-->

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

الزمان النفسي: لماذا يتسارع الزمن مع تقدم العمر؟

 

الزمن النفسي: لماذا تتسارع السنوات كلما تقدمنا في العمر؟

  ثمة لحظةٌ خفيةٌ يتنبه فيها المرء إلى أن الزمن قد خلع عنه وداعته القديمة، وتخلى عن إيقاعه المعتاد؛ فالصيف الذي كان يبدو في مقتبل العمر أفقًا بعيدًا لا ندرك نهايته، يمر في سنوات النُضج كخاطرةٍ عابرة أو كعطلة نهاية أسبوع. والأعوام التي كنا نعيشها تفصيلاً، يومًا بيوم ولحظة بلحظة، غدت تتسرب من بين أيدينا جملةً واحدة، حتى ليبدو الماضي القريب أبعد مما ينبغي، والحاضر أضيق من أن يتسع لأنفاسنا.

    السؤال الذي يُلح على الوعي هنا ليس عن حقيقة اندفاع الوقت، بل عن سر هذا الشعور الخادع بالسرعة. من الناحية الفيزيائية، تظل العقارب أمينةً لمدارها؛ فالدقيقة هي الدقيقة، والساعة هي الساعة، ولم تطرأ على حركة الأفلاك أية عجلة. غير أن الزمن الذي تقيسه الآلات ليس هو الزمن الذي تسكنه الأرواح؛ فبين الزمن الخارجي المادي والزمن الداخلي النفسي برزخٌ شاسع لا تطاله الأرقام ولا تحيط به الحسابات.

    في مطلع العمر، يشرقُ العالمُ عاريًا من الألفة، مفعمًا بسحر البدايات؛ ويبدو الوجود بكرًا مفعمًا بالدهشة؛ كل وجهٍ نراه يُعد اكتشافًا، وكل مكانٍ نطأه يبدو كأرضٍ جديدة، وكل انطباعٍ هو خبرةٌ تتشكل للمرة الأولى. لا يمر الوعي الشاب على الأشياء مرورًا عابرًا، بل يلتهم تفاصيلها بشراهة من يصوغ معرفته الأولى. ومن هذا التدفق الممتلئ بالصور غير المألوفة، تستطيل الأيام وتتسع أبعادها؛ فالإنسان في فاتحة عمره لا يقف على ضفاف الزمنِ ليراقب تدفقه، بل يسكن جوهر اللحظة، فيستحيل كل يومٍ في حياته عالمًا قائمًا بذاته وكيانًا لا يمتزج بغيره.

    لكن الأعوام لا تتوقف عن الجريان، ويبدأ العالم بالانحسار تدريجيًا خلف حجاب الألفة؛ تتكرر الطرقات، وتتطابق الوجوه، وتستحيل المغامرات الأولى إلى روتينٍ نمطي. ومع ضمور عنصر المفاجأة، يقل ما يتركه الوجود في وعينا من علاماتٍ فارقة. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: الذاكرة ليست سجلاً كميًّا يحصي الأيام، بل هي خريطةٌ كيفية تحفظ كثافة التجربة. وحين يتطابق المشهد وتتكرر الأيام، تقل المعالم البارزة على تلك الخريطة، فيبدو الطريق عند الالتفات إليه أقصر بكثير مما نعبره بالفعل!

    نحن لا ندرك فرار الزمن في لحظة جريانه، بل حين نلتفت إلى الوراء؛ فعندما يرتد البصر إلى الأمس ولا يجد فيه سوى محطاتٍ متباعدة يُشبه بعضها بعضًا، يتقلص العمر في وعينا كما تتضاءل الممالك الشاسعة حين نرقبها من أوجِ السماء. غير أن هذا التسارع يُضمر معنًى وجوديًا أعمق من مجرد آليةٍ تسير وفقها الذاكرة؛ إنه يفصح عن تحولٍ جوهري في صلتنا بالوجود ذاته؛ فالإنسان في فجر عمره يتخذ من «الآن» موطنًا وعالمًا مكتمل الأركان، في حين يراها البالغ مجرد معبرٍ هش، ونسيجٍ يُغزل من قلق الانتظار لما سيأتي؛ نعبُر الأيام دون أن نذوق طعمها، ونطوي العقود دون أن نغوص في أعماقها، فينفلت العمر من بين أيدينا كالماء.

    إن ما نتوهمه تسارعًا مجحفًا في جريان الزمان ليس في جوهره خاصية فيزيائية لسيال الوقت، بل انعكاسٌ لضمور الوعي الإنساني وتشتت الحواس؛ فالزمان، في حياده المطلق، لا يسرع ولا يبطئ؛ إنما أدوات أدراكنا هي التي تضيق، ونظرتنا هي التي تتصحر عندما نكف عن التناغم مع نبض الوجود. تكتسب اللحظة خلودها الشكلي من سعة الحضور الذهني؛ فالوعي المتيقظ ينزع عن الأيام رداء التكرار الرتيب، ويستنطق فيها الدلالات المستترة، فيغدو إيقاع العمر أكثر بطئًا وامتدادًا، كأنه يتمدد عموديًا كلما عجزنا عن تمديده أفقيًا. إن الاستغراق في الدهشة، وممارسة التأمل الفكري الخلاق، ليسا مجرد ترفٍ ذهني، بل هما من الأفعال الوجودية الصلبة التي تمارس المقاومة ضد تلاشي ذواتنا وانفلات السنين من بين أيدينا.

    تنساب الأيام كأنها تسريبٌ خفي للثواني والدقائق، بينما يقف الإنسان معلقًا بين ركض الساعة وقلق الفناء، غارقًا في محاولة عبثية للي ذراع التقويم أو كبح جَماحه. غير أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في عقارب الساعات التي لا تتوقف، بل في اغترابنا عن أصل اللحظة وعجزنا عن التجذر في أرض الحاضر.

    بعبارة أخرى، نعيش صراعًا صامتًا بين زمنين: زمنٌ ميكانيكي بارد يحسب الوجود بعدد المدارات التي تطوفها الأرض حول الشمس، وزمنٌ ذاتي أصيل يُقاس فيه عمق الحياة بمدى الشغف والوعي اللذين نسكبهما في كل دورة؛ فالعمر في جوهره ليس امتدادًا خطيًا يتخذ مسارًا ظاهريًا شكليًا، بل هو تنقيبٌ مستمر في أغوار الروح؛ لحظةٌ واحدةٌ مشحونة بالمعنى والدهشة قد تزن في ميزان الكينونة سنين طويلة من العيش الهامشي الرتيب.  وهنا تتجلى سرية الكينونة وحلولها في الأشياء؛ حين نكتسب القدرة على أن نسكن اللحظة بملء وجودنا، فإننا لا نملك الزمان، وإنما نغير طبيعته، ليتحول من مجرد مجرى عابر نغرق في تلاطمه، إلى فضاء أثيري مستقر نتمدد في أرجائه. 

    إن طول الحياة الحقيقي لا يتحدد بالمدى الممتد على شريط السنين، بل بالكثافة الوجدانية والعمق الذي تنحفر به أثار تجاربنا الأصيلة على جدران الروح الداخلية.

    من المقولات الفلسفية الدالة في هذا الصدد، مقولة «القديس أوغسطين»: «ما هو الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحدٌ عنه، فأنا أعرف ما هو؛ أما إذا أردتُ أن أشرحه لمن يسألني، فأنا لا أعلم شيئًا»! ... ومقولة الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون»: «الزمن ليس شريطًا متسلسلًا من اللحظات المتماثلة، بل هو ديمومة حية؛ تدفقٌ مستمر لا يُقاس بالساعة، بل بمدى نضج الوعي وعمق التجربة الحية» ... وأيضًا: «إن الزمن الميكانيكي الذي نقيسه بالساعات هو مجرد وهم مكاني، أما الزمن الحقيقي فهو الديمومة النفسية التي نعيشها من الداخل».

    (لوحة «إصرار الذاكرة» The Persistence of Memory للفنان الإسباني «سالڤادور دالي» Salvador Dalí، المُسماة «الساعات المذابة» - 1931).