-->

السبت، 5 سبتمبر 2026

عوالمنا الممكنة.. لماذا نختار أسوأها؟

عوالمنا الممكنة.. لماذا نختار أسوأها؟

    ربما كان الإنسان هو الكائن الذي لا يعيش في العالم الذي وُضع فيه فقط، بل يعيش أيضًا في العوالم التي كان يمكن أن تكون ... العوالم المُمكنة كما نسميها في الفلسفة.

    في رأس كلٍ منا، بطريقة ما، نسخة أخرى من حياته؛ طريق لم يسلكه، مدينة لم يغادر إليها، كلمة قالها في خياله ولم ينطق بها في الواقع، ومستقبل كان يمكن أن يأتي، لكنه لم يأت! ولعل أعظم ما منحنا إياه العقل ليس قدرته على فهم الواقع، وإنما قدرته على الشك في أنه الواقع الوحيد الممكن.

    نعم، نستطيع أن نتخيل عالمًا آخر. وهذه في ظاهرها نعمة. لكنني أحيانًا أتساءل: ماذا لو كانت المشكلة أننا لا نعجز عن تخيل العوالم المُمكنة الأفضل، وإنما نعاني من شيء أكثر غرابة؟ ماذا لو كنا بارعين في تخيل العالم الممكن، ثم أكثر براعة في اختيار أسوأ نسخة منه؟!

    من هنا يبدو حال أمتنا العربية أكثر تعقيدًا؛ فمشكلتنا ليست في أننا نفتقر إلى العوالم الممكنة، بل ربما أننا نملك منها أكثر مما نستطيع أن نرتب، وأن نختار، وأن نحول إلى مشروع تاريخي. تتجاور في وعينا عوالم متعددة: عالم التراث وعالم الحداثة، عالم المقدس وعالم التقنية، عالم الأصالة وعالم المعاصرة، عالم الاستقلال وعالم التبعية، عالم العلم وعالم الخرافة، عالم الدولة وعالم الجماعة، عالم المستقبل وعالم الحنين؛ لكن كثرة الإمكانات لا تصنع التاريخ ما لم تتحول إلى قدرة على الاختيار والفعل!

    لدينا عالم ممكن نبني ونُطور فيه جامعات محترمة، فنختار بناء جامعات تنتج شهادات أكثر مما تُنتج معرفة؛ ولدينا عالم ممكن فيه إعلام يسأل ويبني العقول، فنختار إعلامًا يُصفق ويُزيف ويُجرف الوعي؛ ولدينا عالم ممكن فيه مسؤول يخطئ فيستقيل، فنختار مسؤولاً يخطئ ثم يشكل لجنةً للتحقيق في أسباب نجاحه، ثم بدل أن يسأل نفسه: «هل ينبغي أن أرحل؟»، يسأل: «كيف يمكن أن أبقى؟»، فتتشكل لجنة، ثم لجنة أخرى، ثم بيان طويل، وفي النهاية لا يكون السؤال: لماذا وقع الخطأ؟ بل: كيف يمكن أن نضمن ألا يتكرر بالطريقة التي تزعجنا؟

    لدينا عالم ممكن فيه ذكاءٌ اصطناعي: كيانٌ جديد نُحاول ان نعلمه كيف يُفكر بشكلٍ صحيح، فنكتشف أننا نريد منه، في أحيانٍ كثيرة، أن يتعلم أخطاءنا أيضًا ... نضع أمامه تاريخنا، بياناتنا، قراراتنا، انحيازاتنا، أصوليتنا وعلمانيتنا وطرقنا القديمة في التفكير، ثم نشعر بالدهشة حين يعيدها إلينا بصورة أكثر وضوحًا.  نغضب منه لأنه رأى ما لم نرغب في رؤيته، كأننا صنعنا مرآةً ذكية، ثم عاقبناها لأنها لم تكذب علينا!

    لدينا ألف طريق إلى المستقبل، لكننا نصر إما على الطريق الذي يقود إلى الماضي، أو يقفز بنا عرايا إلى المستقبل … مع تحديث الواجهة! وحين يقترح أحدهم عالمًا مختلفًا، لا نسأله أولاً عن العالم الذي يقترحه، ولا عن إمكان أن يكون أفضل، إنما نسأله عن حقه في الاقتراح: من أين جاءته الجرأة؟ ومن سمح له أن يتخيل؟ كأن الخيال امتياز إداري!

    هنا تبدأ الحكاية الأكثر مأساوية؛ فالمجتمعات لا تموت فقط عندما تنفد ثرواتها، أو تُهزم جيوشها، أو تتأخر مختبراتها؛ قد تموت الدولة وهي تملك المال والموارد والجامعات والأسواق، لكنها تفقد شيئًا أكثر هشاشة وأهمية: تفقد قدرتها على تخيل نفسها بصورة أخرى أفضل. وعندما يصبح الواقع مقدسًا لمجرد أنه واقع، تتحول الأخطاء القديمة إلى قوانين طبيعية؛ وعندما يتكرر الفشل طويلاً، يبدأ الناس في تسميته «طبيعة الأشياء». ثم يأتي أحدهم ذات يوم ليقول: كان يمكن أن يكون الأمر مختلفًا؛ فتنظر إليه الجماعة كما لو أنه ارتكب خطيئة، لأن أخطر سؤال يمكن أن يُطرح على واقعٍ اعتاد البقاء ليس: لماذا فشلنا؟ بل: لماذا نظل نختار الفشل، مع أننا نعرف أنه فشل؟

    ربما لأن الإنسان لا يخاف دائمًا من المستقبل؛ أحيانًا يخاف من فقدان الماضي، فالماضي، مهما كان مؤلمًا، مألوف. والعالم الرديء الذي نعرفه يبدو لبعضنا أكثر أمانًا من العالم الممكن الجيد الذي لم نجربه. ولهذا قد يُفضل الإنسان قفصًا يعرف حجمه على بابٍ مفتوح لا يعرف إلى أين يؤدي! 

    نحن لا نتمسك دائمًا بما هو صحيح؛ إنما نتمسك بما اعتدنا عليه. وهذه واحدة من أخطر الحيل التي يمارسها الواقع على الإنسان: أن يُحول الاعتياد إلى قناعة، والتكرار إلى ضرورة، والعجز إلى حكمة! والحقيقة أن العالم الممكن الافضل لا يأتي إلينا جاهزًا؛ نحن الذين نصنعه، قرارًا بعد قرار، وعادةً بعد عادة، وفكرةً بعد فكرة. هناك دائمًا أكثر من عالم، وأكثر من طريق، لكن المأساة تبدأ حين نختار الطريق الذي يعيدنا إلى الخلف، ثم ننفق سنوات طويلة في تحسين إشاراته، وتجميل أرصفته، وتحديث خرائطه، حتى نتمكن من إقناع أنفسنا أننا نتقدم!

    قد يتغير الهاتف، وقد تتغير اللغة، وقد تتغير الواجهة، لكن النظام القديم يظل جالسًا في الغرفة ذاتها، يراقبنا ونحن نحتفل بالتحديث. ربما لهذا لا تكمن مشكلتنا الكبرى في قلة الإمكانات، ولا في ندرة الأفكار، ولا حتى في غياب العوالم البديلة. المشكلة أعمق من ذلك؛ نحن أحيانًا نمنح الواقع الأسوأ سلطة القدر. نقول: هكذا هي الحياة؛ هكذا هم الناس؛ هكذا تعمل الدولة؛ هكذا تعمل الجامعة؛ هكذا يعمل الإعلام؛ هكذا كان آباؤنا. وكأن الجملة الأخيرة وحدها تكفي لإغلاق أبواب المستقبل!

    لكن كل حضارة عظيمة بدأت، في لحظة ما، بشخص واحد لم يصدق جملة «هكذا كان دائمًا»؛ شخص نظر إلى العالم الذي ورثه، ولم يره قدرًا؛ رآه مجرد احتمال. وهذا هو الفارق كله؛ أن ترى العالم حقيقةً نهائية، أو أن تراه مسودة. في الحالة الأولى، تصبح مهمتك أن تتكيف معه؛ وفي الثانية، تصبح مهمتك أن تسأل إن كان يستحق أن يبقى على حاله. وربما كانت الحرية، في معناها الأعمق، ليست أن تختار بين الأشياء الموجودة أمامك، بل أن تمتلك الجرأة على تخيل شيء غير موجود بعد.

    الحضارة تبدأ لحظة يقول إنسان: «يمكن أن يكون هناك عالم آخر». وتبدأ في الانطفاء لحظة يجيبه الجميع: لا تكن ساذجًا... «هكذا تسير الأمور» ... أما الحمار الذي حاول «جحا» ذات يوم أن يعلمه القراءة، فربما لم يكن هو الساذج في الحكاية؛ السذاجة الحقيقية أن نرى الحمار يفتح الكتاب، ثم نصفق له لأنه لا يفهم شيئًا، فقط لأننا تعبنا من انتظار من يفهم. وربما كانت المأساة الأخيرة أننا لم نعد نحتاج إلى «جحا» كي يخدعنا؛ يكفي أن نتفق جميعًا على أن التصفيق أسهل من التفكير!