تأملات فلسفية في زمن تتكلم فيه الثقة بصوت أعلى من الكفاءة!
ثمة مفارقة مؤلمة تكشف الكثير عن طبيعة المجتمعات وطريقة عملها: ففي المجتمعات التي تعاني من الفشل المؤسسي واضطراب معايير التقييم، لا يتقدم بالضرورة أصحاب العلم والخبرة والكفاءة، بل كثيرًا ما يتصدر المشهد أولئك الذين يمتلكون جرأة الادعاء، ومهارة الظهور، وقدرة استثنائية على تسويق ذواتهم، حتى وإن كانت حصيلتهم المعرفية ومواهبهم الحقيقية أقل بكثير ممن يقفون خلفهم. هناك من يعرف فيصمت، ليس عجزًا عن الكلام، بل احترامًا للحقيقة وإدراكًا لتعقيدها؛ يراجع أفكاره، ويتردد في إطلاق الأحكام، لأنه يدرك أن المعرفة مسؤولية، وأن الاعتراف بحدود ما نعرفه هو أول درجات الحكمة. وفي المقابل، هناك من لا يعرف بالقدر الكافي، لكنه يتحدث بيقينٍ مطلق، ويعرض آراءه بوصفها حقائق نهائية، ويتقن فن الحضور أكثر مما يتقن جوهر العمل، فينجح في إقناع الآخرين بقدرات قد لا يمتلكها أصلاً.
في مثل هذه المجتمعات تنقلب الموازين: تصبح الثقة بديلاً عن الكفاءة، والضجيج بديلاً عن الإنجاز، والعلاقات ومهارات الاستعراض معيارًا للتقدم، بينما يتراجع أصحاب الخبرة إلى الصفوف الخلفية؛ ليس لأنهم أقل استحقاقًا، بل لأنهم لا يجيدون ممارسة لعبة الظهور، ولا يملكون الرغبة في تحويل كل معرفة إلى عرض دعائي، وكل إنجاز إلى حملة ترويجية. ولعل أكثر ما يكشف اختلال هذه المجتمعات هو طبيعة الجوائز التي تمنحها، والمواقع التي تسندها، والأسماء التي تحتفي بها؛ فكثيرًا ما يفوز بالجائزة من أحسن تقديم نفسه، لا من قدم إبداعًا حقيقيًا؛ ويحظى بالتكريم من أتقن صناعة صورته، لا من أضاف شيئًا إلى المعرفة أو الفن أو الفكر؛ ويتصدر المنابر من يجيد الحديث عن الإنجاز، بينما يظل المبدعون الحقيقيون منشغلين بصناعة الإنجاز ذاته. وهكذا تتحول القيمة من حقيقة موضوعية إلى انطباع قابل للتسويق، ويصبح الاعتراف الاجتماعي مكافأة للظهور أكثر منه تقديرًا للاستحقاق.
هذا المجتمع الذي لا يستطيع التمييز بين من يمتلك القدرة ومن يدعي امتلاكها، ولا بين من يصنع القيمة ومن يحسن استعراضها، إنما يضع بذور تراجعه بيده؛ فحين يصبح التملق أكثر جدوى من الاجتهاد، والحضور الإعلامي أكثر تأثيرًا من العمل المتقن، والجرأة في الادعاء أكثر مكافأة من عمق المعرفة، فإن المؤسسات لا تخسر الأكفاء فحسب، بل تعيد إنتاج الرداءة وتمنحها شرعية التفوق. والمأساة ليست أن يتقدم الأقل كفاءة أحيانًا، فذلك قد يحدث في كل المجتمعات، وإنما أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح الزيف نظامًا للمكافأة، وأن يُدفع أصحاب المواهب إلى الهامش، بينما تُفتح الأبواب أمام أصحاب الأصوات العالية والصور اللامعة.
1 – حين تتحول الثقة من فضيلة إلى إشارة اجتماعية
في عدد أكتوبر – نوفمبر 2026 من مجلة «الفلسفة الآن» Philosophy Now، طُرحت فرضية بحثية مثيرة حول «فضائل الثقة المفرطة» The Virtues of Overconfidence: كيف يمكن لاعتقاد الإنسان المبالغ فيه بقدراته أن يمنحه فرصًا ومكانةً اجتماعية، حتى عندما لا تتناسب ثقته تمامًا مع كفاءته الفعلية؟
تستند المناقشة إلى بحث أجراه باحثون من جامعة باث University of Bath، وكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية London School of Economics and Political Science – LSE، ونُشرت نتائجه في مجلة «سيكولوجيكال ريفيو» Psychological Review تحت عنوان: «إجادة الكلام دون إنجاز الفعل: التطور المشترك للثقة المفرطة والنفور من الخسارة» Talking the Talk, Not Walking the Walk: Coevolution of Overconfidence and Loss Aversion. ومن الأسماء المرتبطة بهذا البحث الاقتصادي البريطاني «كريس داوسون» Chris Dawson (الأستاذ بجامعة باث)، والاقتصادي البريطاني ديفيد دي ميزا David de Meza، من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
تقترح الدراسة تفسيرًا غير مألوف لاستمرار الثقة المفرطة رغم ما قد تسببه من أخطاء: فالمبالغة في الثقة قد تكون مكلفة؛ إذ قد تدفع صاحبها إلى قرارات خاطئة أو خسائر كان يمكن تجنبها. لكن هذه التكلفة ذاتها قد تجعل الثقة إشارةً اجتماعية مؤثرة، لأن القدرة على تحمل نتائجها قد تختلف من شخص إلى آخر. ويشبه الباحثون ذلك، على نحو تقريبي، بذيل الطاووس: زينة مكلفة، لكنها قد تشير إلى صفات كامنة لدى صاحبها. ووفقًا للنظرية، قد يستطيع بعض الأفراد الأكثر قدرةً تحمل كلفة الثقة المفرطة بدرجة أكبر، بينما تكون عواقبها أشد على من لا يمتلكون القدرة التي توحي بها ثقتهم. ولا تعني هذه الفرضية أن كل شخص مغرور كفء، أو أن كل واثق يستحق مكانته، بل تحاول تفسير كيف يمكن للثقة أن تؤدي دورًا اجتماعيًا يتجاوز علاقتها المباشرة بالمهارة الفعلية.
2 – لماذا يسبق الواثقُ العارفَ أحيانًا؟
لأن الناس لا يملكون دائمًا الوقت أو الأدوات التي تمكنهم من قياس الكفاءة الحقيقية؛ فعندما نختار موظفًا، أو نستمع إلى متحدث، أو نبحث عن قائد، فإننا نواجه مشكلة بسيطة في ظاهرها ومعقدة في جوهرها: كيف نعرف قدرات الإنسان قبل أن نرى نتائج عمله؟ قد تكون الكفاءة كامنة لا تظهر في اللحظة الأولى، بينما تكون الثقة مرئية منذ اللقاء الأول. فطريقة الكلام، وسرعة الإجابة، والقدرة على عرض الأفكار، والاستعداد لتحمل المسؤولية، كلها إشارات يسهل ملاحظتها. أما جودة الحكم، وعمق المعرفة، ودقة التنفيذ، فلا تنكشف أحيانًا إلا بعد مرور الوقت. ومن هنا قد تنشأ فجوة بين ما يبدو للناس وما هو موجود بالفعل.
قد يظن المدير أن الموظف الأكثر حسمًا هو الأقدر على القيادة، مع أن الحسم ليس مرادفًا لصحة القرار. وقد ينجذب الجمهور إلى المتحدث الذي يقدم إجابات قاطعة، بينما يتردد في الإصغاء إلى الخبير الذي يشرح تعقيدات المسألة ويعترف بحدود معرفته. ليس لأن الناس يكرهون الحقيقة بالضرورة، بل لأن الحقيقة كثيرًا ما تأتي مصحوبة بالتفاصيل والاحتمالات، بينما تأتي الثقة المفرطة في هيئة إجابة سهلة، مكتملة، ومريحة للنفس. وهكذا قد تصبح القدرة على صناعة الانطباع جزءًا من المنافسة على الفرص، حتى إن لم تكن هي القدرة الأهم لإنجاز العمل.
3 – في المدرسة والجامعة: هل نعاقب التردد ونكافئ الاستعراض؟
لنتأمل طالبًا يعرف أن الإجابة ليست بهذه البساطة، فيرفع يده مترددًا، ويبدأ كلامه بعبارة: «أظن أن المسألة تعتمد على ...». وبجواره طالب آخر يجيب بسرعة، وبنبرة لا تسمح بالشك، حتى لو كانت إجابته أقل دقة. قد يلتفت المعلم إلى الثاني أكثر، وقد يظن زملاؤه أنه الأكثر فهمًا. لكن ما الذي قيس هنا بالفعل؟ هل قيس العلم، أم سرعة استحضاره؟ هل قيس الفهم، أم مهارة إظهار الفهم؟ ليس المقصود أن الجرأة عيب، ولا أن التردد دليل على العمق. فهناك من يعرف ويتحدث بوضوح، وهناك من يتردد لأنه لم يستعد جيدًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول طريقة العرض إلى معيار يطغى على مضمون المعرفة.
إن التعليم الذي يكافئ الإجابة الواثقة وحدها قد يُعلم الطلاب درسًا غير معلن: لا يهم أن تعرف بقدر ما يهم أن تبدو عارفًا. أما التعليم الجيد، فينبغي أن يمنح الطالب الشجاع فرصة للكلام، وأن يمنح الطالب المتأني فرصة للتفكير، وأن يميز بين الخطأ الذي يكشف عن محاولة جادة للفهم، والادعاء الذي يرفض الاعتراف بأي نقص. والعلم لا يتقدم لأن أحدًا لا يشك، بل لأنه يعرف كيف يحول الشك إلى سؤال، والسؤال إلى بحث، والبحث إلى معرفة قابلة للمراجعة.
4 – في العمل: حين يصبح الانطباع مديرًا للكفاءة
في بيئة العمل، لا يكفي أن يمتلك الإنسان المهارة؛ عليه أيضًا أن يجعل الآخرين قادرين على ملاحظتها. وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها. فالكفاءة التي لا يستطيع صاحبها التواصل بشأنها قد يتم إهمالها، والإنجاز الذي لا يُعرض بوضوح قد لا ينال التقدير الذي يستحقه. لكن ثمة فرقًا بين أن يعرف الإنسان قيمة عمله ويعرضه بوضوح، وبين أن يبالغ في قدراته حتى يحجب عن الآخرين حدودها. الأول يقدم إنجازاته، ويشرح قراراته، ويتحدث عن خبرته دون خجل. أما الثاني فيعد بما لا يستطيع الوفاء به، ويخلط بين الظهور بمظهر الخبير وامتلاك خبرة حقيقية. وحين تصبح المؤسسات أسيرة الانطباعات الأولى، قد يتقدم صاحب العرض الباهر على صاحب العمل المتقن. وربما ينال الأول ترقية لأنه يعرف كيف يقدم نفسه، بينما يظل الثاني في مكانه لأنه يفترض أن جودة العمل ستتكلم وحدها. لكن جودة العمل لا تتكلم دائمًا؛ أحيانًا تحتاج إلى من يشرحها ويُظهر أثرها. لذلك ليست الحكمة أن نختار بين الكفاءة والثقة، بل أن نبحث عن الثقة التي تكشف الكفاءة بدلاً من أن تستر غيابها؛ فالمؤسسة العادلة لا ينبغي أن تختار من يتحدث أفضل حديث فحسب، بل من يستطيع أن يحوّل كلامه إلى نتائج، وأن يراجع قراراته عندما تظهر أدلة جديدة، وأن يتحمل مسؤولية أخطائه بدلًا من إلقائها على الآخرين.
5 – نيتشه وسؤال القوة: هل يكفي أن تبدو قويًا؟
عندما نتأمل العلاقة بين الثقة والمكانة، قد تحضر إلى أذهاننا فلسفة الألماني «فريدريش نيتشه» Friedrich Nietzsche، الذي انشغل بأسئلة القوة، وإرادة تجاوز الذات، والقيم التي تحكم نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين. لكن من الخطأ أن ننسب إليه فكرة مبسطة مفادها أن القوي هو من يتكلم بثقة، أو أن النجاح الاجتماعي دليل على التفوق الحقيقي. ففلسفته أكثر تعقيدًا من اختزالها في تمجيد المظهر أو السيطرة على الآخرين. ومع ذلك، يتيح لنا التفكير في القوة أن نطرح سؤالاً مهمًا: هل تكمن قوة الإنسان في قدرته على فرض صورته على الآخرين، أم في قدرته على مواجهة الحقيقة حتى عندما لا تخدم صورته؟
قد يستطيع المرء أن يفرض حضوره في غرفة، وأن يكسب إعجاب الحاضرين، وأن ينتزع منهم اعترافًا سريعًا بقدرته. لكن ذلك شيء، والقدرة على أداء المهمة، وتحمل المسؤولية، والاعتراف بالخطأ، شيء آخر. إن الهيبة قد تفتح الباب، لكنها لا تضمن أن صاحبها يعرف الطريق. وهنا يكمن الفرق بين القوة بوصفها انطباعًا اجتماعيًا، والقوة بوصفها قدرةً على الفعل والتعلم والصمود أمام الاختبار.
6 – سقراط: فضيلة أن تعرف حدود معرفتك
على الطرف الآخر، تقف صورة «سقراط»، الذي ارتبط اسمه بالتساؤل المستمر وفحص الادعاءات التي يقدمها الناس بوصفها حقائق راسخة. لم تكن فضيلته أنه يشك في كل شيء لمجرد الشك، بل أنه يطالب من يدعي المعرفة بأن يوضح ما يعرفه، وكيف يعرفه، وما إذا كانت حججه تصمد أمام الفحص. ومن هنا تظهر مفارقة معرفية: قد يكون الاعتراف بحدود المعرفة علامة على النضج، لا على الضعف؛ فالخبير الذي يقول «لا أعرف بعد» قد يكون أكثر جدارةً بالثقة من شخص يملك جوابًا جاهزًا لكل سؤال. لكن علينا ألا نقع في فخ معاكس، فنحول التردد إلى فضيلة مطلقة، أو نُعد كل من يتحدث بثقة جاهلاً؛ فالثقة قد تكون ثمرة تدريب وخبرة، كما أن التردد قد ينشأ من نقص الاستعداد أو ضعف القدرة على اتخاذ القرار.
المعيار ليس ارتفاع الصوت ولا انخفاضه، وإنما العلاقة بين الادعاء والدليل. هل يستطيع الإنسان أن يشرح سبب اعتقاده؟ هل يقبل أن يُختبر؟ هل يعدل رأيه عندما تظهر معلومات جديدة؟ وهل تتناسب درجة يقينه مع قوة الأدلة التي يمتلكها؟ هذه الأسئلة أهم من الطريقة التي يرفع بها رأسه أو يختار بها كلماته.
7 – الثقة الصحية ليست غرورًا
من الضروري هنا أن نميز بين ثلاثة مفاهيم:
- الثقة بالنفس Self-Confidence: أن يثق الإنسان بقدرته على المحاولة والتعلم ومواجهة الصعوبات، من دون أن يشترط لنفسه العصمة من الخطأ.
- الثقة المفرطة Overconfidence: أن تتجاوز ثقة الإنسان ما تبرره قدراته أو المعلومات التي يمتلكها، سواء في تقدير أدائه أو مقارنة نفسه بالآخرين أو الحكم على دقة معرفته.
- الغرور Arrogance: أن تتحول صورة التفوق في نظر الإنسان إلى شعور بالاستحقاق، أو إلى استهانة بالآخرين ورفض لمراجعة الذات.
هذه المفاهيم متقاربة في بعض المواقف، لكنها ليست مترادفة. فليس كل واثق مغرورًا، وليس كل شخص متردد متواضعًا، وليس كل اعتراف بالخطأ ضعفًا. الثقة الصحية تقول: «أستطيع أن أحاول، وأستطيع أن أتعلم، وإذا أخطأت فسأراجع نفسي». أما الغرور فيقول، صراحةً أو ضمنًا: «أنا أستحق التصديق قبل الاختبار، ولا أحتاج إلى مراجعة نفسي». الأولى تمنح الإنسان شجاعة العمل، والثاني قد يمنحه وهم الاستغناء عن التعلم. والأهم أن الثقة ليست بديلاً عن الكفاءة، كما أن الكفاءة وحدها لا تضمن النجاح الاجتماعي. إنهما عنصران مختلفان، يحتاج الإنسان إلى الجمع بينهما: أن يكون قادرًا بالفعل، وأن يستطيع التعبير عن قدرته بوضوح وصدق.
8 – هل تكافئ الحياة الواثق أكثر من العارف؟
ربما تكون الإجابة الأقرب إلى الواقع: في بعض المواقف، نعم؛ لكنها ليست قاعدة مطلقة؛ فالثقة قد تمنح صاحبها ميزةً أولية؛ تدفعه إلى التقدم، وطلب الفرص، والتحدث أمام الآخرين، وتحمل مخاطر قد يتجنبها غيره. وقد تمنحه هذه المبادرة فرصةً لإظهار قدراته، فيتحول الانطباع الأول إلى إنجاز حقيقي. لكن الثقة غير المسنودة بالكفاءة قد تفقد قيمتها عندما تأتي لحظة التنفيذ. فالمشروع يحتاج إلى أكثر من خطاب مقنع، والقرار يحتاج إلى أكثر من نبرة حاسمة، والقيادة تحتاج إلى أكثر من القدرة على جذب الانتباه.
إن بعض الفرص تُمنح لمن يبدو قادرًا، لكن استمرار الفرصة يتوقف غالبًا على ما يقدمه صاحبها من نتائج. وقد ينجح صاحب الثقة المفرطة أحيانًا، وقد يتعثر أحيانًا أخرى، كما قد يخسر الكفء فرصةً لأنه لم يحسن عرض قدراته. لذلك ليست المشكلة في وجود الثقة، بل في أن تصبح الثقة دليلاً بديلاً عن الأدلة. وحين تتكرر هذه المفاضلة داخل المؤسسات والمجتمعات، يصبح من الضروري أن نراجع طرق الاختيار والتقييم: هل نقيس النتائج أم الانطباعات؟ هل نمنح فرصةً لمن يتحدث بمهارة فقط، أم نبحث أيضًا عن سجل إنجازه؟ هل نكافئ من يعترف بحدود معرفته، أم نعتبر الاعتراف بها علامة ضعف؟ هذه ليست أسئلة تخص الأفراد وحدهم، بل تخص ثقافة كاملة تحدد من يُسمع صوته، ومن تُمنح له الفرصة، ومن يُعترف بجدارة عمله.
9 – في زمن الضجيج ... كيف نستعيد قيمة الكفاءة؟
لا يحتاج العالم إلى مزيد من الصمت، كما لا يحتاج إلى إدانة كل من يتحدث بثقة. إنه يحتاج إلى معيار أكثر عدلاً: أن نسمح للثقة بأن تكون بابًا للفعل، لا شهادةً نهائية على التفوق. يحتاج الطالب إلى أن يتعلم عرض أفكاره دون خوف، وأن يتعلم في الوقت ذاته الاعتراف بما لا يعرفه. ويحتاج الموظف إلى أن يقدم إنجازه بثقة، دون أن يختلق إنجازًا لم يحققه. ويحتاج القائد إلى الحسم حين يلزم الحسم، والتردد المشروع حين تكون المعلومات ناقصة، والشجاعة الكافية لتغيير القرار حين يتبين خطؤه. أما نحن، بوصفنا جمهورًا ومجتمعًا، فعلينا ألا نخلط بين الشخص الذي يجعلنا نشعر بأنه يعرف، والشخص الذي يملك أسبابًا جيدة لما يعرفه؛ فليس كل متحدث بارع حكيمًا، وليس كل هادئ عاجزًا، وليس كل اعتراف بالشك علامة ضعف. وقد يكون السؤال المتزن أحيانًا أكثر قيمة من جواب قاطع لا يملك صاحبه دليلاً عليه. إن المعرفة لا تحتاج إلى أن تتنكر في هيئة يقين مطلق كي تستحق الاحترام، والكفاءة لا ينبغي أن تضطر إلى تقليد الغرور كي تحصل على الاعتراف.
10- هل نريد من يعرف، أم من يبدو كأنه يعرف؟
لعل أخطر ما في الثقة المفرطة ليس أنها تجعل بعض الناس يبالغون في تقدير أنفسهم، بل أنها قد تدفع الآخرين إلى المبالغة في تقديرهم أيضًا؛ فحين نمنح الانطباع سلطةً تفوق سلطة الإنجاز، قد نصنع عالمًا يتقدم فيه من يجيد تسويق صورته، بينما ينتظر أصحاب القدرة الحقيقية أن يكتشفهم أحد. لكن الحل ليس أن نحتفي بالتواضع على حساب الجرأة، ولا أن نشك في كل إنسان واثق، بل أن نعيد وصل الثقة بما يمنحها معناها: المعرفة، والعمل، والمسؤولية، والاستعداد للمراجعة. الثقة فضيلة حين تمنح الكفاءة صوتًا، وتصبح خطرًا حين تطلب من الناس أن يصدقوا الصوت بدلاً من أن يفحصوا ما يقوله.
وفي زمن الضجيج، ربما لم تعد فضيلتنا الكبرى أن نتعلم كيف نتحدث بثقة فحسب، بل أن نتعلم كيف نميز بين الثقة التي تقود إلى الحقيقة، والثقة التي تحاول أن تحل محلها؛ فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه أمام كل صوت واثق «ما الذي يستطيع أن يثبته المرء حين تنتهي الكلمات ويبدأ الاختبار؟».
المصادر
شتاينباور، أ. (2026، أكتوبر/نوفمبر). أخبار أكتوبر/ نوفمبر 2026. الفلسفة الآن (Philosophy Now)، العدد 176
جامعة باث. (2026، 6 أغسطس). لماذا جعلنا التطور مفرطي الثقة بأنفسنا: «ذيل الطاووس» في السلوك البشري..
جامعة باث. (2026، 27 يوليو). دراسة تقلب إحدى أشهر النتائج في علم النفس، لتُظهر أن الثقة بالنفس تأتي بعد الكفاءة
.webp)