ليس ثمة وجعٌ أفدح من ذلك الذي يتسلل إلينا حين تنقشع غشاوة الصخب، فنقف عراةً أمام حقيقة مُرة: أننا، بعد أعوام، وربما عقودٍ، من الجدل الصاحب، لم نبلغ حتى عتبة التعايش الأولى! كأن كل ما قلناه لم يكن سوى ضجيجٍ يُموه العجز، وكل ما فعلناه كان خطوةً أخرى نحو هاوية القطيعة. عندها ندرك، بمرارةٍ مضاعفة، أن السهام التي أطلقناها من داخلنا كانت أمضى وأشد فتكًا من كل ما وُجه إلينا من قبل خصومٍ أعلنوا عداوتهم جهارًا ورُحنا نُهلل ونُصفق لها!
لقد تحولنا، على نحوٍ مأساوي، إلى غرباء يسكنون المكان ذاته دون أن يلتقوا فيه؛ نُجاور بعضنا بالأجساد، ونفترق بالأرواح والعقول؛ نتشارك لغةً واحدة، لكنها لم تعد جسرًا للتفاهم، وإنما أداةً للاتهام؛ ونتقاسم دينًا وتاريخًا، غير أنهما غدوا مجرد شعاراتٍ لا فعل لها في الواقع. أصبح المشترك الثقافي، الذي كان يفترض أن يكون مأوى لنا، عبئًا نستدعيه من حينٍ إلى آخر لتبرير الانقسام. وما يضاعف الفاجعة أننا، ونحن غارقون في استدعائه، نعجز عن اقتسام أبسط ما يُحيينا: لحظة إنصات صادقة، أو قدرًا يسيرًا من الرحمة، أو استعدادًا أوليًا لرؤية الآخر بوصفه إنسانًا لا يُناصبنا العداء. كأن القلوب أُغلقت قبل العقول، وكأن الخلاف لم يعد اختلاف أفكار، بل انكسارًا أخلاقيًا في القدرة على الفهم والتسامح. وفي هذا المشهد، لا تكون الخسارة سياسية ولا فكرية فحسب، بل وجودية في جوهرها؛ إذ نخسر أنفسنا ونحن نخاصم أقرب الناس إلينا، ونهدم بأيدينا ما عجز الأعداء عن هدمه.
لقد انسقنا، في غير قليل من لحظاتنا، وراء مصالحنا الشخصية الضيقة، ننظر تحت أقدامنا ولا نرفع أبصارنا إلى الأفق، نلهث خلف مكاسب عابرة، ونقايض القيم بالمنافع، والمبادئ بالتحزبات؛ تمددت «الأنا» حتى طغت على «نحن»، وصار صوت أحدنا الفردي أعلى من النغمة الجماعية، لا لأنه الأصدق، بل لأنه الأكثر إلحاحًا وقبولاً من باعة الوهم؛ أصبح الانتصار للرأي غايةً في ذاته، حتى لو كان على حساب الحقيقة، وغدا إثبات الخطأ في الآخر، بل وسحقه، أيسر وأسرع من محاولة فهمه. لم نعد نتحاور كي نقترب، بل لنتغالب؛ ولم نعد نختلف لنرحم، بل لنُسقط بعضنا بعضًا. وفي هذا الانسياق الصامت الذي يشبه التواطؤ مع الضعف، نسينا المعنى العميق لما كنا نزعم الدفاع عنه؛ نسينا أن الحكمة، التي نرفعها لافتةً في الخطب والبيانات، لم تكن يومًا سيفًا للإقصاء ولا ذريعةً للاستعلاء، وإنما كانت بحثًا متواضعًا عن الصواب، يبدأ بالشك في الذات قبل اتهام الآخرين. ونسينا، كذلك، أن الأخلاق التي نتغنى بها لم تُخلق لتبرير القسوة، ولا لإضفاء مسحة نبيلة على التشفي، بل لتقييد نزاعاتنا، وتهذيب خصوماتنا، وحفظ إنسانيتنا حين يشتد الخلاف!
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في أننا نخطئ الطريق فحسب، بل في أننا نُقنع أنفسنا، ونحن نبتعد عنه، أننا نسير في الاتجاه الصحيح. وحين تختلط المصلحة بالحقيقة، ويُقدَّم الانتصار على العدالة، لا يعود السؤال عمّا ربحناه، بل عما خسرناه من ذواتنا ونحن نظن أننا نكسب!
تبًا لفلسفتنا ... كانت الفلسفة، في أصل وعدها، قادرةً على أن أن تكون ملاذًا للعقل حين تضيق الأزمنة وتشتد التوترات؛ فضاءً رحبًا نلوذ به لا لنهرب من الاختلاف، بل لنتعلم كيف نُفكر فيه دون أن نمزق أنفسنا. غير أننا أفرغناها من معناها العميق، وسلبناها وظيفتها الحياتية الأساسية، وحولناها من تمرينٍ شاق على التفكر والتساؤل إلى أداةٍ حادة في معارك الهوية والانتماء؛ صارت تُستدعى لا لتوسيع الأفق، بل لتكريس الخنادق، مع أن جوهرها كان، على الدوام، تعليم الإنسان كيف يختلف دون أن يرفض الآخر، وكيف يرى في التعدد ثراءً للوجود وليس تهديدًا لكيانه.
تقوقعنا داخل ثنائياتٍ صلبة، كأنها أقفاصٌ فكرية محكمة: التراث في مواجهة التجديد، الأصالة في صراعٍ مع المعاصرة، الأصولية في خصومةٍ مفتوحة مع العلمانية؛ احتمينا بهذه البوتقات، ربما خوفًا من التيه، ثم شرعنا نتقاتل داخلها، ونتراشق بالتهم والشتائم، ونظن – في وهمٍ مُرضٍ – أننا نمارس التفلسف، بينما لم نكن نفعل سوى إعادة إنتاج الخصومة بألفاظٍ أكثر تجريدًا! اختزلنا الفكر في مواقع، وحوَّلنا الأسئلة إلى رايات، وصار كل معسكر يحرس حدوده أكثر مما يُوسع أفقه؛ لم نعد نسأل لكي نفهم، وإنما لكي نُدين؛ ولم نختلف لنتكامل، بل لنتحصن! وفي غمرة هذا الانشغال العقيم، كان العالم من حولنا لا ينتظر؛ كان يعيد تشكيل ذاته بهدوءٍ وعناد: يطرح تساؤلاتٍ جديدة عن الإنسان، والمعنى، والعدالة، والمعرفة، بينما كنا ما نزال نلوك التساؤلات القديمة بلهجةٍ غاضبة، كأن الزمن توقف عند معاركنا. العالم كان يتقدم، ليس لأنه امتلك أجوبة نهائية، بل لأنه امتلك شجاعة المراجعة والتجريب وتوسيع دائرة الرؤية، ونحن كنا نراوح مكاننا، نختلف حول الأسماء، وننسى المقاصد! أصبح صخبنا بديلاً عن التفكير، وغدا التحزب بديلاً عن التفلسف، وأمست الخصومة بديلاً عن الحوار. وما لم نتحرر من أسر هذه الثنائيات، ونكف عن التعامل معها كقدرٍ لا يُمس، سيظل العالم يمضي من حولنا، بينما نظل نحن ندور في الحلقة ذاتها، نرفع الشعارات ذاتها، ونطرح التساؤلات ذاتها، دون أن نقترب خطوة واحدة من المعنى.
لقد أخفقنا في أن نتفلسف حقًا، لأن التفلسف يتطلب صبرًا لم نملكه، وتواضعًا لم نحتمله. لم نصبر على السؤال وهو يزعزع يقيننا، ولم نحتمل الشك وهو يعري هشاشة مواقفنا، ولم نتعلم الإصغاء بوصفه فعل شجاعة يُبدد ضعفنا؛ أردنا إجاباتٍ جاهزة تمحو القلق، ومواقف قاطعة تُسكت الحيرة، وأحكامًا نهائية تختصر تعقيد العالم، كأن الواقع بسيط مستقيم، وكأن البشر نسخٌ متطابقة لا ذواتٌ مشحونة بتجارب متباينة وآلام مختلفة وتساؤلات لا تنتهي.
أما الدين، الذي كان يفترض أن يكون ضميرًا حيًّا يُهذب الاختلاف ويمنحه بُعده الأخلاقي، فقد ابتعدنا عن روحه، واقتربنا من قشرته. تشبثنا بمظهرية الطقوس والعبادات، وتركنا المقاصد؛ أكثرنا من الاستشهاد، وقللنا من الشهادة بالفعل. نسينا أن الأخلاق ليست مجرد كلمات نتشدق بها على المنابر، بل ممارسة يومية شاقة: في العدل حين يتعارض مع المصلحة، وفي الرحمة حين تكون الإدانة أسهل، وفي الصدق حين يصبح ثمنه باهظًا. ولو أننا استحضرنا حقًا معنى مقولة «الاختلاف رحمة»، لما انحدرت مواقفنا إلى خصومات، ولا تحولت آراؤنا إلى معارك، ولا غدا الاجتهاد تهمة تستدعي التخوين. لكننا، إذ فرغنا الفلسفة من صبرها، والدين من أخلاقه، وجدنا أنفسنا عُراةً أمام اختلافٍ لا نعرف كيف نحتويه، فاخترنا أن نتحارب وأن يُقصي أحدنا الآخر بدلاً من احتوائه والتعلم منه!
إن مأساة واقعنا لا تكمن في تعدد مواطن الاختلاف، فذلك من سنن الحياة وشرط خصوبتها، بل في عجزنا المزمن عن إدارته إدارةً رشيدة تحفظ لنا الكرامة وتُحقق معنى الاجتماع؛ ولا تتمثل المعضلة في تضارب المصالح، إذ هو أمر ملازم لكل وجود بشري، بل في تحويل تلك المصالح إلى أصنامٍ تُعبد، تُقدَّم لها قيمنا كقرابين، ونُضحي في سبيلها بما تبقى لدينا من ضميرٍ جمعي. ما أحوجنا، في هذا المنعطف، إلى شجاعةٍ أخلاقية لا تصرخ وتتهم وتشتم وتجرح وتقتل، بل تُبصر وتحتوي؛ شجاعة تعيد ترتيب الأولويات حين تختلط المعايير؛ فتُقدم المجتمع على المكسب، لأن الربح الذي يهدم النسيج الاجتماعي خسارةٌ مؤجلة؛ وتُقدم الحق على وهم الانتصار، لأن الانتصار الخالي من العدل ليس سوى هزيمة مُقنعة!
لعل البداية الممكنة، وربما الوحيدة، أن نتوقف لحظة وسط هذا الاندفاع الأعمى، وأن نرفع أبصارنا عما تحت أقدامنا، لنرى الطريق الممتد أمامنا وليس فقط خطواتنا؛ أن نستعيد، بجدية وصدق، سؤال الفلسفة الأول والأقدم: كيف ينبغي أن نعيش؟ وكيف يمكن لنا أن نتعايش معًا دون أن نفقد ذواتنا؟ فهذا السؤال لا يطلب وصفة جاهزة، بل يوقظ وعينا بمسؤوليتنا المشتركة عن شكل العالم الذي نصنعه. عندها فقط قد نكتشف أن التعايش ليس تنازلاً عن القناعات، بل حكمة في صونها من التحول إلى سلاح؛ وأن الاختلاف ليس ضعفًا ولا تهديدًا، بل هو شرطٌ أصيل من شروط إنسانيتنا، ونافذة نطلّ منها على حدود ذواتنا. وقد ندرك، أخيرًا، أن الدين والأخلاق، حين يُستعادان في عمقهما الإنساني، قادران على أن يضمدَا ما أفسدته الأنانية وضيق الأفق، وأن يعيدا للعيش المشترك معناه بوصفه شراكة في المصير.
استقيموا يرحمكم الله
.webp)