-->

الخميس، 23 أكتوبر 2025

الخروج من النفق (الحلقة السابعة) المجالس وإدارة الصورة

 

الخروج من النفق: المجالس وإدارة الصورة

   منذ أن ألقى «أفلاطون» بظلال كهفه على جدار الوعي الإنساني، والبشر يطاردون الصورة ظانين أنها الحقيقة ذاتها. كان أسرى الكهف يرون الأشكال المرتسمة في عتمة الجدار فيحسبونها جوهر الوجود، حتى إذا انكشف لأحدهم نور الخارج، أعمته الحقيقة التي لم يُؤهَّل لرؤيتها، فارتدَّ إلى ظله مأخوذًا بالوهم المريح عن الضوء الكاشف! تلك الأسطورة لم تكن حديثًا عن الجهل وحده، بل عن افتتان الإنسان بالسطح حين تضيق روحه عن احتمال البصيرة.

من كهف أفلاطون إلى مرايا بودريار: رحلة الصورة بين الظل والأصل

    تقادمت القرون، وتبدَّل الكهف، فغدا أكثر تهذيبًا وأناقة، وأوسع أرجاءً وأعمق خداعًا؛ لم تعد الظلال عند الفيلسوف الفرنسي «غي ديبور» Guy Debord على جدارٍ من حجر، بل على شاشةٍ يتلألأ فيها العالم كعرضٍ أبديٍ تُدار فيه الحياة كفرجةٍ متصلة، يُستبدل فيها التمثيل بالتجربة، والفعلُ بما يخلفه من صدى في المرآة، وتحل الصورة محل الحضور. صار الإنسان لا يعيش العالم بل يشاهده، ولا يُمارس الحياة إلا ليزخرف انعكاسها. ثم جاء الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي «جان بودريار» Jean Baudrillard ليُتم النبوءة بأوجع القول: لم تعد الصورة ظلاً لأصل، بل أصلاً لظل، نسخةً من خواءٍ يلد ذاته في مرايا لا تنكسر؛ لم نعد في كهفٍ يحجب الحقيقة، بل في واقعٍ أغرقه النور حتى ابتلع الحقيقة تحت فرط إشعاعه.

    هكذا تمتد المسافة من «أفلاطون» إلى «بودريار» لتُخبرنا إن الخطر لم يكن يومًا في الصورة، بل في نسيان إشارتها؛ فإذا غلب البريق على الفكرة، والاستعراضُ على الفعل، غدت الحقيقة طيفًا في موكبٍ من الأوهام، وانقلب الوجود مهرجانًا من الانعكاسات. وحينئذٍ لا تكون النجاة في الفرار من الصورة، بل في استعادة النور الذي منحها كيانها، والجوهر الذي أعارها وهجها.

    في كهف «أفلاطون»، كان السجناء يواجهون جدارًا صامتًا تتراقص عليه ظلال الوجود، لا يرون من العالم إلا خيالاتٍ تتحرك في العتمة، توهمهم أنها الحقيقة؛ خلفهم نارٌ موقدة، تُلقي بأشباحٍ من ضوءٍ زائف، تُغري الأبصار وتُضل البصائر، حتى إذا خرج أحدهم إلى الفضاء المضيء، أدرك أن ما رآه من قبل لم يكن إلا صدىً باهتًا لعالمٍ لم يعرفه بعد. واليوم، في أروقة جامعاتنا وكلياتها وأقسامها، يُعاد المشهد في هيئةٍ جديدة؛ فقد حل محل الكهف نفقٌ طويلٌ بارد، جدرانه مكسوة بالشعارات، وأضواؤه من نسغ البيروقراطية لا من وهج الإبداع. يظن الداخل إليه أنه يسير في طريق المعرفة، فإذا به يدور في فلكٍ من المراسلات والتقارير والمظاهر الأكاديمية، يرى الملفات تتحرك على الجدران الرقمية كما تتحرك الظلال على جدار الكهف، فيحسبها إنجازًا! في هذا النفق الحديث، تُدار الصورة كما كانت تُدار النار القديمة: تُلقي من الضوء ما يكفي للانبهار لا للإبصار، وتُقيم من البهرج ستارًا يحجب جوهر الحقيقة. هناك يُلقَّن الطالب والباحث درس المظهرية الكاذبة، ويُوزن نجاحه بمقدار التماثل مع النموذج المرسوم، لا بجرأة الانفلات من جداره.

النفق الأكاديمي الحديث: استبدال ظلال البيروقراطية بجوهر المعرفة

    سنواتٍ متتابعةً قضيتها في ذلك النفق الأكاديمي المسمى إدارةً، أُرمم ما تبقى من حطامِ معنى تركه أساتذةٌ آمنوا أن الفلسفة حريةٌ في جوهرها، لا وظيفةٌ تُحاصرها المصالح والصراعات. غير أنني، شيئًا فشيئًا، أدركت أن للنفق طبائع خفية ككل بيتٍ عتيقٍ يئن لسببٍ لا يُرى، وأن له أهواءً تتخفى وراء مشاهد الحضور واللقاءات الرسمية، كأن الجدران ذاتها تشارك في اللعبة بصمتٍ ماكر. رأيتُ قاعات الدرس تتحول من فضاءٍ للتفكير إلى ميدانٍ للمنافسة، يتبارى فيها بعض الزملاء لا لبناء العقول، بل للفوز بالمقررات ذات العائد المضمون، كأن المعرفة صارت بضاعةً تُجزأ ويُسعَّر غلافها. وشهدتُ كيف أن الإشراف على الطلاب لم يعد رغبة في مرافقة عقل يتشكَّل، بل رقمًا يُضاف في السيرة الذاتية، أو وسامًا يُعلَّق في صالة التفاخر. كنت أكتب تقاريري السنويّة، متشبّثًا بنية الإفصاح، ظانًّا أن قول الحقيقة فضيلةٌ باقية، غير أن ما كان يُطلب مني دائمًا هو «إدارة الصورة»؛ أن أجعل الظلال لامعة، وأن أُلبس الرطوبةَ طلاءً من إنجازٍ تافهٍ مصطنع: هذا ناقش رسالة، وذاك حضر مؤتمرًا؛ هذا أصبح عضوًا في لجنة، وذاك نشر مقالاً؛ هذا تمت ترقيته، وذاك شارك في ندوة، ... إلخ. أما ما سوى ذلك من مشكلات وصراعات وتجاوزات فلا حاجة لنا به؛ كأن الصدق عيبٌ يُراد ستره. كنت أتنقل بين الرغبة في الصدق، والخوف من أن يُفهم الصدق تمردًا. وحين يكون الصدق تهمة، لا يبقى إلا أن تهمس بالحقيقة همسًا، أو تكتبها على الهامش. وحين خرجتُ من النفق، لم أخرج غاضبًا ولا نادمًا، بل خرجت كما يخرج السابح من عُمقٍ بعيدٍ إلى أول نسمة ضوء، لا يتنفس الهواء فحسب، بل ذاته التي كانت تغرق ببطء. عندها أدركت أن الحرية ليست منصبًا إداريًّا ولا لقبًا أكاديميًا، بل يقظةُ وعيٍ يرفض أن يُقيم في كهفٍ تُضاء جدرانه بنارٍ لا تُدفئ!

إدارة الصورة كمتطلب إداري: المظهرية الكاذبة في تقارير الإنجاز

    في قاعات المجالس العلمية، كنا نلتف جلوسًا حول طاولةٍ تلمع ببرودة المعدن، تتناثر فوقها أوراقٌ وعناوين كأنها تمائم ضد الفراغ: البحث، الجودة، الاعتماد، التطوير، الامتحانات، الإحاطات ... إلخ. غير أن الهواء المشحون كان يبوح بما لا تجرؤ البنود والعناوين على قوله؛ ثمة نارٌ هادئة تحت الكلمات، وشررٌ يتطاير من نظراتٍ تُخفي أكثر مما تُفصح. كان الحوار يلمع بصفاءٍ مصطنع، لكن الصوت الذي في العمق لم يكن صوت الفكر، بل خفق الأنا وهي تفتش عن مرآتها الأقرب إلى الضوء؛ تبحث عن مقعدٍ في مكتبٍ أنيق، أو لحظةِ مجدٍ تُلتقط فيها صورة عابرة، أو إشرافٍ يضيف لقبًا، أو مقررٍ يُضاعف الحضور لا المعنى. كان الهواء مثقلاً باحتقانٍ لا يُرى، يملأ الغرفة كضوءٍ خانقٍ بلا لون، وتتحول الكلمات إلى شفراتٍ تتناحر في الفراغ، تُبدل الحوار لعبثٍ، والنقاش لوشايةٍ، والتفكير لتبارٍ في الادعاء.

مسرح الاستعراض الأكاديمي: تشريح لغة المجالس ونفاق الحضور

    هناك، في قلب القاعة، يُعاد تمثيل الفضيلة في غيابها، وتُؤدى أدوارها على خشبةٍ ضيقةٍ من التصنع، كأننا أمام مسرحٍ ميتٍ لا يعي أن الستار قد سقط منذ زمن. يُغتال العقل هناك على مهل، بسكينٍ مغطاةٍ بالأناقة الأكاديمية. ثم يخرج الجميع بوجوهٍ مطمئنةٍ كأنهم فرغوا من طقسٍ مقدس، وكأن الملائكة قد باركت لقاءهم؛ يمضون نحو مكاتبهم أو قاعات محاضراتهم، يوزعون الابتسامات كمن يُعلن انتصار الفضيلة، ويُلوحون لبعضهم بعضًا بأيديهم كعلامةِ خلاصٍ جماعي. ومنهم من يُمسك بهاتفه، فينشر صورةً متقنة الإضاءة يكتب تحتها: «لقاءٌ مثمر مع الزملاء الأعزاء ...»، بينما الحقيقة، كما أعرفها، أن اللقاء لم يكن مثمرًا ولا كان مع زملاءٍ أعزاء؛ كان لقاءً آخر؛ لقاء أقنعةٍ تتصادم في الظل، لا لتُنتج معرفة، بل لتبتلع من النور ما يكفي لتصنع وهجًا زائفًا، يُخدع به الناظر ويُغذى به الغرور، فلا فكرة تولد هناك، بل أطيافٌ تتغذى على الضوء دون أن تراه؛ ولا حوار يجري، بل صدى أصواتٍ تتنازع الفراغ لتثبت أنها موجودة. إنه لقاء الأقنعة، حيث يتكلم الصمت في أعماق العقول الخاوية، وحيث تتحول المعرفة من سؤالٍ حي إلى ديكورٍ من المصطلحات تُزين الفراغ! هكذا تتحول القاعة من مهدٍ للفكر إلى محرابٍ للتمثيل، ومن منبرٍ للعلم إلى مهرجانٍ للزهو الهادئ. هناك يُدار المشهد فقط، وتُوزن القيمة بمدى بريقها لا بعمقها. وفي زمنٍ كهذا، يغدو الصمت أصدق أشكال الكلام، والعزوف عن المسرح أول دروسِ الفلسفة!

مأساة الانفصام: الحوار كجثة بلا روح في الفضاء الأكاديمي

    كان أكثر ما يعتصرني ألمًا أن الحوار الذي نُلقّنه لطلابنا، بوصفه ذروة الوعي الإنساني ومجلى العقل الحر، لم يكن يجد لنفسه موطئ قدم في واقعنا؛ نُحدثهم عن «سقراط» وهو يسير إلى موته محاورًا، وعن «أفلاطون» وهو يبني مدينته بالكلمات، وعن «ديكارت» وهو يفتش في ذاته عن يقين، وعن «كانط» وهو يضع للعقل حدوده الأخلاقية، ثم نعود نحن إلى مكاتبنا لنتراشق صمتًا حادًا أو كلماتٍ باردة تقطر نفاقًا. كان الحوار في كتبنا طقسًا مقدسًا، لكنه في حياتنا اليومية جثة بلا روح؛ لا نُصغي، ولا نرغب في الإصغاء، ولا يتسع وقتنا لفكرة. كل اجتماع إما شكلي يُدار على عجل بأقل ما يمكن من الكلام، أو صدامي يُدار بأقصى ما يمكن من الضجيج؛ أصوات تتعالى، وكرامة تتناقص، وكأننا نكتب فصلاً جديدًا في مأساة الفصام بين الفكر والممارسة!

مجتمع الاستعراض: اغتيال العقل بسكين الأناقة الأكاديمية

    ذلك المشهد في مجلس القسم، أو مجلس الكلية، ليس حدثًا عابرًا، بل تجلٍ مُصغَّر لما سمَّاه «غي ديبور» مجتمع الاستعراض The Society of the Spectacle؛ حيث لا يُقاس الوجود بما هو عليه، بل بما يبدو عليه أمام الآخرين. لقد تسربت آلية العرض من الشوارع والأسواق إلى أروقة الجامعات، فصار الأستاذ لا يحرص على الحقيقة بقدر ما يحرص على صورتها، ولا يُنقح فكرة أو نظرية بقدر ما يُنقح منشورًا تافهًا على تويتر أو فيسبوك. في هذا المناخ، تُصبح الاجتماعات عروضًا مسرحية، والقرارات مشاهد مُعدة سلفًا، والفضائل صورًا مؤطَّرة في منشورات التواصل الاجتماعي. يتحول العلم من سعيٍ إلى الفهم إلى ديكورٍ معرفي يُجمِل السطح ويخفي التصدع في العمق.

    العجيب أن الكل يُصدِّق دوره في المسرحية، حتى يُخيل إليك أن الوهم قد صار حقيقة تُمارس بثقة العارف؛ كلٌّ يرى نفسه أكاديميًّا مُفكرًا، حارسًا للمعنى، وناطقًا باسم العقل، بينما لا يسمع أحدٌ ضجيج الفراغ الذي يملأ المكان. والأدهى أن المجتمع، الذي ضجر من الصمت، يُصدق هو الآخر، ويُصفق بحماسةٍ للممثلين لا للفكر، كأنه يشاركهم الطقس ذاته: عبادة الشكل، وتقديس الواجهة، وترك المضمون يتآكل في الظل؛ وتكتمل الدائرة: زيفٌ يُنتج تصفيقًا، وتصفيقٌ يمنح الزيف شرعيته، حتى يغدو الصدق فعلاً شاذًا، والحقيقةُ نشازًا في جوقة النفاق الأكاديمي المُنظم.

    هكذا يتحول الاستعراض إلى لغة رسمية، لغةٍ لا تُنطق بالعقل بل تُؤدى أمام المرايا. كل شيء يُدار لا ليتم التفكير فيه، بل لمشاهدته، لا ليُسائل المعنى، بل ليُضيف إلى الرصيد مشهدًا جديدًا من الزيف الممشوق. عندها تفقد الجامعة روحها الفلسفية، أو لعلها تُجبر على معاداة الفلسفة ذاتها؛ لا لأن الناس جهلوا الحقيقة، بل لأنهم لم يعودوا يؤمنون بأن للحقيقة قيمة ما لم يتم تجميلها لإخفاء العجز والفشل، وما لم تُصبغ بالألوان التي تُرضي جمهورًا بلا وجه. في تلك اللحظة المأساوية، تنقلب الموازين: تصبح الصورة أستاذًا يُملي، والجوهر تلميذًا خجولاً في آخر الصف؛ تائه النظرات، يرفع يده ليسأل، فلا يسمعه أحد، لأن الضوء كله مسلَّط على المسرح، لا على الفكرة!