لكن الحقيقة أن العين لا تكفي لكي نرى؛ فقد يمر شيءٌ أمامنا، قريبًا إلى الحد الذي يستحيل معه القول إنه كان خارج مجال الرؤية، ومع ذلك لا نراه. ليس لأن أعيننا كانت مغلقة، ولا لأن الشيء كان خفيًا، بل لأن انتباهنا كان في مكان آخر. هنا تبدأ المفارقة: قد نكون حاضرين بأجسادنا في العالم، بينما يكون وعينا غائبًا عنه.
هذا ما يُعرف في علم الإدراك باسم «العمى الانتباهي» Inattentional blindness أو «الانتباه الانتقائي» Selective attention: إنه ليس عجزًا في العين، وإنما حدودٌ فيما يستطيع الوعي أن يمنحه من حضور. نحن لا نرى كل ما تلتقطه حواسنا؛ بل نرى، في النهاية، ما يختاره الانتباه من بين فيضٍ هائل من المنبهات. وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إزعاجًا من السؤال العلمي: إذا كان هناك شيءٌ يقع أمامنا ولا ندركه، فهل يمكننا أن نقول إننا «رأيناه» حقًا؟
العالم أكثر ازدحامًا مما يسمح به وعينا. وفي كل لحظة، تتدفق إلى حواسنا معلومات لا تكاد تُحصى: ألوان، حركات، أصوات، روائح، تعبيرات وجوه، تفاصيل مكانية، ذكريات تستيقظ، توقعات تتشكل، وإشارات لا نمنحها حتى فرصة الظهور في وعينا. ولو حاول العقل أن يعالج كل ذلك بالدرجة ذاتها من الاهتمام، لتحول الإدراك إلى فوضى لا يستطيع معها أن يميز شيئًا. لذلك لا يعمل العقل كمرآةٍ محايدة تعكس العالم كله، بل كحارسٍ يقف عند بوابة الوعي، يقرر باستمرار: هذا مهم، وهذا يمكن تجاهله؛ هذا يستحق المتابعة، وهذا يمكن أن يبقى في الخلفية. ولا تكمن المفارقة في أن العقل يهمل بعض الأشياء، فهذا أمر لا مفر منه، بل في أننا غالبًا لا نشعر بما تم إهماله أصلاً؛ فالشيء الذي لم ننتبه إليه لا يظهر لنا بوصفه «شيئًا غائبًا». لا يقف أمامنا ويقول: لقد كنت هنا ولم ترني. إنه يختفي ببساطة من تجربتنا، حتى يبدو الأمر كما لو أنه لم يكن موجودًا قط. ومن هنا يمكن أن نفهم غرابة الإدراك البشري: نحن لا نعيش في العالم بكل ما يحتويه، بل في نسخة منه؛ نسخة مختصرة، منتقاة، ومُعاد تركيبها لحظةً بعد لحظة.
العين تلتقط المشهد، لكن الانتباه يمنحه المعنى. وبين الأمرين مسافة صغيرة لا نشعر بها، مع أنها المسافة التي يُصنع فيها «العالم الذي نراه». قد نجلس في غرفة واحدة مع شخص، ونخرج منها بعد دقائق ونحن عاجزون عن تذكر تفاصيل كثيرة كانت أمام أعيننا طوال الوقت؛ وقد نتحدث مع أحدهم بينما تمر خلفه حركة كاملة لم ندركها؛ وقد نسير في شارع مألوف آلاف المرات، ثم نكتشف في يومٍ ما تفصيلاً كان موجودًا منذ سنوات، فنشعر للحظة أنه ظهر فجأة. لكنه لم يظهر، نحن الذين ظهرنا له. وهذه ربما إحدى أكثر الحقائق إثارة للقلق في تجربة الوعي: أن الشيء قد يكون حاضرًا في العالم دون أن يكون حاضرًا في تجربتنا؛ وجوده الخارجي لا يضمن وجوده العقلي.
الانتباه على هذا النحو يشبه كشافًا يتحرك داخل مسرح واسع؛ يضيء جزءًا من المشهد، بينما يترك أجزاء أخرى في العتمة. وما يتغير ليس المسرح بالضرورة، بل موضع الضوء. ومع كل انتقال للكشاف يتغير العالم الذي يبدو لنا حاضرًا. العالم الخارجي قد يبقى كما هو، لكن العالم الذي نختبره يتبدل. ولهذا فإن قولنا «أنا رأيت» لا يعني بالضرورة «لقد رأيت كل ما كان هناك»، بل يعني، في كثير من الأحيان، «لقد رأيت ما استطاع انتباهي أن يمنحه حضورًا».
من هنا تبدو خبرتنا اليومية أكثر هشاشة مما نحب أن نعتقد. نحن نميل إلى الشعور بأن وعينا متصل بالعالم اتصالاً كاملاً، وأن الأشياء المهمة لا يمكن أن تفوتنا، وأن ما يقع أمام أعيننا لا بد أن يترك أثرًا فينا. لكن العمى الانتباهي يكشف العكس: يمكن لشيء واضح، قريب، وموجود في مركز مجال رؤيتنا، أن يعبر أمامنا دون أن يصبح جزءًا من تجربتنا الواعية. وهذا لا يكشف ضعف البصر بقدر ما يكشف محدودية الحضور؛ فنحن لسنا كائنات ترى كل شيء ثم تختار ما تفكر فيه؛ نحن، إلى حد بعيد، كائنات تختار ما تنتبه إليه، ثم تبني من ذلك عالمها الخاص. وهنا تتغير دلالة كلمة «الواقع»؛ فالواقع، بالنسبة إلى وعينا، ليس مجرد مجموع الأشياء الموجودة، وإنما مجموع الأشياء التي استطاعت أن تعبر عتبة الانتباه وتدخل في نسيج التجربة.
ليس كل ما هو موجود حاضرًا؛ وليس كل ما هو حاضر ملحوظًا؛ وليس كل ما نلحظه يدخل إلى وعينا بالدرجة ذاتها. وبين هذه المستويات الثلاثة تتشكل المسافة الهائلة بين العالم كما هو، والعالم كما نعيشه! لكن الأمر لا يتوقف عند العين؛ فكما أن الانتباه ينتقي من العالم الخارجي، فإن التفكير ينتقي من عالمنا الداخلي. وهنا نصل إلى وهم آخر: أننا نفكر لكي نصل إلى الوضوح!
يبدو التفكير، في صورته المثالية، حركةً من الفوضى إلى النظام؛ ومن السؤال إلى الجواب، ومن الغموض إلى الفهم، ومن الحيرة إلى اليقين. غير أن التجربة الداخلية كثيرًا ما تقول شيئًا آخر؛ فقد نفكر طويلاً، لا لنصل إلى وضوح كامل، وإنما لنصل إلى ارتباك أكثر انتظامًا. وهذه ليست مفارقة عابرة. العقل لا يعيش في غرفة فارغة تنتظر أن تُملأ بالأفكار المرتبة؛ إنه يعمل داخل كثافة هائلة من الذكريات والانطباعات والرغبات والمخاوف والتوقعات والتجارب القديمة. وكل فكرة جديدة تدخل هذه الكثافة لا تأتي إلى أرض محايدة، بل تصطدم بما سبقها، وتستدعي شيئًا، وتقاوم شيئًا آخر. ولهذا قد لا يكون التفكير هو القضاء على الفوضى، بل إعادة توزيعها. نحن لا نُبدد الظلام بالضرورة؛ ربما نتعلم فقط كيف نرتب الأشياء داخله!
تخيل غرفة معتمة مليئة بالأثاث. حين يدخل إليها العقل، لا يستطيع أن يضيء كل شيء دفعة واحدة؛ إنما يسلط ضوءه على زاوية، فيظهر كرسي. ثم ينتقل الضوء إلى طاولة، فتتضح معالمها. وبعد لحظات نكتشف أن ما حسبناه جدارًا كان بابًا، وأن ما ظنناه فراغًا كان شيئًا آخر لم نكن نراه. لكن إضاءة زاوية لا تعني أن الغرفة أصبحت مضاءة بالكامل. وهكذا يعمل التفكير؛ إنه لا يكشف العالم كله، وإنما يمنحنا أشكالاً مؤقتة نستطيع من خلالها أن نقيم داخل تعقيده دون أن نغرق فيه. ولهذا فإن الفهم ليس دائمًا وصولاً إلى الحقيقة النهائية، بل قد يكون نجاحًا مؤقتًا في جعل الحقيقة قابلة للاحتمال.
قد نفهم شيئًا اليوم بطريقة، ثم نعيد فهمه بعد سنوات بطريقة مختلفة. ليس بالضرورة لأن الحقيقة الخارجية تبدلت، وإنما لأننا نحن الذين تغيرنا؛ تغيرت خبرتنا، واتسعت ذاكرتنا، وتبدلت قدرتنا على حمل التناقضات. ما كان يومًا مستعصيًا على الفهم قد يصبح قابلاً للصياغة، لا لأن العالم أصبح أبسط، وإنما لأننا أصبحنا أكثر قدرة على احتمال تعقيده. ولهذا ربما كان التفكير العميق متعبًا؛ فكلما ازداد وعينا بالأشياء، تراجعت بعض الأوهام التي كانت تمنحنا إحساسًا مريحًا بالاستقرار. والأسئلة التي تبدو في البداية بسيطة قد تفتح وراءها أسئلة أخرى، وكل إجابة قد تكشف حدودها الخاصة. لكن العقل لا ينهار بالضرورة أمام هذا التعقيد؛ إنه يعيد تشكيله؛ يصنع منه أنماطًا مؤقتة، ومفاهيم، وقصصًا، وتفسيرات تساعدنا على الاستمرار. ولا يعني ذلك أن هذه التفسيرات زائفة؛ بل يعني أنها ليست العالم ذاته، وإنما الطريقة التي أصبح العالم بها قابلاً للسكن داخل وعينا.
من هنا ربما يمكن فهم التفكير بوصفه شكلاً من أشكال الترويض الداخلي للقلق؛ فنحن لا نفكر دائمًا لكي نعرف كل شيء، بل لكي نستطيع أن نعيش مع ما لا نعرفه. ولا نبحث عن المعنى لأن الكون وعدنا بأن يمنحنا جوابًا نهائيًا، وإنما لأن الإنسان يجد صعوبة في السكن طويلاً داخل الفراغ. إن التفكير، في أعمق صوره، ليس وعدًا باليقين، وإنما تدريب على احتمال اللايقين. وعند هذه النقطة، يلتقي العمى الانتباهي بالتفكير في نقطة واحدة. العين لا ترى كل ما هو موجود، والعقل لا يفكر في كل ما هو حاضر؛ كلاهما يعمل بالانتقاء، وكأن الوعي البشري لا يستطيع أن يحتمل العالم في كليته، فيضطر إلى اختزاله لكي يصبح ممكنًا للعيش.
نحن نحتاج إلى هذا الاختزال، لكنه يحمل ثمنه أيضًا؛ فما لا ننتبه إليه قد يكون مهمًا، وما لا نفكر فيه قد يكون حاضرًا في حياتنا بطريقة لا نلاحظها، وما نظنه «العالم كله» قد لا يكون سوى الجزء الذي أضاءه كشاف وعينا في هذه اللحظة. ربما لهذا السبب كان الوعي البشري هشًا ومذهلاً في آن واحد: إنه لا يمنحنا العالم كاملاً، لكنه يمنحنا نسخة يمكننا أن نسكنها. وفي النهاية، بين عينٍ لا ترى إلا ما يسمح له الانتباه بالظهور، وعقلٍ لا يبدد الظلال وإنما يعيد توزيعها، يتكشف الإنسان لا بوصفه شاهدًا محايدًا على الحقيقة، بل بوصفه صانعًا دائمًا لحدود حضوره.
بعبارة أخرى، نحن لا نعيش داخل العالم وحده، بل داخل العالم كما استطاع وعينا أن يلتقطه. وما نراه ليس كل ما يوجد، وما نفهمه ليس كل ما نرى. وربما ما نسميه «اليقين» ليس سوى لحظة استقرت فيها الفوضى بما يكفي لكي نتمكن من النظر إليها دون أن نفقد توازننا. لذلك قد لا تكون الحكمة في أن نحلم برؤية كل شيء، فذلك مستحيل، ولا في أن نبحث عن عقل يبدد كل غموض، فالغموض جزء من بنية الوجود ذاته. ربما الحكمة في شيء أكثر تواضعًا: أن نعرف أن لنا حدودًا في الرؤية، وحدودًا في الفهم، وأن نتعلم، بين حين وآخر، أن نسأل أنفسنا عمّا يقع خارج دائرة الضوء؛ فقد لا يكون العالم قد تغير؛ قد يكون الكشاف فقط قد تحرك!
.webp)