لقد فهم الصبي ما لم يفهمه الآخرون، بل وما لم يستطع العرب أن يتخلوا عنه رغم تأكيد دينهم الحنيف منذ قرون: أن زمن الأنبياء قد ولى وانقضى، وأن ليس بيننا – ولن يكون معنا – من هو معصوم من الوقوع في الخطأ والخطيئة والزلل! هكذا ظل العرب مفتونون بهواية، بل بغواية، البحث عن نبي؛ اختلط لديهم الديني بالدنيوي، والحياتي بالأخروي، والمقدس المعصوم بالسياسي المذموم، وراحت منظوماتهم الإدارية العامة تنبني داخل الخاص الديني وتتجذر فيه؛ فما أن يعتلي أحدهم منبرًا أو يتولى منصبًا ولو كان صغيرًا لا قيمة له، حتى يصبح هو «صاحب الرأي»، لا «صاحب رأي» ... يغدو راسمًا للمنهج، ناطقًا بالحقائق، ممسكًا بلآلئ الحكمة!
وكما أن لكل نبي حواريون، فإن لكل مسؤولٍ في زمننا هذا جوقةً من المصفقين؛ ولكل متصدرٍ للقول، وإن كان حديثه مشوبًا بالغريب أو المتكلف، مريدون يحيطون به كالهالة حول الضوء، لا يسألون عما يقول بقدر ما يتباركون بوقع قوله، فإن أصاب مرةً، رُفع إلى مقام الأبطال، وكأن الحكمة قد اختُصرت في شخصه، وكأن التاريخ لا يُكتب إلا بمداده؛ وإن لامس الصدفة أو توهم الإنجاز، نُسج حوله خطاب المعجزات، وصار فعله البسيط فتحًا يتم التبشير به به. أما إن شيَّد بالوهم صرحًا في الهواء، تسابق المصفقون إلى تثبيت ركائزه، ودعوا الناس إلى الإعجاب بالبناء، بل إلى المساهمة في «تأثيثه» بالتصفيق والتبرير والتأويل. ثم إذا ما انكسر هذا القصر الورقي، أو خفت بريق صاحبه، لم يبق حوله أحد؛ تنفض الجموع كما اجتمعت، ويغدو الصمت أسرع من الاعتراف، وكأن القرب لم يكن يومًا عن قناعة، بل عن وهجٍ عابر.
إنها دائرةٌ مقلقة من التبجيل والانصراف، حيث تُستعار العظمة من لحظة نجاح، وتُسلب الشرعية عند أول تعثر، فلا يبقى للفكرة وزنها الحقيقي، بل تُقاس بمدى ضجيج مَن حولها. وهنا تتجلى المعضلة في أبسط صورها وأعمقها في آن: كيف يمكن للحقيقة أن تصمد، حين يكون معيارها هو عدد المصفقين لا مقدار الصدق فيها؟
في فضاءٍ عربي مثقلٍ بإرث الرموز، تبدو الألقاب كأنها ليست مجرد كلمات تُضاف إلى الأسماء، بل طبقاتٌ من المعنى الاجتماعي تراكمت عبر الزمن حتى صارت جزءًا من تعريف الإنسان وليس وصفه؛ فمن «أستاذٍ» و«دكتورٍ» و«مهندس»، إلى «شيخٍ» و«مفكرٍ» و«نجم» و«كاتب»، مرورًا بترسباتٍ أقدم من «باشا» و«بيه»، وانتهاءً بمناخات المجاملة الرسمية من «معالي» و«سعادة» و«فضيل»ة، تتكاثر الألقاب كما لو أنها تحاول أن تملأ فراغًا ما، أو أن تعوّض نقصًا غير مُعلن في بنية الاعتراف الاجتماعي. حتى اللغة اليومية لم تسلم، فصارت تُضاف إلى الاسم طبقات من التوقير، كأن الذات وحدها لم تعد كافية للدلالة على حضور صاحبها.
وفي هذا السياق، يبرز لقب «حاج» مثالًا دالاً على اتساع دائرة التحول الرمزي للقب؛ إذ لا يتم اكتسابه بالضرورة بوصفه أثرًا مباشرًا لأداء فريضة الحج فحسب، بل قد يُمنح اجتماعيًا في بعض البيئات بوصفه علامة احترام مرتبطة بالعمر أو بالمكانة المالية أو بالحضور التجاري والاجتماعي، حتى يصبح أحيانًا أقرب إلى لقبٍ عُرفي تواطأت عليه الجماعة، لا توصيفًا دقيقًا لحدثٍ تعبدي مُحدد. وهكذا ينزاح المعنى من كونه أثرًا روحانيًا إلى كونه رمزًا للمكانة في الوعي الجمعي، وتتكدس لدينا منظومة من العناوين، لو أن أصحابها جسدوا ما توحي به حقًا، لتبدلت موازين القوة والمعرفة في العالم بأسره!
غير أن المفارقة الأشد قسوة ليست في كثرة الألقاب، بل في ندرة البحث عن لقبٍ واحدٍ أبسط وأعمق: «إنسان». ذلك اللقب الذي لا يُمنح بشهادة، ولا يُكتسب بمنصب، ولا يُعلَّق على صدر أو بطاقة تعريف، بل يُصاغ في الفعل والسلوك والضمير. وفي هذا السياق، يبدو السؤال معلقًا كجرحٍ معرفي مفتوح: أهي أزمة ألقابٍ نعيشها، أم أزمة معنى يتخفى خلف وفرة المسميات؟
هل انتهيتَ حقًا من الدهشة، ثم مررت بالغثيان، ثم استقر بك المقام في قنوطٍ باردٍ لا يثور ولا يحتج؟ هل رأيت الجهل يمشي في شوارع المدينة بثقة المنتصر، يتكئ على كتف الوهم في ناصية، ويصافح الكذب فيُبارك له الصعود والانتشار؟ هل بدا لك المشهد كأنه انقلاب صامت على المعنى، حيث لا يتم إقصاء العقل دفعة واحدة، بل يتم استنزافه حتى ينسحب بهدوء؟ هل شعرت أن الضجيج قد صار أكثر إقناعًا من الحقيقة، وأن الحضور الكثيف للسطحيات يمنحها شرعيةً زائفة، حتى لكأن الحماقة ليست استثناءً عابرًا، وإنما حالةً جمعيةً تتسع، وأن الانضمام إلى «التيار» يبدو أيسر من مقاومته؟
هل أبهرتك كثرة الوجوه حتى خُيل إليك أن الانحراف هو القاعدة، وأن الاستقامة مجرد استثناءٍ متعب؟ ثم هل خطر لك أن هذا الشعور بالعجز ليس إلا جزءًا من المشهد ذاته، ذاك المشهد الذي يريد أن يسحبك من موقع الشاهد إلى موقع المتصالح، من موقع الوعي إلى موقع الاستسلام؟ أن يُقنعك بأن كثافة الخطأ دليلُ استحالة الصواب، وأن اتساع الفساد حجةٌ على عبث المقاومة؟
وراء هذا كله، ثمة ما لا يزال يُراهن عليه هذا المشهد: أن يتعب وعيك فيتخلى، وأن تبهت حساسيتك فتذوب، وأن تتحول من مُساءِلٍ إلى متفرجٍ محايد. وهنا تحديدًا تبدأ الخسارة الحقيقية. لذلك، ليس المطلوب أن تُنكر ما ترى، ولا أن تتوهم أن العالم أقل تعقيدًا مما هو عليه، بل أن تحافظ على تلك المسافة الدقيقة بين الفهم والاستسلام؛ بين أن ترى العبث كما هو، وأن ترفض أن يتحول في داخلك إلى طبيعةٍ مألوفة. فما يُراد سلبه في النهاية ليس قدرتك على النقد، بل قدرتك على الدهشة، لأن من يفقد دهشته، يفقد في العمق آخر ما يربطه بالمعنى ... ويظل في التيه هائمًا على وجهه ... يبحث عن نبي!
.webp)