ليست رأس السنة، في جوهرها العميق، سوى فكرة واحدة تتكرر في جميع الحضارات: وعد البداية. غير أن هذا الوعد، وإن اتخذ تواريخ شتى بتعدد التقاويم، وتلون بطقوس تختلف باختلاف الثقافات والمرجعيات الدينية والاجتماعية التي تمنح الزمن طابعًا احتفاليًا أو تأمليًا أو طقوسيًا، يبقى وعدًا رمزيًا أكثر منه حقيقة وجودية؛ فالإنسان، منذ فجر وعيه، يبحث عن لحظة يُعلق عليها أمله في التغيير، في الانفصال عمَّا كان، والانفتاح على ما سيكون. وكأن الزمن يحتاج إلى علامة خارجية ليُقنعنا بإمكانية البدء من جديد!
لكن الفلاسفة، قديمهم وحديثهم، وقفوا طويلاً أمام هذه اللحظة المسمَّاة «رأس السنة» دون أن يمنحوها امتيازًا فلسفيًا حاسمًا، ولم يكن ذلك الموقف من جانبهم إنكارًا للأمل، بل تشكيكًا في الأساس التصوري الذي يجعل من لحظة زمنية محددة حدثًا وجوديًا مميزًا. ففي نظرهم، لا تكمن الإشكالية في الرغبة في التغيير، بل في ربطها بتاريخٍ اصطلاحي، وكأن التحول الأخلاقي أو الوجودي يحتاج إلى إذن من التقويم!
الزمن، من المنظور الفلسفي، ليس سلسلة من العتبات الواضحة، ولا طريقًا تُغلق فيه الأبواب فجأة لتُفتح أخرى. إنه نهر متصل يتدفق بلا توقف، لا يعرف القطيعة التي يتوهمها التقويم. ولا يشكل الانتقال من الحادي والثلاثين من ديسمبر إلى الأول من يناير قطيعة حقيقية في الوجود، بل مجرد اتفاق بشري على ترقيم الاستمرار. ولهذا تبدو رأس السنة مواضعةً بشرية: علامة اصطلاحية أكثر منها حدثًا يُعيد صياغة الوجود. وكما يقول «أرسطو»، الزمن ليس كيانًا مستقلاً، بل هو «عدد الحركة»، أي إن معناه لا يقوم في ذاته، بل في إدراكنا لتغير الأشياء. أما «سبينوزا»، فيرى أن الطبيعة لا تعرف «البدايات» بالمعنى الذي نتصوره؛ فكل ما يحدث هو تعبير عن ضرورة أزلية لا تتوقف عند حدود السنوات.
من جهة أخرى، لا يُعلق الأمل، كما فهمه الفلاسفة، على التواريخ؛ إنه ليس هدية يمنحها لنا الغد، بل طاقة عقلية وأخلاقية نُمارسها في الحاضر. الأمل لا ينتظر ساعة الصفر، ولا يحتاج إلى عدٍ تنازلي، لأنه قرارٌ داخلي، أمرٌ صامت، فعلٌ عقلي وأخلاقي، يُمارَس في الحاضر، وليس انتظارًا سلبيًا لما سيأتي، كما أنه ليس طقسًا جماعيًا نمارسه في لحظة بعينها. ومن هنا جاء شك الفلاسفة في الاحتفالات الكبرى: لا لأنها بلا معنى، بل لأنها كثيرًا ما تستبدل الرمز بالفعل الحقيقي، والإحساس العابر بالتغيير العميق. الرواقيون، مثل «ماركوس أوريليوس» و«سينيكا»، كانوا يرون أن تأجيل الإصلاح إلى لحظة مستقبلية وهمٌ نفسي، وأن الفضيلة تُمارَس الآن أو لا تُمارَس أبدًا. أما «نيتشه»، فكان أكثر حدة، إذ نظر إلى الطقوس الجماعية كملاذٍ مريحٍ يختبئ فيه الإنسان من مواجهة مسؤوليته الفردية تجاه نفسه!
في هذا السياق نستطيع القول إن المستقبل، في الفكر الفلسفي، ليس وعدًا يُنتظر، بل مشروعًا يُنجز؛ ليس صفحة جاهزة تُمنح لنا، بل مساحة مسؤولية نكتبها بأفعالنا. ولهذا كان التحفظ من الوهم الأخلاقي الشائع: «أن سنةً جديدة تعني إنسانًا جديدًا»؛ التغيير، في عين الفلسفة، بطيء، تراكمي، يومي، لا ينفجر فجأة مع منتصف الليل. لهذا رفض الوجوديون، من «كيركجارد» إلى «سارتر»، فكرة أن الزمن يمنح الإنسان معنى جاهزًا؛ فالمعنى يُصنع، ولا يُستقبل. وسنة جديدة، بلا تغيير فعلي في الوعي والفعل، ليست إلا تكرارًا محسوبًا للوهم ذاته!
الآن تخيل أننا لا ننظر إلى ليلة رأس السنة كما ينظر إليها أغلب البشر، بل ننزلق خارج الإيقاع العام، ونطوف بين أزمنة متداخلة وأمكنة لا تفصلها قرون بقدر ما يوحدها السؤال. لسنا سائحين في التاريخ، بل شهودًا على لحظة تتكرر في كل عصر: لحظة يلتقي فيها الإنسان بالزمن، لا بوصفه احتفالًا، بل بوصفه لغزًا. في رحلتنا لا توجد ألعابٌ نارية هنا، ولا عدٌ تنازلي يعلو صوته فوق التفكير؛ ما يحيط بنا صمت كوني كثيف، صمت لا يعني الفراغ، بل الامتلاء. كأن الزمن ذاته يتوقف عن الجري، لا لأن العقارب توقفت، بل لأن الوعي التقط فجأة ما كان يتجاهله: أن مرور الوقت ليس حدثًا خارجيًا، بل تجربة داخلية تتشكل في العقل قبل أن تُقاس بالثواني.
نقف على مسافة، نراقب الفلاسفة في هذه الليلة التي يحتفل بها العالم دونهم؛ هم غائبون عن تلك الاحتفالات الصاخبة في ميادين العواصم الكبرى، ليس لأنهم ضد الفرح، بل لأنهم ينصتون لما لا يُسمع وسط الضجيج. نستمع إلى همساتهم، لا بوصفها إجابات، بل كتساؤلاتٍ تتكاثر مع الصمت. كل واحد منهم يقف على حافة الإدراك، حيث يتحول الزمن من عددٍ يُحصى إلى معنى يُختبَر، ومن خطٍ مستقيم إلى عمقٍ لا نهائي. هنا، لا تُغلق سنةٌ أبوابها ولا تُفتح أخرى نوافذها. ما يُفتح حقًا هو الوعي، وما يُغلق هو الوهم بأن شيئًا ما قد انتهى. اللحظة، في نظرهم، لا تنتمي إلى الماضي ولا المستقبل، بل إلى توترٍ دائم بين ما كان وما يمكن أن يكون. وهذا التوتر هو ما يمنحها ثقلها الفلسفي.
نكتشف، ونحن نطوف بينهم، أن ليلة رأس السنة ليست عندهم مناسبة جماعية، بل هي اختبار فردي؛ اختبار للقدرة على الوقوف وجهًا لوجه أمام الزمن دون أقنعة، دون موسيقى تحجب السؤال، ودون طقوس تخفف وطأة الإدراك. في هذه الليلة، يتحول الزمن من خلفية صامتة للحياة إلى موضوع مباشر للتفكير، كأن الفيلسوف يضع إصبعه على نبض الوجود ذاته. وهكذا، لا تكون الليلة احتفالاً كما يعرفه العالم، بل تجربة وعي قصوى، لحظة يتراجع فيها الزمن عن كونه مجرد حساب، ليكشف عن وجهه الآخر: كونه شرطًا للفهم، ومسرحًا للحرية، ومرآةً يرى فيها الإنسان هشاشته وقدرته في آن واحد!
أرسطو والرواقيون – الزمن بين الحركة والفضيلة
نقترب الآن من مشهدٍ أقدم، حيث كانت الفلسفة تكتب للمرة الأولى بلغة الطبيعة والأخلاق. هناك، في هدوء أثينا الليلي، يجلس «أرسطو»، لا بوصفه شاهدًا على نهاية عام، بل بوصفه مراقبًا دقيقًا للحركة ذاتها. عيناه لا تتجهان إلى السماء انتظارًا لساعة الصفر، بل إلى تغير الأشياء، إلى الشمس وهي تزحف ببطء فوق الجدران، وإلى الظلال التي تطول وتقصر. الزمن، عنده، لا يبدأ ولا ينتهي، لأنه ليس شيئًا قائمًا بذاته، بل مقياسٌ للحركة، وعدٌّ بالتغيير. وما لم تكن هناك حركة تُدرك، فلن يكون للزمن معنى.
لو مرّت ليلة رأس السنة أمامه، لما التفت إلى العد التنازلي ولا إلى الاحتفال، لأن انتقالنا من رقم إلى رقم لا يحمل في ذاته أي تحول جوهري. ما يتغير حقًا، في نظره، هو إدراكنا للحركة، وليس الحركة ذاتها؛ فاليوم الذي نسميه «بداية» لا يختلف في طبيعته عن أي يوم آخر، إلا بما نُسقطه عليه من معنى. وهكذا، يصبح رأس السنة مثالًا واضحًا على قدرة الإنسان على تحويل الاستمرار إلى قطيعة وهمية، والعدد إلى حدث. وبينما ينشغل أرسطو ببنية الزمن، يتقدم الرواقيون خطوة أخرى، لينقلوا السؤال من الطبيعة إلى النفس. الزمن عندهم ليس موضوعًا للتأمل النظري فحسب، بل امتحان أخلاقي يومي. في مساءٍ كهذا، لا يسألون: ماذا انتهى؟ بل: كيف عشت؟ لا ينظرون إلى المستقبل بوصفه وعدًا، بل تهديدًا صامتًا بالموت، وتذكيرًا بأن كل لحظة غير واعية هي لحظة ضائعة!
«سينيكا»، في رسائله، يُذكرنا بأننا لا نفقد حياتنا فجأة، بل بالتقسيط، دقيقة بعد دقيقة. و«ماركوس أوريليوس»، في تأملاته، يرى أن الحاضر وحده ملكنا، وأن الانشغال بنهايات السنوات وبداياتها لا يزيد الإنسان حكمة، بل قد يسرقه من واجبه الحقيقي: أن يكون فاضلاً الآن؛ فالرواقي لا ينتظر سنة جديدة ليُصلح نفسه، لأن الفضيلة لا تعرف التقويم. هنا يلتقي «أرسطو» والرواقيون في نقطة عميقة: رفض القطيعة الزمنية الوهمية. عند «أرسطو»، الزمن متصل لأن الحركة متصلة؛ وعند الرواقي، الحياة متصلة لأن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف. كلاهما يرى أن الاحتفال بالزمن لا يغيّر شيئًا، وأن ما يمنح اللحظة قيمتها ليس اسمها، بل ما يُفعل فيها. وفي هذا المشهد، نفهم لماذا تبدو ليلة رأس السنة، في عين الفلسفة القديمة، ليلة عادية من حيث الوجود، لكنها خطيرة من حيث الوهم. فهي إما فرصة لمحاسبة الذات بصدق، أو مناسبة جديدة لتأجيل الفضيلة إلى غدٍ لن يأتي. وهكذا، لا يحتفل الفيلسوف، بل يراقب، ولا يعد الثواني، بل يزن حياته بميزان العقل.
أوغسطين وبرجسون – الزمن حين يسكن الوعي
نغادر الآن ساحة الحركة والفضيلة، وندخل منطقة أكثر هدوءًا وعمقًا: الزمن كما يُعاش من الداخل. هنا، لا يعود الزمن شيئًا يُقاس، بل تجربة تُختبر، ولا يصبح السؤال: كم مرَّ؟ بل: كيف نُدرك ما مرَّ؟
في صومعةٍ شبه معتمة، يجلس «أوغسطين»، لا يصغي إلى الخارج، بل إلى نفسه؛ ليلة رأس السنة، في نظره، لا يتم تعريفها بما يحدث في العالم، بل بما يحدث في الوعي. الزمن عنده لغز داخلي: فالماضي لم يعد موجودًا إلا بوصفه ذكرى، والمستقبل لم يأتِ بعد إلا بوصفه انتظارًا، أما الحاضر – ذلك الذي نظنه واضحًا – فليس سوى ومضة انتباه، تكاد تتلاشى ما إن نحاول الإمساك بها. وحين يتأمل «أوغسطين» الزمن، يدرك أن الإنسان لا يعيش في الزمن، بل يحمل الزمن في نفسه. فالسنوات لا تمر فوقنا كما تمر السحب في السماء، بل تترك آثارها في الذاكرة، وفي القلق، وفي الرجاء. لذلك، لا تعني ليلة رأس السنة عنده انتقالاً من عامٍ إلى آخر، بل تكثيفًا لهذه التجربة الداخلية: ذكرى لما كان، وتوترًا لما سيكون، وانتباهًا هشًا للحظة الحاضرة.
بهذا المعنى، تصبح رأس السنة طقسًا داخليًا لا خارجيًا؛ ليست ساعة تدق، بل وعيًا يستيقظ؛ وليس الاحتفال إلا قشرة تخفي هذا العمق، أو فرصة نادرة لالتفات النفس إلى نفسها. الزمن، إذن، ليس في التقويم، بل في الانتباه.
بعد قرون، سيعود هذا الصوت الداخلي ليظهر بلغة أخرى، على يد «هنري برجسون»؛ فـ «برجسون»، مثل «أوغسطين»، يرفض ردَّ الزمن إلى وحدات متساوية تُقاس وتُعد. ما يسميه «المدة» هو الزمن كما يُعاش: متدفق، نوعي، غير قابل للتقطيع. الدقيقة في لحظة انتظار ليست هي الدقيقة في لحظة فرح، والسنة التي نعيشها بوعي ليست هي السنة التي تمر ونحن غافلون. لو حضر «برجسون» ليلة رأس السنة، لما انشغل بالثواني الأخيرة، بل بالسؤال الخفي: كيف عشنا هذه السنة في وعينا؟ هل كانت زمنًا ممتلئًا بالتجربة، أم مجرد امتداد فارغ؟ العد التنازلي، في نظره، مثال صارخ على عنف العقل الحسابي حين يفرض مقاييسه على تجربة حية لا تقبل التجزئة. هكذا يلتقي «أوغسطين» و«برجسون» عند نقطة دقيقة: الزمن لا يُفهم من الخارج. لا يكشف سره من خلال الساعات ولا التقاويم، بل من خلال الوعي الذي يتذكر وينتظر ويشعر. رأس السنة، في هذا الأفق، ليست حدثًا زمنيا، بل مرآة داخلية: ما نراه فيها ليس مرور الأيام، بل طريقة حضورنا فيها. وفي هذا العمق، يصبح السؤال الحقيقي في ليلة رأس السنة: هل تغير الزمن؟ أم أننا انتبهنا إليه؟
ديكارت وسبينوزا ولوك – اليقين والمشروع في العصر الحديث
ننتقل من عمق الزمن الداخلي عند «أوغسطين» و«برجسون» إلى هدوء العصور الحديثة، حيث يواجه العقل الفردي العالم بمنهجه الخاص. هنا نجد «ديكارت» جالسًا في غرفته، في صمت الليل، يتأمل حدود معرفته وحدود اليقين. ليلة رأس السنة بالنسبة له ليست مناسبة للعد أو الألعاب النارية، بل اختبار دقيق للقدرة على معرفة الحقيقة في مواجهة الغموض. في دفتره المضيء بالقلم والحبر، يسأل نفسه: هل يمكن أن يكون للعام القادم يقينٌ جديد؟ هل ما أظنه حقيقيًا اليوم سيصمد أمام غدٍ مجهول؟ كل ثانية تمر أمامه هي لحظة مراقبة عقلية، حيث يتحول الصمت إلى فضاء للتساؤل، والليلة إلى تجربة للتفكير العميق في الوجود واليقين.
بجانب «ديكارت»، يُطل «سبينوزا» بابتسامة هادئة، غير منزعج من العد التنازلي أو الاحتفالات. عنده، كل ما يحدث هو تعبير عن ضرورة الطبيعة؛ كل شيء نابع من ماهية العالم، كما تنبع زوايا المثلث من تعريفه. الزمن بالنسبة لسبينوزا ليس مسرحًا للأمل أو الخوف، بل نظامًا متسقًا، تسري فيه الأسباب دون توقف، ولا جديد تحت سماء الكون سوى إدراكنا له. رأس السنة ليست انفصالاً كونيًا، بل فرصة لإدراكنا أن كل لحظة تُختبر ضمن هذا النظام.
أما «جون لوك»، في غرفته المضيئة على مقربة من نافذة مفتوحة على العالم، يرى في ليلة رأس السنة فرصة للتفكير في الحرية والواجب والمعرفة. هو لا يحتفل، لكنه يخطط ويكتب، يراجع أفكاره ويضع مخططات للعام الجديد، ليس كي يغير العالم دفعة واحدة، بل ليصنع مشروعًا متدرجًا يُسهم في بناء فهمه للحرية الإنسانية والمعرفة العملية. الزمن، عند «لوك»، هو فرصة للعمل والإرادة، وليس مجرد رقم على التقويم.
في هذه الليلة، تتقاطع رؤى هؤلاء الفلاسفة الثلاثة: «ديكارت» يختبر اليقين، «سبينوزا» يراقب الضرورة، و«لوك» يخطط للحرية والتجربة العملية. ليلة رأس السنة ليست عندهم مناسبة للاحتفال كما يفعل العالم، بل فضاء للتفكر، حيث يتحول الصمت والظلام إلى مختبر للعقل، والوقت إلى أداة للمراجعة والمشروع الشخصي.
كيركجارد وسارتر وكامو – الحرية والعبث في ليلة رأس السنة
مع حلول العصر الوجودي، يتحول الطواف الفلسفي إلى مواجهة مباشرة مع الذات والزمن والاختيار. هنا، في مقهى خافت الإضاءة، أو في زاوية غرفة صغيرة، نجد «كيركجارد» يغوص في قلقه العميق: هل سأظل أنا نفسي حين يمر الوقت؟ هل يمكنني أن أتحمل المسؤولية المطلقة عن حياتي؟ ليلة رأس السنة، عنده، ليست عدًا للثواني، بل اختبارًا للحرية الفردية في مواجهة الغد المجهول، حيث يصبح كل اختيار اختبارًا لوجوده، وكل لحظة مواجهة مع القلق.
من جانبه، يراقب «سارتر» الحشود من بعيد، يهمس في صمتٍ داخلي: لا شيء يتغير من تلقاء نفسه. العام الجديد لا يحمل معنى محددًا، ولا يمنح الحرية لأحد، إلا بما نصنعه نحن بأفعالنا وقراراتنا. الاحتفال الجماعي، بالنسبة له، مجرد زخرفة للواقع، والحرية الحقيقية لا تُهدى، بل تُمارس هنا والآن. اللحظة التي تبدو للجميع مجرد انتصاف ليلة، هي عنده امتحان لوعي الذات وقدرتها على التأثير في العالم.
أما «كامو»، فيقف متأملاً العبثية التي تحيط بالبشر: العد التنازلي، الألعاب النارية، الأماني، كلها تصرخ بصمتها في وجه اللامعنى الكوني. لكنه يرفع كأسًا صامتًا للتمرد: نحتفل، ليس لأن الحياة تحمل معنى جاهزًا، بل لأننا نرفض الاستسلام للصمت، ونؤكد وجودنا فيها. عند «كامو»، الاحتفال يصبح فعل مقاومة، ومواجهة عبثية الواقع بوعي كامل، احتفالًا بالحرية الإنسانية التي تتجلى في رفض القبول بالعبث بلا مقاومة.
في هذا المشهد، تتشابك رؤى الوجوديين مع التيارات الفكرية السابقة: «أرسطو» يراقب الحركة، الرواقيون يقيسون الفضيلة، «أوغسطين» و«برجسون» يعايشان الزمن داخليًا، وها هم الآن «كيركجارد»، «سارتر»، و«كامو» يواجهون حرية الاختيار والعبثية والقلق. ليلة رأس السنة، في نظرهم، ليست حدثًا اجتماعيًا أو رمزيًا، بل مساحة لتجربة الذات في مواجهتها للزمن والوجود. كل ثانية تمر ليست عدًا رقميًا، بل اختبارًا للحرية، وللكيفية التي نختار بها أن نحيا وسط عالم صامت، مليء بالاحتمالات واللامعنى، الذي نصنع منه معنى بفعلنا الواعي.
ليلة الفلاسفة – الصمت، الدهشة، والوعي العميق
في النهاية، تتلاقى كل العصور في لحظة واحدة من الصمت: من «أرسطو» الذي راقب حركة الشمس وعد التغير، إلى الرواقيين الذين وازنوا الفضيلة يوميًا، إلى «أوغسطين» و«برجسون» الذين عايشوا الزمن في أعماق الوعي، وكذلك «ديكارت» و«سبينوزا» و«لوك»، الذين واجهوا اليقين والضرورة والمشروع الإنساني، إلى الوجوديين الذين تحدوا العبث واحتفلوا بالحرية الفردية في مواجهة الزمن. كل لحظة، كل فلسفة، كل سؤال، يتشابك ليشكل نسقًا واحدًا من التأمل والدهشة.
ليلة الفلاسفة ليست احتفالاً كما يفعل العالم: لا أضواء ولا ألعاب نارية، لا موسيقى ولا حشود تصفق، بل صمتٌ كوني، حيث يصبح الزمن أكثر من مجرد تسلسل رقمي، وأكثر من مجرد تاريخ على التقويم. هو نسيج متداخل من الأسئلة، من الإدراك، ومن الخيارات. في هذا الصمت، يلتقي العقل بذاته، والوعي بالعالم، وتتحول كل ثانية إلى تجربة للوجود.
نحن، كمتابعين لهذا الطواف بين العصور، نرى كيف يلتقط الفيلسوف اللحظة بعينٍ تفكر، كيف يحول الزمن إلى فرصة للفهم، وكيف يتحول الغموض إلى دهشة مستمرة. هنا، لا يبدأ العام الجديد بصفحة فارغة، ولا تنقش الأرقام معنىً في النفس، بل يبدأ الوعي نفسه، كل مرة، رحلة جديدة في اكتشاف المعنى، في محاسبة الذات، وفي اختبار الحرية.
ليلة الفلاسفة، إذن، هي رحلة في العمق الصامت للزمن، حيث تُكشف طبقات الوجود، حيث يصبح الانتباه إلى اللحظة هو الاحتفال الحقيقي، حيث كل ثانية انعكاس للكون فينا، وكل سؤال يضيف بعدًا جديدًا لفهمنا. إنها دعوة إلى أن نرى العالم بعين تفكر قبل أن نحتفل، وأن نعيش كل لحظة وكأنها رأس السنة الحقيقية — بداية لا تُقاس بالعد، بل بالوعي والدهشة!
%20(1).webp)