-->

الأحد، 18 أكتوبر 2026

بين النفور الفطري والمسؤولية الأخلاقية: تأملات في يدٍ وُضعت على كتفي

 

بين النفور الفطري والمسؤولية الأخلاقية: تأملات في يدٍ وُضعت على كتفي

  كنت في طريقي إلى عملي، جالسًا بمحاذاة النافذة، أرقب الطريق وهو ينسج أمام عيني شريطًا متصلاً من المشاهد العابرة، وأدع بصري يتنقل بينها في شرودٍ صامت، كأنني أبحث في وجوه الأشياء عن معنى لا أعرف على وجه الدقة ما هو. كانت السيارة تمضي في إيقاعها المعتاد، وكان العالم في الخارج يعبرني بقدر ما أعبره، حتى اقترب من النافذة رجلٌ بدا كأن البؤس قد اتخذ من هيئته مسكنًا، وترك على ثيابه ويديه آثار حياةٍ لم ترأف به. وقف إلى جوار السيارة، ومد كفه يستجدي الصدقة، مرددًا كلماتٍ استهلكها التكرار حتى غدت أصواتًا مألوفة، تتسلل إلى الآذان دون أن تبلغ موضعًا في القلب، كأن كثرة سماع الاستغاثة قد علَّمت الناس كيف يسمعونها دون أن ينصتوا إليها.

    لم يكن مظهره وحده ما استثار في نفسي ذلك النفور المفاجئ، ولا رائحته التي تسللت عبر النافذة المفتوحة، فبعثت في حواسي انقباضًا لم أستطع دفعه؛ إنما كانت يده هي ما تجاوز حدود احتمالي. امتدت إلى داخل السيارة، واستقرت على كتفي في ألفةٍ مباغتة، كأنها تختصر مسافةً لم أسمح لأحد بعبورها، وتفترض بيني وبين صاحبها من القرب ما لم تمنحه المعرفة، ولا استأذنت فيه الثقة. عندئذٍ شعرت بأن جسدي قد سبق عقلي إلى إصدار حكمه؛ انقبضت في داخلي قوةٌ غامضة، وتراجعت نفسي قبل أن تتاح لها فرصة التأمل، كأن النفور غريزةٌ تستيقظ فينا قبل أن يتدخل الوعي، أو كأن الجسد، في لحظات بعينها، يتولى حراسة الحدود التي يعجز العقل عن التعبير عنها.

    أسرعت إلى إخراج بعض النقود، ومددت بها يدي إليه. لم يكن في حركتي، على ما أظن، كرمٌ خالص بقدر ما كانت رغبةٌ ملحة في إنهاء الموقف، واستعادة المسافة التي انتُهكت فجأة بيني وبين غريبٍ لا أعرفه. أخذ النقود، ومضى إلى نافذة أخرى، كما لو أن شيئًا لم يحدث، وكأن اللحظة التي أثقلت نفسي لم تكن بالنسبة إليه سوى محطةٍ عابرة في يومٍ طويل من الاستجداء. أعاد كلماته ذاتها، ومد يده من جديد، وانتقل ببؤسه من نافذة إلى أخرى، فيما بقيت أنا خلف زجاج السيارة، محاطًا بمساحتي الآمنة، أحمل من ذلك اللقاء القصير ما لم يحمله الرجل معه وهو يمضي.

    تحركت السيارة، وابتلع ضجيجها أصوات الطريق، وأخذت المشاهد تنساب خلف النافذة كما كانت قبل قليل؛ غير أن شيئًا في داخلي لم يعد إلى موضعه الأول. كان الرجل قد غادر مجال رؤيتي، لكنه لم يغادرني تمامًا. ظل عالقًا في مكانٍ أبعد من الذاكرة، في تلك المساحة الملتبسة بين الضمير والغريزة، حيث تتوارى الأحكام السريعة لتعود إلينا في صورة أسئلة، وحيث لا تعود الحوادث الصغيرة صغيرةً بالضرورة، لأنها توقظ في النفس ما كانت تفضل ألا تراه.

    أخذت أسائل نفسي: ما الذي أثار نفوري حقًّا؟ أكانت الرائحة التي اقتحمت حواسي، أم الهيئة التي استدعت في نفسي صورة البؤس، أم تلك اليد التي استقرت على كتفي دون استئذان؟ وأي هذه الأشياء كان السبب، وأيها لم يكن سوى ذريعةٍ اختبأت خلفها مشاعر أعمق، أقل وضوحًا وأكثر إحراجًا؟ هل ضقت بالرجل لأنه تجاوز حدود جسدي، أم لأن جسده نفسه كان يحمل من علامات الفقر والإهمال ما لا أطيق الاقتراب منه؟ وهل كنت سأشعر بالانقباض ذاته لو أن اليد التي لامست كتفي كانت نظيفة، والثياب التي ارتداها صاحبها أنيقة، والرائحة التي أحاطت به عطرة؟ أم أن الإنسان، في كثيرٍ من أحكامه، لا يستجيب للفعل وحده، بل يستجيب أيضًا للصورة التي يكسو بها الفاعل ذلك الفعل؟

    ثم مضيت في محاكمتي لنفسي، مترددًا بين حقي في النفور وواجبي في ألا أستسلم له حتى يصير حكمًا على إنسان؛ أليس من حقي أن أضيق باقتحام غريب لمساحتي الجسدية؟ أليس الخوف من العدوى، والنفور من الروائح الكريهة، والحاجة إلى صون الحدود الشخصية، أمورًا تتصل بطبيعة الجسد، ولا تستلزم بالضرورة قسوة القلب؟ لكن، في المقابل، أليس في وسع النفور الطبيعي أن يتحول، من حيث لا نشعر، إلى احتقارٍ مستتر، وأن تتسلل الغريزة إلى أحكامنا الأخلاقية فتجعلنا نخلط بين رفض ما يؤذينا ورفض من يختلف عنا، وبين حماية ذواتنا وإنكار إنسانية الآخرين؟

    ربما لم يكن الخطأ في أنني شعرت بالنفور؛ فالمشاعر الأولى لا تستأذن وعينا قبل أن تولد، ولا نملك دائمًا أن نختار ما يثير أجسادنا من انقباض أو ارتياح. إنما السؤال الذي ظل يؤرقني كان أبعد من الشعور نفسه: ماذا فعلت بذلك الشعور بعد أن استيقظ؟ هل اكتفيت بحماية مساحتي، أم سمحت لنفوري بأن يختزل الرجل كله في رائحته وثيابه ويده الممتدة؟ هل رأيت أمامي إنسانًا ضاقت به الحياة حتى صار يستجدي عابرين لا يعرفهم، أم لم أر سوى هيئةٍ أربكت راحتي، فاستعجلت الخلاص منها ببعض النقود، كأن المال قادرٌ على إنهاء الموقف، وعلى إعفائي من مواجهة ما أثاره في داخلي؟

    لقد أعطيته ما طلب، لكنني لم أعد واثقًا من أنني أعطيته بدافع الرحمة وحدها؛ ربما دفعت إليه النقود لأخفف عنه شيئًا من عوزه، وربما دفعتها لأخفف عن نفسي شيئًا من ضيقي، وربما اجتمع الدافعان في تلك الحركة الصغيرة دون أن يتمكن أحدهما من إقصاء الآخر. فكم من أفعالٍ تبدو نبيلة في ظاهرها، بينما تختبئ في أعماقها رغبةٌ خفية في استعادة راحتنا، وكم من إحسانٍ نمارسه لا لأننا احتملنا ألم الآخر، بل لأننا لم نحتمل حضوره أمامنا!

    لعل أكثر ما أربكني أنني لم أكن أعرف عن ذلك الرجل شيئًا؛ لم أعرف اسمه، ولا كيف انتهى به الطريق إلى تلك الهيئة، ولا كم بابًا طرق قبل أن يقف إلى جوار نافذتي، ولا كم مرةٍ اضطر إلى مد يده حتى غدت الكلمات التي يرددها جزءًا آليًّا من يومه، وفقدت في أذني معناها، وربما فقدت في أذنيه هو أيضًا قدرتها على التعبير عن شيء. لم أعرف إن كان وراء مظهره مرضٌ أو عوزٌ أو انكسار، ولا أي سلسلة من المصادفات القاسية أو الاختيارات الخاطئة أو الخسارات المتراكمة أوصلته إلى تلك اللحظة. كل ما عرفته أنني رأيته في ثوانٍ معدودة، ثم كدت أختصر حياته كلها في تلك الثواني. وهنا بدا لي أن المسألة لم تعد متعلقةً بالرجل وحده، بل بالطريقة التي نرى بها الآخرين حين يعترضون انتظام حياتنا؛ فنحن نحب أن نعتقد أننا نحكم على الناس بعقولنا، غير أن كثيرًا من أحكامنا تولد في منطقةٍ سابقة على التفكير؛ منطقةٍ تتداخل فيها الغريزة والعادة والخوف والصورة الاجتماعية، ثم يأتي العقل بعد ذلك ليمنحها من التبرير ما يجعلها تبدو معقولة. وقد لا تكون الرحمة الحقيقية أن نلغي نفورنا قسرًا، أو أن نتظاهر بأن أجسادنا لا تنفر مما ينفر منه الجسد بطبيعته؛ بل أن نمنع ذلك النفور من التحول إلى مقياسٍ لقيمة الإنسان، وأن ندرك أن ما يثير اشمئزازنا في هيئة أحدهم لا يستنفد حقيقته، ولا يحقّ لنا أن نجعله تعريفًا كاملاً له.

    ظللت أفكر في تلك اليد التي استقرت على كتفي. لقد ضايقتني لأنها اقتحمت حدودي، وهذا حق لا أحتاج إلى إنكاره لكي أبدو رحيمًا. لكنني تساءلت أيضًا: هل كنت سأرى فيها يدًا تطلب العون لو أنها بقيت خارج النافذة، أم أن ملامستها لي جعلتني أرى صاحبها بوصفه تهديدًا قبل أن أراه بوصفه محتاجًا؟ وأين تنتهي مشروعية الحذر، وأين يبدأ ذلك الحاجز الخفي الذي نقيمه بيننا وبين من تُذكرنا هيئتهم بأن العالم ليس عادلاً، وأن المسافة بين الطمأنينة والتشرد قد تكون، في بعض الأحيان، أضيق مما نتصور؟

    لم أصل إلى جوابٍ حاسم، وربما كان الجواب الحاسم في مثل هذه المسائل ضربًا من التبسيط الذي يريح الضمير أكثر مما ينصف الحقيقة. لكنني أدركت أنني لم أكن مطالبًا بأن أختار بين كرامتي وكرامته، ولا بين حقي في حماية جسدي وحقه في أن أراه إنسانًا لا مجرد مظهرٍ مُنفر. كان في وسعي أن أرفض تلك اللمسة دون أن أحتقر صاحبها، وأن أحمي مساحتي دون أن أنكر مساحته الإنسانية، وأن أعترف بنفوري دون أن أجعله فضيلةً أخلاقية أو تهمةً أبدية أوجهها إلى نفسي. 

    مضت السيارة في طريقها، بينما بقيت أنا منشغلاً بطريقٍ آخر، أكثر التواءً وأشد صعوبة: الطريق إلى فهم نفسي؛ فقد مضى الرجل يبحث عن نافذةٍ أخرى، وبقيت أنا أمام نافذةٍ داخلية انفتحت على أسئلة لم أكن قد فكرت في طرحها. ولعل ما تركه في نفسي لم يكن رائحةً عابرة، ولا لمسةً غير مرغوب فيها، بل ذلك الشك المقلق في بساطة أحكامنا على البشر؛ ذلك الشك الذي يُذكرنا بأن الإنسان قد يكون رحيمًا في تصوره عن نفسه، ثم يكتشف، في موقفٍ لا يستغرق سوى لحظات، أن الرحمة ليست صفةً نمتلكها مرةً وإلى الأبد، بل امتحانٌ يتكرر كلما وضعنا العالم وجهًا لوجه أمام ما لا نألفه، وما لا نرغب في الاقتراب منه، وما يوقظ فينا من ضعفٍ أو خوفٍ أو نفورٍ ما نفضّل ألّا نعترف به.

    منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال الذي يشغلني هو ما إذا كنت قاسيًا حين شعرت بالقرف، ولا ما إذا كان نفوري مبررًا أم مذنبًا؛ بل سؤالاً أشد دقةً وأبعد أثرًا: هل أستطيع أن أكون صادقًا مع مشاعري، من غير أن أجعلها ظلمًا للآخرين؟

    كانت السيارة تمضي إلى وجهتها، وكان الجميع منشغلين بيومهم، بينما كنت أكتشف أن بعض الرحلات لا تقودنا إلى مكان جديد، بل تعيدنا إلى أنفسنا، وتتركنا أمام سؤال لا ينتهي عند باب الوصول!