لم يكن أمامي إلا أن أستسلم لحكم اللحظة؛ فراشٌ يُقيد الحركة، ودواءٌ أتناوله على أمل أن يعيد إلى البدن شيئًا من توازنه، ونومٌ متقطع ألوذ به كلما أثقلتني الحمى. غير أن الساعات كانت طويلة، والمرض لا يرهق الجسد وحده، بل يضع الروح أيضًا في مواجهة فراغها. وما إن أفيق حتى يضيق صدري بذلك السكون المفروض عليَّ، فأمد يدي إلى الحاسوب كأنني أتشبث بنافذة مفتوحة على العالم! أقرأ قليلاً، وأكتب قليلاً، ثم أعود إلى القراءة؛ أتجول بين منصات التواصل الاجتماعي بحثًا عن شيء يُبدد الملل، فلا أجد إلا ضجيجًا يوقظ في النفس ضيقًا مضاعفًا؛ فأغلقها وقد ازداد الدم احتراقًا. عندئذٍ أفتش في دفاتري الإلكترونية القديمة، في تلك الملاحظات والشذرات الفلسفية التي كنت قد تركتها على هامش الأيام، فأستخرجها من رقادها الطويل، وأعيد نسجها من جديد.
لعل المرض، على قسوته، كان يهبني في تلك اللحظات هديةً خفية؛ إذ يجبر الإنسان على التوقف، وعلى الإصغاء إلى صوته الداخلي بعد أن يهدأ صخب العالم من حوله. فتصير الكتابة أقل محاولةً لتمضية الوقت، وأكثرَ سعيًا إلى فهمه؛ وتغدو إعادة قراءة وصياغة تلك الشذرات ضربًا من إعادة صياغة الذات نفسها، وكأن الكلمات، وهي تتشكل من جديد، كانت تعيد ترتيب شيءٍ ما في أعماقي أيضًا، وتسترجع مواقف كانت دلالاتها قد تجمدت تحت وطأة العمل الإداري! جلستُ أمام شاشة الحاسوب كما يجلس المرء أمام مرآةٍ قديمةٍ عثر عليها في علية الزمن. لم أكن أبحث عن شيءٍ بعينه، بل كنت أفتش في طبقاتٍ من ذاتي تراكمت على امتداد سنواتٍ طويلة، بين ومضات الفكر، وعواصف الأسئلة، وأطياف الأحلام التي لم تجد طريقها إلى الاكتمال.
بدأتُ أتصفح ما كتبت. ملفٌّ يفضي إلى ملف، ومجلّدٌ يفتح على آخر، وكأنني أعبر ممرات مدينةٍ مهجورة شيدتها أفكاري ثم غادرتها على عجل. كانت هناك شذرات فلسفية توقفت عند حافة السؤال الأخير، وتأملات منطقية انقطعت قبل أن تبلغ يقينها المؤقت، وملاحظات سياسية ومجتمعية كُتبت في لحظات احتدامٍ وتحولات، وتأملات حياتية صغيرة وُلدت من تفاصيل عابرة ظننتُ يومًا أنها تستحق التدوين. أدهشني أن أغلب هذه النصوص لم تكن مكتملة. كانت أشبه بأعمدة معابد قديمة بقيت قائمة بعد أن تهاوت الأسقف والجدران. أفكارٌ بدأت بقوة ثم تركتها الحياة في منتصف الطريق؛ مشاريع كتب لم تُكتب، ومقالات وبحوث لم تر النور، وتساؤلات بقيت معلقة بين الشك والمعرفة، وانطباعاتٌ عن هذا أو ذلك ممن عملت معهم أو التقيتهم. ومع ذلك، لم أشعر أنها نصوص فاشلة أو مهجورة؛ بل بدت لي ككائنات حية أوقفها الزمن عند لحظةٍ معينة، محتفظة بحرارة ميلادها الأول.
كل شذرة كانت تحمل أثر النسخة التي كنتها حين كتبتها؛ هنا شابٌّ يطارد الحقيقة بشغفٍ لا يعرف التعب، وهناك رجلٌ يراجع يقينياته القديمة بحذر الحكمة المتأخرة. وبينهما تتناثر وجوه كثيرة لشخصٍ واحد، عبر الأزمنة المختلفة، تحاور العالم وتحاور نفسها في آنٍ معًا. أمضيت ساعاتٍ أعيد تصنيف تلك الأوراق الرقمية المتناثرة. جمعت المتجاور منها، وفرَّقت المتنافر، ورتبتها لا بحسب موضوعاتها فقط، بل بحسب ما كانت تمثله من حالاتٍ وجودية ومقاماتٍ فكرية. كنت أشعر أنني لا أرتب ملفات على جهاز، بل أعيد بناء خريطة داخلية لذاكرتي الفكرية والوجدانية. وحين انتهيت، أدركت أن هذه النصوص، على اختلاف موضوعاتها ومساراتها، يجمعها خيطٌ خفيٌّ واحد: أنها جميعًا آثار لحظات توقفت قبل اكتمالها، وأحلامٍ لم تبلغ مرافئها الأخيرة، وتساؤلات بقيت مفتوحة على المجهول. لم تكن سجلاً للنجاحات الفكرية بقدر ما كانت وثيقةً للانقطاعات الصامتة التي تصنع الإنسان أكثر مما تصنعه انتصاراته المعلنة.
عندها وجدت العنوان الذي كنت أبحث عنه لهذا الملف دون أن أدري: «أرشيف الانكسار الهادئ»؛ فهذا الأرشيف ليس مجموعة نصوصٍ لم تبلغ منتهاها فحسب، بل هو مستودع للأفكار التي تعثرت دون أن تموت؛ وللمواقف التي كشفت وجوهًا لم أكن أراها في زملاء عملٍ منحتهم الثقة فخذلوني، فتعلمت متأخرًا أن أصعب الخيبات لا تأتي من الغرباء، بل من أولئك الذين حسبتهم جزءًا من الطريق! إنه سجلٌّ للانكسارات الصغيرة التي لا يسمع أحدٌ صوتها؛ تلك التي لا تحدث في لحظة سقوطٍ مدوية، بل في بطء الأيام، وفي تآكل اليقين، وفي المسافة الخفية بين ما أردته للحياة وما منحته لي بالفعل. هناك، في تلك المسافة الصامتة، تتراكم الخسارات الدقيقة التي لا يراها أحد، وتُطوى صفحات من الثقة، وتُدفن أحلام صغيرة دون مراسم وداع، فيما يواصل الإنسان سيره كأن شيئًا لم يحدث، بينما تتغير داخله أشياء كثيرة لا تعود أبدًا إلى ما كانت عليه.
«أرشيف الانكسار الهادئ» هو ذاكرة المشاريع المؤجلة، وتأريخٌ للحوارات غير المكتملة بين العقل والعالم. إنه شهادةٌ على أن الإنسان لا يُبنى فقط بما أنجز، بل أيضًا بما تعثر فيه، وما تركه خلفه، وما عجز عن قوله كاملاً؛ ففي تلك الشذرات المبتورة، وتلك المسودات المنسية، وتلك الأفكار التي توقفت في منتصف الطريق، يقيم جزءٌ أصيل من حقيقتنا؛ الجزء الذي لا يراه الآخرون، لكنه يظل يرافقنا بصمت، مثل ظلٍ طويلٍ يمتد خلف العمر كله!
كل شذرةٍ في هذا الأرشيف ليست حدثًا بقدر ما هي أثرٌ لاهتزازٍ داخلي؛ أثرُ لحظةٍ انزاح فيها شيءٌ من مكانه داخل النفس، فتغيرت زاوية الرؤية إلى الأبد. إنها العلامات الدقيقة التي يتركها الزمن على خرائط الوعي، حين يكتشف المرء أن كثيرًا مما بدا ثابتًا لم يكن سوى صورة مؤقتة للثبات، وأن كثيرًا مما ظنه نهائيًا كان يحمل في داخله بذور تحوله منذ البداية. لهذا فهو لا يحكي قصة الانكسار بوصفه هزيمة، بل بوصفه شكلاً أعمق من أشكال المعرفة؛ معرفةٍ تولد عندما تتوقف الأشياء عن الادعاء بأنها واضحة، وعندما يدرك الإنسان أن الحقيقة ليست ما كان يراه في البداية، بل ما بقي قادرًا على رؤيته بعد أن انقشعت الصور الأولى كلها!
.webp)