هنا تتجلى المفارقة الأجمل: أن بعض العلاقات لا تنتهي بانتهاء أسباب نشأتها، وأن بعض الأرواح تظل قادرة على الوصول إلينا، مهما تباعدت الطرق وتعاقبت السنوات. ولعل ما نختبره أحيانًا من نكران وجحود ممن منحناهم من العلم والجهد والرعاية ما استطعنا، لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أكثر إشراقًا؛ وهي أن الحياة، مهما كشفت لنا من وجوه النسيان، لا تخلو من أوفياء يحفظون الود ويصونون الجميل؛ فليس كل من تلقى العطاء أنكره، وليس كل من ابتعد جفاه؛ إذ تظل هناك نفوس تعرف قيمة الأثر، وترد للإنسان بعض ما زرعه فيها، ولو بعد حين. فالأثر الصادق لا يخضع لقانون الأفول، بل يظل حيًّا في الوعي، متجددًا كلما أيقظته لفتة وفاء أو مبادرة لم تكن في الحسبان.
بعبارة أخرى، ليس أعمق الوفاء ما يصنعه القرب، بل ما يثبته الغياب؛ وليس أصدق الروابط ما يحفظه المكان، بل ما ينتصر على الزمن. وكم هو مدهش ذلك الانعكاس الذي يرتد إلينا من مرايا الزمن! طوال سنوات عملي في رحاب الجامعة، وبين أروقة قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة المنوفية، التقيت بمئات العقول، ورأيتُ أجيالاً تتلاحق وتتوارى. كنتُ دائمًا أؤمن أن مهنة التعليم الحقيقية لا تقف عند حدود تلقين النظريات والمذاهب أو شرح المذاهب المنطقية، بل هي محاولة مستمرة لإيقاظ شعلة الإنسانية في نفوس الشباب، وتدريبهم على مواجهة وحشة العالم بأدوات الفكر والمعرفة.
لكن الأيام تخبئ لنا أحياناً مفاجآت دافئة تعيد صياغة معنى العطاء كله؛ وهذا ما شعرت به اليوم وأنا أقرأ كلمات أخي وصديقي وتلميذي السابق بجامعة المنوفية، الكاتب الصحفي والإعلامي القدير الأستاذ حاتم نعام، مدير التحرير بأخبار اليوم، في مقاله الذي اختار له عنوانًا بالغ الدلالة: «صلاح عثمان ... الأستاذ الذي علمنا الفلسفة والحياة».
لقد أربكتني كلماته بقدر ما أسعدتني. لم تكن مجرد كلمات إطراء أو مجاملة عابرة، بل كانت استعادة إنسانية لزمن مضى، وشهادة على أن بعض التفاصيل الصغيرة التي قد ننساها نحن، تظل حاضرة في ذاكرة الآخرين، وأن كلمة صادقة نقولها في لحظة قد تظل ترافق إنسانًا سنوات طويلة، وتصبح جزءًا من حكايته مع الحياة.
أتذكر ذلك اللقاء القديم في مكتبي كما لو كان بالأمس. جاءني «حاتم» يومها وفي داخله قلق البدايات وأسئلة المستقبل، يسعى إلى استكشاف الطريق في مرحلة لم تكن ملامح الغد قد اتضحت له بعد. دار بيننا حديث عن الحياة وما تفرضه من تحديات، وعن المستقبل الذي لا تُفتح أبوابه بالأمنيات وحدها، بل بالوعي والسعي وتراكم المعرفة. ولا أدري إن كنت قد أدركت آنذاك أن كلماتي ستبقى في ذاكرته كل هذه السنوات، لكنني أدرك اليوم، من خلال استعادته لذلك اللقاء، أن أكثر ما علق بوجدانه لم يكن درسًا في المنطق، أو نظرية في فلسفة العلم، أو تفصيلاً من تفاصيل المقرر الدراسي، وإنما كانت نصيحة بسيطة في صياغتها، عميقة في دلالتها: أن يقرأ، ثم يقرأ، وأن يجعل المعرفة زادًا له في مواجهة الحياة وصناعة مستقبله ... وربما هذه هي المفارقة الأجمل في رسالة المعلم؛ أن ينسى تفاصيل كثيرة مما قال، بينما يحتفظ تلميذه بكلمة واحدة، ويمنحها من عمره ووعيه معنى ممتدًا.
لقد أدركت من جديد أن الأستاذ لا يعرف دائمًا أين تنتهي محاضرته، ولا إلى أي مدى تمتد آثار كلماته؛ فبعض الدروس لا تنتهي عند باب قاعة المحاضرات، وبعض البذور لا تنبت إلا بعد سنوات، وفي أرض قد لا نعود إليها أبدًا. ولعل أعمق ما تمنحنا إياه مثل هذه اللحظات أنها تعيد إلينا الإيمان بمعنى الرسالة التعليمية والإنسانية؛ فليس كل ما نزرعه نراه، وليس كل من نزرع فيهم يعودون إلينا، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة البذل، ولا من شرف الرسالة.
اليوم، حين أقرأ كلمات «حاتم»، أدرك أن أثمن ما يجنيه المعلم ليس شهادة تقدير علّقت على جدار، ولا مقعدًا فخريًا في قاعة درس، بل هو أن يرى تلميذه السابق وقد حمل «الضوء» الذي أهداه إياه، فمضى به يضيء دروب الآخرين من خلال الكلمة المسؤولة في الصحافة والإعلام.
إن انتقال «حاتم» من مقاعد الفلسفة إلى ميادين الكلمة الحرة ليس إلا استمرارًا للدرس ذاته؛ فالصحافة الحقيقية في جوهرها هي «فلسفة تطبيقية» تبحث عن الحقيقة، وتفكك ظواهر الواقع، وتنحاز دومًا للإنسان. وحين يقول إنه ما زال يقرأ، وإن محاضرته الأولى معنا لم تنته بعد، فإنه في الحقيقة يكرمني أنا، ويمنحني المعنى الأعمق لرسالتي في هذه الحياة. إن أجمل صور الوفاء ليست أن يتذكرنا الآخرون لأنهم ما زالوا قريبين منا، بل أن تظل ذاكرتنا حية في وجدانهم رغم مرور السنوات، وتبدّل الأماكن، وتغير مسارات الحياة.
إلى أخي وصديقي الغالي حاتم نعام
لا أعرف كيف أصف ما أثارته كلماتك في نفسي من مشاعر الاعتزاز والامتنان والبهجة. لقد منحتني اليوم هدية لا تُقدر بثمن؛ أن أرى أثر كلمة قلتها يومًا وقد ظل حيًّا في وجدانك حتى هذه اللحظة ... شكرًا لأنك لم تكتف بأن تتذكر، بل منحت ذاكرتك قلمًا، وجعلت من الوفاء شهادة تُكتب. وأرجو أن تعلم أن ما كتبته عني قد أعاد إليَّ، بصورة أعمق، إيماني بأن أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس منصبًا شغله، ولا لقبًا حمله، ولا كتابًا ألفه فحسب، بل إنسانًا أصبح أفضل لأنه التقى به ذات يوم؛ فالمعلم قد يغادر تلاميذه، لكن أجمل ما في رسالته أن تظل بعض كلماته تسير معهم، حتى بعد أن تنتهي الرحلة وتبتعد الطرق. دمت أخًا وصديقًا عزيزًا، ودام قلمك وفيًّا للكلمة، ودام فيك ذلك الإنسان الذي يعرف كيف يحفظ الجميل ويمنح الوفاء معناه النبيل.
.webp)