الدورة الثلاثون لمؤتمر الأطراف:
في مدينة «بيليم» Belém البرازيلية، حيث انعقدت قبل أيام الدورة الثلاثون لمؤتمر الأطراف COP30 (الاجتماع السنوي الرسمي للدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ: 10 – 21 نوفمبر 2025)، وقف العقل البشري على حافة الزمن، يُسائل نفسه بصوتٍ خافت: كيف نكون مسؤولين عن مستقبلٍ لا نملكه، عن كوكبٍ يئن تحت وطأة أفعالنا، وعن حياةٍ مُثقلةٍ بالجراح ستتدفق بعد رحيلنا؟ هناك، في قلب غابات الأمازون التي تُعد رئة الكوكب، حيث تتكثّف الأرض في عروق التربة، وينبض الهواء برطوبة الحياة الأولى، كان كل نفسٍ للطبيعة بمثابة شهادة على هشاشة العالم، وعلى هشاشة إرادتنا؛ كانت الأوراق تهتز وكأنها تنطق، والمياه تتلوى وتتموج لتهمس، وكل ركن من أركان المدينة يخاطب العقل البشري قائلاً: ربما لم يعد هناك وقت للتأجيل، وربما لم تعد اللحظة الراهنة لحظة اختيار فحسب، بل لحظة اختبار أخلاقي للوجود ذاته.
لحظة كونية فريدة
لم يكن المؤتمر مجرد اجتماعٍ سياسي عابر، ولم تكن القضية مجرد أرقام عن انبعاثات كربونية متزايدة أو درجات حرارة متصاعدة، بل بدا المشهد وكأنه لحظة كونية تضع الإنسان أمام مرآته لتضرب رأسه بتساؤلات لا تحتمل إجاباتها التسويف: ماذا نريد أن نكون، وما الذي نستحقه، وكيف نتعامل مع قوة تكنولوجية جديدة لا نكاد نفهم طبيعتها؟ تساؤلات لا تتفاوض فقط حول إجاباتها الحكومات بُخطط وبرامج ومساومات، بل يتفاوض بشأنها الوجود البشري مع ذاته؛ مع معنى البقاء، مع وزن الأخلاق، ومع حدود القوة التي باتت التقنيات المتطورة – وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي – تمنحها للنوع البشري كأنه يخطو خارج عباءة الطبيعة.
الارض، والآلة، والإنسان
لقد تحول المؤتمر، بعيدًا عن البروتوكولات الرسمية، إلى فضاء فلسفي تأملي حي، حيث بدا الذكاء الاصطناعي قوةً مزدوجة: قد يكون خلاصًا للكوكب أو تعميقًا لجراحه المتفاقمة. كل اتفاق، وكل نقاش، وكل وعد، كان انعكاسًا للصراع الأزلي بين الإنسان والطبيعة، بين المعرفة والحكمة، بين الطموح والضمير، بين ما أردنا أن يكون وما هو كائنٌ بالفعل. وهناك، وسط الغابات، اختُبر التساؤل البشري القديم والجديد معًا: هل سنكون عقلاً حاضرًا ومسؤولاً، أم شهودًا صامتين على انهيارٍ كوني؟
وبينما كنا نحتفل في عالمنا العربي باليوم العالمي للفلسفة دون التطرق إلى أخطر وأهم القضايا الواقعية التي تستلزم تنظيرًا فلسفيًا، كان الفلاسفة في عالمٍ آخر منشغلون بحدثٍ تتقاطع فيه ثلاثة محاور كبرى: الأرض التي تستغيث، والآلة التي يتسارع تطويرها، والإنسان الذي يتأرجح بينهما!
أولًا: الأرض كذاتٍ أعمق من السياسة
في الأمازون – ذلك الرحم الأخضر الذي يحفظ على الكوكب ذاكرته النباتية الأولى – لا تبدو الجغرافيا مجرد مكان، بل تبدو ككيانٍ حيٍ يسعى إلى أن يُسمَع. وهنا تتعرى الحقيقة التي طالما حاول العلم أن يقولها بلغة باردة: أن طبيعة العالم ليست مخزونًا ماديًا نستهلكه، بل كائنًا كان وما زال يستحق منا أن نحترمه، طوعًا أو كرهًا. إن التهديد الذي يحوم فوق سقف 1.5 درجة مئوية (حد الاحترار العالمي المسموح به فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية) ليس رقمًا في تقرير، بل هو حدٌ أخلاقيٌ أخير يُمثل «الخط الأحمر الوجودي» الذي إن تجاوزه الإنسان انزلقت الأرض إلى مستقبل لا يعرفه أحد. لذلك تحول المشهد في «بيليم» إلى أكثر من مؤتمر: صار امتحانًا أخلاقيًا للإنسان المعاصر، امتحانًا يظهر فيه ما إذا كان بوسعه أن يتصرف ككائن عاقل في الوقت المناسب، وليس كغريزة مسيطرة تتقدم ثم تنهار. لذا لم يتردد الأمين العام للأمم المتحدة في أن يُطلق على الإخفاق في الحفاظ على حد ارتفاع درجة الحرارة اسم «الفشل الأخلاقي»؛ تسمية ليست سياسية بل فلسفية، لأنها تشير إلى عطب في الإرادة، وليس في القدرة؛ فكل درجة حرارة إضافية ليست رقمًا، بل هي محك للضمير البشري. والفشل في التصدي للاحتباس الحراري ليس علميًا فحسب، بل أخلاقيًا وجوديًا: أن نعرف الطريق الصحيح، ونغلق أعيننا، تاركين الأرض تتأوه وحدها تحت وطأة جشعنا وغفلتنا!
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي (بين خلاصٍ ممكن وخطيئة جديدة)
على طاولة واحدة، اجتمعت آمال البشرية ومخاوفها في صمتٍ مشحون بالدهشة؛ فبينما يعرض العلماء تقنيات الذكاء الاصطناعي كأدوات دقيقة لتحليل المناخ، والتنبؤ بالكوارث، وتوجيه الطاقة بما يعيد للعالم توازنه، يُطل في الجهة المقابلة واقعٌ مُر، يذكّرنا بأن الآلة ذاتها تغذي الاحتباس الحراري الذي تهدف إلى علاجه. المفارقة هنا أن هذه التكنولوجيا التي يُبشر بها أربابها كأداة لإنقاذ الأرض، تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، تستهلك كميات من الماءً وكهرباء يعجز العقل عن تصور حجمها لتبريد الخوادم وتشغيلها؛ فكل خوارزمية تحتاج إلى خادم، وكل خادم يحتاج إلى ماء وكهرباء، وكل وحدة كهرباء تولد انبعاثات، وكل ما يُصنع لإنقاذ الأرض يستنزف مواردها. وليست هذه مفارقة تقنية فحسب، بل ميتافيزيقية، إذ تثير السؤال ذاته الذي ردده كثيرٌ من الفلاسفة بطريقةٍ موجعة: هل يمكن للإنسان، وهو الذي يصنع أدوات تفوق قدرته، أن يدعي الحكمة؟ وهل يمكنه تجاوز الطبيعة دون أن يدمرها؟ أم أن التقنية، مهما علا شأنها، ستظل منتمية إلى الأرض، مدانة لها بالهواء والماء والطاقة؟
ربما تشبه هذه المفارقة الدواء الذي يُفاقم المرض، إذ لا يمكن للإنسان أن يتحرر من قيوده ما دام هو ذاته صانع سلاسله الجديدة. ومن هذا المنظور، لا تصبح مناقشة دور الذكاء الاصطناعي في مؤتمر بيئي عالمي مجرد حدث سياسي عابر، بل منعطف أنطولوجي: لقد تحولت التكنولوجيا من أداة خارجية نستخدمها، إلى جزء من نسيج العالم ذاته؛ كائن جديد لا هو إنسان ولا طبيعة، لكنه قادر على إعادة تشكيل كلاهما معًا. وهنا يواجه الفيلسوف واجبه الأول: تفكيك معنى «السلطة» التي تمنحها البشرية لهذه الأدوات، وفهم حدود تأثيرها على مصائرنا ومستقبل الأرض.
مبدأ الحيطة
في هذا السياق يعود مبدأ الحيطة Precautionary Principle كقانونٍ أخلاقي غير مكتوب: «لا تتقدم خطوة إذا كنت لا تعرف ثمنها». لكن الإنسان المعاصر، وهو يتعامل مع الذكاء الاصطناعي، يشبه بحارًا أعمى يبحر نحو أفقٍ يجهل أعماقه. هل الحرية أن نتقدم بلا حدود؟ أم أن الحرية الحقيقية هي أن نعرف متى نتوقف؟ لقد طرحت أوراقٌ بحثية حديثة – في أروقة المؤتمر – فكرة أن تنظيم الذكاء الاصطناعي قد لا يكون خيارًا، بل واجبًا دوليًا، تمامًا كما تُنظم الأسلحة البيولوجية والنووية؛ فالآلة المتسارعة قد تصبح، دون قصد، آخر كائن نُسلمه مصير الأرض. وليس المطلوب هو حظر التقنية، بل فهمها في ضوء «ما قد تكون»، لا فقط «ما هي الآن». الفلسفة هنا لا تُعطينا إجابات، بل تمنعنا من الغفلة؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على التنبؤ بالعواصف، فمن يتنبأ بالعاصفة التي قد يحدثها هو ذاته؟ وإذا كان يعالج اختلال المناخ، فمن يعالج اختلال القوة الذي تولده مركزية هذه التكنولوجيا في يد قلة من الدول والشركات؟ إنها تساؤلات تتجاوز العلم والاقتصاد؛ وتمس القيمة والمعنى وحق الأجيال المقبلة في عالم لم يُخلق بعد.
ثالثًا: الإنسان بين عالمين (الطبيعة والتقنية)
ما كشفه المؤتمر لم يكن فقط أزمة مناخ؛ بل أزمة إنسان؛ لقد كشف عن أن الإنسان المعاصر يعيش في شرخ وجودي: رجلٌ نصفه تراب، ونصفه سيليكون، محكومٌ بأن يصنع تقنيات تحل مشكلاتٍ خلقها هو بيديه. ومن هنا نصل إلى أعماق تساؤلات العصر الفلسفية الكبرى: ماذا يعني أن نكون بشريين في عصر تُعد فيه الآلة امتدادًا لعقولنا، وأحيانًا بديلاً عنها؟ هل الإنسان سيد العالم؟ أم مجرد كائنٍ يحاول أن يبرر بقاءه أمام تاريخٍ تتقدم فيه «عقولٌ غير بشرية» بسرعة الضوء؟ وما معنى الأخلاق حين تصبح القدرة التقنية بلا ضفاف؟ وإذا كانت الآلة تتخذ قرارات تتعلق بالمناخ، فمن هو «صاحب الفعل»؟ هل يمكن للآلة أن تكون جزءًا من «الإرادة» الكونية التي طالما تحدث عنها «سبينوزا»؟ وهل ثمة أخلاق تُمارس من غير وعي، أم أن الوعي شرطٌ للحُكم الأخلاقي؟ وهل يملك الغرب حق صياغة أخلاق العالم، أم أن مستقبل الأخلاق التقنية لا يجوز أن يُكتب بلغة واحدة، بل بلغات متعددة تعكس فسيفساء الوعي والاحتياج والتجربة الإنسانية على اتساعها؟
هشاشة الإرادة الجماعية أمام التحديات الكونية
أخيرًا، جاء مؤتمر الأطراف هذه السنة وكأنه استدعاء للبشرية لكي تعيد التفكير في علاقتها بالقوة، وبالمعرفة، وبالعالم الطبيعي؛ وتذكيرٌ لها بأن الاحتكام التقني وحده لا يكفي، وأن القرارات السياسية وحدها لا تحسم المصير. ومع ذلك، قد تُسجَّل هذه الدورة للمؤتمر في صفحات التاريخ ليس كإنجاز عظيم، بل كدرسٍ صارخ في هشاشة الإرادة الجماعية أمام التحديات الكونية؛ فالانقسامات العميقة بين الدول، والخلافات حول الالتزامات الاقتصادية والسياسية، قد أطاحت بأي أمل في التوصل إلى اتفاق مُلزِم للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق، يصبح غياب الولايات المتحدة، القوة الاقتصادية الكبرى، مؤشرًا رمزيًا على فشل القيادة العالمية، ويطرح تساؤلات فلسفية عن طبيعة المسؤولية: هل يمكن للأمم أن تواجه مصير الكوكب إذا غابت الإرادة الفردية الكبرى؟
من منظور فلسفي، يكشف هذا الواقع عن مواجهة الإنسان مع حدود فعاليته الأخلاقية والسياسية؛ فالأرض لا تنتظر القرارات، والغابات والمحيطات والأنهار تواصل صمودها أو تدهورها، مستقلة عن نزاعات البشر وصراعاتهم على السلطة. وهنا، تتجلى مفارقة العصر الحديث: المعرفة العلمية متوفرة، والحلول التقنية موجودة، لكن النقص في الاتفاق الأخلاقي والسياسي يجعل هذه الإمكانات بلا جدوى! وبالتالي يتركنا الحدث أمام حقيقة مؤلمة: حتى أكبر المؤتمرات، مهما كانت عظيمة التنظيم ورمزية المكان، قد تتهاوى أمام الانقسامات الإنسانية، تاركة الأرض والشعوب أمام اختبار الزمن والضمير، لتسجل لنا درسًا لا يُنسى عن حدود القوة الأخلاقية والسياسية في مواجهة أزمة وجودية عالمية.
وكأني في النهاية أسمع صوت معادلة روحية تتردد على ألسنة المغادرين: أن المستقبل ليس ملكًا للعلم وحده، ولا للسياسة وحدها، ولا للآلة وحدها؛ إنه ملكٌ لتوازنٍ روحي تقني أرضي، يجب أن يعيه الإنسان قبل أن يتجاوز نقطة اللاعودة. قد يصبح الذكاء الاصطناعي خلاصًا، وقد يصبح لعنة، لكن ما يحدد ذلك ليس قدرته، بل حكمتنا. وحكمة الإنسان في نهاية المطاف ليست أن يعرف كل شيء، بل أن يعرف ما الذي يجب ألا يسمح لنفسه أن يفعله.
.webp)