-->

الأحد، 13 سبتمبر 2026

همج رعاع ينعقون مع كل ناعق!

همج رعاع ينعقون مع كل ناعق!

يُحكى أن أبا الشمقمق (مروان بن محمد)، شاعر العصر العباسي الساخر، كان يأكل الطعام بالطريق العام، فقبض عليه عامل الشرطة وزجره، وأمره أن يتوقف عن الأكل، وأخبره أن الأكل أمام الناس وبالطرقات مذموم ومكروه شرعًا وعُرفًا؛ فقال الشمقمق ممتعضًا: وأي ناس تقصد؟ فأجابه: هؤلاء المارة بالسوق، ألا تراهم؟ فضحك الشمقمق ساخرًا، وقال: لكني لا أرى أمامي إلا بقـرًا رعاع ينعقون مع كل ناعـق، وهمّهم عَلَفُهم!

غضب الشرطي، وقال: هؤلاء ناسٌ محترمون، ولماذا تستهزئ بهم، والله لآخذنك بذنبك إلى السجن! فأستوقفه الشمقمق وراهنه على أنهم بقر، وأنه سيُثبت ذلك أمام أم عينيه، فوافق الشرطي، فصعد الشمقمق مرتفعًا بالسوق، ونادى بأعلى صوته: أيها الناس! أيها الناس! فهبوا نحوه، واجتمعوا حوله كي يعرفوا صوله وأمره ... فقال: لقد سمعت أبي عن جدي بما رواه عن جده وعن جده، عن فلان قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من أوصل لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة ... فما انتهى الشمقمق من هرجه، وإذا بالناس تُخرج ألسنتها وتريد إيصالها إلي أرنبة أنفوها، فضحك الشمقمق من المنظر وضحك الشرطي، فقال: هل رأيت، أهؤلاء الناس الذين أخبرتني عنهم، أم هم بقرٌ وأضل سبيلاً ... فقال الشرطي: والله إنهم كذلك، وصدق من قال فيهم همجٌ رعاع، وأتباع كل ناعـق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق!

لا شك ان الشمقمق يقع في مغالطة التعميم، حيث ينتقل من سلوك بعض أفراد الجمع إلى الحكم على الجمع كله. لكن قوة حجته تكمن في كشف قابلية الجماعة للتأثر حين تتعطل ملكة النقد الفردي. وهكذا هم كثيرٌ من الناس في وطني؛ يتلاعب بهم تجار الأديان، سماسرة السياسة، ورويبضات الإعلام؛ يتبعون النواعق وكأنهم مرايا عاكسة؛ يُعملقون الأقزام، وتحلو لهم الأوهام، ويُساقون كالانعام؛ فلا عقل، ولا استقصاء، ولا تأني في إصدار الأحكام. وليتها تصدر عن عقولهم، بل عن شهواتهم وجهالاتهم!

العلم عندهم شهادة وتوظيف دائم، والدين مجرد لُحى وعمائم، والوطن منصبٌ وغنائم. بعث الله الرسول إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فاستحبوا العمى على الهدى، واتبعوا من يخرجونهم من النور إلى الظلمات! وطنٌ بلا عقل: مُختلٌ ومُحتلٌ ومُعتلٌ! لا يخيفني الناعق بقدر ما يخيفني جمعٌ يستعير يقينه من صوته؛ فحين يتنازل الإنسان عن حقه في التفكير، لا يُصبح تابعًا لرأيٍ فحسب، بل يصبح تابعًا لمن يملك صناعة الرأي!