-->

الجمعة، 9 يناير 2026

حين يموت الجسد وتبقى الفكرة: اختبار الصدق في زمن الرثاء

 

تمثال لرأس مفكر فوق كتب مفتوحة وأوراق متطايرة بجوار شاهد قبر، يرمز إلى بقاء الأفكار بعد موت الجسد واستمرار الأثر الفكري

   حين يغيب الجسد، لا تصمت الأسئلة، بل تبدأ في الإلحاح؛ ينسحب الحضور المادي، لكن الأثر الفكري يتقدم إلى الواجهة، مطالبًا بحقه في الفحص والمساءلة. هنا يُطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: ما مصير الأفكار بعد رحيل أصحابها؟ أهي ملكٌ شخصي يُطوى مع الرحيل، أم أثرٌ عام يظل فاعلاً في الوعي، لا يسقط بالتقادم ولا يُعفى بالموت؟ في هذه اللحظة، يتكشَّف الالتباس العميق بين احترام الغياب وتعطيل النقد؛ فالقبر لا يُغلق ملف الرأي، بل يحرره، ويضع الأفكار وحدها أمام ميزان العقل والتاريخ. وما كان يُقال همسًا، أو يُؤجَّل بدعوى اللياقة، يصبح سؤالاً مشروعًا لا مهرب منه.

    ليست المسألة هنا مسألة وفاء أو خصومة، بل مسؤولية فكرية: أن نميز بين الإنسان الذي يرحل، والفكرة التي تبقى؛ فالأفكار، على خلاف الأجساد، لا تعرف الموت، بل تتحول، وتترك آثارها في الوعي الجمعي، خيرًا كانت أم شرًّا. ولا ينقسم المجتمع عادةً حول شيء بقدر ما ينقسم حول أفكار ومواقف شخص ما بعد رحيله؛ فثمة فريق يهرع باكيًا – أو متصنعًا البُكاء – إلى لغة الرثاء بوصفها طقسًا اجتماعيًا لا يُراجع، كأن الموت يمنح حصانةً أخلاقية بأثرٍ رجعي، فيُمحى الجدل وتُغسل الأفكار من تاريخها. هنا يصبح الحزن عملةً للقبول، ويغدو الصمت فضيلة، لا لأنه من الحكمة، بل لأنه آمن. وفي المقابل تتعالى أصواتٌ قليلة، وربما نادرة، لا ترفع نبرة الشماتة ولا تتوسل القسوة، وإنما تُصر على تمييزٍ فلسفي قديم: بين الحق في الموت دون ضجيج، والحق في نقد الأفكار بوضوح. هؤلاء لا ينكرون إنسانية من يموت، لكنهم يرفضون تأليه خطابه؛ ولا يغفرون سقطات رؤاه؛ مبدأهم أن الفكر لا يُدفن مع صاحبه، وأن الأفكار لا تتحول إلى فضائل لمجرد أن صاحبها صار ذكرى.

    المفارقة الأشد إيلامًا أن كثيرين ممن يذرفون الدموع، أو يتقنون محاكاة الدموع في مثل هذه اللحظات، ربما لم تكن لهم يومًا علاقة حقيقية بالأفكار التي ينعون أصحابها؛ لم يكونوا تلاميذ للفكر، ولا قارئين له، ولا خصومًا له، ولا حتى محاورين على تخومه، بل أسرى صورة جاهزة ل «المثقف» بوصفها هيئة اجتماعية لا مشروعًا معرفيًا. صورة تُرتدى عند اللزوم، وتُخلع عند أول احتكاك بالمعنى. في هذا السياق، لا يعود المثقف من يوسع أفق العيش المشترك، أو من يزعج السائد بسؤالٍ غير مطروق، بل من يُحسن التموضع داخل المجال الرمزي الغالب، أيا كان شكله أو اتجاهه؛ هو من يعرف متى يُصفق، ومتى يصمت، ومتى يستدعي قاموس الرثاء بوصفه بطاقة عبور أخلاقية تضمن له السلامة والقبول والانتشار. وهكذا يتحول الفكر من مغامرة عقلية إلى بروتوكول سلوكي، ومن مسؤولية نقدية إلى مهارة علاقات عامة مطلوبة إعلاميًا!

    فلسفيًا، نحن أمام التباس دقيق بين التسامح والتنازل. فالتسامح لا يعني إلغاء العقل، ولا تحويل الخلاف الجذري إلى رداءٍ من المجاملات الجنائزية. بل هو فعل مسؤول، يُقر بكرامة الإنسان ويصونها، وفي الوقت ذاته يحافظ على مساءلة الأفكار، ويترك لها فضاءً للمراجعة والنقد، بلا خوف من الاقتراب من الحافة. أما التنازل، فهو منح الموت سلطة عُليا تحول دون النقاش، وطلب نسيان التاريخ احترامًا للمشهد. إنه انسحاب من المواجهة الفكرية، وتحويل الحاضر إلى مشهدٍ استعراضي، حيث تُدفن الحقيقة تحت طبقات من الرثاء الزائف واللياقة الاجتماعية. وهنا تكمن خطورة التنازل: ليس في كونه اختيارًا أخلاقيًا بقدر ما هو قيد على الفكر من قبل من يتشدقون بحريته، وإلغاء لما ينبغي أن يبقى حيًا، حتى بعد رحيل صاحب الفكرة.    

    إن أخطر ما في هذا الانقسام ليس حدته، بل رسالته الضمنية: أن الحقيقة مؤجلة، وأن قولها مرهون باللحظة المناسبة، وأن عبارة «الوقت غير مناسب» قد تمتد إلى ما لا نهاية. غير أن الفلسفة، منذ ولادتها، وُجدت لتقول ما لا يُراد له أن يُقال، لا بدافع الخصومة، بل بدافع المسؤولية. لذلك، ليس المطلوب أن نُحب الراحلين أو نكرههم، بل أن نكون أمناء مع أنفسنا؛ أن نُفرق بين الرحمة التي تخص المصير الإنساني، والنقد الذي يخص المصير الفكري؛ فحين نخلط بينهما، نخون الاثنين معًا: نخون الإنسان بتحويله إلى رمز (وقد لا يستحق)، ونخون الفكرة بتركها بلا حساب (وقد تكون كارثية). وفي النهاية، لا يختبر الموت أخلاق الأفراد بقدر ما يختبر شجاعة المجتمع: هل يملك القدرة على أن يحزن بلا نفاق، وأن ينتقد بلا قسوة، وأن ينطوي على اختلافٍ قوامه الاحترام المتبادل، وتجنب المغالطات والشتائم؟ الانقسام يعكس أزمة أعمق تعكس هشاشة ثقافتنا، وعلاقتنا السطحية بالفكر، وتعكس أيضًا ديماجوجية الاختلاف في أبهى صورها!