-->

السبت، 25 يوليو 2026

الترند واقتصاد الانتباه

الترند واقتصاد الانتباه

   لم يعد كثيرٌ من الناس يفتشون عن فكرةٍ تستحق أن تُفهم، بقدر ما يفتشون عن «ترند» يستحق أن يُتداول. فإذا هبَّت موجة اندفعوا معها، يرفعون صوتها، ويستعيرون لغتها، ويحسبونها قضية العصر، فإذا خمد ضجيجها انفضوا عنها كأنها لم تكن، وارتحلوا إلى موجةٍ أخرى؛ إذ لم تعد القضية عند كثيرين هي الحقيقة، وإنما ما يلفت الأنظار، ويستأثر بالأسماع، ويستحوذ على الشاشات.

    وليس في «الترند» بأسٌ من حيث هو وسيلة لانتشار المعرفة، أو إحياء قضية عادلة، أو التعريف بإنجازٍ يستحق الاحتفاء؛ فالوسائل لا تُدان لذاتها، وإنما تُدان بغاياتها. غير أن الخطر يبدأ حين تنقلب الوسيلة إلى غاية، ويصبح الانتشار دليلاً على القيمة، وكثرة المتابعين برهانًا على الصواب، حتى يُقاس الحق بما أحدثه من ضجيج، وليس بما قام عليه من حجة. ولعل هذا ما يفسر اندفاع كثيرين إلى ملاحقة «الترندات»؛ فبعضهم يطلب الشهرة السريعة التي قد تمنحه في أيامٍ ما كان يحتاج إليه سنوات؛ وآخرون يرون فيها بابًا للمكاسب المالية، إذ تتحول كثرة المتابعين إلى إعلانات ورعايات وفرص عمل. ومنهم من يسعى إلى النفوذ الاجتماعي، فيغدو له جمهورٌ ينصت إلى رأيه ويعيد إنتاج كلماته، ومنهم من يجد في المشاركة في كل «ترند» شعورًا بالانتماء، وكأنه لا يريد أن يبقى خارج المشهد ولو للحظة. وهكذا أصبح الانتباه عملةً جديدة، وأصبح السعي إلى امتلاكها غايةً يتنافس عليها الناس كما كانوا يتنافسون قديمًا على المال أو الجاه!

    غير أن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه «الترندات» لا تصنعها عظمة الأحداث، وإنما يصنعها افتعال الإثارة؛ مشهدٌ مبتذل، أو كلمةٌ جارحة، أو سلوكٌ خارج عن المألوف؛ يكفي أن يوقظ فضول الجماهير، حتى تتلقفه المنصات، وتدفعه الخوارزميات إلى واجهة المشاهدة، لأنها تكافئ المحتوى الذي يثير الغضب، أو الصدمة، أو الجدل، أو الغرائز، أكثر مما تكافئ المحتوى الذي يوقظ الفكر أو يسمو بالذوق. وبالتالي يتحول الانتباه إلى سلعةٍ تُباع وتُشترى، ويغدو الجدل صناعة، والفضيحة استثمارًا مضمونًا!

    لذلك لم يعد غريبًا أن يقدم بعض الناس على صناعة فضيحتهم بأيديهم؛ إذ يؤمنون، تصريحًا أو ضمنًا، بأن المهم ليس أن يتحدث الناس عنهم بخير أو بشر، بل أن يتحدثوا عنهم فحسب؛ فالنسيان عندهم أشد قسوةً من النقد، والتجاهل أفدح خسارةً من سوء السمعة. وهناك من تدفعه حاجةٌ نفسية عميقة إلى لفت الانتباه أو إثبات الذات، فيختار أقصر الطرق إلى الشهرة، ولو مرَّ عبر الإساءة إلى نفسه أو إلى القيم التي يدَّعي احترامها. هكذا نشأ في الفضاء الرقمي ما يشبه اقتصادًا جديدًا، أثمن موارده هو انتباه الإنسان؛ فمن ملك هذا الانتباه، ملك القدرة على توجيه الأذواق، وصناعة المواقف، وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هنا يمكن القول إننا نشهد تحولاً ثقافيًا وفلسفيًا من مجتمعٍ كان يُعلي من قيمة الإنجاز، إلى مجتمعٍ بات يُعلي من قيمة الظهور؛ حيث يصبح الاهتمام سلعة، ويغدو عدد المشاهدات وتسجيلات الإعجاب معيارًا للنجاح، ولو كان المحتوى فارغًا من المعنى، أو قائمًا على الإثارة والابتذال!

    غير أن الشهرة التي تُولد من الضجيج، تموت بالضجيج ذاته؛ لأنها تقوم على انفعالٍ عابر، لا على قيمةٍ باقية. أما ما يُبنى على العلم، أو الفكر، أو الإبداع، أو الخلق، فإنه وإن تأخر ظهوره، كان أبقى أثرًا، وأرسخ مقامًا. ولا تكمن خطورة «الترند» في أنه عابر، بل في أنه يُعوِّد العقل على العبور؛ فلا يمكث عند فكرة لكي تنضج، ولا عند قضية لكي يستوفيها فهمًا ونقدًا، بل ينتقل من انفعالٍ إلى انفعال، ومن صدمةٍ إلى صدمة، حتى يألف السطح، ويستوحش العمق. وحينئذٍ لا يضيع الوقت وحده، بل تضيع معه ملكة التأمل، وهي أثمن ما يملكه العقل الإنساني.

    إن الحقيقة لا تُولد في ضوضاء الجموع، ولا تنمو في استعجال اللحظة؛ إنها ثمرة الصبر، ورفيقة التأمل، وابنة السؤال الصادق. أما «الترند» فلا يعيش إلا على العجلة، ولا يقتات إلا من سرعة النسيان. وبين الحقيقة التي تحتاج إلى عقلٍ يصبر، و«الترند» الذي لا يحتاج إلا إلى إصبعٍ يمرر الشاشة، يتحدد مصير الوعي الإنساني: أهو وعيٌ يقود صاحبه إلى الحكمة، أم وعيٌ تجره الأمواج حيث شاءت، فلا يملك من أمره إلا أن يردد ما يسمع، وينسى ما ينبغي أن يفكر فيه؟