ومن يتأمل خطاب المنافقين في بنيتنا الإدارية والإعلامية بعينٍ نافذة، لا يلبث أن يكتشف أنه خطابٌ يدور في مدارٍ مغلق، كأن لغته قد كُتبت مرةً واحدة ثم حُكم عليها بالتكرار الأبدي: «برؤيةٍ حكيمة»، «بتوجيهاتٍ مُلهمة»، «بفضل القيادة الرشيدة»، «في إنجازٍ غير مسبوق»، «تحت رعاية معالي …». عباراتٌ تتبدل فيها الأسماء والتواريخ، بينما يبقى الهيكل ذاته قائمًا، كجسدٍ بلا روح، أو كصدى يتكرر في فراغٍ طويل. ولعل سر هذا التماثل المرهق يكمن في طبيعة النفاق ذاتها؛ فالنفاق لا يُبدع، لأنه لا يصدر عن حقيقةٍ داخلية، بل عن حساباتٍ باردة تُتقن فن النجاة أكثر مما تُتقن فن الصدق.
إن المنافق لا يخلق لغةً جديدة، لأنه لا يتكلم من منبع القناعة، وإنما من خوفٍ دفين أو طمعٍ مقنَّع؛ لذا يلوذ دائمًا بالقوالب الجاهزة، بالعبارات التي جُربت من قبل وأثبتت قدرتها على استرضاء السلطة، واستجلاب الرضا، واستمالة النفوذ. هكذا تصبح اللغة عنده أداةَ تكسبٍ وسُلمًا للمنفعة وليس نافذةً للتعبير عن الحقيقة؛ غايتها الظفر بمكانةٍ لا يستحقها، أو حماية موقعٍ هش، أو اقتناص مصلحةٍ خاصة، ولو تعارضت مع مصالح الآخرين أو مع المعنى الأخلاقي ذاته.
ولأن النفاق يقوم على الخوف أكثر مما يقوم على الفطنة، فإنه يدفع صاحبه إلى تكرار الصيغ والكلمات كما يُكرر الإنسان التعويذة التي يهاب فقدانها. المنافق لا يبتغي الحقيقة، بل يبتغي الأمان؛ والأمان في نظره ليس في نيل احترام الناس، بل في التسلل إلى دائرة صاحب القرار والتعبد فيها، ولو كان الثمن تفريطًا في كرامته؛ ففي قلبه خوفٌ دائم، يُرغم الكلام أن يتحول إلى قوالب مكررة، والتصرف إلى مراوغة محسوبة، حتى تصبح اللغة مسلوبة من صدقها، لتصبح أداة لإرضاء القوة بدل أن تكون مرآة للوعي!
لا ينفي هذا كله أن تاريخنا العربي قد عرف، في بعض عصوره، نمالذج من المبدعين في صناعة النفاق؛ أولئك الذين ارتقوا بالتزلف من مجرد تكرارٍ أجوف إلى بناءٍ لغوي بالغ الحذق، يُجملونه بالبلاغة ويخفون داخله غاياتهم الحقيقية. فقد كان بعضهم يمتلك من الفصاحة والدهاء ما يجعل المدح يبدو حكمة، والانحناء يبدو وفاءً، حتى تختلط الحدود بين الإعجاب الصادق والتملق المصنوع. من ذلك مثلاً أن زلزالاً وقع بمصر زمن المماليك، فقال شاعرٌ للأمير: ما زُلزلت مصر من كيدٍ أُريد بها، لكنها رقصت من عدلكم طربًا!
غير أن براعة الأسلوب لا تغير من جوهر الفعل شيئًا؛ فالنفاق، مهما تجمل باللغة أو استعان بسحر البيان، يظل انحرافًا عن الحقيقة، لأن القيمة الأخلاقية للكلمة لا تُقاس بجمال صياغتها وحده، بل بصدق الدافع الكامن وراءها. وهكذا قد يتحول البلاغي الموهوب، حين يبيع صوته للسلطة أو للمصلحة، إلى شاعرٍ للظل لا للنور؛ يبدع في تزيين القيد بدل كسره، وفي تخدير الوعي بدل إيقاظه.
مع ذلك، تبقى المفارقة الأكثر مرارة أن كثيرًا من المطبلين لا يبلغون في نهاية المطاف ما أفنوا أعمارهم في السعي إليه؛ يقفون طويلاً على عتبات النفوذ، يصفقون حتى تتعب أرواحهم قبل أيديهم، ثم يحل غيرهم محلهم قسرًا في لحظةٍ باردة، لأن السلطة – في كثيرٍ من الأحيان – تستعمل التزلف أكثر مما تؤمن به، وتستهلك المادحين كما يتم استهلاك الأدوات الوقتية العابرة؛ فالمنافق يظن أنه يشتري مستقبله بفيض المديح، بينما هو، في الحقيقة، يبيع صوته الحقيقي قطعةً قطعة، حتى يستيقظ يومًا فلا يعثر لنفسه على نبرةٍ تخصه، ولا على ملامحٍ مستقلة تميزه عن الجموع. إن أخطر ما يفعله النفاق بالإنسان ليس تشويه صورته أمام الآخرين، بل محوه التدريجي لصورته أمام ذاته.
ولعل السر الأعمق في استمرار هذه الظاهرة، رغم إخفاق كثيرٍ من أصحابها، أن النفاق لا تحركه المصلحة وحدها، بل يغذيه الوهم أيضًا؛ وهم أن المكانة تُنال بالقرب لا بالجدارة، وأن الكلمات المتورمة بالمبالغة تستطيع اختصار المسافة التي لا يقطعها إلا العمل، وأن التصفيق المستمر يفتح أبواب السلطة إلى الأبد. غير أن الحقيقة أكثر قسوةً وهدوءًا: فالمديح حين يفقد صدقه، يتحول إلى ضجيجٍ مألوف، والضجيج – مهما ارتفع – لا يلبث أن يصبح جزءًا من الصمت. ولهذا يبدو النفاق قديمًا على الدوام، حتى حين يتخفى في لغةٍ حديثة وشعاراتٍ براقة؛ لأن جوهره لا يتبدل: خوفٌ يرتدي هيئة الولاء، وضعفٌ يتكلم بلسان المبالغة، وإنسانٌ لم يدرك بعد أن الاحترام الذي يُنال بالكرامة أبقى أثرًا من المكانة التي تُستجدى بالانحناء. فكل عصرٍ يغير ألفاظه، لكن النفاق يظل يعيد المعنى ذاته، كأن التاريخ يبدّل الأقنعة بينما يبقى الوجه واحدًا.
وإذا جاز لنا أن نستعير لفظ «الفقه» إلى غير مجاله المألوف، فإن «فقه النفاق» ليس علمًا بالمعنى الرفيع للعلم، بل هو ذلك الإدراك العملي الذي يتقنه بعض الناس في التكيف مع موازين القوة السائدة؛ إنه فقهٌ لا ينشغل بفهم المعنى، بل بقراءة مزاج المسؤول الأعلى؛ لا يبحث عن القيمة، بل عن الصيغة التي تضمن القبول، ولو كان ثمنها التفريط في الصدق. ولهذا يتحول الكلام فيه إلى هندسةٍ دقيقة للمصلحة: ماذا يُقال؟ ولمن؟ وكيف يُقال؟ وما القدر الكافي من المبالغة لإرضاء المسؤول من غير أن يفتضح القصد؟
في هذا «الفقه» يغدو الضمير تفصيلاً قابلًا للتأجيل، بينما تصبح اللغة أداةَ تموضعٍ اجتماعي. ولذلك يزدهر النفاق غالبًا في البيئات التي يضعف فيها معيار الجدارة، ويرتفع فيها معيار القرب؛ هناك، لا يعود التزلف انحرافًا أخلاقيًا في نظر أصحابه، بل مهارةً لازمة للبقاء، وطريقًا شبه مشروع لاجتياز السلالم المغلقة.
غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن هذا «الفقه»، مهما بدا بارعًا في الظاهر، يظل عاجزًا عن صناعة مكانةٍ حقيقية؛ لأنه يتعامل مع الظلال، ومع الانطباعات العابرة. ولهذا يبقى صاحبه أسير دائرةٍ لا تنتهي من التصفيق، يقترب من مراكز النفوذ دون أن يقترب حقًا من جوهر التأثير أو الطمأنينة الداخلية. ومع الزمن، لا يعود النفاق مجرد وسيلةٍ للصعود، بل يتحول إلى عادةٍ تلتهم صاحبها ببطء، حتى لا يبقى فيه إلا صدى الكلمات، بينما يتوارى المعنى، وتغيب الذات التي كانت يومًا قادرةً على قول الحقيقة دون خوف!
ولما اشتدت المحن، تفرق أهل الود الكاذب كما يتفرق السراب عند أول المطر، وبقيت الوجوه التي عرفت الصدق ثابتةً لا يزعزعها خوفٌ ولا طمع، فعلمتُ يومئذٍ أن المنافق لا يصبر على الشدائد، لأن قلبه معلقٌ بالمصلحة لا بالمحبة، ولسانه مع الناس وقلبه عليهم. وما أقسى أن يكتشف المرء أن بعض الابتسامات لم تكن سوى ستارٍ تخفى خلفه الخداع طويلاً!
.webp)