من أغرب المفارقات التي لا يبتكرها الخيال، وإنما تصنعها البيروقراطية، أن تكتشف أن المرض في ذاته ليس هو المشكلة، وإنما الطريق إلى إثبات أنك مريض؛ فالإنسان، حين يداهمه الألم، يظن أن رحلته تبدأ وتنتهي عند الطبيب، فإذا به يكتشف أن الطبيب ليس إلا محطة عابرة، وأن الوجهة الحقيقية هي دهاليز إدارة المؤسسة التي يعمل بها، حيث لا يُقاس الوجع بدرجته، بل بعدد الأختام، ولا تُوزن الحاجة الطبية بضرورتها، بل بالتطبيق الصارم للإجراءات، وإن كانت تعسفية!
المفارقة أن المؤسسة قد تبذل جهدًا لتوفير الرعاية للعاملين بها، وتتعاقد مع مستشفيات ومراكز طبية في أماكن إقاماتهم المختلفة تيسيرًا عليهم، فيذهب المريض إلى الجهة المعتمدة، ويكشف عليه الطبيب، ويُجري ما يلزم من تحاليل وأشعات، ثم يكتب العلاج الذي يقتضيه العلم ويمليه الضمير المهني. وهنا يظن المرء أن الرحلة قد انتهت، فإذا بها لم تبدأ بعد؛ ذلك أن الوصفة الطبية، على الرغم من صدورها عن طبيب في جهة اعترفت المؤسسة ذاتها بها وتعاقدت معها، قد لا تكون كافية في نظر المنظومة؛ إنها وثيقة تحتاج إلى وثيقة أخرى تثبت صلاحيتها، وتشخيص يحتاج إلى إعادة تشخيص، وطبيب يحتاج إلى طبيب آخر ليمنح كلامه الشرعية الإدارية. وكأن المرض لا يصبح مرضًا كامل الأهلية إلا بعد أن يمر عبر البوابة الرسمية، وكأن الجسد لا يحق له أن يتألم إلا بعد أن يحصل الألم على ختم الاعتماد!
ولكي يبلغ المريض هذه اللحظة البيروقراطية، عليه أن يبدأ طقسًا يكاد يكون شعيرة قائمة بذاتها: طلب، ثم خطاب، ثم إحالة، ثم انتظار، ثم مراجعة، ثم إعادة كشف، وربما إعادة تقديم الأوراق ذاتها التي سبق أن قدَّمها. ليس بالضرورة لأن التشخيص موضع شك، وإنما لأن النظام لا يثق إلا في نفسه؛ حتى لو كان يكرر ما انتهى إليه غيره بالحرف. إنها فلسفة إدارية غريبة تجعل الوثيقة أكثر موثوقية من الطبيب، والختم أصدق من السماعة، والإجراء أعلى منزلة من الإنسان!
ثم تأتي مرحلة أخرى من مراحل «الذكاء» في المنظومة؛ حيث تُرفع الوصفات والتقارير إلى منصة إلكترونية، لا ليُسأل المريض ببساطة: ماذا تحتاج حالتك؟ وإنما ليُحدد النظام ما الذي يحق له أن يحصل عليه؛ فالأدوية لا تُصرف دائمًا وفق ما يقتضيه المرض، وإنما وفق ما تسمح به اللوائح، وقد يتحول عدد الأصناف المسموح بها إلى معيار أهم من خصوصية الحالة الطبية ذاتها. وهكذا ينتقل القرار تدريجيًا من العيادة إلى المكتب، ومن المعرفة الطبية إلى السلطة الإدارية.
والأمر لا يتوقف عند الدواء؛ فإذا اشتدت الحالة واستدعت دخول المستشفى، قد يجد المريض نفسه أمام طبقة أخرى من الموافقات والإجراءات. وقد يتوقف قرار يحتاج إلى سرعة وحسم على موافقة شخص إداري (موظف) لا يرى المريض، ولا يعرف شيئًا عن تفاصيل حالته، ولا يسمع أنينًا ولا يرى وجهًا شاحبًا ولا يلمس نبضًا متسارعًا. ومع ذلك يصبح هاتفه، أو توقيعه، أو قراره الإداري حلقةً ضرورية في سلسلة العلاج. ليس ذلك فحسب، بل قد تُحال المسألة إلى لجنة، وقد يُطلب استكمال مستند، وقد يُؤجل القرار إلى حين استيفاء إجراء ما؛ بينما المرض لا يعرف معنى «لاحقًا»، والألم لا ينتظر انعقاد اللجان، والجسد لا يقرأ اللوائح قبل أن يتدهور.
هنا تكمن المشكلة الأعمق في البيروقراطية: إذ هي ليست في كثرة أوراقها فحسب، ولا في تعدد مستوياتها، وإنما في قدرتها على إقناع نفسها بأنها تمارس النظام، بينما قد تكون، من حيث لا تشعر، تعطل الغاية التي وُجد النظام من أجلها؛ فاللوائح وسائل، وليست غايات. والإجراءات أدوات، وليست قيمًا مقدسة. والنظام لا يستمد مشروعيته من صرامته، وإنما من قدرته على تحقيق العدالة وحماية الإنسان وتيسير الوصول إلى الحق. وحين يتحول الإنسان إلى خادم للإجراء، ويصبح المريض مطالبًا بإثبات أحقيته في العلاج قبل أن يحصل عليه، تكون الوسيلة قد ابتلعت الغاية، وتحول التنظيم إلى صورة من صور العبث المقنن!
ولا تُقاس كفاءة المؤسسة بعدد النوافذ التي يمر بها المراجع، ولا بعدد النماذج التي يملؤها، ولا بعدد المنصات الإلكترونية التي تطلب منه الدخول إليها، ولا بكثرة اللوائح التي تحكم عملها؛ وإنما تُقاس، في لحظات الاختبار الحقيقية، بسؤال أكثر بساطة وعمقًا: حين يكون الإنسان في أضعف حالاته، هل يشعر أن المؤسسة تقف إلى جواره، أم يشعر أنها تقف في طريقه؟
المريض لا يطلب امتيازًا، ولا يلتمس ترفًا، وإنما يطلب حقًا إنسانيًا بسيطًا: أن يكون العلاج علاجًا، وليس رحلةً شاقة في متاهة من النوافذ والأختام والموافقات؛ فالمرض، في نهاية المطاف، ابتلاء من الله؛ أما تحويل المرض إلى معاملة إدارية، فقد يكون ابتلاءً من صنع البشر!
.webp)