-->

الخميس، 28 مايو 2026

الفنكوش العربي: أفيون الأمل المؤجَّل!

الفنكوش العربي: أفيون الأمل المؤجَّل!

    في العالم العربي، لا يحيا الإنسان داخل الواقع بوصفه معطًى ملموسًا فحسب، بل داخل طبقات معقدة من الوعود المؤجلة، والشعارات المصقولة، والاستعارات التي يتم الاعتناء ببريقها أكثر مما يتم التماس الحقيقة ذاتها؛ فثمة  أفق يتم التلويح  به من بعيد دائمًا: نهضة، وحدة، عدالة، رفاهية، مشروع عظيم، مستقبل لامع، انتصار تاريخي، أو إصلاح شامل. غير أن هذا المستقبل الموعود يظل، في كثيرٍ من الأحيان، معلقًا في منطقةٍ ضبابية بين الحلم والتسويف، حتى يغدو أشبه بذلك الكائن الرمزي الذي انبثق من الثقافة الشعبية وتسلل من السينما ليستقر في الوعي الجمعي: «الفنكوش»؛ ذلك الشيء الذي يكثر الحديث عنه، وتُبنى حوله التوقعات، وتُنشر الإحصائيات، وتتوالي الدراسات والتحليلات، بينما يظل وجوده  موضع شك دائم.

    لم يعد «الفنكوش» مجرد مفردة ساخرة نُسمي بها ما لا وجود له، بل تحول، عبر تراكم الخيبات، إلى بنيةٍ ذهنيةٍ متكاملة، وإلى فلسفةٍ ضمنية في إدارة الأمل الجماعي وتأجيل الاصطدام بالحقيقة. إنه لا يعمل بوصفه كذبةً مباشرة، فالكذبة يفتضح أمرها عند أول اختبار لها، أما الفنكوش فيعيش داخل منطقةٍ رمادية بين الإمكان والوهم، فيها يُصبح الوعد أكثر رسوخًا من التحقق ذاته. ولهذا فالفنكوش ليس في حاجةٍ إلى أن يوجد بالفعل؛ إذ تكفي قابلية الانتظار الدائمة له لكي يحافظ على سلطته في الوعي، وكأن المجتمعات لا تتغذى على الحقيقة، بل على الاحتمال المؤجَّل للحقيقة.

    في الأزمنة العربية الحديثة، لم يجرِ تهميش الواقع فحسب، بل حلت محله تدريجيًا سردية الفنكوش؛ حتى غدت الأشياء تُقاس لا بما تُنتجه من أثرٍ فعلي، بل بما تنسجه حول ذاتها من خطاباتٍ وصورٍ ورموز. وهكذا فقدت اللغة وظيفتها الأولى بوصفها أداةً للكشف، وتحولت إلى ستارٍ بلاغي كثيف يُعاد عبره ترتيب الخيبات بحيث تبدو أقل قسوة وأكثر قابليةً للتأويل. ومع مرور الوقت، صار الخطاب يزداد فخامةً كلما اتسعت الهوة بين الكلمات والواقع، وكأن البلاغة لم تعد تعبيرًا عن القوة، بل تعويضًا متأخرًا عن غيابها؛ فالموارد تُستنزف، والإنسان العربي يشيخ تحت وطأة الانتظار الطويل، والاقتصاد يترنح كجسدٍ فقد توازنه الداخلي، والثقافة تتراجع إلى أدنى مستوياتها، والتعليم يتدهور بشكل غير مسبوق، ... إلخ، غير أن اللغة تظل محافظةً على اللمعان الاحتفالي لهذه المجالات الحيوية، كأنها منفصلةٌ تمامًا عن العالم الذي تصفه. الكلمات وحدها تبدو ناجيةً من التآكل؛ تخرج كل يوم بثيابٍ جديدة من مطبعة الحلم، فيما الواقع، في الجهة الأخرى، يواصل سقوطه الصامت خارج النص!

    إن أخطر ما في «الفنكوش» أنه لا يُولد من سلطةٍ تُفرض فحسب، بل من قابليةٍ إنسانيةٍ تتواطأ معه من حيث لا تدري؛ إذ يشارك الناس أحيانًا في نسج خيوطه، كأنهم يمدون له من أرواحهم ما يفتقر إليه من واقع؛ فالوهم المُطمئن قد يغدو، في لحظات الانكسار، ألين على النفس من الحقيقة حين تتفاقم قسوتها؛ والإنسان الذي أثقلته الخيبات لا يعود يميز بين الضوء الصادق وانعكاسه الزائف، فيتشبث بأية نافذةٍ مشرقة ولو كانت مرسومةً على جدارٍ موصد. وهكذا لا ينمو «الفنكوش» في فراغٍ عابر، بل يزدهر في زمنٍ يطول فيه الانتظار، ويخفت فيه الفعل، ويتحول فيه العمر إلى صالة انتظارٍ كبرى، يترقب فيها الجميع وصول ما قد لا يأتي أبدًا!

    «الفنكوش» العربي ليس سياسيًا فقط، بل هو حالةٌ ثقافيةٌ متغلغلة تتسرب في تفاصيل العيش اليومية؛ يتجلى في التعليم حين تتحول المعرفة إلى حفظٍ أجوفٍ للكلمات دون أن تمس العقل بالمعنى، وفي الإعلام حين تغدو الضوضاء بديلاً عن الفكرة، والزخم اللفظي ستارًا على فراغ الدلالة، وفي اللقاءات اليومية حين يتوارى الإنسان خلف أقنعةٍ جاهزة وعباراتٍ مستعارة تُغني عن الصدق ولا تُقيم له وزنًا؛ بل إن الفرد ذاته قد ينزلق، دون وعي، إلى نسخةٍ مصغرة من هذا «الفنكوش»؛ يُكدس الوعود المؤجلة، ويُعلن عن ذواتٍ افتراضية أو مستقبلية لا يعبر إليها، ويتحدث عن حياته «كما ينبغي أن تكون» أكثر مما يحياها «كما هي كائنة بالفعل»!

    غير أن المسألة أعمق من أن يتم اختزالها في سخريةٍ عابرة أو توصيفٍ ساخر؛ فالفنكوش، في جوهره، ليس مجرد خداعٍ متعمد، بل هو عرضٌ لجرحٍ حضاريّ ممتد. وحين تعجز المجتمعات عن إنتاج واقعٍ كريمٍ ملموس، تُفرط في إنتاج الرموز، وتستعيض عن البناء بالتصوير. وحين تخفق السياسة في إنجاز المستقبل، تنتفخ اللغة حتى تكاد تبتلع الواقع. وهكذا امتلأ تاريخنا الحديث بشعاراتٍ شاهقة، بدت أكبر من الأرض التي يُفترض أن تحملها، وأعلى من قدرة الحياة ذاتها على تصديقها

    مع ذلك، لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا خيال. المشكلة ليست في الحُلم، بل في تحوله إلى بديل دائم عن الفعل؛ فالحضارات لا تنهض من علٍ، بل تُبنى حين تنزل الأفكار من منابر الخطابة إلى الشوارع، ومن الخُطط ومراكز صنع القرار إلى المؤسسات، ومن بهرجة البلاغة إلى كثافة العمل الذي لا يتطلب التصفيق.

    إن الخروج من زمن «الفنكوش» لا يتحقق بإسقاط الأوهام الكبرى وحدها، بل باستعادة تلك الفضيلة البسيطة التي تكاد تبدو ثورية في سياقٍ مثقلٍ بالزينة اللفظية: أن تتطابق اللغة مع القدرة، وأن نقول ما يمكن فعله، وأن نفعل ما نقوله. إنها قاعدة متواضعة في ظاهرها، لكنها في عالمٍ اعتاد المبالغة قد تبدو كأنها انقلابٌ على طبيعة الأشياء.

    ولعل السؤال الأشد قسوةً ليس: لماذا يتكاثر «الفنكوش»؟ بل: لماذا نحتاج إليه إلى هذا الحد؟ قد يكون الجواب أن العربي، بعد تراكم طويل من الانكسارات، لم يعد يخشى الفشل بقدر ما يخشى الفراغ؛ فراغ المعنى حين ينكشف دون ستر. وهنا يُقدم «الفنكوش» عزاءً هشًّا، لكنه فعَّال: إحساسًا مؤقتًا بأن الاحتمال ما يزال قائمًا، وأن الغد لم يُغلق بابه تمامًا. إنه، بهذا المعنى، أفيون الأمل المؤجَّل.

    غير أن الأمم، في نهاية المطاف، لا تُستعاد بالأفيون، بل باليقظة التي تُعيد للواقع ثقله، وللأمل شرطه، وللعمل معناه!