الوهم، حين يُصاغ بملامح العلم، لا يدخل بوصفه عدوًّا صارخًا، بل يتسلل كصديقٍ يحمل وعدًا بالنجاة. وهنا تحديدًا نفهم لماذا ينجذب كثيرون إلى من يتحدث في الطب أو غيره بلا منهج علمي راسخ، ويمزج الصواب بالوهم، والحقائق بالشعوذة، والطمأنينة بالادعاء، والحُلم بالهذيان. المسألة ليست مجرد جهلٍ أو نقصٍ في وعي الأفراد – كما يهوى المتعالون أن يختزلوها – بل هي نتيجة طبيعية لبيئة كاملة تم فيها إنهاك العقل بشكلٍ ممنهج، مع سبق الإصرار والترصد، حتى فقد الناس ثقتهم بالمؤسسات التي كان يُفترض أن تحميهم من التضليل!
الإنسان، في جوهره، لا يفتش عن الحقيقة المجردة بقدر ما يفتش عمَّن يربت على قلقه الوجودي، ويمنحه شعورًا بأن العالم ما زال به متسعٌ للرحمة. وعندما تتحول المنظومة الطبية، في الوعي الجمعي، إلى بناءٍ بارد تحكمه الحسابات أكثر مما تحكمه الإنسانية، يصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه لكل من يُتقن لغة الخلاص. حين يشعر المريض أن المستشفى لم يعد معبدًا للشفاء، بل سوقًا واسعًا للأثمان، وأن التشخيص والدواء صارا امتيازًا محكومًا بالمال أو السلطة، وليس حقًّا مشروعًا لدافع الضرائب، وأن الطبيب – إلا من حفظت روحه بقية من المعنى – تحول إلى ترسٍ صغير داخل آلةٍ لا تعرف سوى الربح؛ عندها تتصدع الثقة وتتشقق من الداخل. وعندما تموت الثقة، يولد البديل، مهما كان هشًّا، أو مُضللاً، أو غريبًا، أو غير مكتمل، لأن النفس البشرية، حين تُترك وحيدة في عتمتها، تفضل وهمًا يمنحها الطمأنينة على حقيقةٍ تعجز عن احتضان خوفها.
إن أخطر ما تفعله المنظومات الفاسدة أنها لا تكتفي بإفساد الواقع، بل تعبث بالبوصلة التي يُقاس بها هذا الواقع، وتفسد معيار الحكم عليه؛ فهي لا تسرق الحقيقة من الناس فقط، بل تسرق قدرتهم على تمييزها؛ والمجتمع الذي تم تجريف وعيه بعنايةٍ لعقود خلت، وتم تفريغ مؤسساته التعليمية من رسالتها النقدية عن عمد، وتم فيه استبدال الحفظ بالتفكير، والتلقين بالمعرفة، والولاء بالكفاءة، واللقطة بالحقيقة، ... إلخ، لا يمكن أن ينتج مواطنًا يمتلك أدوات التمييز الصارمة بين العلم والادعاء، أو بين العلم الحقيقي والعلم الزائف. إن العقل مثل العضلة؛ إذا حُرم من التدريب على السؤال والشك والتحليل، ضمُر واستسلم لأول صوتٍ واثق، وأول يقين مُعلن، وأول ملاذٍ جاهز، ولو كان أجوفًا وبلا معنى!
لذا تبدو دهشة بعض المُحللين من تمدد الخرافة ضربًا من البراءة المتكلفة، أو لعلها شكلٌ آخر من العمى الأخلاقي؛ فهم يلعنون الثمار غير الناضجة، لكنهم يتناسون التربة التي أنبتتها؛ يتحدثون عن «الجماهير الجاهلة» كما لو أن الجهل قدرٌ هبط من السماء، وليس صناعة شاركت فيها أنظمة التعليم والإعلام والسياسة معًا. قلَّما يسألون: من الذي حاصر الثقافة حتى غدت ترفًا وتفاهة؟ ومن الذي حوَّل الإعلام إلى سوقٍ للصخب والجهالة والوهم؟ ومن الذي جرَّد الشهادة الجامعية من معناها، وجعلها مجرد ورقة عبورٍ وظيفية لا تمت للمعرفة بصلة؟ ومن الذي دفع بعديدٍ من المهرجين والأشباه إلى واجهة المشهد، لأن أصحاب الكفاءة أقل قابلية للترويض وأكثر ميلاً إلى الاستقلالية؟
إن الإنسان الذي يعيش تحت ضغط الفقر والمرض والخوف لا يملك دائمًا رفاهية التفكير الناقد؛ والحاجة ذاتها قد تتحول إلى أداةٍ للتضليل؛ فالمريض المُلقى على قائمة الانتظار في مواجهة الألم يبحث عن أي نافذة أمل، والأب العاجز أمام مرض ابنه لا يفتش عن برهانٍ فلسفي أو دليلٍ علمي بقدر ما يبحث عن معجزة تؤجل انهياره، والمريض العاجز عن شراء الدواء قد يتمسك بأي وعدٍ بالشفاء، ولو كان صادرًا عن مدعٍ أو مُضلل. هنا لا يعود التصديق فعلاً عقليًا خالصًا، بل يصبح صرخة نجاة وجودية ضد العجز والموت ... ضد المجتمع. ولذا فإن السخرية من الضحايا ليست موقفًا أخلاقيًا ولا فكريًا، بل هي شكلٌ من أشكال القسوة المتعالية؛ قسوة ترتدي قناع الذكاء؛ إذ لا شيء أكثر فقرًا من عقلٍ يستهزئ بإنسانٍ دفعته هشاشته إلى التعلق بوهمٍ يشبه النجاة، فإما شفاه الله، وإما تخلص من عذابه بالموت!
المفارقة الأكثر مرارة أن المجتمع الذي يُلام أحيانًا (وفي مواقف محددة بعينها) على انجذابه إلى الوهم، يعيش في واقعٍ تختلط فيه المعايير وتضطرب فيه صورة الكفاءة ذاتها؛ فالناس، في تجاربهم اليومية، يرون أن الحضور والصوت المرتفع يطغيان بشدة على الرؤية الهادئة، وأن العلاقات والثقة الشخصية تتقدم – في كثيرٍ من المواضع – على الخبرة والمعرفة، وان رأس المال الجاهل يشتري ويبيع كل شيء! وحين تصبح هذه قاعدةً عامةً في كل شيء، فلماذا يستغرب بعضهم أن تمتد إلى المجال الطبي أيضًا؟ ليست المشكلة إذن في فردٍ يخطئ التصديق فقط، بل في بنية كاملة تنتج القابلية للتصديق. هناك فرق بين إدانة الوهم، وفهم التربة التي أنبتته. أما الاقتصار على لوم الناس، فهو يشبه معاقبة المريض على أعراض المرض، وترك العلة تنمو آمنة في الجسد حتى تقضي عليه!
إن المعركة الحقيقية لا تدور، في جوهرها، حول شخصٍ يبيع الوهم أو يقتات على هشاشة الناس فحسب؛ بل حول البنية العميقة التي جعلت الوهم أكثر قدرةً على مواساة الإنسان من الحقيقة ذاتها، وأكثر دفئًا من خطابٍ عقلاني جاف فقد صلته بالمعنى والرحمة معًا؛ فالمجتمعات لا تُخدع فقط لأن فيها مروجين للوهم، بل لأنها تُنتج – في لحظات انكسارها الطويل – حاجةً نفسية وأخلاقية إلى التصديق، حتى يغدو الوهم أحيانًا أقل قسوةً من الواقع، وأكثر احتمالاً من الحقيقة إن وُجدت!
لذا، لا يمكن لأي مجتمع أن ينتصر بالفعل في هذه المعركة ما لم يُعد للعقل كرامته، ليس بوصفه أداة تقنية باردة، وإنما بوصفه فضيلةً أخلاقية تحرر الإنسان من العبودية الفكرية. ولن يتحقق ذلك ما دام التعليم قائمًا على التلقين وليس على الدهشة، وعلى الطاعة وليس على السؤال؛ وما دام الإعلام مصنعًا للضجيج والانفعال بدل أن يكون فضاءً للوعي والنقد؛ وما دامت المنظومة الصحية تنظر إلى الإنسان بوصفه ملفًا بيولوجيًا أو بطاقة دفع، وليس ككائنٍ هش يحتاج إلى الرعاية بقدر حاجته إلى العلاج.
ثم إن أكثر ما يبعث على التأمل أن البشرية ذاتها لم تحسم، حتى اليوم، تعريفًا نهائيًا للمرض أو للعلاج؛ فالمرض ليس حقيقةً بيولوجية صافية كما يتم تصوره أحيانًا، بل هو مفهومٌ تتداخل فيه الفلسفة والثقافة والسياسة والاقتصاد بقدر ما يتداخل فيه الطب. وما يُعد علاجًا في زمنٍ قد يُدان في زمن آخر بوصفه خطأً فادحًا أو عنفًا مُقنَّعًا باسم العلم. ولهذا، فإن الذين قضوا تحت سلطة يقينٍ طبي أو علمي لم يكونوا، عبر التاريخ، أقل عددًا ممن قضوا أسرى الخرافة أو الأنماط البديلة؛ لأن الإنسان، في الحالتين، يبقى عرضةً لذلك الميل القديم إلى تحويل المعارف المؤقتة إلى حقائق مطلقة!
من هنا، يصبح من السذاجة الأخلاقية أن نُحمل الضحية وحدها مسؤولية التصديق؛ فقبل أن نلوم من انقاد إلى الوهم، ينبغي أن نسأل عمَّن صنع المناخ الذي جعل التصديق ضرورةً نفسية واجتماعية تتجاوز مجرد كونه خطأً فرديًا ... الفساد لا يسرق المال وحده؛ إنه يسرق البصيرة أيضًا، ويفسد قدرة الإنسان على التمييز، ويُحول وعيه إلى أرضٍ مُنهكة يسهل أن تنبت فيها الأكاذيب. وحين تُسرق البصيرة، لا يعود التضليل حدثًا عابرًا، بل يصير قدرًا يوميًا، تتكاثر فيه الأوهام كما تتكاثر الفطريات في العتمة!
.webp)