-->

الاثنين، 3 نوفمبر 2025

أشلاء من المعنى: حين يُنتحل النص وتُغتال الفكرة

صورة رمزية تمثل انتحال النصوص واغتيال الفكرة، كتاب تتطاير منه الحروف العربية كرمز لتشويه المعنى

منذ أن وجدت كتاباتي طريقها إلى فضاء الإنترنت، في هيئة كتبٍ ومقالاتٍ ومنشوراتٍ متناثرة، أحسست كأنني أذرُّ شظايا روحي في الريح؛ لا أعلم أي أرضٍ ستستقر فيها، ولا أي العيون ستتلقاها، ولا بأية نوايا ستُؤول! ولم يمض وقتٌ طويل حتى أدركتُ أن هذا العراء الرقمي، الذي ظننته ميدانًا حرًا للتعبير، قد غدا ساحةً للسطو والتناص الفج، تُنتزع فيها الأفكار من سياقاتها كما تُنتزع الأعضاء من الجسد الحي. لم أكن بمنأى عن تلك الفوضى، فقد تناوشتني أمواجٌ من السرقات الفكرية، جاءتني من أرجاءٍ شتى؛ بعضها انكشفت لي مصادفةً وأنا أتجول في متاهات الشبكة، وبعضها حمله إليَّ أصدقاءٌ أوفياء لم تخفت فيهم بعدُ نبرةُ الضمير. غير أن أغرب تلك الوقائع وأوجعها، ما عثرتُ عليه بين دفّات رسائلٍ أكاديمية كنتُ قد شاركتُ في مناقشتها؛ إذ رأيتُ عباراتي وقد خُلعت عنها أنسجتها الأصلية وألبست أثوابًا زائفة، ثم أُودعت بأسماءٍ لا تعرف الحياء، في أطروحاتٍ يُفترض أن تكون نموذجًا للأمانة الفكرية، فإذا بها تُكرس خيانتها!

حين تُغتال الفكرة بأسماءٍ زائفة

ورغم ما منحتني وسائط التواصل من صلاتٍ إنسانيةٍ ثمينة، وصداقاتٍ أعتز بها اعتزاز من وجد في الزحام نبرة قلبٍ تشبهه، فإنها كانت كذلك نافذةً أطل منها على أحد أوجهها القاتمة: سرقة النصوص والمنشورات، تارةً في صورة اقتباسٍ مباشرٍ لا مواربة فيه، وتارةً في تحويرٍ خفي ماكرٍ يُطمس فيه الأصل ويُبقي الفكرة رهينةَ الخداع المزيَّن بثوب الإبداع! إنه الوجه الأكثر قسوةً وبرودةً: وجه العالم الافتراضي الذي تتناسل فيه الكلمات بلا أصل، وتُنتزع فيه الملكية من صاحبها كما يُسلب الحلم من صاحبه عند الفجر؛ فكم من منشورٍ لي رأيته مسلوبًا، إما منقولًا كما هو – نصًا ومعنى – أو منتحلاً بشكلٍ جزئي تحويري دون إشارةٍ أو عرفانٍ أو حتى تلميحٍ خجول إلى منبع الفكرة!

السطو الأدبي في الفضاء المفتوح

تأملتُ طويلاً في هذه الظاهرة، فرأيت أنها ليست سرقةً للكلمات فحسب، بل انتهاكٌ للروح التي سكبتها فيها. إن كل نصٍ نكتبه هو أثرٌ من وعينا، وبصمةٌ من كياننا؛ وحين يُسرق النص، يُسرق معه شيءٌ من وجودنا ذاته. ومع ذلك، لم يثنني هذا عن الكتابة (مع توثيق هذه السرقات)، لأن الكلمة الصادقة – وإن نُهبت مراتٍ – تعرف طريقها دومًا إلى من يُقدرها حق قدرها؛ فما يُسرق منا في الظاهر، يبقى لنا في الجوهر؛ وما يُنتزع من النص، لا يُنتزع من الروح التي خطته!

الكاتب في مواجهة الانتحال: بين الغضب والشفقة

أقف أحيانًا أمام هذه التجارب متأرجحًا بين الغضب والشفقة: الغضب بسبب خيانة الأمانة، والشفقة على من يظن أن سرقة اللغة تمنحه الفكر، أو أن الاستيلاء على العبارات يُغنيه عن ولادة المعنى؛ فالكتابة، في جوهرها، ليست صنعةً يُتقنها المرء بتقليد، بل هي انبثاق الوعي في لحظة صدقٍ نادرة، ومن يسطِ على نصٍ أو فكرة، إنما يسرق ما لا يُمكنه امتلاكه! ومع ذلك فقد تعلمت أيضًا من هذه التجارب أن الكلمة، وإن غاب اسم صاحبها، لا تموت؛ إنها تعرف طريقها دومًا إلى ضمير القارئ، إلى تلك المساحة الخفية من الوعي التي تميز النبرة الأصيلة من الصدى المكرور؛ فالزيف قد يعلو حينًا، لكنه لا يُرسِّخ جذوره في التربة العميقة للصدق. وهكذا، كلما رأيت كلماتي تسافر بأسماءٍ أخرى، ويتفاعل معها الناس بكثافةٍ في غير موضعها، أبتسم في مرارةٍ نبيلة، وأقول في نفسي:

«ليست السرقة ما يؤلمني، بل أن يُصادروا على النص حقه في أن يكون صادقًا»!