السيارة التي تتوقف في منتصف الطريق لا تعتذر عن احتلالها للمكان؛ تكتفي بتشغيل إشاراتها الرباعية، وكأنها أعلنت بذلك حالة استثنائية تمنحها حق تعطيل العالم؛ والسيارة التي تقف في الصف الثاني، أو تلك التي تأتي من الاتجاه المعاكس، تُنازعها الحق ذاته، بينما يعبر المشاة بين المركبات بثقة من أدرك أن الحياة لا تمنح أحدًا ضمانات!
أما الرصيف، ذلك الاختراع الحضاري الذي وُجد أصلاً لكي يمنح الإنسان حقه البسيط في المشي، فقد تحول إلى أرضٍ مستباحة: سيارة تحتل جزءًا منه، وبائع يستولي على جزء آخر، ومقهى يمد أذرعه حتى يبتلع ما تبقى، وشركة حكومية (كشركة المياه) تجعله مقرًا لنفاياتها ولمعداتها الثقيلة، ودراجة نارية تتعامل معه بوصفه طريقًا بديلاً مختصرًا!
هكذا يغدو المشهد أكثر من مجرد فوضى مرورية؛ إنه اختلاط أنطولوجي بين الإنسان والآلة؛ المشاة في الطريق، والسيارات فوق الأرصفة، والدراجات تتسلل بين الجميع، وكأن المدينة قد قررت أن تلغي الحدود بين الكائنات، وأن تضع الإنسان والمركبة في تجربة واحدة عنوانها: من يستطيع أن ينتزع لنفسه مساحة أكبر؟ والطريف أن الجميع يفهمون المشكلة؛ الحكومة تعرفها، ومسؤولو الأحياء يعرفونها، وقادة السيارات يعرفونها، والمشاة يعرفونها، وأصحاب المحلات والمقاهي يعرفونها، ومدير وموظفو الشركات الحكومية يعرفونها، وحتى الرجل الذي يركن سيارته فوق الرصيف يعرف، في أعماقه، أنه فوق الرصيف. لكن المفارقة الكبرى أن كل فرد يعرف المشكلة بوصفها خطأً يرتكبه الآخر! أنا مضطر إلى الوقوف هنا لأن الطريق مزدحم؛ وهو مضطر إلى السير فوق الرصيف لأن الطريق لا يتسع؛ وذاك مضطر إلى إغلاق نصف الشارع لأن لديه مصلحة عاجلة. وهكذا يتحول الاستثناء الفردي، حين يتكرر ملايين المرات، إلى نظام عام من الفوضى!
الغريب أن عبثية الازدحام ليست في كثرة السيارات وحدها؛ بل في أن الجميع يريدون الوصول، بينما تؤدي حركة الجميع، في النهاية، إلى منع الجميع من الوصول؛ كل شخص يتحرك وفق منطقه الخاص، لكن اجتماع هذه المنطقيات الصغيرة ينتج لا منطقًا جماعيًا. وهنا يصبح الشارع مرآة فلسفية للمدينة: فالمدينة ليست فقط المباني التي صممها المهندسون، ولا الطرق التي رسمها المخططون، وإنما هي أيضًا سلوك الناس في هذه الطرق. ولذا فإن احتلال الرصيف ليس مجرد مخالفة قانونية تتغاضى عنها الحكومة؛ إنه إعلان ضمني عن أن حق الأقوى في استعمال المكان قد انتصر على حق الإنسان في المدينة.
ربما تكمن المفارقة في أن المدينة الحديثة صُممت لتسهيل حركة الإنسان، ثم انتهت، في بعض شوارعنا، إلى وضع الإنسان في منافسة يومية مع السيارات على أبسط حقوقه: أن يمشي. ولذلك، حين تعبر الشارع، لا تعبر مسافة بين رصيفين فحسب؛ أنت تدخل امتحانًا صغيرًا في فلسفة الحياة: عليك أن تتفاوض مع سيارة، وتتجنب دراجة، وتتجاوز بائعًا، وتبحث عن رصيف اختفى تحت عجلات السيارات، ثم تصل إلى الجهة الأخرى وأنت تعيد النظر في مفهوم النجاة. وفي النهاية، إذا نجحت في عبور الشارع دون أن تصطدم بك سيارة أو دراجة أو حتى رأي سياسي، فلا تظن أنك قطعت الطريق فحسب؛ لقد أنجزت، في دقائق معدودة، تجربة فلسفية كاملة في الحرية والفوضى والحق في المكان ... والأهم من ذلك كله: أنك خرجت منها حيًّا!
.webp)