-->

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

الخروج من النفق (الحلقة الثامنة) اللقب: مأساة العقل الجامعي

الخروج من النفق – الحلقة الثامنة: مأساة العقل الجامعي

في النفق الإداري الجامعي، كما في مسرح الحياة الكبرى، يتجول المرء بين مراتب الفكر كما يتجول الطائر بين سماواتٍ متفاوتة الارتفاع. هناك من يُحلق مدفوعًا بشغف الحقيقة، تجره الرغبة في الفهم، ويغذيه عطش السؤال؛ وهناك من يظن أن التحليق ليس في حاجةٍ إلى أجنحة، بل إلى شهادة تقدير أو لقبٍ يُتلى في المحافل الرسمية. وما أشد ما يفسد الفضاء الفكري – أيا كان اتساعه – مثل طموحٍ صغيرٍ يتدثر بالكِبَر، ويتقمص مظهر العظمة، وهو في جوهره انكماشٌ أمام بريق زائف!

طموحٌ صغير في هيئة عظمة

ذلك الطموح الضيق لا يعرف للفكر قدرًا، ولا يرى في البحث إلا زينةً تُعلق في الهامش، ولا في العلم إلا سُلمًا يفضي إلى مقعدٍ وثيرٍ من الخشب الداكن، تتدلى خلفه لوحة تلمع بصور وأسماء من سبقوه. إن المجد عنده لا يسكن العقل، بل يُعلق في إطارٍ زجاجي على جدارٍ بارد، وتُروى سيرته لا بمداد الحقيقة، بل بمديحٍ كاذب يتلوه من وجد في التملّق دربًا إلى القرب. تتناقل الألسنة مناقبه كما تُتناقل الخرافات: تزدان بالزخرف وتخلو من الجوهر. وحين يمر اسمه في المجالس، لا يُذكر لعقلٍ أنار، أو لفكرةٍ غيَّرت، بل لسلطةٍ أَنعمت أو مكافأةٍ وُهِبت. إن حضوره لا يُصان بعظمة الفعل أو سمو الفكر، بل يُحرس بسياجٍ من الولاءات والخضوع، كعرشٍ هشٍ تحيط به الحاشية اتقاءً لانهياره؛ فالهيبة التي تُستمد من الخوف أو المصلحة لا من الاحترام، مصيرها أن تتهاوى عند أول نسمة حرية. وهكذا يغدو صاحبها سجينًا في مملكته الصغيرة، لا يملك منها إلا صدى اسمه يتردد بين مناصريه، كترتيلةٍ جوفاء في معبدٍ بلا روح!

الجامعة بين قداسة الفكرة وطقوس الواجهة

في مثل هؤلاء تضيع المعاني التي وُلدت من رحم التساؤل الحر، وتتبخر روح المعرفة في غبار المكاتب ولزوجة المجاملات. تغدو الجامعة، التي وُجدت لتكون معبدًا للفكر، مجرد جدرانٍ صامتة وأسوارٍ تُزيَّن بالشعارات؛ فالجامعة في أصلها ليست حجرًا ولا قاعاتٍ مرصوصة، بل فضاءٌ يتنفّس بالعقل، وينبض بالشك لا باليقين الموروث، حيث يُقاس الإنسان بقدرته على العطاء الفكري لا بعدد ألقابه الأكاديمية. لكن حين يتحول الطموح من شغفٍ بالمعرفة إلى رغبةٍ في الوجاهة، وحين يُستبدل المقعد بالفكر، والظهور بالبحث، يغدو العلم طقسًا شكليًا من طقوس الزهو الزائف، ويُسجن الفكر في قفص الأنا؛ فينطفئ النور الذي وُجدت الجامعة لتشعله.

التظاهر بالمعرفة: قناع الانحدار الهادئ

إن أخطر ما يهدد العقل الأكاديمي ليس الجهل، بل التظاهر بالمعرفة؛ وليس الفقر إلى الفكر، بل المتاجرة به. وفي مواجهة هذا الانحطاط الهادئ، لا يُنقذ الجامعة – ولا الحياة – إلا أولئك الذين لا يسعون إلى الضوء لتُرى وجوههم، بل ليُضيئوا الطريق!

طقوس الانحناء في ممرات النفوذ

كم رأينا في جامعاتنا مشهدًا يتكرر حتى غدا طقسًا من طقوس الرداءة: مشهدًا يُضحك العقل ويبكي القلب؛ ترى المسؤول يتضاءل كلما اقترب من باب مكتب من يعلوه منصبًا، كأن ظلال السلطة تُنقص من قامته الفكرية. وترى آخر ينحني بليونةٍ مبالغ فيها، لا عن تواضعٍ فلسفي أو احترامٍ علمي، بل لكي لا يُرى إلا تابعًا، ظلّاً طيعًا في ممرات النفوذ.

التحول من مفكرٍ إلى إداريٍّ مُطيع

أولئك الذين يُفترض أنهم بلغوا ذروة النضج الفكري والتجربة الإنسانية، تراهم فجأة ينقلبون إلى كائناتٍ إداريةٍ رخوة، ذابت فيها حرارة الفكر وخبت فيها جذوة الموقف؛ يتقنون فن المسايرة كأنها حكمة، ويبرعون في المناورة كأنها فضيلة، ويُتقنون تبرير ما لا يُبرَّر كأنهم يُقيمون للضعف منبرًا. لا يزرعون فكرًا ولا يؤسسون رؤية، بل يراكمون الولاءات كما تُكدس النقود في خزائن الخوف. لا يسعون إلى اكتشافٍ يبدد ظلمة الجهل، بل إلى توقيعٍ من يدٍ نافذة، أو ابتسامةٍ عابرةٍ من صاحب سلطةٍ زائلة. وهكذا يستبدلون ظل الكرسي بمجد المعرفة ، وبرهة استحسانٍ زائلة بخلود المعنى!

تحت رعاية «معالي» الفكرة!

في زاويةٍ أخرى من زوايا النفق، تُقام الندوات وتُعد النشاطات في أروقة الأقسام العلمية، كأنها محاولات خجولة لإحياء روح الجامعة التي وُلدت من رحم البحث العلمي ووهج الفكر. غير أنك ما إن تنظر إلى ملصقات الإعلان عنها، حتى يطالعك ذلك السطر العريض المميز: «تحت رعاية معالي ... ، ومعالي ...» — كأن الفكرة لا تولد إلا ببركة الألقاب، أو كأن الكلمة لا تُسمع إلا إذا مرت عبر دهاليز السلطة. ثم تمضي تسأل نفسك: ما نوع هذه «الرعاية» المزعومة؟ أهي فكرة أضافوها؟ أم جهدٌ بذلوه؟ أم وقتٌ منحوه؟ لا شيء من ذلك، سوى الاسم يُعلق فوق المعنى كما يُعلق الشعار فوق الجدار، فتُختزل القيمة الفكرية في مظاهر احتفالية، ويُغطّى على غياب الجوهر ببريق الألقاب! لقد تحولت كلمة «معالي» إلى تعويذة تُتلى قبل كل نشاطٍ علمي، وكأنها صكّ شرعيةٍ لا يبدأ الحدث من دونها. وما أشد المفارقة: أن يُنسب الجهد إلى من لم يحضر، وأن يُنسى من حمل الفكرة، وسهر، وكتب، ونظم، وربما كُتب اسمه من بين الحضور أو لم يُكتب! تلك هي البيروقراطية حين تدخل حرم الفكر؛ تُفرغ المعنى من روحه، وتستبدل الوجاهة بالإبداع، وتحول الجامعة من بيتٍ للمعرفة إلى مسرحٍ للصور والأسماء!

حين تُستبدل الحرية بالبروتوكول

كم هو بائسٌ أن يُقايض الإنسانُ وهج العقل بظل منصب! أن يُقصي نور الحقيقة بوميضٍ إداري زائل! فيتحول العلم من رسالةٍ إلى تراتبية، ومن حوارٍ إلى هرمٍ من الخضوع المتصاعد. هناك، في تلك الزوايا المكيفة، تُخنق التساؤلات الكبرى باسم «طقوس البيروقراطية»، وتُكمم الأفواه بحجة «الاحترام الإداري». وهكذا يُسدل الستار على أسمى ما في الفكر: الحرية، ليبقى المشهد الأخير دائمًا واحدًا: وجوهٌ تنحني، وكلماتٌ تتلون، وأفكارٌ تُنحر على مذبح المنصب. ولعل المأساة الكبرى ليست في أولئك الذين يطلبون العُلو، بل في أولئك الذين يتنازلون عن عُلوهم الفكري ليبلغوا أدنى مراتب الرضا البيروقراطي؛ فالعلم لا يزدهر في ظل الخضوع، والفكر لا يحيا بين الأوراق المروية بالخوف، والجامعة التي تُربي على الانحناء إنما تُخرج أجيالاً بلا عمودٍ فقري من المعنى.

المكاتب مسارح الولاء

في كثير من أروقة النفق، لم يعد المسؤول رأسًا للفكر، بل رأسًا لإدارة الولاء؛ يُدير لا بمنطق الرؤية والرسالة، بل بمنطق التحزب الصغير: من ألقى التحية صباحًا، ومن تخلف عن الحج إلى مكتبه، من صفق، ومن تردد في المديح. وتحولت المكاتب إلى مسارح دائمة العرض: أحدهم يهدي كتابه الأخير طلبًا للرضا، وآخر يروي النوادر بحثًا عن الحظوة، وثالث يطيل البقاء لتمضية دقائق القرب، ورابع يتقن فن الإصغاء لما لا يُقال، وكأن الصمت هو لغة الارتقاء. وحين يُغلق الباب، تتناثر في الخارج ضحكات مصطنعة وابتسامات لزجة، كلها ليست علاقات إنسانية بل استثمارات في سلطةٍ مؤقتة. ومع مرور الأيام، يغدو صاحب الكرسي مُحصلاً للولاءات لا للأفكار؛ لا يقرأ، لا يقترح، لا يغامر، بل يراقب من خرج عن الصف، ومن نسي أن يشكر الإدارة في مناسبة ما. تتبدل معايير التقدير: يُقاس الجهد بعدد الزيارات لا بعدد الإنجازات، وتُوزع المهام على أساس من يجلس أكثر، لا من يُنتج أكثر!

خاتمة النفق: حين يعود المنصب إلى حجمه الطبيعي

هكذا تتآكل الجامعة من داخلها، حيث يتحول صاحب المنصب إلى تاجر مصالح صغيرة، ويُقصى من يعمل ويُقرَّب من يتملق، ويبدأ طريق الباحث إلى التقدير من باب المكتب لا من باب المكتبة.  فأي علمٍ يُرجى من بيئةٍ هذا منطقها؟ وأي احترامٍ يبقى لمؤسسةٍ يُنافق فيها الأستاذ ليُدرس، ويتزلف ليترقّى، ويتنازل ليحظى بمنصب؟ لن تستعيد الجامعة روحها إلا إذا نُزعت عنها هذه البيروقراطية الطفيلية، وعاد المنصب إلى حجمه الطبيعي: خدمة للمعرفة لا سلطة على العقول، ووسيلة لإعلاء الفكرة لا لتمجيد الذات. حينها فقط، يعود الأستاذ إلى مكانه الحق: شاهدًا على المعنى، لا خادمًا للوجاهة!