-->

السبت، 15 نوفمبر 2025

الخروج من النفق (الحلقة التاسعة) الدراسات العليا: رقصة العقل الوجودية المؤلمة

طالب بزي التخرج يقف تحت ضوء خافت في مسرح مظلم، تحيط به أقنعة وأقفاص وكتب مفتوحة، كرمز لزيف الدراسات العليا وضياع الحقيقة

أطيافٌ عابرة؛    

في حلقتي التاسعة أقف عند عتبة الدراسات العليا كما لو كانت منعطفًا إجباريًا في صميم النفق المُعتم؛ هو منعطفٌ لا يبدده ضوءٌ خافت، بل تفتحه تلك التساؤلات الصلبة المتراكمة على الجدران، تساؤلات تنبثق كنتوءاتٍ حادة تشدك من كتفك وتدفعك إلى المضي قُدمًا، رغم ضيق المسار وتعثر الخطوات. هنا لا يتسع الطريق قدر ما يتسع الوعي، ولا تُشق العتمة بالقوة، بل بما تهتف به الروح وهي تلاحق إجاباتٍ تبدو، كلما دنوت منها، أكثر ابتعادًا، وكلما ظننت أنك قبضت على معناها أدركت أنها لم تكن سوى أطيافٍ عابرة، تلوح لك من مسافة، ولا تستقر أبدًا في يدٍ أو قلب.

العقل وعبثية الواقع

في هذا المقطع من الرحلة، لا يظهر العلم كدرجاتٍ يصعدها المبدعون صوب قمةٍ مرسومة، بل يتبدى كأفقٍ متحول، يعيد تشكيل ذاته كلما اقتربت منه خطوة، كسرابٍ لا يثبت على هيئة. هناك، يدور العقل في فضائه دوران المأخوذ بوهج الرؤيا، لا يهدأ ولا يستقر، كأنما هو مجذوبٌ في مولدٍ كوني، يتأرجح تحت أثقال الشكوك التي لا تبرحه، ويواصل رغم ذلك رقصته الوجودية بين الحيرة والاكتشاف، وبين الضياع والبحث عن معنى أبعد من كل معنى. هنا تكتشف أن المعرفة ليست طريقًا مستقيمًا، بل متاهة تتسع كلما حاولت ضبط حدودها، وأن العقل – برغم تعبه – لا يجد في الدوران عيبًا، بل يجد فيه إيقاعه الطبيعي، كأن التفكير ذاته شكلٌ من أشكال التسليم بعبثية الواقع والانخراط فيها!

لعبة الألقاب

    لم تعد الدراسات العليا – في كثيرٍ من وجوهها – طريقًا يفضي إلى المعرفة، ولا جسرًا يقود إلى الكشف والإبداع كما خُيل إلينا يومًا؛ بل لقد تحول هذا الطريق الذي كان يُفترض أن تعبره الأرواح القلقة بحثًا عن الحقيقة، إلى ممرٍ جانبي تُدار فيه لعبة الألقاب، وتُوزَّع فيه الشهادات كما تُوزَّع الأزياء في مهرجانٍ صاخب؛ مظهرٌ احتفالي يغمر العين ببريقه، لكنه يخفي وراءه هشاشةً عميقة وتصدعات لا تراها إلا حين تقترب من الجدار وتلمسه بيدك. لم يعد العلم هنا مشروعًا للارتقاء، بل مسرحًا تُعاد فيه كتابة الأدوار حسب ما تقتضيه المصالح، وتتزين فيه الحقائق بأقنعة أنيقة تُضلل من يكتفي بالمشاهدة من بعيد؛ فبدل أن تكون الدراسات العليا فضاءً للخلق وإعادة تشكيل العالم، أصبحت في كثير من الأحيان غرفةً صغيرة لتشويه الواقع، حيث تُجمَّل الرداءة بعبارات رنانة، وتُغلَّف الفوضى بأغلفة منهجية مُنمقة تشتت البصيرة ولا تزيدها إلا غشاوة. إنه عالمٌ يبدو فخمًا من الخارج: منصات تعلوها الزهور، وعباءات أنيقة ملونة، وخطابات مُطولة عن العلم والبحث والتقدم. لكنه عالم يتآكل من الداخل، كقشرةٍ ذهبية تخفي معدنًا رديئًا، وكاحتفالٍ لا يسمع فيه أحدٌ صوت الحقيقة لأنها تُدفن تحت طبقات من التصفيق والمجاملة.

حين يحل الانتحال محل الأصالة

    لم تعد الدراسات العليا، في كثيرٍ من تجاربها، مرآةً تكشف الواقع، بل ستارًا يحجبه؛ ولم تعد معراجًا للذات الباحثة، بل ساحةً للتلاعب، حيث يحل الادعاء محل المعرفة، والتحايل محل الجُهد، والانتحال محل الأصالة؛ ذلك هو التحول المرير: أن يصبح العلم زينة، وأن يغدو البحث طقسًا، وأن يبيت اللقب، لا الفكرة، هو الغاية … في مشهدٍ يخدع النظر ببهائه، لكنه يترك العقل جائعًا، والروح أكثر عطشًا للحقيقة من أي وقت مضى.

أسواق الوجاهة

    كنتُ أحسبُ – بسذاجة المُحب للمعنى – أن رسائل الماجستير والدكتوراه هي آخر القلاع التي ما تزال تحتفظ بوهج الجدية داخل الجامعة؛ ذلك الفضاء الذي يفترض أن يكون محرابًا للعقل، لا سوقًا تُباع فيه الوجاهات تحت لافتة العلم. غير أن سنواتي في دهاليز العمل الأكاديمي كشفت لي كيف انزلقت هذه الدرجات من مقامها الرفيع إلى درك السلعة، وكيف تبدل دور الطالب من باحثٍ يطارد الحقيقة إلى زبونٍ يطارد ورقة، وانقلب المشرف من مُرشِدٍ فكري إلى بائع خدمات يتقن المناورة أكثر مما يتقن المعرفة.

عروض مسرحية

    ربما لم يكن هذا الانحدار يُعلن بوضوح في الساحات المفتوحة، ولا يُخلف وراءه سندًا أو أثرًا، لكنه كان يترك علاماتٍ صارخة لا تخطئها عين من اعتاد النظر إلى ما وراء الستار: طالب لم يمسك قلمًا، يُسلم رسالةً لم يكتب منها جملة، لكنه يحصل على الدرجة بمرتبة الشرف، وربما بتوصية بالطباعة؛ ومشرف يُراكم إشرافات تتجاوز طاقة المنطق، لا لاتساع علمه بل لاتساع شبكته، ولأن اسمه أصبح جزءًا من معادلةٍ لا علاقة لها بالعلم ... رسائل تُكتب في غرفٍ صغيرة تُدار فيها «الصناعة الأكاديمية» علنًا بأيدٍ مأجورة، ثم تُغلَّف في حقائب فاخرة وتُقدَّم على المنصات في احتفالاتٍ مهيبة تُشبه العروض المسرحية أكثر مما تشبه مناقشات علمية.

ثقافة مجتمع مشوهة

    ثقافة مجتمع مشوهة، تدفع الطالب لأن يُستنزَف ماليًا ليشتري ما لا يفهم، ويُقنَع بأنه «دكتور» لمجرد أن محفظته دفعت، وكتفيه حملتا عباءة. وفي المقابل، كانت الجامعة تُستنزَف روحيًا؛ تُفرَّغ طبقةً بعد طبقة من معناها، حتى باتت القاعة التي يُفترض أن تكون مسرحًا للمعرفة مجرد منصةٍ لعرض أزياء أكاديمية، وتحول العلم من غاية تُطلب إلى لافتة تُستعمل. رأيتُ – على مهلٍ مؤلم – أن الخسارة ليست خسارة طالبٍ خُدع بلقب، ولا خسارة أستاذ تحول إلى تاجر أو مقاول، بل خسارة مؤسسات كانت تُعِدُّ العقول فأصبحت تُسوِّق الشهادات، وتستبدل البيع بالبحث، والتمثيل بالجدية، والصدى الباهب لللقب بالمعرفة الحقة!

الركض وراء السراب

   كنتُ أشاهد طلابًا يندفعون، كمن يركض وراء سرابٍ، إلى التسجيل ببرامج الدراسات العليا، وكأنها الملاذ الأخير الذي يفتشون فيه عن لقبٍ يُزين هوية لا يملكونها، أو ورقة تتيح لهم التسلل إلى عالم تغشاه مظاهر التحضر الكاذب، وأرى في اجتماعاتنا أساتذة يتصارعون كما لو كانت الأرواح على المحك، يتنابزون الألقاب، يكادون يقتتلون على حق الإشراف على طالب أو على شرف مناقشته، وكأنها معركة على ورقةٍ لا تحمل وزن الحقيقة بقدر ما تحمل وزنًا من المكانة الاجتماعية والمناصب الأكاديمية. كنتُ أرى بعض الأساتذة يتباهون بإشرافهم على عددٍ هائل من الرسائل والأطروحات، فيحسبون الكم معيارًا للعلم، ويظنون أن الألقاب تتضاعف بالعدد، بينما الحقيقة والمعنى قد اختفيا في الزوايا المظلمة للغرف المكتبية. وكنتُ أسأل نفسي بلا كلل: متى قرأ هذا الأستاذ ما كتب طلابه؟ متى ناقش معهم الفكرة بدل الشكل؟ متى وجَّه العقل قبل الورقة؟ متى راجع، متى علَّم، ومتى استمع إلى سؤال حقيقي ينبض بالفضول؟ ولا أجد إجابة. كل شيء يبدو موشىً بالمظاهر: أرقام، لوائح، شعارات عن التميز، تكريمات، لكن لا شيء من صميم التعليم، ولا شيء من جوهر البحث. ويظل السؤال يصدح في ذهني: كيف يتحول ما يُفترض أن يكون محرابًا للفكر إلى ميدانٍ للتنافس على الصيت؟ 

وتظل الحقيقة رهن أسوارها

    تتكدس المكتبات بآلاف الرسائل والأطروحات، لكنها أرقام صماء لا تعكس نهضة علمية حقيقية، وإلا لأصبحنا منذ عقود في مصاف الدول الأكثر تقدمًا. هذه الكثرة تكشف، في عمقها، عن خللٍ بنيوي يعتري البيئة الأكاديمية، وازدهارٍ ورقي يلمع في الواجهة فيما يتداعى جوفه؛ فالكم هنا لا يقاس بمعرفة، بل بمسافةٍ متسعة بين الشعارات المرفوعة وما يتم إنتاجه حقًا من فكر؛ ازدحام في القاعات يقابله فراغ في المختبرات، واحتفالات صاخبة تُخفي غياب الصرامة وضعف الصلة باحتياجات المجتمع والصناعة والعلوم. نحن في وادٍ، والعالم المتقدم في وادٍ آخر؛ العالم المتقدم لم يبن نهضته على كثرة الرسائل، بل على صلابتها وصدقها وقدرتها على دفع حدود المعرفة. أما حين تتحول الدراسات العليا إلى مصنع للألقاب هدفه الأول لدى الجامعات هو حصد الأموال، ولدى الممولين هو المكانة الاجتماعية الزائفة، فإن مخرجاتها لا تتوقف عند ورقٍ يُعلق أو لقب يُتداول، بل تمتد إلى مقاعد التدريس ذاتها وإلى المجتمع، حيث يغدو بعض هؤلاء الذين لم يعرفوا من البحث إلا شكله أساتذة ومحللين وخبراء، فيتجذر الخلل ويعيد إنتاج ذاته على نحوٍ أشد وطأة ... وتظل الحقيقة رهن أسوارها، تنتظر من يجرؤ على تسلقها ومواجهة الظلال!