إنها ليست مجرد مفارقة لغوية عابرة، بل هي جرحٌ مفتوح في كاهل النفس الإنسانية، وتلخيصٌ مذهل لمدى تعقيد هذا الكائن الذي نحمله في أقفاص صدورنا.
الوجه الأول: النوايا التي تتنكر في ثوب الكذب
تأمل ذلك الإنسان الذي يقف على حافة الهاوية، ويهوي بكذبة ناعمة. إنها أمٌ تخفي عن طفلها المريض عتمة الغرفة ووحشة الوداع الأخير، وترسم على شفتيها ابتسامة متماسكة وهي تموت من الداخل؛ أو صديق يضغط على جرحه الروحي العميق ليقول لمن يحب: «أنا بخير، لا تقلق». هل هذا كذب؟ حرفيًا، نعم. لقد خانت الكلمات الحقيقة. لكن إذا نزلت إلى عمق الروح، ستجد بياضًا ناصعًا كالغمام؛ فهذا الإنسان لا يكذب تضليلاً، بل يكذب حمايةً. لقد ارتدى قناع الكذب مجبرًا، لأنه يدرك أن الحقيقة العارية أحيانًا تكون أكثر قسوة من الموت ذاته. هم صادقون في جوهر العطف، حتى وإن اضطرت ألسنتهم للتواري خلف الزيف. كذبهم طاهر، لأنه وُلد من رحم الحب لا من رحم الخيانة.
الوجه الثاني: الفاجعة في طهارة الحقيقة الظاهرة
وعلى الضفة الأخرى، حيث تسكن العاصفة الأكثر إيلامًا، يكمن الكابوس الحقيقي: الكاذب الذي يرتدي مسوح الصديق، أو الحكيم الذي ينطق بالحقائق الخالصة على منابر الزيف. تراه يوزع الحقائق، ويستشهد بالقيم، ويرفع شعارات الأخلاق والنقاء. كل كلمة يلفظها صحيحة، وكل جملة تنطق بها شفتاه مطابقة للواقع. غير أن باطنه يغلي بأطماع خفية ونوايا ملتوية! هنا تكمن المأساة الكبرى؛ فهو لا يكذب بالكلمات، بل يكذب بالصدق ذاته. لقد اتخذ من الحقيقة مطية رخيصة ليصل إلى غايته، وجعل من طهارة الكلمات ورقة توت يستر بها عُري أطماعه. صدقه فارغ، بلا روح، ومجرد أداة في سوق المصالح المظلمة. إنهم يخدعوننا ليس لأنهم يتحدثون بلسان الكذب، بل لأنهم يسرقون هيبة الصدق ويدنسونه.
بين ضفتين: نحن الكائنات الملتبسة
نحن لا نعيش في عالم أبيض أو أسود؛ البشر ليسوا ملائكة أطهارًا بالمطلق، ولا شياطين مارقين بالمطلق. نحن نسكن تلك المنطقة الرمادية الواسعة، حيث تتقاذفنا الأمواج بين نية طاهرة تضطرها الحياة لارتداء قناع الكذب، وحقيقة ساطعة تستغلها النفوس الضيقة لتمرير أقذر المآرب! الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على تزييف روحه تمامًا كما يزيف ملامحه، وهو الوحيد الذي قد يبكي صدقًا، أو يبتسم نفاقًا وهو يملك العالم في عينيه!
صدى السؤال الأخير
حين تلتفت حولك، وتتأمل وجوه العابرين في زحام الأيام، وحين تتداخل الأقنعة حتى تصبح جزءًا من الجلد البشري: أيهما أسوأ وقعًا على روحك؟ ذلك الذي يحمي قلبك بكذبة بيضاء دافئة، أم ذاك الذي يقتلك ببطءٍ وببرودٍ تحت سقف الصدق المطلق؟
- اللوحة للفنان البلجيكي «جيمس إنسور» James Ensor، وعنوانها: «المكيدة» The Intrigue (1890).
.webp)