-->

الثلاثاء، 13 يناير 2026

ماري كوري: في مختبر القلب والعقل

ماري كوري بالصمت القوي تخلط العقل والقلب في المختبر وتصهرهم في بوتقة واحدة

 «تعلمت «ماري» أن الطريق إلى العلم ليس مستقيمًا، وأن المقاومة النسوية لا تكون دائمًا صاخبة؛ أحيانًا تكون صامتة، عنيدة، وممتدة عبر الزمن»

    في وارسو، أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الطفولة مساحةً للبراءة الخالصة كما يتم تصويرها في الذاكرة الرومانسية، بل كانت اختبارًا مبكرًا للقدرة على الاحتمال. هناك وُلدت عالمة الفيزياء والكيمياء الفرنسية (البولندية الأصل) «ماري سكلودوفسكا» Marie Skłodowska (1867 – 1934)، في مدينةٍ تعيش في ظل سُلطة لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تطمح إلى السيطرة على الذاكرة واللغة والمعنى. كانت بولندا آنذاك بلدًا يتعلم في الخفاء، ويُفكر همسًا، ويقاوم بالسلاح في يدٍ، والمعرفة في يدٍ أخرى.

    نشأت «ماري» في بيتٍ يتنفس التعليم. لم يكن العلم عند والدها مجرد موادٍ يتم تدريسها، بل أسلوب حياة، وانضباطًا أخلاقيًا، وملاذًا من القهر. غير أن هذا البيت، على ما فيه من كُتب وأحلام، لم يكن مُحصنًا ضد الفقد. ماتت الأخت الكبرى وهي طفلة بسبب مرضٍ مُعدٍ، ثم لحقتها الأم سنة 1878 بعدما أنهكها السُل. كانت «ماري» طفلةً في العاشرة من عمرها، لكن الموت دخل حياتها مبكرًا كحقيقة بنيوية: شيء لا يُفاوض، ولا يُفسَّر بالعزاء!

    منذ تلك اللحظة، تعلمت الصمت. لم يكن صمتها انكسارًا، وإنما تركيزًا وتفكيرًا وانتظارًا للآتي. انطفأت في داخلها الحاجة إلى التعزية السهلة، وتراجع الإيمان الطقسي ليحل محله نوعٌ آخر من الالتزام: التزام بالعقل، وبالنظام، وبالفهم. لم يكن تراجعها عن التدين الشعائري إعلانَ إلحاد، بل انتقالًا صامتًا في مركز المعنى؛ من التعزية الطقسية إلى الثقة بالعقل، ومن السماء بوصفها جوابًا جاهزًا، إلى العالم بوصفه سؤالًا مفتوحًا يفرضه الدين!

    زاد الفقر هذا القرار صلابة؛ فحين فقد الأب عمله، اضطرت الأسرة إلى تأجير غرفٍ من منزلها، ما أفقدها خصوصيتها، لكنه كان السبيل الوحيد للاستمرار؛ تحول البيت من ملاذٍ خاص إلى موردٍ للبقاء. هكذا هو الفقر دائمًا: لا يسلب المال فقط، بل يسلب أشياء غير مرئية: الأمان، الخصوصية، والسكينة. تعلمت «ماري»، وهي ما زالت في سن التكوين بعد، أن الحياة لا تمنح شيئًا بلا مقابل، وأن الاستقلال لا يُوهب، بل يُنتزع بالصبر. وفي هذه السنوات العجاف، لم يكن العلم ترفًا ذهنيًا، بل كان أفقًا للنجاة.

    حين تم منع اللغة البولندية في المدارس، وحُوصر التاريخ الوطني، لم تتراجع «ماري» خطوة واحرد، بل التحقت بما كان يُعرف بـ «الجامعة الطائرة» Flying University، ذلك الفضاء السري وغير الرسمي لتدريس العلوم والفلسفة والآداب باللغة البولندية خارج رقابة السلطة القيصرية الروسية، والذي كانت فيه المعرفة فعل عصيان هادئ. هناك، بين غرف متنقلة وأسماء مستعارة، تعلمت أن العلم لا ينفصل عن الحرية، وأن السؤال العلمي، في سياق القمع، يتحول إلى موقف أخلاقي. والأهم: تعلمت أن كونها امرأة لا ينبغي أن يكون سببًا للانسحاب، بل دافعًا مضاعفًا للإصرار.

    عملت مُربية في الريف سنواتٍ طويلة، ولم يكن ذلك خفوتًا في الطموح، وإنما تأجيلاً له إلى حين. كانت تُمول دراسة أختها، وتكتب في الليل، وتقرأ على ضوء التعب. هذه استراتيجيتها: ففي عالمٍ لا يفتح أبوابه للنساء بسهولة، تعلمت «ماري» أن الطريق إلى العلم ليس مستقيمًا، وأن المقاومة النسوية لا تكون دائمًا صاخبة؛ أحيانًا تكون صامتة، عنيدة، وممتدة عبر الزمن.

    لهذا، حين وصلت لاحقًا إلى باريس، لم تصل كطالبة عادية، بل كذاتٍ مُشكَّلة سلفًا: امرأة خبرت الفقد، والفقر، والإقصاء، فاكتسبت علاقة خاصة بالمعرفة. لم تكن الفيزياء بالنسبة لها فضولًا نظريًا، وإنما لغة بديلة لفهم عالمٍ لا يرحم. وحين انخرطت في البحث العلمي، فعلت ذلك بالصرامة ذاتها التي تعلمتها في طفولتها: صرامة من لا يطلب الاعتراف ... لكنه يطلب الحقيقة! ومن هنا، يمكن فهم مسيرتها العلمية كتجسيد مبكر لفكرة العلم بوصفه فعل مقاومة نسوية؛ لم ترفع «ماري» شعارات، ولم تكتب بيانات، لكنها، بإصرارها على البقاء في المختبر، وعلى إنتاج معرفة أصلية، وعلى شق طريقٍ في مجالٍ لم يُصمَّم لها، كانت تمارس مقاومة من نوع آخر: مقاومة تُثبت أن العقل لا جنس له، وأن المعرفة، حين تُنتزع من الهامش، تصبح فعل عدالة.

    طفولة «ماري كوري»، إذن، ليست فصلاً تمهيديًا يمكن تجاوزه في سيرتها، بل هي مفتاحها التأويلي الأعمق. هناك، في وارسو المقموعة، وفي بيتٍ أثقله الفقد، وفي تعليمٍ جرى سرًّا، تشكَّلت العالِمة التي ستغير فهمنا للمادة. لم يكن الراديوم أول ما اكتشفته؛ كان أول اكتشاف حقيقي لها هو أن المعرفة قادرة، بصمتٍ عنيد، على مقاومة العالم وإعادة تشكيله.

    حين وطئت قدماها رصيف محطة القطار في باريس سنة 1891، لم تكن تحمل سوى كتب الفيزياء، ولهجة بولندية ثقيلة، وإرادة صلبة صقلها الحرمان. لم تأتِ باحثةً عن حب، ولا عن حياةٍ تُروى في السير العاطفية؛ جاءت هاربة من فقرٍ يكاد يكون قدرًا، وساعيةً إلى خلاصٍ وحيد كانت تؤمن به: البحث العلمي. وفي مدينةٍ كانت لا تزال تنظر إلى العلم بوصفه شأنًا رجاليًا، أرادت أن تثبت – لنفسها أولاً – أن عقل المرأة ليس استثناءً ولا زينةً عابرة في بلاط الفيزياء، بل قوة قادرة على الإضافة والاكتشاف.

    عاشت «ماري» سنواتها الأولى في باريس على حافة الجوع: غُرفة صغيرة مُعلَّقة تحت سقفٍ يجلده البرد، مواسم شتناءٍ قاسية، وجسد ينهكه التعب أكثر مما ينهكه البرد؛ كانت تقتات على الخبز والشاي، وتؤجل العشاء أحيانًا إلى أجلٍ لا يأتي. ومع ذلك، لم يكن في حياتها فراغٌ للرثاء، ولا مساحة للرومانسية؛ كان المستقبل أثقل من أن يُحمل بقلبٍ مشغول بالعاطفة، وأقسى من أن يُلينه حلمٌ جانبي. ثم التقت «بيير كوري» Pierre Curie (1859 – 1906).

    لم يكن اللقاء بين «ماري» و«بيير» حدثًا دراميًا كما تُصور الروايات أو الأفلام الرومانسية: فلا شرارة حب مفاجئة، ولا نظرة خاطفة تُغير المصير. كان اللقاء أكثر هدوءًا ودقة، أشبه بالمعادلات التي تتقاطع فيها القوى بطريقة مضبوطة، حيث لا فجوات ولا تصادفات، فقط انتظام طبيعي ينبثق عن التفاهم بينهما. رأته لأول مرة في مختبرٍ متواضع. كان غارقًا في رائحة الكيمياء والغبار الممتزج بضوء النهار الخافت، بين أنابيب زجاجية وأدوات معدنية قليلة. كان جالسًا على مقعد خشبي، يُحدق في لوحة من الملاحظات، ويده تمسح أقلامه بعناية، كما لو كان كل شيء حوله يحتاج إلى ترتيبٍ فكري قبل أن يلمسه بيديه. لم يكن الرجل محاورًا بارعًا، ولا ساحرًا اجتماعيًا، بل كان غريبًا في صمته: صمت يثقل المكان لكنه يملؤه بالمعنى,

    خجله لم يكن نقصًا، بل جزءًا من صرامة الفكر التي تحكم سلوكه؛ كل حركة، كل إيماءة، كانت تنم عن احترام عميق للعلم وللآخر، كما لو أن الطبيعة ذاتها تُحترم قبل أية كلمة. عند الحديث، لم يكن يبحث عن المجاملات، ولم يحاول التأثير بعاطفةٍ متصنعة. كان، مثل «ماري»، يعتقد أن الفكر الصادق أبلغ من الكلام، وأن الصمت أحيانًا يحمل وزن الحقيقة أكثر من البلاغة. وببطء، ومع تكرار اللقاءات في المختبر، بدأ الحوار ينمو بينهما: أولاً عن التجارب، ثم عن الفرضيات، ثم عن التساؤلات الكبرى حول المادة، والحياة، والوجود. شيئًا فشيئًا، تحول التفاهم العلمي إلى شراكةٍ عقلية نادرة، ثم إلى حبٍ لا يعرف التملك، بل المشاركة، حيث يصبح كل منهما مرآةً للآخر.

    مع مرور الأيام، صارت المختبر الصغير عالمًا بأكمله. هناك، بين الأنابيب الزجاجية والمواد المُشعة، لم يكن الزمن يُقاس بالساعات، بل باللحظات التي يُضيء فيها فهم جديد لأحدهما على الآخر. كل تجربة كانت اختبارًا للصبر، والانضباط، والتواصل غير المرئي بين عقلين يلتقيان في صميم السؤال ذاته: ما حقيقة المادة؟ وما معنى أن يعرف الإنسان عالمه؟ تزوجا سنة 1895، ولم يكن الزواج انسحابًا من المختبر بقدر ما كان امتدادًا له. صارت الحياة اليومية تجربة علمية أخرى تنطق بأن الحقيقة العلمية تستحق التضحية. لم يكن الحب عند «ماري» و«بيير» استراحة من التفكير، بل شكله الأسمى: أن تجد من يفهم شغفك دون أن يطلب منك أن تتخلى عنه. 

    في  سنة 1898، عندما اكتشفا البولونيوم والراديوم، لم تكن فرحة الاكتشاف مجرد شعور شخصي؛ كانت تتويجًا لإيمان عميق بأن المعرفة ليست رفاهية، وإنما مقاومة ضد الجهل والقيود الاجتماعية. كان كل منهما يرى في الآخر انعكاسًا للإرادة ذاتها: إرادة لا تتراجع أمام الفقر، أو القيود الأكاديمية، أو حتى التحذيرات من المخاطر الإشعاعية. الحب بينهما لم يكن رومانسية سطحية، بل التزامًا وجوديًا: التزام بالعقل، بالتجربة، وبالمعنى الذي يُولده العمل المشترك. لم يكن الحب الذي نشأ بينهما تملكًا ولا افتتانًا سطحيًا، بل تواطؤ عقلين على السؤال ذاته، وإيمانًا مشتركًا بأن المعرفة مغامرة يمكن أن يخوضاها معًا. وفي سنة 1903، حصد الزوجان جائزة نوبل في الفيزياء، تقديرًا لاكتشافاتهما المشتركة حول الظواهر الإشعاعية. كانت الجائزة تكريمًا للشراكة الفريدة بين عقلين متحالفين في البحث عن الحقيقة. وكان المشهد أكثر هدوءًا مما قد تتصوره التوقعات: لا احتفالات صاخبة، ولا كلمات مبالغ فيها، بل شعور داخلي بالاكتمال؛ شعور بأن المعادلة التي شكلاها معًا لم تعد مجرد تجربة في مختبر، بل باتت أثرًا حقيقيًا يزيد من فهمنا للعالم. في تلك اللحظة، بدا أن كل الجهد، كل الفقر، كل صمت ليالي الدراسة، كل تنازلات الحياة، قد تجمعت لتحقق العدالة العلمية والاعتراف بالقيمة الحقيقية للمعرفة. الحب الذي جمعهما في المختبر كان حاضرًا في كل معنى حملته الجائزة، كأنه يعلن أن المعرفة والالتزام والوفاء زغيرها، أشياء يمكن أن تمتزج معًا في إنجاز ملموس، خالد، وأكبر من أي شخص بمفرده.

    سنة 1906، وبينما كانا في قمة نجاحهما العلمي، رحل «بيير» فجأة، مات تحت عجلات عربة خفيفة في صباحٍ ضبابي في أحد شوارع باريس المزدحمة. لم تفقد «ماري» زوجًا فحسب؛ وإنما فقدت نصف المعادلة، رفيق عقلها وشريك البحث الذي كان يشاركها كل فرضية وكل تجربة. لم يكن الحادث مجرد خبر مفاجئ، بل صدمة وجودية؛ يومٌ توقفت فيه الموازين التي اعتادت على انتظامها داخل المختبر وخارجه. لكن «ماري»، بطبيعتها، لم تحول الفقد إلى خطابٍ رثائي مُطول، ولا إلى عاطفةٍ صاخبةٍ تُفرغ في كلمات. بدلاً من ذلك، دخلت صمتًا قاسيًا، صمتًا يثقل الأرض ويضيء الفكر في آن واحد. عادت إلى المختبر، إلى الأنابيب، إلى الأوراق المملوءة بالملاحظات، إلى الذرات التي لا تعرف الموت ولا تعترف بالحزن. هناك، وسط الراديوم والبولونيوم، كانت تُعيد صياغة الحب على نحو آخر: حب لا يزول مع الفقد، بل يستمر كأثر خفي في العمل، في الفكرة، وفي الإصرار على البحث المستمر!

    بعد وفاة «بيير»، لم يتوقف المختبر عن أن يكون عالَمها، ولم تتوقف الملاحظات عن أن تكون رسالة وجودية. بقيت «ماري» بين الأنابيب والذرات والكتب، تتحرك بهدوء شديد، متأنية، كمن يعيد رسم المعادلات، ليس فقط للعلم، بل للحياة ذاتها. وفي خضم صمتها، واصلت البحث عن المعادن المشعة، وعن قوانين الطبيعة، مستحضرة عقل «بيير» وقلبه في كل تجربة، كأنّه يشاركها العمل حتى بعد رحيله. وبينما كانت باريس تتابع بصمت إنجازاتها، حصلت «ماري» على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1911، تكريمًا لجهودها المستمرة في اكتشاف عناصر جديدة وفهم الإشعاع. 

    لم يكن هذا الفوز مجرد تتويج شخصي، بل إعلان مؤداه أن العمل المستمر، وأن الالتزام الصامت بالمعرفة، قادر على تجاوز الألم والفقد، وأن الحب الحقيقي، حين يُترجم إلى خلق وإنتاج وتأمل مستمر، لا يموت مع رحيل من نحب. هنا، في المختبر، وفي الأوراق المملوءة بالحسابات والتجارب، أصبح الإنجاز العلمي أيضًا شهادة على الصمود الإنساني وعلى قدرة الإنسان على أن يحول الفقد إلى أثرٍ خالد. هكذا، لم يكن حب «ماري» و«بيير» مجرد قصة رومانسية، بل تجربة وجودية كاملة، مختبرًا امتزج فيه القلب بالعقل، والعاطفة بالاكتشاف، والإنسان بما يتجاوز هشاشته. كان الحب فيه فعل مقاومة: مقاومة للموت، ومقاومة للغياب، ومقاومة لكل ما يحاول إلغاء معنى ما تحقق بالجهد والإخلاص المشترك. 

    ليست هذه أسطورة غرامٍ نستمع لها في أسى، أو نشيدًا عاطفيًا نُردده ذات مساء شتوي؛ إنها حكاية حب يرفض أن يُختزل، ولا يساوم على اتساعه ... حكاية حب لا يخشى المرأة، ولا ينكمش أمام حضورها الخلَّاق، بل ينهض بها ومعها، حكاية شراكةً يتجاور فيها القلب والعقل دون خصام.