اطبخي يا جارية، كلِّف يا سيدي!
في أكتوبر من سنة 2017، كتبتُ مقالاً نُشر على هذه الصفحة تحت عنوان: «الجودة: اطبخي يا جارية، كلِّف يا سيدي». كنتُ آنذاك في عامي الحادي عشر على كرسي رئاسة قسم الفلسفة، أقاوم وحدي تقريبًا ثقل ملف الجودة الذي أُلقي على عاتقي كما تُلقى صخرة سِزيف في سفح الجبل، فيما تتعالى ضغوط إدارة الكلية كأنها أوامر قدرٍ لا يلين. وقد راقني ذلك المثل الشعبي الذي يهبط من علياء السخرية ليكشف هشاشة العلاقات حين تختل موازينها: علاقةٌ بين آمِرٍ يتوق إلى اللذة ولا يدفع ثمنها، ومأمورٍ يُطالَب بأن يخلق المستحيل من فراغ يديه؛ السيّد يريد طعامًا فخمًا، مطهوًا على مهل، عابقًا برائحة الرفاه والترف؛ لكنه في الوقت ذاته يبخل أن يضع في يد الجارية ثمن الزيت والدقيق والبهارات، أو لعله لا يملك الثمن أصلاً. هنا يغدو المثل أعمق من طرفة شعبية؛ يصبح حكمة اجتماعية تكشف قانونًا كونيًا بسيطًا لا يتخلف: لا يمكن فصل النتيجة عن أسبابها، فلا زهرة تتفتح من غير ماء، ولا نهر يجري من غير منبع، ولا جودة تُستولد من فراغ اليدين وروحٍ أنهكها العبء وحدها!
الإبداع شرارة تبحث عمَّن يمنحها وقودها
ولئن كانت الجارية، في حكمة المثل، لا تُعفى من تبعة المهارة، فإن هذه المهارة لا تُخلق من العدم، ولا تُستولد من هواءٍ لا يحمل في جوفه مادة الحياة؛ فحتى أمهر الطهاة، لو أُلقي بهم في مطبخٍ خاوٍ إلا من الصمت، لما استطاعوا أن يقدموا أكثر مما يتيح لهم الفراغ؛ وكما أن الرسَّام، مهما سما خياله واتسع أفق روحه، لا يستطيع أن يهب العالم لوحةً خالدة بفرشاةٍ منكسرة وأصباغٍ شاحبة، كذلك الإبداع كلُّه لا يشتعل بالمعجزة وحدها. إن الإبداع شرارة، نعم، لكنها شرارة تبحث عمَّن يمنحها وقودها، ويهيئ لها ما تتكئ عليه لتصبح نورًا لا وهجًا عابرًا.
الجودةُ ابنةُ الإنفاق
هكذا يمضي القانون ذاته في كل سلعة، وكل مُنتَج، وكل جهدٍ يزاحم غيره في سوق الحياة: فالجودةُ ابنةُ الإنفاق، ورفيعةُ المقام لا تولد من ضآلة الإمكانات، ولا تُصاغ من طين الشُح والعوز. غير أن منظومتنا التعليمية – في مفارقتها المدهشة – تُصر على أن تُعلن ميلاد الجودة من رحم الفقر، وأن تقطف ثمار الاعتماد قبل أن تغرس بذرة واحدة في تربة العمل. «السيّد» هنا ليس شخصًا بعينه، بل عقلٌ إداريّ يريد للجامعات والكليات والأقسام أن تتوشّح حُلل التميز، وأن ترفع رايات التطوير، وأن تدخل ساحات التنافس كالعروس ليلة عيدها … لكنه يأبى أن يدفع ثمن الثوب، ولا يشتري كتابًا، ولا يجهز معملاً، ولا يمد الباحث بأدنى عُدة، ولا حتى يوفر أوراق الطباعة التي يطلبها في خطاباته الرسمية! إنها مفارقةٌ تُشبه مطالبة الشجرة بأن تُظلل العابرين وهي محرومةٌ من الماء، أو مطالبة السراج بأن ينير الطريق وهو بلا زيت؛ وشتان بين حُلمٍ جميل، وبين قدرةٍ تُنفق ليصبح الحلم واقعًا!
ختم الجودة ... الإعلامي
على «الجارية» – أي الأقسام العلمية – أن تُجدد بنيتها التحتية من جيبٍ لا يملك سوى الهواء (بما في ذلك أجهزة الصوت المتهالكة في قاعات المحاضرات)، وأن تشق طريق الأنشطة الثقافية عبر تبرعات العاملين بها، وأن تُنجز بحوثها العلمية بجهود فردية تُشبه عمل النحل في موسم يَشح فيه الرحيق، وأن تُجري تحليلاتها الإحصائية ببرامج تقتنيها من أعمارها قبل أموالها، وأن تُعد خطط متابعة الطلاب وتنفذها وهي غارقة في واجبات تمتد حتى الركبتين، لكي تنال في النهاية ختم الجودة، وكأن الدولة تتفضل عليها بما لم تُقدم له طرفًا من العون، ولو بقدر ذرة! أما «السيّد» نفسه، فلا يلتفت إلى إن كانت الجارية منهَكة الظهر، مُستنزفة الروح، مخذولة الأحلام أو مبحوحة الصوت؛ لا يعنيه إن كانت تجر خطواتها جرًا أو تخفي جراحها تحت أكمام الصبر؛ غايته القصوى أن يرى صحنًا شهيًّا على مائدته كل صباح، وأن تبدو الجارية في الليل متألّقة، مسفوحة التعب، مصقولة القسمات، ليخرج هو بتصريحٍ إعلامي يزهو فيه بما حقق، مُرنمًا بخططه النيرة، مبشرًا بجودةٍ لا يعرف لأي معاناةٍ تنتمي، ولا على أي جبهةٍ وُلدت!
الجميع يطالب بالثمرة، لكن أحدًا لا يزرع الشجرة
كنتُ أتلقى تعليمات العمل في «الجودة» ممن عملتُ معهم من عمداء ووكلاء ومدراء لوحدة الجودة، تعليمات تتناسل يوميًا، بل تكاد تطرق بابي في كل ساعة من ساعات النهار والليل. كانوا يرددونها بلهجة العارفين بسر الخلاص: الجودة ثقافة حياة … الجودة مستقبلنا … الجودة غايتنا ووسيلتنا… الجودة كذا وكذا؛ حتى غدت الكلمة ذاتها أشبه بطقسٍ يومي، تُتلى في الصباح كما تتلى الأدعية المأثورة، وتُعاد في الاجتماعات كما تُعاد اللازمة في قصيدةٍ قديمة، وتظهر في محاضر المجالس كبندٍ أول لا يزاحمه بند، ولا يعلو عليه عنوان. غير أن هذا الهوس اللفظي كان يخفي وراءه فراغًا صامتًا؛ فحين تجرؤ على السؤال: أين التمويل الذي يهب الكلمة لحمها ودمها؟ أين الأيدي التي تملك مهارة العمل، وتعرف كيف تُحوِّل الشعار إلى بنية حقيقية؟ أين الأدوات والمستلزمات التي تُقيم «الجودة» على أرضٍ لا على ورق؟ عندها فقط ينكشف المشهد على حقيقته: ضحكاتٌ لا تُشبه الفرح، بل تُشبه صفير الريح في مكانٍ مهجور؛ ضحكاتٌ تُلقي عليك إحساسًا بمرارة المفارقة، كأنك تطلب الماء من صحراء، أو تستفسر عن مفاتيح بابٍ لا وجود له. وكانت تلك الضحكات – في جوهرها – اعترافًا مقنّعًا بالعجز: فالجميع يريد أن يرفع الراية، لكن لا أحد يريد أن يحمل الخشب الذي تُرفع عليه. الجميع يطالب بالثمرة، لكن أحدًا لا يزرع الشجرة. وهكذا تتحول «الجودة» إلى طيف لغوي، معلَّق في الهواء، لا يستند إلى جسم ولا يتصل بجذر، تلمع في الخطابات وتختفي عند أول سؤال ينتمي إلى الواقع لا إلى البلاغة.
جيشٌ من ورق
مع مرور الأيام، أخذتُ أكتشف أن «الجودة» التي نُدعى إليها ليست جودة تُشيَّد بالحجارة والطوب، ولا جودة تُصاغ في المختبرات، ولا جودة تُجنى من فكرٍ يتعب، أو يدٍ تعمل، أو رؤيةٍ تخطُّ طريقًا نحو الغد؛ كانت «الجودة» المطلوبة مجرد ملف ورقي؛ مجرد شكلٍ خارجي، طلعة جميلة لوجهٍ متعب، زينةٌ تُراد بها المفاخرة لا البناء. كان المطلوب أن نُقدم ملفًا يلمع، تقريرًا يسطع، صورًا مُرتَّبة على نحو يخدع العين، لا أن نُقدّم واقعًا قادرًا على الوقوف دون عكازات. «السيّد» – في نسخته المؤسسية – يريد منجزًا يتباهى به؛ منجزًا لا يُكلفه إلا الوقت الذي يحتاجه لعرضه أمام الكاميرات، لا الوقت الذي يحتاجه لبنائه في قاعات الدراسة؛ يريد أوراقًا مكتملة البنود، مزدانة بالجداول والمقاييس، مُحكمة الصف كأنها جيشٌ منظّم، لكنها – في جوهرها – جيشٌ من ورق، لا يقوى على السير خطوة واحدة خارج حدود الملف.
كثيرٌ من الوعود، كثيرٌ من التهديدات… ولا شيء من الأدوات
ذات مرّة، وجدتُني على شفا الانفجار ضحكًا حين تحدث «السيد» في اجتماع رسمي – وفقًا لرتبته المؤسسية – متخذًا هيئة الواعظ المُلهَم، وراح يُحرض الأقسام على العمل في «الجودة» بوصفها الطريق إلى الجنان الدنيوية: قال إن القسم الذي يحصل على الاعتماد ستُفتح له أبواب السماء، سيجد خريجوه الوظائف تتهادى إليهم كما تتهادى الثمار الناضجة، وسيتزاحم الطلاب على الالتحاق به مع بداية كل عام، وسيغدو أعضاؤه من أولياء العطاء! كان يتحدث بجدٍّ يليق بمن يبشّر قافلة ضائعة بوجود واحةٍ خلف التل، لكنه كان يعرف قبل غيره أن لا واحة هناك، وأن الخرائط التي يلوح بها ليست إلا رسومًا في الهواء. كان يُهدد ويتوعد، ويُنذر مستقبلاً قاتمًا لكل من «يُقصر» في الجودة، وكأن الجودة لوحة فنية تُعاد ألوانها بالصوت العالي لا بالعمل الحقيقي، أو كأنها عجين يُعجن بالتهديد لا بالدقيق والماء. وحين قال عبارته الأخيرة: «من لم يعمل في الجودة فليتحمل عاقبة تقصيره»، كان المشهد أشبه بمخرج يلوّح بعصاه في مسرحٍ خالٍ من الممثلين؛ كيف يُطلب من الأقسام أن تنجب معجزات من موارد معدومة، وأن تُقيم بيوتًا بلا أساس؟ كيف يطلب كل هذا العمل من أناسٍ آخر غايتهم ومقدرتهم من الثورة الرقمية هو تصفح الفيسبوك، أو الانخراط في مجموعات على الواتس يتشاتمون من خلالها أو ينافقون أو يتبادلون رسائل الصباح والمساء المصورة، ثم يُحاسَبون على عدم قدرتهم على اجتراح المستحيل؟ كان كلامه يُشبه محاولة نفخ الروح في تمثال حجري، أو إقناع الناس بأن المبنى الورقي قادر على الصمود تحت المطر. ومع ذلك، قيل الكلام بلهجة اليقين الكامل، كأن الحقيقة وحدها هي التي تخذله، وكأن النقص في الكون لا في الخطاب. كانت تلك اللحظة درسًا آخر في مفارقات «الجودة» عندنا: كثيرٌ من الوعود، كثيرٌ من التهديدات، وكثيرٌ من الكلام … ولا شيء من الأدوات التي تجعل الكلام جسدًا قائمًا على قدميه.
تصديق الأكاذيب
غادرتُ ذلك الاجتماع يومها وأنا أتساءل: ما الذي يجعل بعض الناس يُصدقون أكاذيبهم إلى الحد الذي يظنون معه أن غيرهم سيصدقها أيضًا؟ أهو إدمان الخطابة؟ أم هو إيمانٌ خفي بأن الورق قادرٌ بالفعل على أن ينبت حياة؟ أم أن الطمأنينة السهلة التي تمنحها الجملة المنمقة تجعل قائلها يظن أنه ألقى في الأرض بذرة ستنمو بمجرد أنه قال إنها ستنمو؟ لقد أدركت مع الزمن أن المأساة ليست في أن الوعود زائفة، ولا في أن المنجز ورقي، ولا في أن «الجودة» لا تتعدى حدود الشعارات، بل في أن صُنَّاع هذه الوعود يعرفون أنها زائفة، ويعرفون أنها ورقية، ومع ذلك يصرون على الدور الذي يؤدونه بكل ثقة ممسرحة، كأنهم في مأدبةٍ احتفالية يرفعون فيها نخب نجاحٍ لا وجود له إلا في مخيلتهم؛ يشبهون – من حيث لا يشعرون – تلك الشخصيات التي وصفها «دوستويفسكي» بأنها «تعيش على وهمٍ تصنعه بيديها، ثم تخاف أن تُطفئه لأنها لا تملك غيره»!
فيلمٌ صامت، وقبعاتٌ فارغة
ومع الوقت، تحول «الاعتماد» إلى ما يشبه المرايا الضخمة التي تُنصب في الساحات ليُطل كل واحد على انعكاسه فيها؛ لم يكن أحدٌ يسأل: هل الصورةُ حقيقية؟ هل الوجه مضاءٌ بضوءٍ أصيل أم بضوء مصباحٍ خافت؟ المهم أن يظهر الانعكاس، أن يُلتقط، أن يُعمَّم، أن يصل إلى حيث يجب أن يصل. لقد أصبح كل شيء أقرب إلى فيلمٍ صامت: حركة نشيطة أمام الجمهور، وصمتٌ كامل في الغرف الخلفية حيث يعرف الجميع أن القصة بلا صوت، وبلا أدوات، وبلا أساس! ومع ذلك، كان «المطلوب» أن نُسهم جميعًا في استمرار هذا الفيلم؛ أن نُصفّق عند اللزوم، وأن نهز رؤوسنا إعجابًا عند اللزوم، وأن نكتب، ونصور، ونوثق على صفحاتنا ما لم يُنجَز، ونُقنع العالم أن ما لم يقع قد وقع ... كان المطلوب أن نتعامل مع الورق كما يتعامل السحرة مع القبعات الفارغة: يضعون فيها الهواء، ويُخرجون منها الأرانب البيضاء، وسط دهشة الجمهور، مع أن الجميع يعرف أن الأرانب لم تولد من الهواء، وأن القبعة ذاتها مثقوبة. ولم يكن العجيب في هذا المشهد أن البعض يُصدق، بل أن البعض يريد أن يُصدق؛ يريد أن يعيش حلمًا مريحًا، وإن كان كاذبًا، لأن الحقيقة مُكلفة، ولأن مواجهة الواقع تتطلب شجاعة لا يملكها الخطابيون الذين اكتفوا بأن يصنعوا أمجادهم من القصاصات، وأن يبنوا سمعتهم من مدادٍ يجف على الورق قبل أن يلمس الأرض!
