-->

الأحد، 7 يونيو 2026

الكيتش والحمقري ... في دفء الأكذوبة!

 

الكيتش والحمقري ... في دفء الأكذوبة!

   كثيرٌ من الناس يعيشون دفء الأكذوبة؛ تلك الأكذوبة التي نسجتها أيديهم أو حيكت لهم في أروقة المجتمع، ثم توارثوها حتى غدت جزءًا من هويتهم ومصدرًا لوجاهة موهومة، أو ثروة عابرة، أو سلطة لا تستند إلى استحقاق. ومع مرور الزمن، لا يعود الكذب مجرد وسيلة، بل يتحول إلى مأوى نفسي يلوذون به من قسوة الواقع، حتى يصدقوا ما اختلقوه، ويذودوا عنه كما يذود المرء عن بيته الأخير. عندئذ يصبح كل من يقترب من ستر الوهم عدوًا ينبغي إسكاته، لأن الحقيقة لا تهدد الفكرة وحدها، بل تهدد الامتيازات التي نمت في ظلها.

    ولدفء الأكذوبة قدرة عجيبة على التسلل إلى كل مجال من مجالات الوجود الإنساني؛ فهي لا تستثني السياسة ولا الدين ولا التاريخ، بل تمتد حتى إلى ميادين العلم التي يفترض أنها أكثر الحقول انحيازًا للعقل. وهناك، يكون ثمن الحقيقة أفدح؛ فالحقيقة لا تواجه الجهل وحده، بل تواجه المصالح التي استثمرت في الجهل طويلاً؛ فمنذ أن تجرأ «هيباسوس» Hippasus على زعزعة اليقين الفيثاغوري وكشف هشاشة الأساس الذي استقرت عليه رؤيتهم للعالم، كان الغرق جزاء من حمل إليهم صقيع الحقيقة. وبعد قرون، وقف «جوردانو برونو» Giordano Bruno في مواجهة كونٍ ضاق برجال الكنيسة واتسع للعقل، فدفع حياته ثمنًا لإيمانه بأن الحقيقة لا تدور حول الإنسان، كما لا تدور الكواكب حول الأرض، وأحرق حيًا في ميدان الزهور بوسط روما. وما بين الغريق والمحترق يمتد تاريخ طويل من البشر الذين اختاروا برد الصدق على دفء الوهم، فاكتشفوا أن الجماهير كثيرًا ما تخشى الحقيقة لأنها تجردها من أوهامها، وأن أصحاب الامتيازات الزائفة يرون في كل حقيقة مولودة إعلانًا مبكرًا عن نهاية سلطانهم. وهكذا، لا يكون الصراع في جوهره بين صدقٍ وكذب، بل بين من اعتاد دفء الوهم حتى ظنه حياة، ومن قبل أن يرتجف في عراء الحقيقة لأنه أدرك أن البرد العابر أهون من احتراق الروح في موقد الأكاذيب! 

    إذا كان هذا ما آل إليه شأن العلم، وهو المجال الذي يفترض أن تكون الحقيقة فيه القيمة العليا والمرجعية الأخيرة، فما الظن بما دونه من ميادين السياسة والاجتماع والإدارة؟ إن المجتمعات لا تُقاس درجة نضجها بوفرة ما تردده من شعارات، وإنما بقدرتها على احتمال برودة الحقيقة. وكلما ازداد اعتماد أمة على الأكاذيب المريحة، ازداد ابتعادها عن مسار الحضارة، لأن الوهم لا يبني مستقبلاً، بل يؤجل لحظة الانهيار!

    ولعل من أكثر صور هذا المشهد قسوة أن تتعايش المجتمعات مع الأكذوبة حتى تصبح جزءًا من نظامها الأخلاقي (كالمجتمع الأثيني الذي حوكم فيه سقراط)، فتدفأ حكوماتها بأكذوبة الديمقراطية، ويتحصن مسؤولوها بأكذوبة الإنجاز والإصلاح، وتطمئن مؤسساتها إلى أكذوبة التخطيط، بينما يتخرج الطلاب من رحم أكذوبة التعليم، ويغادر المرضى أبواب المستشفيات حاملين أكذوبة الرعاية الصحية، ويقف المتقاضون أمام محاكم تتدثر بأكذوبة العدالة، ويعتصم الأكاديميين بألقاب فقدت معناها حين انفصلت عن المعرفة الحقيقية، في الوقت الذي يواجه فيه المواطن العادي، كل صباح، صقيع الواقع مجردًا من أي ستار.

    إن أخطر ما في الأكاذيب أنها لا تبقى ثابتة؛ فهي تتكاثر كما تتكاثر الظلال عند الغروب، ويزداد دفؤها كلما ازداد الخوف من الحقيقة، حتى تتحول إلى منظومة كاملة تُعيد إنتاج ذاتها وتُعاقب كل من يحاول اختراقها. غير أن هذا الدفء ليس إلا حرارة احتراق بطيء؛ فالأمم التي تستدفئ طويلاً بأوهامها لا تلبث أن تكتشف أنها كانت تجلس فوق رماد حضارتها، وأن النار التي حسبتها مصدرًا للأمان لم تكن سوى الشرارة الأولى لحريق لا يترك خلفه سوى الخراب والخيبات!

ولعل كلمة «كيتش» Kitsch هي من أكثر الكلمات قدرة على التقاط روح هذا العصر وكشف جوهره؛ فهي كلمة ألمانية تعني في أصلها «النفاية» أو الشيء الرديء المصنوع بغرض الإيهام بالجمال، وقد ذاع استخدامها في القرن التاسع عشر لوصف موجة من الأعمال الفنية التي قامت على التقليد السطحي والمبالغة العاطفية، حتى أصبحت مرادفًا للفن الهابط الذي يستبدل الزخرفة بالأصالة، والمظهر بالعمق. غير أن الكلمة تجاوزت حدود النقد الفني إلى فضاءٍ أرحب، خاصة بعد القراءة الفلسفية التي قدمها الأديب الفرنسي – التشيكي «ميلان كونديرا» Milan Kundera (من مواليد سنة 1929) في روايته «كائن لا تُحتمل خفته» The Unbearable Lightness of Being (1984)؛ إذ لم يعد «الكيتش» عنده مجرد إنتاج جمالي رديء، بل تحول إلى موقف وجودي، وإلى طريقة في النظر إلى العالم، تقوم على استبعاد كل ما يزعج الضمير أو يكشف تناقضات الواقع، وإحلال صورة منمقة يسهل تصديقها والتصفيق لها محل الحقيقة. فالكيتش، في جوهره، ليس حب الجمال، بل حب الوهم حين يتدثر بثياب الجمال.

    ومن هذا المنظور، يبدو واقعنا المعاصر غارقًا في تجليات «الكيتش» أكثر من أي وقت مضى؛ فهناك خطاب إعلامي يصنع وعيًا مزيفًا ويقدمه في هيئة حقيقة، ومنتجات تفتقر إلى الجودة لكنها تتخفى خلف بريق الدعاية، وفنون تستثير الغرائز بدل أن ترتقي بالذائقة، وتعليم يمنح الشهادات أكثر مما يمنح المعرفة، وسلوكيات تبتذل القيم ثم يتم فرضها بوصفها معيارًا للنجاح، حتى غدت الرداءة، وربما البلطجة، ، لكثرة تداولها وممارستها، تبدو أمرًا طبيعيًا لا يثير الاستغراب! 

    إن «الكيتش» ليس انحدارًا في الذوق فحسب، بل هو انتصار للمظهر على الجوهر، وللصورة على الحقيقة، وللأكذوبة الدافئة على الصدق البارد. وحين يستحيل «الكيتش» ثقافة عامة، يصبح المجتمع كله معرضًا لفقدان حساسيته تجاه الزيف، فلا يعود يميز بين الأصيل والمقلد، ولا بين القيمة الحقيقية والنجومية المصنوعة، ولا بين الإنجاز الفعلي والاستعراض الإعلامي.

    إننا، في كثير من وجوه حياتنا، لا نعيش مجرد زمن للكيتش، بل نقيم داخل منظومته؛ ننتج الكيتش، ونستهلك الكيتش، ونصفق للكيتش، ثم نتساءل، في دهشة، لماذا يتراجع الذوق، ويضمحل الفكر، وتفقد الحقيقة بريقها أمام الأضواء الكاذبة. ولعل أخطر ما في الكيتش أنه لا يكتفي بتزييف الواقع، بل يجعل الناس يأنسون إلى هذا التزييف، حتى يغدو كشف الحقيقة فعلاً صادمًا، ويصبح الصدق ذاته غريبًا في مجتمع اعتاد أن يستدفئ طويلاً بأكاذيبه.

    من الكلمات المُعبرة والساخرة لوصف هذا الوضع أيضًا، وأكثرها قدرة على التقاط هذه الظاهرة، في سخرية لاذعة وذكاء نافذ، كلمة «الحمقري» التي صاغها الأديب الساخر الراحل «محمود السعدني». وقد روى أصلها بقوله إنه كان، في صباه، يظن نفسه عبقريًا بينما كان مدرس الحساب يراه حمارًا، ثم انتهى به التأمل إلى اكتشاف أن كليهما كان مخطئًا؛ فلا هو عبقري ولا هو حمار خالص، وإنما مزيج من الاثنين: «حمقري». ولئن جاءت الكلمة يومئذٍ سخرية من الذات، فإنها اليوم تبدو وصفًا بالغ الدقة لنمط إنساني أخذ يتكاثر حتى كاد يصبح ظاهرة اجتماعية. فالحمقري المعاصر لم يعد ذلك الشخص الذي يبالغ في تقدير نفسه فحسب، بل هو من فقد القدرة على الشك في يقينه، حتى صار جهله مصدر ثقته، وضحالته سببًا في تعاليه، وعجزه عن التفكير دافعًا إلى احتقار كل تفكير!

    إنه كائن لا يخشى الجهل لأنه لا يراه، ولا يراجع أفكاره لأنه يعدها حقائق نهائية؛ يتحدث بثقة الأنبياء، ويُصدر أحكامه بيقين القضاة، ويوزع الحكمة كما لو كان مالكًا لمفاتيحها، بينما لا يستند إلا إلى تصورات هشة وشعارات مستهلكة وانطباعات عابرة. وكلما ازداد فراغًا، ازداد صخبًا؛ فالصوت العالي كثيرًا ما يكون الوسيلة الوحيدة لإخفاء خواء الفكرة! ولعل أخطر ما في هذا «الحمقري» أنه لا يكتفي باستحمار نفسه، بل يسعى إلى استحمار الآخرين، ويعد كل سؤال تهديدًا، وكل نقد مؤامرة، وكل عقل مستقل خروجًا على الإجماع الذي صنعه الوهم. فإذا استمعت إليه خُيل إليك أنه يتحدث من منصة الحقيقة المطلقة، أو أن كلماته وحيٌ لا يأتيه الباطل، بل كأن الحكمة قد اختارت أن تنطق بلسانه وحده. لكن ما إن تنفض عن عباراته غبار البلاغة، حتى لا يبقى منها إلا صدى فراغٍ طويل، وصوت يقينٍ لا يسنده علم، وادعاءٍ لا يحمله عقل.

    إن «الحمقري»، بهذا المعنى، ليس شخصًا بعينه، بل حالة ثقافية تنشأ حين يجتمع الجهل مع الثقة المطلقة، والادعاء مع غياب النقد، فتلد مجتمعًا يعلو فيه الضجيج على الفكر، ويصبح فيه المتواضع في علمه مترددًا، بينما يتصدر الجاهل المشهد وهو يظن أنه آخر الحكماء وأول العباقرة

    «الحمقري» في مجتمعنا ليس مجرد ظاهرة، لكنه التطور الطبيعي لوطنٍ مقدس في النصوص، مكدس باللصوص، يخلع القدسية على الزائف وينعم بدفء الأكذوبة! ويتمادى المقدّس البشري وحراسه في بناء أسوار المحظور؛ الممنوع من التفكير (التابو)، وفي تعميق مغزى وحُجج تقديسهم؛ تعلو أصواتهم، ويحصنون أنفسهم ضد أداة فضح القدسية الكاذبة: العقل؛ لأن مجرد السماح لهذا العضو (العقل) بالعمل، من شأنه أن يُعلن بقوة عن تدنيس هذه القدسية الكاذبة في باحة حرمها! إنه النفاق واللاثقة في العقل والركون إلى الدعة والاستسلام من قبل الكثرة، والتجهيل ورهاب العقل والرغبة في التأله من قبل القلة! 

    أيا عبيد التابو الزائف: حطموا أصنامكم وكُفوا عن مناجاة البطل، أطلقوا العنان للعقل، فهو وحده البطل، هو أقوى أطواق النجاة!