-->

السبت، 6 يونيو 2026

من أنا؟ ومن أنت؟ الذات بوصفها سردية: هل نحن كيان ثابت أم قصة لا تنتهي؟

من أنا؟ ومن أنت؟  الذات بوصفها سردية: هل نحن كيان ثابت أم قصة لا تنتهي؟
 

(الهوية ليست شيئًا نكتشفه، بل شيئًا نؤلفه باستمرار. نحن لا نعثر على ذواتنا كما نعثر على الأشياء المفقودة، بل نعيد تشكيلها مع كل تجربةٍ جديدة. الإنسان مشروعٌ أكثر من كونه منتجًا مكتملاً).

    منذ اللحظة التي التفت الوعي الإنساني إلى ذاته، لم يكف عن ملاحقة سؤال يبدو قديمًا قدم الوعي ذاته: من أكون؟ وهو سؤال يكتسب فرادته من مفارقة غريبة؛ إذ يبدو للوهلة الأولى من أبسط الأسئلة وأقربها إلى البداهة، حتى ليخال المرء أن جوابه حاضر في متناول يده، بينما ينكشف عند التأمل بوصفه أحد أكثر الألغاز استعصاءً على القبض والفهم. فما من شيء يبدو أقرب إلينا من ذواتنا، ومع ذلك ليس ثمة ما هو أشد مراوغة منها. إننا نحيا داخل هذا الكيان الذي نسميه «أنا»، وننطق به في كل يوم مرات لا تُحصى، لكننا ما إن نحاول تحديد معناه حتى يتبدد يقيننا، ويغدو المألوف غامضًا على نحو يثير الدهشة!

    لقرون طويلة، افترض الخيال الإنساني أن في أعماق كل فرد جوهرًا ثابتًا، نواةً خفية ت
ظل على حالها رغم ما يعتري الحياة من تحولات، وكأن الهوية صخرة راسخة تقف في وجه الزمن ولا تنال منها العواصف. غير أن الإنصات المتأني إلى التجربة البشرية يوقظ شكوكًا عميقة حيال هذا التصور؛ فأين يكمن ذلك الثبات المزعوم؟ إننا نتبدل على نحو لا يكاد ينقطع: تتغير أفكارنا، وتتبدل أذواقنا، وتتحول قناعاتنا، وتتسع أو تضيق دوائر انتمائنا، بل إننا نعيد تأويل ماضينا ذاته كلما تقدمنا في العمر، وما كان يبدو لنا حقيقة نهائية بالأمس قد يغدو اليوم مجرد مرحلة عابرة في مسار أطول.

    مع ذلك كله، يظل الإنسان متمسكًا بإحساسٍ راسخ بالاستمرار؛ فهو ينظر إلى صورته القديمة، أو يسترجع ذكرى بعيدة تعود إلى عشرين عامًا أو أكثر، ثم يقول دون تردد: «ذلك كنتُ أنا». وهنا تنبثق المفارقة الفلسفية في أوضح صورها: كيف يمكن لكائن يتغير على الدوام أن يبقى هو نفسه؟ وكيف تستمر الهوية إذا كان كل ما تتألف منه حياتنا عرضةً للتحول والتبدل؟ إن السؤال عن الذات ليس بحثًا عن شيء ثابت نعثر عليه في أعماقنا، بقدر ما هو محاولة لفهم ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين وجوهنا المتعاقبة عبر الزمن، ويمنحها، رغم اختلافها، شعورًا غامضًا بالوحدة والاستمرار.

    هنا يلوح احتمالٌ مدهش، يكاد يقلب البداهة رأسًا على عقب: لعل الذات ليست كيانًا صلبًا نقيم فيه، بل حكايةً تتشكل في فعل السرد ذاته، ونواصل روايتها لأنفسنا دون انقطاع. فالذاكرة، في جوهرها، لا تستعيد الماضي كما كان في لحظة حدوثه، بل تعيد تركيبه وصياغته كلما تم استدعاؤه من جديد، وكأننا لا نستدعي الزمن، بل نُعيد تأليفه. والأحداث التي نظنها حقائق مستقرة لا تلبث أن تنزلق تحت يد التأويل، فتتبدل دلالاتها كلما تبدلنا نحن في الداخل. إننا لا نتذكر حياتنا بقدر ما نعيد كتابتها، ولا نستحضرها ببرود الأرشيف، بل بحرارة الإنشاء المستمر؛ ومن ثم تغدو صورة الذات أشبه بروايةٍ مفتوحة، لا تعرف نهايةً ثابتة، وتتغير فصولها كلما تقدم فعل الحكي.

حين نتأمل مسار حياتنا، ندرك أننا ننسج من لحظات متفرقة، متباعدة في الزمان والمكان، خيطًا واحدًا نطلق عليه اسم «أنا». غير أن هذا الخيط، عند التدقيق، قد لا يكون جوهرًا مستقلاً بقدر ما هو فعلٌ ذهني يسعى إلى منح التشتت معنى، وإلى فرض قدر من الاتساق على ما هو في أصله مُفكك ومبعثر. فالفوضى الخام للتجربة لا تُحتمل كما هي؛ ولذلك يتدخل الوعي ليعيد ترتيبها داخل بنية سردية، لها بدايات ومسارات واتجاهات، حتى تبدو الحياة كقصة قابلة للفهم. وهكذا، فإننا لا نعيش وجودنا فحسب، بل نقوم أيضًا بتمثيله وسرده، في حركة دائمة بين المعاش والمحكي.

لعل هذا ما يفسر تلك الحاجة العميقة لدى الإنسان إلى المعنى، التي تفوق في أحيان كثيرة حاجته إلى الحقيقة المجردة؛ فهو لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يطمح إلى أن يكون مفهومًا داخل حكاية، أن يرى نفسه كذاتٍ تتقدم نحو غاية، أو كبطلٍ يتشكل عبر تجربة، أو ككائن تتصل لحظاته المتفرقة بخيط دلالي خفي. وما نطلق عليه اسم «الهوية» قد لا يكون في نهاية المطاف سوى هذا النسيج السردي الذي يمنح شتات التجربة وحدةً متخيلة، ويحول التعدد إلى شكلٍ من أشكال الاتساق الممكن.

    غير أن في هذا التصور مفارقة مؤرقة أيضًا؛ فإذا كانت الذات مجرد قصة، فمن الذي يرويها؟ ومن الذي يصغي إليها؟

    يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا، لكنه يؤدي إلى هاوية فلسفية عميقة؛ فكلما حاولنا الإمساك بالراوي وجدناه هو نفسه جزءًا من الحكاية. كأن الذات تطارد نفسها داخل مرآتين متقابلتين إلى ما لا نهاية. نحن المؤلف والشخصية في آن واحد، الراوي والمروي عنه، الكاتب والنص الذي يكتبه.

     ربما كان أكثر ما يبعث على الدهشة أن هذا الغموض ليس عيبًا في التجربة الإنسانية، بل أحد أسرار ثرائها؛ فلو كانت الذات جوهرًا مغلقًا ومكتملاً، لتحولت الحياة إلى مجرد كشفٍ تدريجي عن شيء موجود سلفًا. أما إذا كانت الذات سرديةً مفتوحة، فإن الوجود يغدو فعل خلقٍ دائم. لا نكتشف أنفسنا فحسب، بل نشارك في تأليفها لحظةً بعد أخرى.

    من هنا يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه مشروعًا مستمرًا، وليس بوصفه حقيقةً منجزة؛ أعني ليس بوصفه كيانًا اكتمل ثم دخل العالم، وإنما قصة تُكتب أثناء سيرها. وكل تجربة جديدة تضيف سطرًا، وكل خسارة تحذف فصلاً، وكل حب يعيد ترتيب المعنى، وكل فكرة تغير الحبكة بأكملها.

    أخيرًا، لعل السؤال: «من أنا؟» أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقًا: «أي قصة أكتب الآن؟»؛ ففي النهاية، قد لا تكون الذات حجرًا ثابتًا في مجرى الزمن، بل النهر نفسه؛ ذلك السرد المتدفق الذي لا يتوقف عن إعادة تشكيل مجراه، بينما يظل يهمس لنا، وسط كل هذا التغير، بوهم جميل اسمه: «أنا»!