل والرياضيات وجهين لانكشافٍ أعمق، يكشف كلٌّ منهما حدود الآخر بقدر ما يكشف إمكاناته. لعل السؤال الأصدق في النهاية ليس: هل يستطيع العقل أن يفسر ذاته؟ بل: هل يُطلب منه أصلاً أن يكون مرآته الكاملة؟ ربما يظل هناك دائمًا شيءٌ خارج الانعكاس، شيءٌ لا يُمسك به العقل ولا تحتويه الرياضيات، لكنه هو ما يمنح كل محاولة للفهم سحرها، وكل معرفةٍ حدودها، وكل تفكيرٍ معناه!
.webp)