-->

الأحد، 31 مايو 2026

خالد فهمي ... الإنسان!

 

خالد فهمي

   ما إن يشرع المرء في تصنيف غيره من البشر، حتى تتراجع الإنسانية خطوة إلى الخلف؛ فالتصنيفات، خصوصًا الأيديولوجية، مهما ادعت أنها أدوات للفهم، كثيرًا ما تتحول إلى جدرانٍ تفصل بين الأرواح، لا إلى جسورٍ تصل بينها. وحين يُختزل الفرد إلى هويةٍ واحدة، أو فكرةٍ واحدة، أو انتماءٍ واحد، يضيع ذلك الفيض الغامض الذي يجعله إنسانًا لا يمكن الإحاطة به أو اختزاله. التصنيف لا يرى الإنسان في امتلائه، بل في جزءٍ منه، قد يكون مرغوبًا وقد يكون مكروهًا؛ ولذلك فهو لا ينتج معرفةً بقدر ما ينتج مسافات، وتحالفات، وأحقاد، ومكائد. فبدل أن يلتقي الناس في هشاشتهم المشتركة وأحلامهم وآلامهم المتشابهة، يتقابلون بوصفهم فئاتٍ متقابلة، وأسماءً متنازعة، وعناوين متصارعة. وهكذا تتوارى العلاقة الحية بين البشر لتحل محلها علاقة بين قوالب جامدة، ويغدو الاختلاف سببًا للخصومة بعد أن كان مصدرًا للثراء!

    أحببتُ خالد فهمي، لا لأنه مفكرٌ أو لغوي أو زميل عمل في جامعة المنوفية، أو حاملٌ لصفة وظيفية يمكن أن تستقر في صفحة تعريف أو بطاقة هوية، ولا لأنه يندرج في خانةٍ جاهزة تُريح اللغة وتُطمئن هواة التصنيف. تلك الأوصاف، على ضرورتها أحيانًا، لا تفعل أكثر من أنها تُقنن الحضور الإنساني وتختزله في مقولة نوعية، بينما بعض البشر يفيضون دائمًا عما يوصفون به، كأن حقيقتهم تقيم خارج العبارة وليس داخلها! إنما أحببته لأنه كان – على نحوٍ مُربك – إنسانًا. وما أعظم هذه الكلمة حين تُقال بغير ابتذال، وما أشد التباسها حين تُؤخذ على محملها الحقيقي؛ فالإنسان ليس رتبةً يتم نيلها، ولا فضيلةً جاهزة، ولا هويةً مستقرة يمكن الإشارة إليها بثقةٍ باردة؛ إنه قلقٌ يتجدد، ومسافةٌ لا تنتهي بين ما يكونه المرء وما يطمح أن يكونه، وهو ذلك الكائن الذي يحمل هشاشته كجزءٍ من قوته، ويتقدم في العالم مثقلاً بنقصه، لكنه لا يكف عن محاولة تجاوزه بالحب والمعرفة والتجربة!

    أحببته لأنه لم يكن مجرد فكرة تمشي على قدمين، ولا انعكاسًا لمذهبٍ بعينه، بل كان تجربةً إنسانيةً حية، تنبض بالارتباك النبيل والفعل الخلّاق. كان من أولئك الذين لا يتوقفون عن التشكل؛ كل يومٍ يضيف إلى روحه معنى جديدًا، ويعيد رسم شيءٍ من ملامحه الداخلية، وكان حضوره أشبه بسؤالٍ مفتوحٍ منه إلى جوابٍ نهائي؛ فكلما ظننت أنني أدركت صورته، أفلت مني إلى أفقٍ آخر، رحبٍ وممتد، مُفعم باحتمالات ولا تنتهي.

    لذلك لم تكن محبتي له نوعًا من الاتفاق الفكري المستتر، ولا تحالفًا خفيًا بين عقلين متشابهين، ولم يكن ولاءً لجماعةٍ أو إعجابًا بمكانةٍ أو افتتانًا بصورةٍ اجتماعية قابلة للتداول. فكم من علاقاتٍ يُطلق عليها اسم «الحب»، بينما هي في حقيقتها تبادلُ منافع مؤجل، أو خوفٌ متبادل من الوحدة، أو رغبةٌ في الاحتماء بالآخر من هشاشة الذات. أما الحب في جوهره الأصفى فشيءٌ آخر؛ شيءٌ يحدث كما يحدث البرق فجاة، بلا مقدماتٍ كافية، وبلا منطقٍ قادرٍ على تبرير اكتماله. الحب ليس قرارًا يتخذه العقل بعد مداولاتٍ داخلية، ولا عقدًا سريًا مع المستقبل، ولا مشروعًا ينتظر ضمانات النجاح والبقاء؛ الحب، في لحظاته النادرة الصادقة، يشبه انكشافًا داخليًا مباغتًا، كأن الإنسان يعثر – عبر الآخر – على جزءٍ كان غائبًا من حقيقته الخاصة. ولهذا يبدو الحب أحيانًا أقرب إلى المعرفة منه إلى العاطفة؛ معرفةٍ لا يمكن التعبير عنها بالحجج، لكنها تُعاش كرجفةٍ خفية في أعماق المرء، حين تشعر الروح أنها رأت نفسها فجأةً في مرآةٍ لم تكن تعلم بوجودها.

    أحببت خالد فهمي لأن حضوره كان يذكرني بأن الإنسان، قبل أن يكون موقفًا أو نظرية، هو هذا الكائن المعلق بين التراب والمعنى، بين الفناء والرغبة العميقة في أن يترك في قلب العالم أثرًا من مودته، ومن دفئه العابر. أحببته، وازداد في داخلي نفورٌ هادئ من كل تصنيفٍ نهائي يمارسه بعضهم؛ كأن التصنيفات، مهما بدت لهم ضرورية، ليست سوى محاولاتٍ لغوية لتقليص اتساع الإنسان إلى صيغةٍ قابلة للطمأنينة، او للمحاكمة! إنها لا تشرح الكائن بقدر ما تُسكت قلقه؛ تضعه داخل اسمٍ ثم تتعامل مع الاسم كما لو أنه الحقيقة كلها، بينما الإنسان في جوهره  فائضٌ دائم على كل تعريف. ولهذا بدا لي أن الأدلجة ليست خطرًا لأنها تُروج لفكرة، بل لأنها تُحول الفكرة إلى يقينٍ مكتفٍ بذاته، يفقد مع الوقت قدرته على الإصغاء. الفكرة حين تتصلب لا تعود نافذةً نطل منها على العالم، بل مرآةً لا يرى المرء فيها إلا صدى ذاته. ومن هنا تبدأ المأساة الخفية: حين تتحول الرغبة في فهم الوجود إلى رغبةٍ في إخضاعه لصورةٍ واحدة، وحين يُختزل البشر إلى أمثلةٍ تؤكد النظرية بدل أن تُعمقها!


    أحببت خالد فهمي، وكرهتُ تلك البراعة الباردة التي يُتقنها العابرون بين الولاءات؛ أولئك الذين لا يعيشون المعنى بقدر ما يُفاوضون عليه، فيأخذون منه دائمًا أكثر أجزائه قابليةً للربح والإثارة. لهذا ظل خالد فهمي – وسيظل –  حاضرًا في ذاكرتي، ليس بوصفه رمزًا مكتملاً، بل بوصفه احتمالاً لإنسانٍ لم تبتلعه التصنيفات، ولم تُغلقه الأدلجة، ولم تجعل منه المصالح نسخةً مكررة قابلةً للاستبدال.

    كان حضوره يؤكد دومًا أن الإنسانية ليست حالةً مستقرةً تُحسب على الإنسان لمجرد انتمائه إلى بشرٍ يمشون على الأرض، بل هي مجاهدةٌ يومية ضد قسوةٍ كامنة، وضد الاختزال الذي يسعى إلى تحويل الإنسان إلى وظيفةٍ أو موقف. وأن الابتسامة ليست دائمًا علامة رضا، بل قد تكون أحيانًا طريقةً مهذبةً لستر تعبٍ لا يجد لغةً أخرى ليعبر بها عن نفسه، أو جسرًا هشًّا بين داخلٍ مزدحم وخارجٍ لا يلتفت كثيرًا؛ وأن النقاء ليس براءةً ساذجةً من التناقض، بل وعيٌ عميقٌ به، وقدرةٌ على حمله دون أن يتحول إلى كذبٍ على الذات، أو تبريرٍ مريحٍ لانكساراتٍ لم تُفهم بعد!

    رحم الله خالد فهمي، فقد كان أشبه بأفقٍ بعيد؛ كلما اقتربت منه اتسعت أمامك مساحة التساؤل، حتى غدا أثره في الوعي أثر بحثٍ دائم، لا أثر يقينٍ مكتمل!

(الصور من ندوة نظمها قسم الفلسفة سنة 2017 لوفدٍ من جامعة دوشيشا اليابانية، تحت عنوان «ثقافة الاعتقاد لدى الشعب الياباني في عالم متغير». وكان رحمه الله حريصًا على أن يكون حاضرًا في كل حوارٍ جاد يفتح أفقًا جديدًا للفهم، إذ كان يرى في اللقاء مع الثقافات الأخرى فرصةً لاكتشاف الإنسان في تنوع تجاربه، وليس مجرد مناسبة لتبادل الآراء).